Ash-ShinqitiMaryam · 19:96–98

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:96–98

19:96Page 312

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - the Most Merciful will appoint for them affection.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ الآيَةَ.

قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يُذْكَرَ في القُرْآنِ لَفْظٌ عامٌّ ثُمَّ يُصَرَّحُ في بَعْضِ المَواضِعِ بِدُخُولِ بَعْضِ أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ فِيهِ، وقَدْ قَدَّمْنا أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً لِذَلِكَ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرَ أنَّهُ سَيَجْعَلُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ وُدًّا، أيْ مَحَبَّةً في قُلُوبِ عِبادِهِ، وقَدْ صَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِدُخُولِ نَبِيِّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا العُمُومِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ الآيَةَ [طه: ٣٩]، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فَقالَ يا جِبْرِيلُ إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأحِبَّهُ، قالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأحِبُّوهُ، قالَ: فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في الأرْضِ، وإنَّ اللَّهَ إذا أبْغَضَ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ، فَقالَ يا جِبْرِيلُ إنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فَأبْغِضْهُ، قالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، (p-٥١٨)ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلانًا فَأبْغِضُوهُ، قالَ: فَيُبَغضُهُ أهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ البَغْضاءُ في الأرْضِ» اهـ.

19:97Page 312

فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا ٩٧

So, [O Muḥammad], We have only made it [i.e., the Qur’ān] easy in your tongue [i.e., the Arabic language] that you may give good tidings thereby to the righteous and warn thereby a hostile people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ إنَّما يَسَّرَ هَذا القُرْآنَ بِلِسانِ هَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الكَرِيمِ، لِيُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ، ويُنْذِرَ بِهِ الخُصُومَ الألِدّاءَ، وهُمُ الكَفَرَةُ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ، أمّا ما ذَكَرَ فِيها مِن تَيْسِيرِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ فَقَدْ أوْضَحَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”القَمَرِ“ مُكَرِّرًا لِذَلِكَ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]،

• وقَوْلِهِ في آخِرِ ”الدُّخانِ“: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨]، وأمّا ما ذَكَرَ فِيها مِن كَوْنِهِ بِلِسانِ هَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الكَرِيمِ فَقَدْ ذَكَرَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١ - ٢]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ١]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ الآيَةَ، قَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ وغَيْرِها فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وأظْهَرُ الأقْوالِ في قَوْلِهِ: لُدًّا أنَّهُ جَمْعُ الألَدِّ، وهو شَدِيدُ الخُصُومَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

أبِيتُ نَجِيًّا لِلْهُمُومِ كَأنَّنِي أُخاصِمُ أقْوامًا ذَوِي جَدَلٍ لُدّا

19:98Page 312

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا ٩٨

And how many have We destroyed before them of generations? Do you perceive of them anyone or hear from them a sound?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ [ الآيَةَ ٩٨ ] .

”وَكَمْ“ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هي الخَبَرِيَّةُ، وهي في مَحِلِّ نَصْبٍ؛ لِأنَّها مَفْعُولُ أهْلَكْنا، و مِن هي المُبَيِّنَةُ لِـ ”كَمْ“ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾، أيْ: هَلْ تَرى أحَدًا مِنهم، أوْ تَشْعُرُ بِهِ، أوْ تَجِدُهُ ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾، أيْ: صَوْتًا، وأصْلُ الرِّكْزِ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، ومِنهُ رَكَّزَ (p-٥١٩)الرُّمْحَ: إذا غَيَّبَ طَرَفَهُ وأخْفاهُ في الأرْضِ، ومِنهُ الرِّكازُ: وهو دَفْنٌ جاهِلِيٌّ مُغَيَّبٌ بِالدَّفْنِ في الأرْضِ، ومِن إطْلاقِ الرِّكْزِ عَلى الصَّوْتِ قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ:

؎فَتَوَجَّسَتْ رِكْزَ الأنِيسِ فَراعَها عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ والأنِيسُ سَقامُها

وَقَوْلُ طَرَفَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:

؎وَصادِقَتا سَمْعِ التَّوَجُّسِ لِلسُّرى ∗∗∗ لِرِكْزٍ خَفِيٍّ أوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ

وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎إذا تَوَجَّسَ رِكْزًا مُقْفِرٌ نَدُسٌ ∗∗∗ بِنَبْأةِ الصَّوْتِ ما في سَمْعِهِ كَذِبُ

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: هَلْ يُرادُ بِهِ النَّفْيُ، والمَعْنى: أهْلَكْنا كَثِيرًا مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَما تَرى مِنهم أحَدًا ولا تَسْمَعُ لَهم صَوْتًا، وما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن عَدَمِ رُؤْيَةِ أشْخاصِهِمْ، وعَدَمِ سَماعِ أصْواتِهِمْ ذَكَرَ بَعْضَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،

• كَقَوْلِهِ في عادٍ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]،

• وقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском