Ash-ShinqitiAl‑Baqarah · 2:173

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:173, continued

وَكانَ أبُو الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرى إباحَةَ تَخْلِيلِ الخَمْرِ، وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ يَرَوْنَ مَنعَ تَخْلِيلِها، فَإنْ تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِها مِن غَيْرِ تَسَبُّبٍ لَها في ذَلِكَ فَهي حَلالٌ إجْماعًا، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: وكانَ أبُو الدَّرْداءِ وجَماعَةٌ يَأْكُلُونَ هَذا المُرْيَ المَعْمُولَ بِالخَمْرِ. وأدْخَلَهُ البُخارِيُّ في طَهارَةِ صَيْدِ البَحْرِ، يُرِيدُ أنَّ السَّمَكَ طاهِرٌ حَلالٌ، وأنَّ طَهارَتَهُ وحِلَّهُ يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ كالمِلْحِ حَتّى يَصِيرَ الحَرامُ النَّجِسُ بِإضافَتِها إلَيْهِ طاهِرًا حَلالًا، وهَذا رَأْيُ مَن يُجَوِّزُ تَخْلِيلَ الخَمْرِ وهو قَوْلُ أبِي الدَّرْداءِ وجَماعَةٍ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والظّاهِرُ مَنعُ أكْلِ الضَّفادِعِ مُطْلَقًا؛ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ قالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمانَ: «أنَّ طَبِيبًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُها في دَواءٍ فَنَهاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِها» .

وَقالَ النَّسائِيُّ في ”سُنَنِهِ“: أخْبَرَنا قُتَيْبَةُ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمانَ، «أنَّ طَبِيبًا ذَكَرَ ضِفْدَعًا في دَواءٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهِ» .

وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: وأمّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ فَرَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ حَسَنٍ، والنَّسائِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ مِن رِوايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ الصَّحابِيِّ وهو ابْنُ أخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَ: «سَألَ طَبِيبٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُها في دَواءٍ فَنَهاهُ عَنْ قَتْلِها»، وسَيَأْتِي لِتَحْرِيمِ أكْلِ الضِّفْدَعِ زِيادَةُ بَيانٍ إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥] .

وَما ذَكَرْنا مِن تَحْرِيمِ الضِّفْدَعِ مُطْلَقًا قالَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ، وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، ونَقَلَ العَبْدَرِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وابْنِ عَبّاسٍ (p-٦٠)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أنَّ جَمِيعَ مَيْتاتِ البَحْرِ كُلَّها حَلالٌ إلّا الضِّفْدَعَ، قالَهُ النَّوَوِيُّ.

وَنُقِلَ عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما يَدُلُّ عَلى أنَّ التِّمْساحَ لا يُؤْكَلُ، وقالَ الأوْزاعِيُّ: لا بَأْسَ بِهِ لِمَنِ اشْتَهاهُ.

وَقالَ ابْنُ حامِدٍ: لا يُؤْكَلُ التِّمْساحُ ولا الكَوْسَجُ؛ لِأنَّهُما يَأْكُلانِ النّاسَ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وغَيْرِهِ: أنَّهُ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ سِباعَ البَحْرِ كَما يَكْرَهُونَ سِباعَ البَرِّ، وذَلِكَ «لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ» .

وَقالَ أبُو عَلِيٍّ النَّجّادُ: ما حَرُمَ نَظِيرُهُ في البَرِّ فَهو حَرامٌ في البَحْرِ كَكَلْبِ الماءِ وخِنْزِيرِهِ وإنْسانِهِ، وهو قَوْلُ اللَّيْثِ إلّا في الكَلْبِ؛ فَإنَّهُ يَرى إباحَةَ كَلْبِ البَرِّ والبَحْرِ قالَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ ومَنَعَ بَعْضُ العُلَماءِ أكْلَ السُّلَحْفاةِ البَحْرِيَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

تَنْبِيهٌ

الدَّمُ أصْلُهُ دَمِيَ، يائِيُّ اللّامِ وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي حَذَفَتِ العَرَبُ لامَها، ولَمْ تُعَوِّضْ عَنْها شَيْئًا، وأعْرَبَتْها عَلى العَيْنِ، ولامُهُ تَرْجِعُ عِنْدَ التَّصْغِيرِ، فَتَقُولُ: دُمَيٌّ بِإدْغامِ ياءِ التَّصْغِيرِ في ياءِ لامِ الكَلِمَةِ، وتَرْجِعُ أيْضًا في جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فالهَمْزَةُ في الدِّماءِ مُبْدَلَةٌ مِنَ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، ورُبَّما ثَبَتَتْ أيْضًا في التَّثْنِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمٍ الرِّياحِيِّ: [ الوافِرِ ]

؎وَلَوْ أنّا عَلى حَجَرٍ ذَبَحْنا جَرى الدَّمَيانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ

وَكَذَلِكَ تَثْبُتُ لامُهُ في الماضِي والمُضارِعِ، والوَصْفِ في حالَةِ الِاشْتِقاقِ مِنهُ فَتَقُولُ: في الماضِي دَمِيَتْ يَدُهُ كَرَضِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: [ الرَّجَزِ ]

؎هَلْ أنْتَ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ

وَتَقُولُ في المُضارِعِ: يَدْمى بِإبْدالِ الياءِ ألِفًا كَما في يَرْضى، ويَسْعى، ويَخْشى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلِ ]

؎وَلَسْنا عَلى الأعْقابِ تَدْمى كُلُومُنا ∗∗∗ ولَكِنْ عَلى أقْدامِنا تَقْطُرُ الدَّما

وَتَقُولُ في الوَصْفِ: أصْبَحَ جُرْحُهُ دامِيًا، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: [ الرّاجِزِ ]

؎نَرُدُّ أُولاها عَلى أُخْراها ∗∗∗ نَرُدُّها دامِيَةً كُلاها

(p-٦١)والتَّحْقِيقُ أنَّ لامَهُ أصْلُها ياءٌ، وقِيلَ أصْلُها: واوٌ وإنَّما أُبْدِلَتْ ياءً في الماضِي؛ لِتَطَرُّفِها بَعْدَ الكَسْرِ كَما في قَوِيَ، ورَضِيَ، وشَجِيَ، الَّتِي هي واوِيّاتُ اللّامِ في الأصْلِ؛ لِأنَّها مِنَ الرِّضْوانِ، والقُوَّةِ، والشَّجْوِ.

وَقالَ بَعْضُهُمُ: الأصْلُ فِيهِ دَمى بِفَتْحِ المِيمِ، وقِيلَ: بِإسْكانِها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا سَبَبَ اضْطِرارِهِ، ولَمْ يُبَيِّنِ المُرادَ بِالباغِي والعادِي، ولَكِنَّهُ أشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ سَبَبَ الِاضْطِرارِ المَذْكُورَ المَخْمَصَةُ، وهي الجُوعُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] وأشارَ إلى أنَّ المُرادَ بِالباغِي والعادِي المُتَجانِفُ لِلْإثْمِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ . والمُتَجانِفُ: المائِلُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: [ الطَّوِيلِ ]

؎تَجانَفُ عَنْ حَجَرِ اليَمامَةِ ناقَتِي ∗∗∗ وما قَصَدَتْ مِن أهْلِها لِسِوائِكا

فَيُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الباغِي والعادِي كِلاهُما مُتَجانِفٌ لِإثْمٍ، وهَذا غايَةُ ما يُفْهَمُ مِنها.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الإثْمُ الَّذِي تَجانَفَ إلَيْهِ الباغِي: هو الخُرُوجُ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ، وكَثِيرًا ما يُطْلَقُ اسْمُ البَغْيِ عَلى مُخالَفَةِ الإمامِ، والإثْمُ الَّذِي تَجانَفَ إلَيْهِ العادِي: هو إخافَةُ الطَّرِيقِ وقَطْعُها عَلى المُسْلِمِينَ، ويَلْحَقُ بِذَلِكَ كُلُّ سَفَرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. ا ه.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إثْمُ الباغِي والعادِي أكْلُهُما المُحَرَّمَ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وعَلَيْهِ فَهو كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا يَجُوزُ لِقاطِعِ الطَّرِيقِ والخارِجِ عَلى الإمامِ الأكْلُ مِنَ المَيْتَةِ، وإنْ خافا الهَلاكَ ما لَمْ يَتُوبا، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ لَهُما لِقاطِعِ الطَّرِيقِ والخارِجِ عَلى الإمامِ الأكْلُ مِنَ المَيْتَةِ، وإنْ خافا الهَلاكَ ما لَمْ يَتُوبا، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ لَهُما أكْلُ المَيْتَةِ إنْ خافا الهَلاكَ، وإنْ لَمْ يَتُوبا.

وَنَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ والرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ وعِكْرِمَةَ أنَّ المَعْنى ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ: في أكْلِهِ فَوْقَ حاجَتِهِ ﴿وَلا عادٍ﴾، بِأنْ يَجِدَ عَنْ هَذِهِ المُحَرَّماتِ مَندُوحَةً ويَأْكُلُها.

وَنَقَلَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ في أكْلِها شَهْوَةً وتَلَذُّذًا (ولا عادٍ) (p-٦٢)بِاسْتِيفاءِ الأكْلِ إلى حَدِّ الشِّبَعِ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما: المَعْنى ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ عَلى المُسْلِمِينَ، (ولا عادٍ) عَلَيْهِمْ، فَيَدْخُلُ في الباغِي والعادِي قُطّاعُ الطَّرِيقِ، والخارِجُ عَلى السُّلْطانِ، والمُسافِرُ في قَطْعِ الرَّحِمِ، والغارَةُ عَلى المُسْلِمِينَ، وما شاكَلَهُ، وهَذا صَحِيحٌ؛ فَإنَّ أصْلَ البَغْيِ في اللُّغَةِ قَصْدُ الفَسادِ، يُقالُ: بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً إذا فَجَرَتْ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ [النور: ٣٣] ورُبَّما اسْتُعْمِلَ البَغْيُ في طَلَبِ غَيْرِ الفَسادِ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجَ الرَّجُلُ في بِغاءِ إبِلٍ لَهُ؛ أيْ: في طَلَبِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ مُرَفَّلِ الكامِلِ ]

؎لا يَمْنَعَنَّكَ مِن بِغا ءِ ∗∗∗ الخَيْرِ تَعْقادُ الرَّتائِمْ ∗∗∗ إنَّ الأشائِمَ كالأيا ∗∗∗ مِنِ والأيامِنَ كالأشائِمْ

وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ المُرادَ بِالِاضْطِرارِ في هَذِهِ الآيَةِ: الإكْراهُ عَلى أكْلِ المُحَرَّمِ، كالرَّجُلِ يَأْخُذُهُ العَدُوُّ، فَيُكْرِهُونَهُ عَلى لَحْمِ الخِنْزِيرِ وغَيْرِهِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ أنَّ المُرادَ بِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِنَ العُلَماءِ المَخْمَصَةُ الَّتِي هي الجُوعُ كَما ذَكَرْنا.

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ آيَةَ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣]، مُبَيِّنَةٌ لِذَلِكَ، وحُكْمُ الإكْراهِ عَلى أكْلِ ما ذُكِرَ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] بِطَرِيقِ الأوْلى، وحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .

* *

مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالِاضْطِرارِ إلى أكْلِ المَيْتَةِ

المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُضْطَرَّ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِنَ المَيْتَةِ ما يَسُدُّ رَمَقَهُ ويُمْسِكُ حَبّاتِهِ، وأجْمَعُوا أيْضًا عَلى أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ما زادَ عَلى الشِّبَعِ، واخْتَلَفُوا في نَفْسِ الشِّبَعِ هَلْ لَهُ أنْ يَشْبَعَ مِنَ المَيْتَةِ أوْ لَيْسَ لَهُ مُجاوَزَةُ ما يَسُدُّ الرَّمَقَ، ويَأْمَنُ مَعَهُ المَوْتَ.

(p-٦٣)فَذَهَبَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - إلى أنَّ لَهُ أنْ يَشْبَعَ مِنَ المَيْتَةِ، ويَتَزَوَّدَ مِنها، قالَ في ”مُوَطَّئِهِ“: إنَّ أحَسَنَ ما سُمِعَ في الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إلى المَيْتَةِ، أنَّهُ يَأْكُلُ مِنها حَتّى يَشْبَعَ ويَتَزَوَّدُ مِنها، فَإنْ وجَدَ عَنْها غِنًى طَرَحَها.

قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: حُجَّةُ مالِكٍ أنَّ المُضْطَرَّ لَيْسَ مِمَّنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ المَيْتَةُ، فَإذا كانَتْ حَلالًا لَهُ أكَلَ مِنها ما شاءَ حَتّى يَجِدَ غَيْرَها فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ، وذَهَبَ ابْنُ الماجِشُونِ، وابْنُ حَبِيبٍ مِنَ المالِكِيَّةِ إلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِنها إلّا قَدْرَ ما يَسُدُّ الرَّمَقَ ويُمْسِكُ الحَياةَ، وحُجَّتُهُما: أنَّ المَيْتَةَ لا تُباحُ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وإذا حَصَلَ سَدُّ الرَّمَقِ انْتَفَتِ الضَّرُورَةُ في الزّائِدِ عَلى ذَلِكَ.

وَعَلى قَوْلِهِما دَرَجَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في ”مُخْتَصَرِهِ“ حَيْثُ قالَ: ولِلضَّرُورَةِ ما يَسُدُّ غَيْرُ آدَمِيٍّ.

وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ومَحَلٌّ هَذا الخِلافِ بَيْنَ المالِكِيَّةِ فِيما إذا كانَتِ المَخْمَصَةُ نادِرَةً، وأمّا إذا كانَتْ دائِمَةً فَلا خِلافَ في جَوازِ الشِّبَعِ مِنها.

وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ عَلى القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَنِ المالِكِيَّةِ، وحُجَّتُهُما في القَوْلَيْنِ كَحُجَّةِ المالِكِيَّةِ فِيهِما، وقَدْ بَيَّنّاها. والقَوْلانِ المَذْكُورانِ مَشْهُورانِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ.

واخْتارَ المُزَنِيُّ أنَّهُ لا يُجاوِزُ سَدَّ الرَّمَقِ، ورَجَّحَهُ القَفّالُ وكَثِيرُونَ.

وَقالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ في الإفْصاحِ، والرُّويانِيُّ وغَيْرُهُما حِلَّ الشِّبَعِ، قالَهُ النَّوَوِيُّ أيْضًا.

وَفِي المَسْألَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ لِلشّافِعِيَّةِ وهو: أنَّهُ إنْ كانَ بَعِيدًا مِنَ العُمْرانِ حَلَّ الشِّبَعُ وإلّا فَلا، وذَكَرَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، والغَزالِيُّ تَفْصِيلًا في المَسْألَةِ، وهو: أنَّهُ إنْ كانَ في بادِيَةٍ وخافَ إنْ تَرَكَ الشِّبَعَ ألّا يَقْطَعَها ويَهْلَكَ، وجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ يَشْبَعُ، وإنْ كانَ في بَلَدٍ وتَوَقَّعَ طَعامًا طاهِرًا قَبْلَ عَوْدِ الضَّرُورَةِ وجَبَ القَطْعُ بِالِاقْتِصارِ عَلى سَدِّ الرَّمَقِ، وإنْ كانَ لا يَظْهَرُ حُصُولُ طَعامٍ طاهِرٍ وأمْكَنَ الحاجَةُ إلى العَوْدِ إلى أكْلِ المَيْتَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إنْ لَمْ يَجِدِ الطّاهِرَ، فَهَذا مَحَلُّ الخِلافِ.

قالَ النَّوَوِيُّ: وهَذا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الإمامُ والغَزالِيُّ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ وهو الرّاجِحُ، وعَنِ الإمامِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هَذِهِ المَسْألَةِ رِوايَتانِ أيْضًا.

(p-٦٤)قالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: وفي الشِّبَعِ رِوايَتانِ: أظْهَرُهُما: لا يُباحُ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مالِكٍ، وأحَدِ القَوْلَيْنِ لِلشّافِعِيِّ.

قالَ الحَسَنُ: يَأْكُلُ قَدْرَ ما يُقِيمُهُ؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ المَيْتَةِ، واسْتَثْنى ما اضْطُرَّ إلَيْهِ فَإذا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ الأكْلُ كَحالَةِ الِابْتِداءِ. ولِأنَّهُ بَعْدَ سَدِّ الرَّمَقِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ الأكْلُ لِلْآيَةِ. يُحَقِّقُهُ: أنَّهُ بَعْدَ سَدِّ رَمَقِهِ كَهو قَبْلَ أنْ يَضْطَرَّ، وثَمَّ لَمْ يُبَحْ لَهُ الأكْلُ كَذا هاهُنا.

والثّانِيَةُ: يُباحُ لَهُ الشِّبَعُ. اخْتارَها أبُو بَكْرٍ؛ لِما رَوى جابِرُ بْنُ سَمُرَةَ «أنَّ رَجُلًا نَزَلَ الحَرَّةَ، فَنَفَقَتْ عِنْدَهُ ناقَةٌ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: أسْلُخُها حَتّى نُقَدِّدَ شَحْمَها ولَحْمَها ونَأْكُلَهُ. فَقالَ: حَتّى أسْألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَسَألَهُ فَقالَ: ”هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ“ ؟ قالَ: لا. قالَ: ”فَكُلُوها“»، ولَمْ يُفَرِّقْ رَواهُ أبُو داوُدَ.

وَيَدُلُّ لَهُ أيْضًا حَدِيثُ الفُجَيْعِ العامِرِيِّ عِنْدَهُ: أنَّ النَّبِيَّ أذِنَ لَهُ في المَيْتَةِ مَعَ أنَّهُ يَغْتَبِقُ ويَصْطَبِحُ، فَدَلَّ عَلى أخْذِ النَّفْسِ حاجَتَها مِنَ القُوتِ مِنها؛ ولِأنَّ ما جازَ سَدُّ الرَّمَقِ مِنهُ جازَ الشِّبَعُ مِنهُ كالمُباحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ ما إذا كانَتِ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً، وبَيْنَ ما إذا كانَتْ مَرْجُوَّةَ الزَّوالِ، فَما كانَتْ مُسْتَمِرَّةً كَحالَةِ الأعْرابِيِّ الَّذِي سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جازَ الشِّبَعُ؛ لِأنَّهُ إذا اقْتَصَرَ عَلى سَدِّ الرَّمَقِ عادَتِ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ عَنْ قُرْبٍ، ولا يَتَمَكَّنُ مِنَ البُعْدِ عَنِ المَيْتَةِ مَخافَةَ الضَّرُورَةِ المُسْتَقْبِلَةِ ويُفْضِي إلى ضَعْفِ بَدَنِهِ، ورُبَّما أدّى ذَلِكَ إلى تَلَفِهِ، بِخِلافِ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَمِرَّةً، فَإنَّهُ يَرْجُو الغِنى عَنْها بِما يَحِلُّ واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى مِنَ المَعْنى بِلَفْظِهِ.

وَقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: ولَيْسَ مَعْنى الشِّبَعِ أنْ يَمْتَلِئَ حَتّى لا يَجِدَ مُساغًا، ولَكِنْ إذا انْكَسَرَتْ سَوْرَةُ الجُوعِ بِحَيْثُ لا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ جائِعٍ أمْسَكَ. ا ه. قالَهُ النَّوَوِيُّ.

* *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حَدُّ الِاضْطِرارِ المُبِيحِ لِأكْلِ المَيْتَةِ، وهو الخَوْفُ مِنَ الهَلاكِ عِلْمًا أوْ ظَنًّا.

قالَ الزُّرْقانِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ مالِكٍ في ”المُوَطَّأِ“ فِيمَن يُضْطَرُّ إلى أكْلِ المَيْتَةِ ا ه.

وَحَدُّ الِاضْطِرارِ أنْ يَخافَ عَلى نَفْسِهِ الهَلاكَ عِلْمًا أوْ ظَنًّا، ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَصِيرَ إلى حالٍ يُشْرِفُ مَعَها عَلى المَوْتِ، فَإنَّ الأكْلَ عِنْدَ ذَلِكَ يُفِيدُ.

(p-٦٥)وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: الثّانِيَةُ في حَدِّ الضَّرُورَةِ.

قالَ أصْحابُنا: لا خِلافَ أنَّ الجُوعَ القَوِيَّ لا يَكْفِي لِتَناوُلِ المَيْتَةِ ونَحْوِها، قالُوا: ولا خِلافَ أنَّهُ لا يَجِبُ الِامْتِناعُ إلى الإشْرافِ عَلى الهَلاكِ؛ فَإنَّ الأكْلَ حِينَئِذٍ لا يَنْفَعُ، ولَوِ انْتَهى إلى تِلْكَ الحالِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أكْلُها؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ، واتَّفَقُوا عَلى جَوازِ الأكْلِ إذا خافَ عَلى نَفْسِهِ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ مِن جُوعٍ أوْ ضَعْفٍ عَنِ المَشْيِ أوْ عَنِ الرُّكُوبِ، ويَنْقَطِعُ عَنْ رُفْقَتِهِ ويَضِيعُ ونَحْوُ ذَلِكَ.

فَلَوْ خافَ حُدُوثَ مَرَضٍ مُخَوِّفٍ في جِنْسِهِ فَهو كَخَوْفِ المَوْتِ، وإنْ خافَ طُولَ المَرَضِ فَكَذَلِكَ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهُما قَوْلانِ، ولَوْ عِيلَ صَبْرُهُ، وأجْهَدَهُ الجُوعُ فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ المَيْتَةُ ونَحْوُها أمْ لا يَحِلُّ حَتّى يَصِلَ إلى أدْنى الرَّمَقِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ، أصَحُّهُما: الحِلُّ.

قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ وغَيْرُهُ: ولا يُشْتَرَطُ فِيما يَخافُهُ تَيَقُّنُ وُقُوعِهِ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ، بَلْ يَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: إذا ثَبَتَ هَذا فَإنَّ الضَّرُورَةَ المُبِيحَةَ هي الَّتِي يَخافُ التَّلَفَ بِها إنْ تَرَكَ الأكْلَ، قالَ أحْمَدُ: إذا كانَ يَخْشى عَلى نَفْسِهِ سَواءً كانَ مِنَ الجُوعِ أوْ يَخافُ إنْ تَرَكَ الأكْلَ عَجَزَ عَنِ المَشْيِ، وانْقَطَعَ عَنِ الرُّفْقَةِ فَهَلَكَ، أوْ يَعْجِزُ عَنِ الرُّكُوبِ فَيَهْلِكُ، ولا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مَحْصُورٍ.

وَحَدُّ الِاضْطِرارِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ هو: أنْ يَخافَ الهَلاكَ عَلى نَفْسِهِ، أوْ عَلى عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ يَقِينًا كانَ أوْ ظَنًّا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ يَجِبُ الأكْلُ مِنَ المَيْتَةِ ونَحْوِها إنْ خافَ الهَلاكَ، أوْ يُباحُ مِن غَيْرِ وُجُوبٍ ؟ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، وأظْهَرُ القَوْلَيْنِ الوُجُوبُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] .

وَمِن هُنا قالَ جَمْعٌ مِن أهْلِ الأُصُولِ: إنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ تَكُونُ واجِبَةً، كَأكْلِ المَيْتَةِ عِنْدَ خَوْفِ الهَلاكِ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ مِنها، وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لِلشّافِعِيَّةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ عِنْدَ الحَنابِلَةِ أيْضًا، وهو اخْتِيارُ ابْنِ حامِدٍ، وهَذا هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وقالَ مَسْرُوقٌ: مَنِ اضْطُرَّ إلى أكْلِ المَيْتَةِ، والدَّمِ، ولَحْمِ (p-٦٦)الخِنْزِيرِ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النّارَ، إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقالَ أبُو الحَسَنِ الطَّبَرِيُّ المَعْرُوفُ بِالكِيا: ولَيْسَ أكْلُ المَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ رُخْصَةً بَلْ هو عَزِيمَةٌ واجِبَةٌ، ولَوِ امْتَنَعَ مِن أكْلِ المَيْتَةِ كانَ عاصِيًا، نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ.

وَمِمَّنِ اخْتارَ عَدَمَ الوُجُوبِ ولَوْ أدّى عَدَمُ الأكْلِ إلى الهَلاكِ أبُو إسْحاقَ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وأبُو يُوسُفَ صاحِبُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وغَيْرُهم، واحْتَجُّوا بِأنَّ لَهُ غَرَضًا صَحِيحًا في تَرْكِهِ وهو اجْتِنابُ النَّجاسَةِ، والأخْذُ بِالعَزِيمَةِ.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ في وجْهِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ، ما نَصُّهُ: وهَلْ يَجِبُ الأكْلُ مِنَ المَيْتَةِ عَلى المُضْطَرِّ؛ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَجِبُ وهو قَوْلُ مَسْرُوقٍ، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لِأصْحابِ الشّافِعِيِّ.

قالَ الأثْرَمُ: سُئِلَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ المُضْطَرِّ يَجِدُ المَيْتَةَ ولَمْ يَأْكُلْ، فَذَكَرَ قَوْلَ مَسْرُوقٍ: مَنِ اضْطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ دَخَلَ النّارَ. وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ حامِدٍ، وذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾، وتَرْكُ الأكْلِ مَعَ إمْكانِهِ في هَذا الحالِ إلْقاءٌ بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] ولِأنَّهُ قادِرٌ عَلى إحْياءِ نَفْسِهِ بِما أحَلَّهُ اللَّهُ فَلَزِمَهُ، كَما لَوْ كانَ مَعَهُ طَعامٌ حَلالٌ.

والثّانِي: لا يَلْزَمُهُ؛ لِما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ صاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ طاغِيَةَ الرُّومِ حَبَسَهُ في بَيْتٍ، وجَعَلَ مَعَهُ خَمْرًا مَمْزُوجًا بِماءٍ، ولَحْمَ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٍّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَلَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ حَتّى مالَ رَأْسُهُ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وخَشَوْا مَوْتَهُ، فَأخْرَجُوهُ فَقالَ: قَدْ كانَ اللَّهُ أحَلَّهُ لِي؛ لِأنِّي مُضْطَرٌّ، ولَكِنْ لَمْ أكُنْ لِأُشْمِتُكَ بِدِينِ الإسْلامِ؛ ولِأنَّ إباحَةَ الأكْلِ رُخْصَةٌ فَلا تَجِبُ عَلَيْهِ كَسائِرِ الرُّخَصِ؛ ولِأنَّ لَهُ غَرَضًا في اجْتِنابِ النَّجاسَةِ والأخْذِ بِالعَزِيمَةِ، ورُبَّما لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِتَناوُلِ المَيْتَةِ وفارَقَ الحَلالَ في الأصْلِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا أنْ أظْهَرَ القَوْلَيْنِ دَلِيلًا؛ وُجُوبُ تَناوُلِ ما يُمْسِكُ الحَياةَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ لَهُ إهْلاكُ نَفْسِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ يُقَدِّمُ المُضْطَرُّ المَيْتَةَ أوْ مالَ الغَيْرِ ؟

(p-٦٧)اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ: فَذَهَبَ مالِكٌ إلى أنَّهُ يُقَدِّمُ مالَ الغَيْرِ إنْ لَمْ يَخَفْ أنْ يُجْعَلَ سارِقًا ويُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالقَطْعِ. فَفي ”مُوَطَّئِهِ“ ما نَصُّهُ: وسُئِلَ مالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إلى المَيْتَةِ أيَأْكُلُ مِنها وهو يَجِدُ ثَمَرًا لِقَوْمٍ، أوْ زَرْعًا، أوْ غَنَمًا بِمَكانِهِ ذَلِكَ ؟ قالَ مالِكٌ: إنْ ظَنَّ أنَّ أهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ، أوِ الزَّرْعِ، أوِ الغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ حَتّى لا يُعَدَّ سارِقًا فَتُقْطَعُ يَدُهُ، رَأيْتُ أنْ يَأْكُلَ مِن أيِّ ذَلِكَ وجَدَ ما يَرُدُّ جُوعَهُ، ولا يَحْمِلُ مِنهُ شَيْئًا، وذَلِكَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَأْكُلَ المَيْتَةَ. وإنْ هو خَشِيَ ألّا يُصَدِّقُوهُ، وأنْ يُعَدَّ سارِقًا بِما أصابَ مِن ذَلِكَ؛ فَإنْ أكْلَ المَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي، ولَهُ في أكْلِ المَيْتَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ سَعَةٌ، مَعَ أنِّي أخافُ أنْ يَعْدُوَ عادٍ مِمَّنْ لَمْ يُضْطَرَّ إلى المَيْتَةِ يُرِيدُ اسْتِجازَةَ أمْوالِ النّاسِ وزُرُوعِهِمْ، وثِمارِهِمْ بِذَلِكَ بِدُونِ اضْطِرارٍ. قالَ مالِكٌ: وهَذا أحْسَنُ ما سَمِعْتُ. ا ه.

وَقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ حَضَرَ صاحِبُ المالِ فَحَقَّ عَلَيْهِ أنْ يَأْذَنَ لَهُ في الأكْلِ، فَإنْ مَنَعَهُ فَجائِزٌ لِلَّذِي خافَ المَوْتَ أنْ يُقاتِلَهُ؛ حَتّى يَصِلَ إلى أكْلِ ما يَرُدُّ نَفْسَهُ.

الباجِيُّ: يُرِيدُ أنَّهُ يَدْعُوهُ أوَّلًا إلى أنْ يَبِيعَهُ بِثَمَنٍ في ذِمَّتِهِ، فَإنْ أبى اسْتَطْعَمَهُ، فَإنْ أبى، أعْلَمَهُ أنَّهُ يُقاتِلُهُ عَلَيْهِ.

وَقالَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في ”مُخْتَصَرِهِ“ الَّذِي قالَ فِيهِ مُبَيِّنًا لِما بِهِ الفَتْوى عاطِفًا عَلى ما يُقْدِمُ المُضْطَرُّ عَلى المَيْتَةِ وطَعامِ غَيْرٍ إنْ لَمْ يَخَفِ القَطْعَ وقاتَلَ عَلَيْهِ. هَذا هو حاصِلُ المَذْهَبِ المالِكِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ.

وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ فِيها: هو ما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ بِقَوْلِهِ: المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: إذا وجَدَ المُضْطَرُّ مَيْتَةً وطَعامَ الغَيْرِ، وهو غائِبٌ فَثَلاثَةُ أوْجُهٍ، وقِيلَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أصَحُّها يَجِبُ أكْلُ المَيْتَةِ، والثّانِي: يَجِبُ أكْلُ الطَّعامِ، والثّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُما.

وَأشارَ إمامُ الحَرَمَيْنِ إلى أنَّ هَذا الخِلافَ مَأْخُوذٌ مِنَ الخِلافِ في اجْتِماعِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وحَقِّ الآدَمِيِّ ولَوْ كانَ صاحِبُ الطَّعامِ حاضِرًا، فَإنْ بَذَلَهُ بِلا عِوَضٍ، أوْ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أوْ بِزِيادَةٍ يَتَغابَنُ النّاسُ بِمِثْلِها ومَعَهُ ثَمَنُهُ، أوْ رَضِيَ بِذِمَّتِهِ لَزِمَهُ القَبُولُ، ولَمْ يَجُزْ أكْلُ المَيْتَةِ، فَإنْ لَمْ يَبِعْهُ إلّا بِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فالمَذْهَبُ والَّذِي قَطَعَ بِهِ العِراقِيُّونَ، والطَّبَرِيُّونَ، وغَيْرُهم: أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ شِراؤُهُ ولَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وإذا لَمْ يَلْزَمْهُ الشِّراءُ فَهو كَما إذا لَمْ يَبْذُلْهُ أصْلًا، وإذا لَمْ (p-٦٨)يَبْذُلْهُ لَمْ يُقاتِلْهُ عَلَيْهِ المُضْطَرُّ إنْ خافَ مِنَ المُقاتَلَةِ عَلى نَفْسِهِ، أوْ خافَ هَلاكَ المالِكِ في المُقاتَلَةِ، بَلْ يَعْدِلُ إلى المَيْتَةِ، وإنْ كانَ لا يَخافُ؛ لِضَعْفِ المالِكِ، وسُهُولَةِ دَفْعِهِ فَهو عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ فِيما إذا كانَ غائِبًا، هَذا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ.

وَقالَ البَغَوِيُّ: يَشْتَرِيهِ بِالثَّمَنِ الغالِي، ولا يَأْكُلُ المَيْتَةَ، ثُمَّ يَجِيءُ الخِلافُ السّابِقُ في أنَّهُ يَلْزَمُهُ المُسَمّى أوْ ثَمَنُ المِثْلِ، قالَ: وإذا لَمْ يَبْذُلْ أصْلًا وقُلْنا طَعامُ الغَيْرِ أوْلى مِنَ المَيْتَةِ يَجُوزُ أنْ يُقاتِلَهُ، ويَأْخُذَهُ قَهْرًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

حاصِلُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّهُ يُقَدِّمُ المَيْتَةَ عَلى طَعامِ الغَيْرِ.

قالَ الخِرَقِيُّ في ”مُخْتَصَرِهِ“: ومَنِ اضْطُرَّ فَأصابَ المَيْتَةَ وخُبْزًا لا يَعْرِفُ مالِكَهُ أكَلَ المَيْتَةَ. اه.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ في شَرْحِهِ لِهَذا الكَلامِ ما نَصُّهُ: وبِهَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

وَقالَ مالِكٌ: إنْ كانُوا يُصَدِّقُونَهُ أنَّهُ مُضْطَرٌّ أكَلَ مِنَ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، وشَرِبَ اللَّبَنَ، وإنْ خافَ أنْ تُقْطَعَ يَدُهُ أوْ لا يُقْبَلَ مِنهُ أكَلَ المَيْتَةَ، ولِأصْحابِ الشّافِعِيِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَأْكُلُ الطَّعامَ وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الطَّعامِ الحَلالِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أكْلُ المَيْتَةِ كَما لَوْ بَذَلَهُ لَهُ صاحِبُهُ.

وَلَنا أنَّ أكْلَ المَيْتَةِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ، ومالُ الآدَمِيِّ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، والعُدُولُ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ أوْلى؛ ولِأنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعالى مَبْنِيَّةٌ عَلى المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ، وحُقُوقُ الآدَمِيِّ مَبْنِيَّةٌ عَلى الشُّحِّ والتَّضْيِيقِ؛ ولِأنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ تَلْزَمُهُ غَرامَتَهُ، وحَقُّ اللَّهِ لا عِوَضَ لَهُ.

* *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا كانَ المُضْطَرُّ إلى المَيْتَةِ مُحْرِمًا وأمْكَنَهُ الصَّيْدُ فَهَلْ يُقَدِّمَ المَيْتَةَ أوِ الصَّيْدَ ؟

اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، والشّافِعِيُّ في أصَحِّ القَوْلَيْنِ: إلى أنَّهُ يُقَدِّمُ المَيْتَةَ.

وَعَنِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قَوْلٌ بِتَقْدِيمِ الصَّيْدِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ: بِأنَّ المُحْرِمَ إنْ ذَكّى صَيْدًا لَمْ يَكُنْ مَيْتَةً.

(p-٦٩)والصَّحِيحُ أنَّ ذَكاةَ المُحْرِمِ لِلصَّيْدِ لَغْوٌ ويَكُونُ مَيْتَةً، والمَيْتَةُ أخَفُّ مِنَ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ؛ لِأنَّهُ يُشارِكُها في اسْمِ المَيْتَةِ ويَزِيدُ بِحُرْمَةِ الِاصْطِيادِ، وحُرْمَةِ القَتْلِ، وسَيَأْتِي لِهَذِهِ المَسْألَةِ زِيادَةُ بَيانٍ إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ .

وَمِمَّنْ قالَ بِتَقْدِيمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ عَلى المَيْتَةِ أبُو يُوسُفَ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ، واحْتَجُّوا بِأنَّ الصَّيْدَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ومَعَ جَوازِهِ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ تَنْتَفِي الضَّرُورَةُ فَلا تَحِلُّ المَيْتَةُ.

واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِأنَّ حِلَّ أكْلِ المَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ، وإباحَةَ الصَّيْدِ لِلضَّرُورَةِ مُجْتَهَدٌ فِيها، والمَنصُوصُ عَلَيْهِ أوْلى، فَإنْ لَمْ يَجِدِ المُضْطَرُّ إلّا صَيْدًا وهو مُحْرِمٌ فَلَهُ ذَبْحُهُ وأكْلُهُ، ولَهُ الشِّبَعُ مِنهُ عَلى التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّهُ بِالضَّرُورَةِ وعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ صارَ مُذَكًّى ذَكاةً شَرْعِيَّةً طاهِرًا حَلالًا فَلَيْسَ بِمَيْتَةٍ، ولِذا تَجِبُ ذَكاتُهُ الشَّرْعِيَّةُ، ولا يَجُوزُ قَتْلُهُ والأكْلُ مِنهُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ.

وَلَوْ وجَدَ المُضْطَرُّ مَيْتَةً، ولَحْمَ خِنْزِيرٍ أوْ لَحْمَ إنْسانٍ مَيِّتٍ، فالظّاهِرُ تَقْدِيمُ المَيْتَةِ عَلى الخِنْزِيرِ ولَحْمِ الآدَمِيِّ.

قالَ الباجِيُّ: إنْ وجَدَ المُضْطَرُّ مَيْتَةً، وخِنْزِيرًا فالأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَأْكُلَ المَيْتَةَ؛ لِأنَّ الخِنْزِيرَ مَيْتَةٌ ولا يُباحُ بِوَجْهٍ، وكَذَلِكَ يُقَدِّمُ الصَّيْدَ عَلى الخِنْزِيرِ والإنْسانِ عَلى الظّاهِرِ، ولَمْ يَجُزْ عِنْدَ المالِكِيَّةِ أكْلُ الإنْسانِ لِلضَّرُورَةِ مُطْلَقًا وقَتْلُ الإنْسانِ الحَيِّ المَعْصُومِ الدَّمِ لِأكْلِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَرامٌ إجْماعًا، سَواءٌ كانَ مُسْلِمًا أوْ ذِمِّيًّا. وإنْ وُجِدَ إنْسانٌ مَعْصُومٌ مَيِّتًا فَهَلْ يَجُوزُ لَحْمُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أوْ لا يَجُوزُ ؟ مَنَعَهُ المالِكِيَّةُ والحَنابِلَةُ، وأجازَهُ الشّافِعِيَّةُ وبَعْضُ الحَنَفِيَّةِ.

واحْتَجَّ الحَنابِلَةُ لِمَنعِهِ لِحَدِيثِ: «كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الحَيِّ» واخْتارَ أبُو الخَطّابِ مِنهم جَوازَ أكْلِهِ، وقالَ: لا حُجَّةَ في الحَدِيثِ هاهُنا؛ لِأنَّ الأكْلَ مِنَ اللَّحْمِ لا مِنَ العَظْمِ، والمُرادُ بِالحَدِيثِ التَّشْبِيهُ في أصْلِ الحُرْمَةِ لا في مِقْدارِها بِدَلِيلِ اخْتِلافِهِما في الضَّمانِ والقِصاصِ، ووُجُوبُ صِيانَةِ الحَيِّ بِما لا يَجِبُ بِهِ صِيانَةُ المَيِّتِ، قالَهُ في ”المُغْنِي“ .

وَلَوْ وجَدَ المُضْطَرُّ آدَمِيًّا غَيْرَ مَعْصُومٍ كالحَرْبِيِّ، والمُرْتَدِّ فَلَهُ قَتْلُهُ، والأكْلُ مِنهُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وبِهِ قالَ القاضِي مِنَ الحَنابِلَةِ، واحْتَجُّوا بِأنَّهُ لا حُرْمَةَ لَهُ فَهو بِمَنزِلَةِ السِّباعِ. واللَّهُ (p-٧٠)تَعالى أعْلَمُ.

* *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: هَلْ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أنْ يَدْفَعَ ضَرُورَتَهُ بِشُرْبِ الخَمْرِ ؟ فِيهِ لِلْعُلَماءِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: المَنعُ مُطْلَقًا.

الثّانِي: الإباحَةُ مُطْلَقًا.

الثّالِثُ: الإباحَةُ في حالَةِ الِاضْطِرارِ إلى التَّداوِي بِها دُونَ العَطَشِ.

الرّابِعُ: عَكْسُهُ.

وَأصَحُّ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ المَنعُ مُطْلَقًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском