Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:229–232, continued
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ، بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ أبِي داوُدَ المَذْكُورَ آنِفًا ما نَصُّهُ: ورَواهُ النَّسائِيُّ عَنْ زَكَرِيّا بْنِ يَحْيى، عَنْ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بِهِ، وقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ إسْحاقَ، حَدَّثَنا عَبْدَةُ يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمانَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِامْرَأتِهِ: لا أُطَلِّقُكِ أبَدًا، ولا آوِيكِ أبَدًا، قالَتْ: وكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: أُطَلِّقُ حَتّى إذا دَنا أجَلُكِ راجَعْتُكِ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ قالَ: فاسْتَقْبَلَ النّاسُ الطَّلاقَ مَن كانَ طَلَّقَ ومَن لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ»، وقَدْ رَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنْ يَعْلى بْنِ شَبِيبٍ مَوْلى الزُّبَيْرِ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ: فَذَكَرَهُ بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ، ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ يَعْلى بْنِ شَبِيبٍ بِهِ، ثُمَّ رَواهُ عَنْ أبِي كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ إدْرِيسَ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ أبِيهِ مُرْسَلًا وقالَ: هَذا أصَحُّ. ورَواهُ الحاكِمُ في ”مُسْتَدْرَكِهِ“ مِن طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ يَعْلى بْنِ شَبِيبٍ بِهِ، وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنا سَلَمَةُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمْ يَكُنْ لِلطَّلاقِ وقْتٌ، يُطَلِّقُ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ ثُمَّ يُراجِعُها، ما لَمْ تَنْقَضِ العِدَّةُ، وكانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ وبَيْنَ أهْلِهِ بَعْضُ ما يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ، فَقالَ: واللَّهِ لَأتْرُكَنَّكِ لا أيِّمًا، ولا ذاتَ زَوْجٍ، فَجَعَلَ يُطَلِّقُها حَتّى إذا كادَتِ العِدَّةُ أنْ تَنْقَضِيَ راجَعَها، فَفَعَلَ ذَلِكَ مِرارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فَوَقَّتَ الطَّلاقَ ثَلاثًا لا رَجْعَةَ فِيهِ بَعْدَ الثّالِثَةِ، حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» . وهَكَذا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مُرْسَلًا، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ (p-١٢٥)وابْنُ جَرِيرٍ كَذَلِكَ واخْتارَ أنَّ هَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ. ا ه مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ.
وَفِي هَذِهِ الرِّواياتِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ لِنَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ الثَّلاثِ، وإنْكارُ المازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ادِّعاءَ النَّسْخِ مَرْدُودٌ بِما رَدَّهُ بِهِ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ فَإنَّهُ لَمّا نَقَلَ عَنِ المازَرِيِّ إنْكارَهُ لِلنَّسْخِ مِن أوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، قالَ بَعْدَهُ ما نَصُّهُ: قُلْتُ: نَقَلَ النَّوَوِيُّ هَذا الفَصْلَ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“ وأقَرَّهُ، وهو مُتَعَقَّبٌ في مَواضِعَ: أحُدُها: أنَّ الَّذِي ادَّعى نَسْخَ الحُكْمِ لَمْ يَقُلْ: إنَّ عُمَرَ هو الَّذِي نَسَخَ حَتّى يَلْزَمَ مِنهُ ما ذَكَرَ، وإنَّما قالَ ما تَقَدَّمَ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ عَلِمَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ نُسِخَ؛ أيِ: اطَّلَعَ عَلى ناسِخٍ لِلْحُكْمِ الَّذِي رَواهُ مَرْفُوعًا، ولِذَلِكَ أفْتى بِخِلافِهِ، وقَدْ سَلَّمَ المازَرِيُّ في أثْناءِ كَلامِهِ أنَّ إجْماعَهم يَدُلُّ عَلى ناسِخٍ، وهَذا هو مُرادُ مَنِ ادَّعى النَّسْخَ.
الثّانِي: إنْكارُهُ الخُرُوجَ عَنِ الظّاهِرِ عَجِيبٌ؛ فَإنَّ الَّذِي يُحاوِلُ الجَمْعَ بِالتَّأْوِيلِ يَرْتَكِبُ خِلافَ الظّاهِرِ حَتْمًا.
الثّالِثُ: أنَّ تَغْلِيطَهُ مَن قالَ: المُرادُ ظُهُورُ النَّسْخِ عَجِيبٌ أيْضًا؛ لِأنَّ المُرادَ بِظُهُورِهِ انْتِشارُهُ، وكَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُفْعَلُ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ، فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَ مِن إجْماعِهِمْ عَلى الخَطَأِ. ا ه مَحَلُّ الحاجَةِ مِن ”فَتْحِ البارِي“ بِلَفْظِهِ، ولا إشْكالَ فِيهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الصَّحابَةِ اطَّلَعَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، فَأبُو بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِقَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مِيراثِ الجَدَّةِ حَتّى أخْبَرَهُ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وعُمَرُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِقَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دِيَةِ الجَنِينِ حَتّى أخْبَرَهُ المَذْكُورانِ قَبْلُ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِن أخْذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ حَتّى أخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، ولا مِنَ الِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا، حَتّى أخْبَرَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعُثْمانُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أوْجَبَ السُّكْنى لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَمَنَ العِدَّةِ، حَتّى أخْبَرَتْهُ فُرَيْعَةُ بِنْتُ مالِكٍ.
والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وفاطِمَةُ الزَّهْراءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُما عِلْمٌ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنّا مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» الحَدِيثَ، حَتّى طَلَبا مِيراثَهُما مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وأوْضَحُ دَلِيلٍ يُزِيلُ الإشْكالَ عَنِ القَوْلِ بِالنَّسْخِ المَذْكُورِ وُقُوعُ مِثْلِهِ، واعْتِرافُ المُخالِفِ بِهِ في نِكاحِ المُتْعَةِ، فَإنَّ مُسْلِمًا رَوى عَنْ جابِرٍ (p-١٢٦)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ مُتْعَةَ النِّساءِ كانَتْ تُفْعَلُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ، قالَ: ثُمَّ نَهانا عُمَرُ عَنْها فانْتَهَيْنا وهَذا مِثْلُ ما وقَعَ في طَلاقِ الثَّلاثِ طِبْقًا» ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ ": [ الطَّوِيلِ ]
؎فَإلّا يَكُنْها أوْ تَكُنْهُ فَإنَّهُ أخُوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبانِها
فَمِنَ الغَرِيبِ أنْ يُسَلِّمَ مُنْصِفٌ إمْكانَ النَّسْخِ في إحْداهُما، ويَدَّعِي اسْتِحالَتَهُ في الأُخْرى، مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما رَوى مُسْلِمٌ فِيها عَنْ صَحابِيٍّ جَلِيلٍ: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ كانَ يُفْعَلُ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ، في مَسْألَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالفُرُوجِ ثُمَّ غَيَّرَهُ عُمَرُ.
وَمَن أجازَ نَسْخَ نِكاحِ المُتْعَةِ، وأحالَ نَسْخَ جَعْلِ الثَّلاثِ واحِدَةً، يُقالُ لَهُ: ما لِبائِكَ تَجُرُّ وبائِي لا تَجُرُّ ؟ فَإنْ قِيلَ: نِكاحُ المُتْعَةِ صَحَّ النَّصُّ بِنَسْخِهِ قُلْنا: قَدْ رَأيْتَ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةَ بِنَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ الثَّلاثِ، ومِمَّنْ جَزَمَ بِنَسْخِ جَعْلِ الثَّلاثِ واحِدَةً، الإمامُ أبُو داوُدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - ورَأى أنَّ جَعْلَها واحِدَةً إنَّما هو في الزَّمَنِ الَّذِي كانَ يَرْتَجِعُ فِيهِ بَعْدَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ وأكْثَرَ، قالَ في ”سُنَنِهِ“: ”بابُ نَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقاتِ الثَّلاثِ“ ثُمَّ ساقَ بِسَنَدِهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٨] وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَهو أحَقُّ بِرَجْعَتِها وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا فَنُسِخَ ذَلِكَ، وقالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ النَّسائِيُّ وفي إسْنادِهِ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ، قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ يَهِمُ، ورَوى مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ، ثُمَّ ارْتَجَعَها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَ ذَلِكَ لَهُ، وإنْ طَلَّقَها ألْفَ مَرَّةٍ فَعَمَدَ رَجُلٌ إلى امْرَأتِهِ فَطَلَّقَها حَتّى إذا أشْرَفَتْ عَلى انْقِضاءِ عِدَّتِها راجَعَها، ثُمَّ قالَ: لا آوِيكِ ولا أُطَلِّقُكِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فاسْتَقْبَلَ النّاسُ الطَّلاقَ جَدِيدًا مِن يَوْمِئِذٍ، مَن كانَ طَلَّقَ مِنهم أوْ لَمْ يُطَلِّقْ» .
وَيُؤَيِّدُ هَذا أنَّ عُمَرَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيقاعَ الثَّلاثِ دَفْعَةً مَعَ كَثْرَتِهِمْ وعِلْمِهِمْ، ووَرَعِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ: أنَّ كَثِيرًا جِدًّا مِنَ الصَّحابَةِ الأجِلّاءِ العُلَماءِ صَحَّ عَنْهُمُ القَوْلُ بِذَلِكَ، كابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وخَلْقٍ لا يُحْصى.
(p-١٢٧)والنّاسِخُ الَّذِي نَسَخَ المُراجَعَةَ بَعْدَ الثَّلاثِ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ كَما جاءَ مُبَيَّنًا في الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ، ولا مانِعَ عَقْلًا ولا عادَةً مِن أنْ يَجْهَلَ مِثْلَ هَذا النّاسِخِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إلى خِلافَةِ عُمَرَ، مَعَ أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِنَسْخِها وتَحْرِيمِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ في غَزْوَةِ الفَتْحِ، وفي حَجَّةِ الوَداعِ أيْضًا، كَما جاءَ في رِوايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
وَمَعَ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى تَحْرِيمِ غَيْرِ الزَّوْجَةِ والسُّرِّيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] ومَعْلُومٌ أنَّ المَرْأةَ المُتَمَتَّعَ بِها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ ولا سُرِّيَّةٍ كَما يَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ ”النِّساءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤] والَّذِينَ قالُوا: بِالنَّسْخِ قالُوا: في مَعْنى قَوْلِ عُمَرَ: إنَّ النّاسَ اسْتَعْجَلُوا في أمْرٍ كانَتْ لَهم فِيهِ أناةٌ، أنَّ المُرادَ بِالأناةِ أنَّهم كانُوا يَتَأنَّوْنَ في الطَّلاقِ فَلا يُوقِعُونَ الثَّلاثَ في وقْتٍ واحِدٍ. ومَعْنى اسْتِعْجالِهِمْ أنَّهم صارُوا يُوقِعُونَها بِلَفْظٍ واحِدٍ، عَلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ هو مَعْنى الحَدِيثِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ هو مَعْناهُ، وإمْضاؤُهُ لَهُ عَلَيْهِمْ إذَنْ هو اللّازِمُ، ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ فَلَوْ أمْضَيْناهُ عَلَيْهِمْ، يَعْنِي ألْزَمْناهم بِمُقْتَضى ما قالُوا، ونَظِيرُهُ: قَوْلُ جابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ في نِكاحِ المُتْعَةِ: فَنَهانا عَنْها عُمَرُ. فَظاهِرُ كُلٍّ مِنهُما أنَّهُ اجْتِهادٌ مِن عُمَرَ، والنَّسْخُ ثابِتٌ فِيهِما مَعًا كَما رَأيْتَ، ولَيْسَتِ الأناةُ في المَنسُوخِ، وإنَّما هي في عَدَمِ الِاسْتِعْجالِ بِإيقاعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: إنَّ المُرادَ بِالثَّلاثِ الَّتِي كانَتْ تُجْعَلُ واحِدَةً، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ. فالظّاهِرُ في إمْضائِهِ لَها عَلَيْهِمْ أنَّهُ مِن حَيْثُ تَغَيَّرَ قَصْدُهم مِنَ التَّأْكِيدِ إلى التَّأْسِيسِ كَما تَقَدَّمَ، ولا إشْكالَ في ذَلِكَ.
أمّا كَوْنُ عُمَرَ كانَ يَعْلَمُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَجْعَلُ الثَّلاثَ بِلَفْظٍ واحِدٍ واحِدَةً»، فَتَعَمَّدَ مُخالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَعَلَها ثَلاثًا، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَلا يَخْفى بُعْدُهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
الجَوابُ الرّابِعُ: عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ رِوايَةَ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُخالِفَةٌ لِما رَواهُ عَنْهُ الحُفّاظُ مِن أصْحابِهِ، فَقَدْ رَوى عَنْهُ لُزُومَ الثَّلاثِ دَفْعَةً سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، ومالِكُ بْنُ الحارِثِ، ومُحَمَّدُ بْنُ إياسِ بْنِ البُكَيْرِ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي عَيّاشٍ الأنْصارِيُّ، كَما نَقَلَهُ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
(p-١٢٨)وَقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: إنَّ البُخارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ هَذا الحَدِيثَ؛ لِمُخالَفَةِ هَؤُلاءِ لِرِوايَةِ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَقالَ الأثْرَمُ: سَألْتُ أبا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - طَلاقُ الثَّلاثِ واحِدَةً»، بِأيِّ شَيْءٍ تَدْفَعُهُ ؟ قالَ: بِرِوايَةِ النّاسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن وُجُوهٍ خِلافَهُ، وكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مَنصُورٍ، قالَهُ ابْنُ القَيِّمِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: فَهَذا إمامُ المُحَدِّثِينَ وسَيِّدُ المُسْلِمِينَ في عَصْرِهِ الَّذِي تَدارَكَ اللَّهُ بِهِ الإسْلامَ بَعْدَ ما كادَ تَتَزَلْزَلُ قَواعِدُهُ، وتُغَيَّرُ عَقائِدُهُ، أبُو عَبْدِ اللَّهِ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قالَ لِلْأثْرَمِ وابْنِ مَنصُورٍ: إنَّهُ رَفَضَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ قَصْدًا؛ لِأنَّهُ يَرى عَدَمَ الِاحْتِجاجِ بِهِ في لُزُومِ الثَّلاثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ لِرِوايَةِ الحُفّاظِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، وهَذا الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ البُخارِيُّ، وهو هو، ذَكَرَ عَنْهُ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ أنَّهُ تَرَكَ هَذا الحَدِيثَ عَمْدًا؛ لِذَلِكَ المُوجِبِ الَّذِي تَرَكَهُ مِن أجْلِهِ الإمامُ أحْمَدُ. ولا شَكَّ أنَّهُما ما تَرَكاهُ إلّا لِمُوجِبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: رِوايَةُ طاوُسٍ في حُكْمِ المَرْفُوعِ، ورِوايَةُ الجَماعَةِ المَذْكُورِينَ مَوْقُوفَةٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، والمَرْفُوعُ لا يُعارَضُ بِالمَوْقُوفِ.
فالجَوابُ أنَّ الصَّحابِيَّ إذا خالَفَ ما رُوِيَ، فَفِيهِ لِلْعُلَماءِ قَوْلانِ: وهُما رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأُولى: أنَّهُ لا يُحْتَجُّ بِالحَدِيثِ؛ لِأنَّ أعْلَمَ النّاسِ بِهِ راوِيهِ وقَدْ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ، وهو عَدْلٌ عارِفٌ، وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ فَلا إشْكالَ.
وَعَلى الرِّوايَةِ الأُخْرى الَّتِي هي المَشْهُورَةُ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ العِبْرَةَ بِرِوايَتِهِ لا بِقَوْلِهِ. فَإنَّهُ لا تُقَدَّمُ رِوايَتُهُ إلّا إذا كانَتْ صَرِيحَةَ المَعْنى، أوْ ظاهِرَةً فِيهِ ظُهُورًا يَضْعُفُ مَعَهُ احْتِمالُ مُقابِلِهِ، أمّا إذا كانَتْ مُحْتَمِلَةً لِغَيْرِ ذَلِكَ المَعْنى احْتِمالًا قَوِيًّا فَإنَّ مُخالَفَةَ الرّاوِي لِما رَوى تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُحْتَمَلَ الَّذِي تُرِكَ لَيْسَ هو مَعْنى ما رَوى، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ لَفْظَ طَلاقِ الثَّلاثِ في حَدِيثِ طاوُسٍ المَذْكُورِ مُحْتَمِلٌ احْتِمالًا قَوِيًّا لِأنْ تَكُونَ الطَّلَقاتُ مُفَرَّقَةً، كَما جَزَمَ بِهِ النَّسائِيُّ وصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ والقُرْطُبِيُّ وابْنُ سُرَيْجٍ، فالحاصِلُ أنَّ تَرْكَ ابْنِ عَبّاسٍ لِجَعْلِ الثَّلاثِ بِفَمٍ واحِدٍ واحِدَةً؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى الحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ لَيْسَ (p-١٢٩)كَوْنَها بِلَفْظٍ واحِدٍ كَما سَتَرى بَيانَهُ في كَلامِ القُرْطُبِيِّ في المُفْهِمِ في الجَوابِ الَّذِي بَعْدَ هَذا.
واعْلَمْ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أنَّهُ أفْتى في الثَّلاثِ بِفَمٍ واحِدٍ أنَّها واحِدَةٌ، وما رَوى عَنْهُ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: إذا قالَ أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا بِفَمٍ واحِدٍ فَهي واحِدَةٌ، فَهو مُعارَضٌ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ نَفْسُهُ مِن طَرِيقِ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ أيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ ذَلِكَ مِن قَوْلِ عِكْرِمَةَ لا مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتُرَجَّحُ رِوايَةُ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلى رِوايَةِ حَمّادٍ بِمُوافَقَةِ الحُفّاظِ لِإسْماعِيلَ، في أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ يَجْعَلُها ثَلاثًا لا واحِدَةً.
* *
الجَوابُ الخامِسُ: هو ادِّعاءُ ضَعْفِهِ ومِمَّنْ حاوَلَ تَضْعِيفَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، والقُرْطُبِيُّ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ: زَلَّ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمانِ فَقالُوا: إنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ في كَلِمَةٍ لا يَلْزَمُ، وجَعَلُوهُ واحِدَةً ونَسَبُوهُ إلى السَّلَفِ الأوَّلِ فَحَكَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ، والزُّبَيْرِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعَزَوْهُ إلى الحَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ الضَّعِيفِ المَنزِلَةِ، المَغْمُورِ المَرْتَبَةِ، ورَوَوْا في ذَلِكَ حَدِيثًا لَيْسَ لَهُ أصْلٌ، وغَوى قَوْمٌ مِن أهْلِ المَسائِلِ فَتَتَبَّعُوا الأهْواءَ المُبْتَدَعَةَ فِيهِ وقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا كَذِبٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ ثَلاثًا، كَما لَوْ قالَ: طَلَّقْتُ ثَلاثًا ولَمْ يُطَلِّقْ إلّا واحِدَةً، وكَما لَوْ قالَ: أحْلِفُ ثَلاثًا كانَتْ يَمِينًا واحِدَةً.
وَلَقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاقِ، ولَقِيتُ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ، وأرْبابِ المَذاهِبِ كُلَّ صادِقٍ، فَما سَمِعْتُ لِهَذِهِ المَسْألَةِ بِخَبَرٍ، ولا أحْسَسْتُ لَها بِأثَرٍ، إلّا الشِّيعَةَ الَّذِينَ يَرَوْنَ نِكاحَ المُتْعَةِ جائِزًا، ولا يَرَوْنَ الطَّلاقَ واقِعًا، ولِذَلِكَ قالَ فِيهِمُ ابْنُ سُكَّرَةَ الهاشِمِيُّ: [ السَّرِيعِ ]
؎يا مَن يَرى المُتْعَةَ في دِينِهِ حِلًّا وإنْ كانَتْ بِلا مَهْرٍ
؎وَلا يَرى تِسْعِينَ تَطْلِيقَةً ∗∗∗ تُبِينُ مِنهُ رَبَّةُ الخِدْرِ
؎مِن هاهُنا طابَتْ مَوالِيدُكم ∗∗∗ فاغْتَنِمُوها يا بَنِي الفِطْرِ
وَقَدِ اتَّفَقَ عُلَماءُ الإسْلامِ، وأرْبابُ الحَلِّ والعَقْدِ في الأحْكامِ عَلى أنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ في كَلِمَةٍ، وإنْ كانَ حَرامًا في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وبِدْعَةً في قَوْلِ الآخَرِينَ، لازِمٌ. وأيْنَ هَؤُلاءِ البُؤَساءُ مِن عالِمِ الدِّينِ، وعَلَمِ الإسْلامِ، مُحَمَّدِ بْنِ إسْماعِيلَ البُخارِيِّ، وقَدْ قالَ في (p-١٣٠)”صَحِيحِهِ“: ”بابُ جَوازِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ“، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ .
وَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعانِ: «فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ» ولا يُقِرُّ عَلى الباطِلِ؛ ولِأنَّهُ جَمَعَ ما فَسَحَ لَهُ في تَفْرِيقِهِ، فَألْزَمَتْهُ الشَّرِيعَةُ حُكْمَهُ وما نَسَبُوهُ إلى الصَّحابَةِ كَذِبٌ بَحْتٌ، لا أصْلَ لَهُ في كِتابٍ ولا رِوايَةَ لَهُ عَنْ أحَدٍ.
وَقَدْ أدْخَلَ مالِكٌ في ”مُوَطَّئِهِ“ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ الحَرامَ ثَلاثٌ لازِمَةٌ في كَلِمَةٍ، فَهَذا في مَعْناها، فَكَيْفَ إذا صَرَّحَ بِها. وأمّا حَدِيثُ الحَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ في المِلَّةِ، ولا عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، فَإنْ قِيلَ: فَفي ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي الصَّهْباءِ المَذْكُورِ، قُلْنا: هَذا لا مُتَعَلِّقَ فِيهِ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ في صِحَّتِهِ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلى إجْماعِ الأُمَّةِ ؟ ولَمْ يُعْرَفْ لَها في هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ إلّا عَنْ قَوْمٍ انْحَطُّوا عَنْ رُتْبَةِ التّابِعِينَ وقَدْ سَبَقَ العَصْرانِ الكَرِيمانِ والِاتِّفاقُ عَلى لُزُومِ الثَّلاثِ، فَإنْ رَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أحَدٍ مِنهم فَلا تَقْبَلُوا مِنهم إلّا ما يَقْبَلُونَ مِنكم: نَقْلُ العَدْلِ عَنِ العَدْلِ. ولا تَجِدْ هَذِهِ المَسْألَةَ مَنسُوبَةً إلى أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ أبَدًا.
الثّانِي: أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَمْ يُرْوَ إلّا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُرْوَ عَنْهُ إلّا مِن طَرِيقِ طاوُسٍ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ ما لَمْ يَرْوِهِ مِنَ الصَّحابَةِ إلّا واحِدٌ وما لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ذَلِكَ الصَّحابِيِّ إلّا واحِدٌ ؟ وكَيْفَ خَفِيَ عَلى جَمِيعِ الصَّحابَةِ وسَكَتُوا عَنْهُ إلّا ابْنَ عَبّاسٍ ؟ وكَيْفَ خَفِيَ عَلى أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا طاوُسًا ؟ اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ العَرَبِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: ورِوايَةُ طاوُسٍ وهْمٌ وغَلَطٌ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْها أحَدٌ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ بِالحِجازِ، والشّامِ، والعِراقِ، والمَشْرِقِ، والمَغْرِبِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ أبا الصَّهْباءِ لا يُعْرَفُ في مَوالِي ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ مِثْلَ هَذا لا يَثْبُتُ بِهِ تَضْعِيفُ هَذا الحَدِيثِ؛ لِأنَّ الأئِمَّةَ كَمَعْمَرٍ وابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِما رَوَوْهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو إمامٌ، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ عَنْ طاوُسٍ أيْضًا إبْراهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وهو ثِقَةٌ حافِظٌ. وانْفِرادُ الصَّحابِيِّ لا يَضُرُّ ولَوْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أصْلًا إلّا واحِدٌ، كَما أشارَ إلَيْهِ العِراقِيُّ في ”ألْفِيَّتِهِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]
؎فِي الصَّحِيحِ أخْرَجا المُسَيَّبا ∗∗∗ وأخْرَجَ الجُعْفِيُّ لِابْنِ تَغْلِبا
(p-١٣١)يَعْنِي: أنَّ الشَّيْخَيْنِ أخْرَجا حَدِيثَ المُسَيَّبِ بْنِ حَزْنٍ، ولَمْ يَرْوِ عَنْهُ أحَدٌ غَيْرُ ابْنِهِ سَعِيدٍ.
وَأخْرَجَ البُخارِيُّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ النَّمَرِيِّ، ويُقالُ العَبْدِيُّ ولَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ هَذا مُرادُهُ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ عَمْرَو بْنَ تَغْلِبَ رَوى عَنْهُ أيْضًا الحَكَمُ بْنُ الأعْرَجِ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُما.
والحاصِلُ أنَّ حَدِيثَ طاوُسٍ ثابِتٌ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وما كانَ كَذَلِكَ لا يُمْكِنُ تَضْعِيفُهُ إلّا بِأمْرٍ واضِحٍ، نَعَمْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ خَبَرَ الآحادِ إذا كانَتِ الدَّواعِي مُتَوَفِّرَةً إلى نَقْلِهِ ولَمْ يَنْقُلْهُ إلّا واحِدٌ ونَحْوُهُ، أنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّتِهِ. ووَجْهُهُ أنَّ تَوَفُّرَ الدَّواعِي يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ النَّقْلَ تَواتُرًا والِاشْتِهارَ، فَإنْ لَمْ يَشْتَهِرْ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ اللّازِمِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ المَلْزُومِ، وهَذِهِ قاعِدَةٌ مُقَرَّرَةٌ في الأُصُولِ، أشارَ إلَيْها في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما يُحْكَمُ فِيهِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الخَبَرِ: [ الرَجَزِ ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
؎وَخَبَرُ الآحادِ في السُّنِّيِّ
؎حَيْثُ دَواعِي نَقْلِهِ تَواتُرًا ∗∗∗ نَرى لَها لَوْ قالَهُ تَقَرُّرا
وَجَزَمَ بِها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، وقالَ صاحِبُ ”جَمْعِ الجَوامِعِ“ عاطِفًا عَلى ما يُجْزَمُ فِيهِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الخَبَرِ. والمَنقُولُ آحادًا فِيما تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ خِلافًا لِلرّافِضَةِ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَمُرادُهُ أنَّ مِمّا يُجْزَمُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ الخَبَرُ المَنقُولُ آحادًا مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ.
وَقالَ ابْنُ الحاجِبِ في ”مُخْتَصَرِهِ الأُصُولِيِّ“ مَسْألَةٌ: إذا انْفَرَدَ واحِدٌ فِيما يَتَوَفَّرُ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ، وقَدْ شارَكَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. كَما لَوِ انْفَرَدَ واحِدٌ بِقَتْلِ خَطِيبٍ عَلى المِنبَرِ في مَدِينَةٍ فَهو كاذِبٌ قَطْعًا خِلافًا لِلشِّيعَةِ. اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وفي المَسْألَةِ مُناقَشاتٌ وأجْوِبَةٌ عَنْها مَعْرُوفَةٌ في الأُصُولِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَعْنى حَدِيثِ طاوُسٍ المَذْكُورِ أنَّ الثَّلاثَ بِلَفْظٍ واحِدٍ كانَتْ تُجْعَلُ واحِدَةً عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ غَيَّرَ ما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ، وعامَّةُ الصَّحابَةِ أوْ جُلُّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ. فالدَّواعِي إلى نَقْلٍ ما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ مِن بَعْدِهِ، مُتَوَفِّرَةٌ تَوَفُّرًا لا يُمْكِنُ إنْكارُهُ، لِأنْ يَرُدَّ بِذَلِكَ التَّغْيِيرِ الَّذِي أحْدَثَهُ (p-١٣٣)عُمَرُ فَسُكُوتُ جَمِيعِ الصَّحابَةِ عَنْهُ وكَوْنُ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ مِنهُ حَرْفٌ عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ حَدِيثَ طاوُسٍ الَّذِي رَواهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ مَعْناهُ أنَّها بِلَفْظٍ واحِدٍ، بَلْ بِثَلاثَةِ ألْفاظٍ في وقْتٍ واحِدٍ كَما قَدَّمْنا، وكَما جَزَمَ بِهِ النَّسائِيُّ، وصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ والقُرْطُبِيُّ وابْنُ سُرَيْجٍ. وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ؛ لِأنَّ تَغْيِيرَ عُمَرَ لِلْحُكْمِ مَبْنِيٌّ عَلى تَغْيِيرِ قَصْدِهِمْ، والنَّبِيُّ ﷺ قالَ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» فَمَن قالَ أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، ونَوى التَّأْكِيدَ فَواحِدَةٌ، وإنْ نَوى الِاسْتِئْنافَ بِكُلِّ واحِدَةٍ فَثَلاثٌ. واخْتِلافُ مَحامِلِ اللَّفْظِ الواحِدِ لِاخْتِلافِ نِيّاتِ اللّافِظِينَ بِهِ لا إشْكالَ فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ الحَدِيثُ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِصِحَّتِهِ لِنَقْلِهِ آحادًا مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ، والأوَّلُ أوْلى وأخَفُّ مِنَ الثّانِي، وقالَ القُرْطُبِيُّ في المُفْهِمِ في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ طاوُسٍ المَذْكُورِ: وظاهِرُ سِياقِهِ يَقْتَضِي عَنْ جَمِيعِهِمْ أنَّ مُعْظَمَهم كانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ، والعادَةُ في مِثْلِ هَذا أنْ يَفْشُوَ الحُكْمُ ويَنْتَشِرَ فَكَيْفَ يَنْفَرِدُ بِهِ واحِدٌ عَنْ واحِدٍ ؟ قالَ: فَهَذا الوَجْهُ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَنِ العَمَلِ بِظاهِرِهِ، إنْ لَمْ يَقْتَضِ القَطْعَ بِبُطْلانِهِ. اهـ مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ ابْنِ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ عَنْهُ، وهو قَوِيٌّ جِدًّا بِحَسَبِ المُقَرَّرِ في الأُصُولِ كَما تَرى.
* *
الجَوابُ السّادِسُ: عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - هو حَمْلُ لَفْظِ الثَّلاثِ في الحَدِيثِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها البَتَّةَ كَما قَدَّمْنا في حَدِيثِ رُكانَةَ، وهو مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ما نَصُّهُ: وهو قَوِيٌّ ويُؤَيِّدُهُ إدْخالُ البُخارِيِّ في هَذا البابِ، الآثارَ الَّتِي فِيها البَتَّةَ، والأحادِيثَ الَّتِي فِيها التَّصْرِيحُ بِالثَّلاثِ، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَهُما، وأنَّ البَتَّةَ إذا أُطْلِقَتْ حُمِلَ عَلى الثَّلاثِ إلّا إنْ أرادَ المُطَلِّقُ واحِدَةً فَيُقْبَلُ، فَكَأنَّ بَعْضَ رُواتِهِ حَمَلَ لَفْظَ البَتَّةَ عَلى الثَّلاثِ؛ لِاشْتِهارِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما، فَرَواها بِلَفْظِ الثَّلاثِ. وإنَّما المُرادُ لَفْظَةُ البَتَّةَ، وكانُوا في العَصْرِ الأوَّلِ يَقْبَلُونَ مِمَّنْ قالَ أرَدْتُ بِالبَتَّةِ واحِدَةً، فَلَمّا كانَ عَهْدُ عُمَرَ أمْضى الثَّلاثَ في ظاهِرِ الحُكْمِ. اهـ مِن ”فَتْحِ البارِي“ بِلَفْظِهِ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ كَما لا يَخْفى، وما يَذْكُرُهُ كُلٌّ مِمَّنْ قالَ بِلُزُومِ الثَّلاثِ دُفْعَةً، ومَن قالَ بِعَدَمِ لُزُومِها مِنَ الأُمُورِ النَّظَرِيَّةِ لِيُصَحِّحَ بِهِ كُلٌّ مَذْهَبَهُ، لَمْ نُطِلْ بِهِ الكَلامَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ سُقُوطُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ إنْ لَمْ يُمْكِنْ (p-١٣٣)تَحْقِيقُها مِن جِهَةِ النَّقْلِ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ مِن جِهَةِ العَقْلِ، وقِياسُ أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا عَلى أيْمانِ اللِّعانِ في أنَّهُ لَوْ حَلَفَها بِلَفْظٍ واحِدٍ لَمْ تَجُزْ، قِياسٌ مَعَ وُجُودِ الفارِقِ؛ لَأنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى واحِدَةٍ مِنَ الشَّهاداتِ الأرْبَعِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ اللِّعانِ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ ذَلِكَ كَما لَوْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنها أصْلًا، بِخِلافِ الطَّلَقاتِ الثَّلاثِ فَمَنِ اقْتَصَرَ عَلى واحِدَةٍ مِنها اعْتُبِرَتْ إجْماعًا، وحَصَلَتْ بِها البَيْنُونَةُ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ إجْماعًا.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
2:230Page 36
فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٢٣٠
And if he has divorced her [for the third time], then she is not lawful to him afterward until [after] she marries a husband other than him.1 And if he [i.e., the latter husband] divorces her [or dies], there is no blame upon them [i.e., the woman and her former husband] for returning to each other if they think that they can keep [within] the limits of Allāh. These are the limits of Allāh, which He makes clear to a people who know [i.e.,understand].
No commentary for this ayah
2:231Page 37
وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٣١
And when you divorce women and they have [nearly] fulfilled their term, either retain them according to acceptable terms or release them according to acceptable terms, and do not keep them, intending harm, to transgress [against them]. And whoever does that has certainly wronged himself. And do not take the verses of Allāh in jest. And remember the favor of Allāh upon you and what has been revealed to you of the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the Prophet's sunnah] by which He instructs you. And fear Allāh and know that Allāh is Knowing of all things.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآيَةَ، ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، انْقِضاءُ عِدَّتِهِنَّ بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ لا رَجْعَةَ إلّا في زَمَنِ العِدَّةِ خاصَّةً، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ لِأنَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: ذَلِكَ راجِعَةٌ إلى زَمَنِ العِدَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِثَلاثَةِ قُرُوءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٨] . فاتَّضَحَ مِن تِلْكَ الآيَةِ أنَّ مَعْنى ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ . أيْ: قارَبْنَ انْقِضاءَ العِدَّةِ، وأشْرَفْنَ عَلى بُلُوغِ أجَلِها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ الآيَةَ. صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالنَّهْيِ عَنْ إمْساكِ المَرْأةِ مُضارَّةً لَها؛ لِأجْلِ الاعْتِداءِ عَلَيْها بِأخْذِهِ ما أعْطاها؛ لِأنَّها إذا طالَ عَلَيْها الإضْرارُ افْتَدَتْ مِنهُ؛ ابْتِغاءَ السَّلامَةِ مِن ضَرَرِهِ. وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِأنَّها إذا أتَتْ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ جازَ لَهُ عَضْلُها، حَتّى تَفْتَدِيَ مِنهُ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالفاحِشَةِ المُبَيِّنَةِ.
فَقالَ جَماعَةٌ مِنهم هي: الزِّنا، وقالَ قَوْمٌ هي: النُّشُوزُ والعِصْيانُ وبَذاءُ اللِّسانِ. والظّاهِرُ شُمُولُ الآيَةِ لِلْكُلِّ كَما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّهُ جَيِّدٌ، فَإذا زَنَتْ أوْ أساءَتْ بِلِسانِها، أوْ نَشَزَتْ جازَتْ مُضاجَرَتُها؛ لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِما أعْطاها عَلى ما ذَكَرْنا مِن عُمُومِ الآيَةِ.
2:232Page 37
وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢٣٢
And when you divorce women1 and they have fulfilled their term, do not prevent them from remarrying their [former] husbands if they [i.e., all parties] agree among themselves on an acceptable basis. That is instructed to whoever of you believes in Allāh and the Last Day. That is better for you and purer, and Allāh knows and you know not.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences