Ash-ShinqitiAl‑Baqarah · 2:30–55

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:30–55, continued

وَلِمُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «”وَمَن بايَعَ إمامًا فَأعْطاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إنِ اسْتَطاعَ، فَإنْ جاءَ آخَرُ يُنازِعُهُ فاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ“ ثُمَّ قالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنايَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ووَعاهُ قَلْبِي» .

وَأبْطَلُوا احْتِجاجَ الكَرّامِيَّةِ بِأنَّ مُعاوِيَةَ أيّامَ نِزاعِهِ مَعَ عَلِيٍّ لَمْ يَدَّعِ الإمامَةَ لِنَفْسِهِ، وإنَّما ادَّعى وِلايَةَ الشّامِ بِتَوْلِيَةِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأئِمَّةِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ: إجْماعُ الأُمَّةِ في عَصْرِهِما عَلى أنَّ الإمامَ أحَدُهُما فَقَطْ لا كُلٌّ مِنهُما. وأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما أقَوْمَ بِما لَدَيْهِ، وأضْبَطَ لِما يَلِيهِ، وبِجَوازِ بَعْثِ نَبِيَّيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﷺ: «فاقْتُلُوا الآخَرَ مِنهُما»؛ ولِأنَّ نَصْبَ خَلِيفَتَيْنِ يُؤَدِّي إلى الشِّقاقِ وحُدُوثِ الفِتَنِ.

القَوْلُ الثّالِثُ: التَّفْصِيلُ، فَيُمْنَعُ نَصْبُ إمامَيْنِ في البَلَدِ الواحِدِ والبِلادِ المُتَقارِبَةِ، ويَجُوزُ في الأقْطارِ المُتَنائِيَةِ كالأنْدَلُسِ وخُراسانَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما نَصُّهُ: لَكِنْ إنْ تَباعَدَتِ الأقْطارُ وتَبايَنَتْ كالأنْدَلُسِ وخُراسانَ، جازَ ذَلِكَ عَلى ما يَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.

والمُشارُ إلَيْهِ في كَلامِهِ: نَصْبُ خَلِيفَتَيْنِ، ومِمَّنْ قالَ بِجَوازِ ذَلِكَ: الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ، ونَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ، والقُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.

وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قُلْتُ: وهَذا يُشْبِهُ حالَ الخُلَفاءِ؛ بَنِي العَبّاسِ بِالعِراقِ، والفاطِمِيِّينَ بِمِصْرَ، والأُمَوِيِّينَ بِالمَغْرِبِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ لِلْإمامِ أنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ ؟

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَهُ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ لَهُ عَزْلَ نَفْسِهِ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أقِيلُونِي أقِيلُونِي، وقَوْلُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: لا نُقِيلُكَ ولا نَسْتَقِيلُكَ. قَدَّمَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنا فَمَن ذا يُؤَخِّرُكَ، رَضِيَكَ (p-٣٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنا أفَلا نَرْضاكَ ؟

قالَ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لَأنْكَرَتِ الصَّحابَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولَقالَتْ لَهُ: لَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ هَذا.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَيْسَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ تَقَلَّدَ حُقُوقَ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لَهُ التَّخَلِّي عَنْها.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: إنْ كانَ عَزْلُهُ لِنَفْسِهِ لِمُوجَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ كَإخْمادِ فِتْنَةٍ كانَتْ سَتَشْتَعِلُ لَوْ لَمْ يَعْزِلْ نَفْسَهُ، أوْ لِعِلْمِهِ مِن نَفْسِهِ العَجْزَ عَنِ القِيامِ بِأعْباءِ الخِلافَةِ، فَلا نِزاعَ في جَوازِ عَزْلِ نَفْسِهِ. ولِذا أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى الثَّناءِ عَلى سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - بِعَزْلِ نَفْسِهِ وتَسْلِيمِهِ الأمْرَ إلى مُعاوِيَةَ، بَعْدَ أنْ بايَعَهُ أهْلُ العِراقِ؛ حَقْنًا لِدِماءِ المُسْلِمِينَ وأثْنى عَلَيْهِ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ جَدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ يَجِبُ الإشْهادُ عَلى عَقْدِ الإمامَةِ ؟

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَجِبُ؛ لِأنَّ إيجابَ الإشْهادِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ مِنَ النَّقْلِ. وهَذا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنهُ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَجِبُ الإشْهادُ عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أنَّ الإمامَةَ عُقِدَتْ لَهُ سِرًّا، فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى الشِّقاقِ والفِتْنَةِ.

والَّذِينَ قالُوا بِوُجُوبِ الإشْهادِ عَلى عَقْدِ الإمامَةِ، قالُوا: يَكْفِي شاهِدانِ خِلافًا لِلْجُبّائِيِّ في اشْتِراطِهِ أرْبَعَةَ شُهُودٍ وعاقِدًا ومَعْقُودًا لَهُ، مُسْتَنْبِطًا ذَلِكَ مِن تَرْكِ عُمَرَ الأمْرَ شُورى بَيْنَ سِتَّةٍ فَوَقَعَ الأمْرُ عَلى عاقِدٍ، وهو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ومَعْقُودٍ لَهُ، وهو عُثْمانُ وبَقِيَ الأرْبَعَةُ الآخَرُونَ شُهُودًا، ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذا الِاسْتِنْباطِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

2:31Page 6

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١

And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ يَعْنِي مُسَمَّياتِ الأسْماءِ لا الأسْماءَ كَما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ.

وَقَدْ أشارَ إلى أنَّها المُسَمَّياتُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ، كَما هو ظاهِرٌ.

2:32Page 6

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢

They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing,1 the Wise."2

No commentary for this ayah

2:33Page 6

قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣

He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."

(p-٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي كانُوا يَكْتُمُونَ، وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو ما كانَ يُضْمِرُهُ إبْلِيسُ مِنَ الكِبْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ .

2:34Page 6

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He refused and was arrogant and became of the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ قالَ لَهم ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ أوْ بَعْدَ خَلْقِهِ ؟ وقَدْ صَرَّحَ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ و ”ص“ بِأنَّهُ قالَ لَهم ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ. فَقالَ في ”الحِجْرِ“: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ الآيَةَ ٢٨، ٢٩ ]، وقالَ في سُورَةِ ”ص“: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ الآيَةَ ٧١، ٧٢ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مُوجِبَ اسْتِكْبارِهِ في زَعْمِهِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وقَوْلِهِ: ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] .

تَنْبِيهٌ

مِثْلُ قِياسِ إبْلِيسَ نَفْسَهُ عَلى عُنْصُرِهِ، الَّذِي هو النّارُ وقِياسِهِ آدَمَ عَلى عُنْصُرِهِ، الَّذِي هو الطِّينُ واسْتِنْتاجُهُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ خَيْرٌ مِن آدَمَ. ولا يَنْبَغِي أنْ يُؤْمَرَ بِالسُّجُودِ لِمَن هو خَيْرٌ مِنهُ، مَعَ وُجُودِ النَّصِّ الصَّرِيحِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ يُسَمّى في اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ فاسِدُ الِاعْتِبارِ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]

؎والخُلْفُ لِلنَّصِّ أوْ إجْماعٍ دَعا فَسادَ الِاعْتِبارِ كُلُّ مَن وعى

فَكُلُّ مَن رَدَّ نُصُوصَ الوَحْيِ بِالأقْيِسَةِ فَسَلَفُهُ في ذَلِكَ إبْلِيسُ، وقِياسُ إبْلِيسَ هَذا لَعَنَهُ اللَّهُ باطِلٌ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ فاسِدُ الِاعْتِبارِ؛ لِمُخالَفَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.

الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ النّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ، بَلِ الطِّينُ خَيْرٌ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّ طَبِيعَتَها الخِفَّةُ والطَّيْشُ والإفْسادُ والتَّفْرِيقُ، وطَبِيعَتَهُ الرَّزانَةُ والإصْلاحُ فَتُودِعُهُ الحَبَّةَ (p-٣٤)فَيُعْطِيكَها سُنْبُلَةً، والنَّواةَ فَيُعْطِيكَها نَخْلَةً.

وَإذا أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ قَدْرَ الطِّينِ فانْظُرْ إلى الرِّياضِ النّاضِرَةِ، وما فِيها مِنَ الثِّمارِ اللَّذِيذَةِ، والأزْهارِ الجَمِيلَةِ، والرَّوائِحِ الطَّيِّبَةِ تَعْلَمُ أنَّ الطِّينَ خَيْرٌ مِنَ النّارِ.

الثّالِثُ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّ النّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ خَيْرٌ مِن آدَمَ؛ لِأنَّ شَرَفَ الأصْلِ لا يَقْتَضِي شَرَفَ الفَرْعِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الأصْلُ رَفِيعَ الفَرْعِ وضِيعًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: [ البَسِيطُ ]

؎إذا افْتَخَرْتَ بِآباءٍ لَهم شَرَفٌ ∗∗∗ قُلْنا صَدَقْتَ ولَكِنْ بِئْسَ ما ولَدُوا

وَقالَ الآخَرُ: [ المُتَقارِبُ ]

؎وَما يَنْفَعُ الأصْلُ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ إذا كانَتِ النَّفْسُ مِن باهِلَهْ

2:35Page 6

وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ الآيَةَ.

يُتَوَهَّمُ مُعارَضَتُهُ مَعَ قَوْلِهِ: حَيْثُ شِئْتُما [البقرة: ٣٥] .

والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ”اسْكُنْ“ أمْرٌ بِالسُّكْنى لا بِالسُّكُونِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَرَكَةِ، فالأمْرُ بِاتِّخاذِ الجَنَّةِ مَسْكَنًا لا يُنافِي التَّحَرُّكَ فِيها وأكْلَهُما مِن حَيْثُ شاءا.

2:36Page 6

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

No commentary for this ayah

2:37Page 6

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧

Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٌ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذِهِ الكَلِماتُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، بِقَوْلِهِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [ الآيَةَ ٢٣ ] .

2:38Page 7

قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

No commentary for this ayah

2:39Page 7

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٩

And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."

No commentary for this ayah

2:40Page 7

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذِهِ النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَها عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في آياتٍ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ الآيَةَ،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿وَنُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥، ٦]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما عَهْدُهُ وما عَهْدُهم، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [المائدة: ١٢] فَعَهْدُهم هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وعَهْدُهُ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ .

(p-٣٥)وَأشارَ إلى عَهْدِهِمْ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

2:41Page 7

وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيَةَ.

جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِيغَةِ خِطابِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ و ”لا تَشْتَرُوا“ .

وَقَدْ أفْرَدَ لَفْظَةَ ”كافِرٍ“، ولَمْ يَقُلْ ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرِينَ. ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الإفْرادِ والجَمْعِ في شَيْءٍ واحِدٍ، أنَّ مَعْنى: ﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ﴾ أيْ أوَّلَ فَرِيقٍ كافِرٍ، فاللَّفْظُ مُفْرَدٌ والمَعْنى جَمْعٌ، فَيَجُوزُ مُراعاةُ كُلٍّ مِنها، وقَدْ جَمَعَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَإذا هم طَعِمُوا فَألْأمُ طاعِمٍ وإذا هم جاعُوا فَشَرُّ جِياعٍ

وَقِيلَ: هو مِن إطْلاقِ المُفْرَدِ وإرادَةِ الجَمْعِ، كَقَوْلِ ابْنِ عُلَّفَةَ:

؎وَكانَ بَنُو فَزارَةَ شَرَّ عَمٍّ

. . . . . . . . كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.

2:42Page 7

وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ بِالباطِلِ هو إيمانُهم بِبَعْضِ ما في التَّوْراةِ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوا بِهِ الحَقَّ هو كُفْرُهم بِبَعْضِ ما في التَّوْراةِ، وجَحْدُهم لَهُ، كَصِفاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وغَيْرِها مِمّا كَتَمُوهُ وجَحَدُوهُ، وهَذا يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٨٥] والعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ كَما تَقَدَّمَ.

2:43Page 7

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

And establish prayer and give zakāh1 and bow with those who bow [in worship and obedience].

No commentary for this ayah

2:44Page 7

۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤

Do you order righteousness of the people and forget1 yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

No commentary for this ayah

2:45Page 7

وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥

And seek help through patience and prayer; and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allāh]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ الِاسْتِعانَةُ بِالصَّبْرِ عَلى أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ لا إشْكالَ فِيها، وأمّا نَتِيجَةُ الِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ، فَقَدْ أشارَ لَها تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ، فَذَكَرَ أنَّ مِن نَتائِجِ الِاسْتِعانَةِ بِها النَّهْيَ عَمّا لا يَلِيقُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وأنَّها تَجْلِبُ الرِّزْقَ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾، ولِذا كانَ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ بادَرَ إلى الصَّلاةِ.

وَإيضاحُ ذَلِكَ: أنَّ العَبْدَ إذا قامَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ يُناجِيهِ، ويَتْلُو كِتابَهُ هانَ عَلَيْهِ كُلُّ ما في الدُّنْيا رَغْبَةً فِيما عِنْدَ اللَّهِ ورَهْبَةً مِنهُ، فَيَتَباعَدُ عَنْ كُلِّ ما لا يُرْضِي اللَّهَ فَيَرْزُقُهُ اللَّهُ ويَهْدِيهِ.

2:46Page 7

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ٤٦

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾، المُرادُ بِالظَّنِّ هُنا: اليَقِينُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] .

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ . (p-٢١٠)هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الظَّنَّ يَكْفِي في أُمُورِ المَعادِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] ووَجْهُ الجَمْعِ أنَّ الظَّنَّ بِمَعْنى اليَقِينِ والعَرَبُ تُطْلِقُ الظَّنَّ بِمَعْنى اليَقِينِ ومَعْنى الشَّكِّ، وإتْيانُ الظَّنِّ بِمَعْنى اليَقِينِ كَثِيرٌ في القُرْءانِ وفي كَلامِ العَرَبِ. فَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْءانِ هَذِهِ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ . . . . . . الآيَةَ [البقرة: ٢٤٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ [الكهف: ٥٣]، أيْ أيْقَنُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]، أيْ أيْقَنْتُ.

وَنَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عُمَيْرَةَ بْنِ طارِقٍ:

؎بِأنْ تَغْتَرُوا قَوْمِي وأقْعُدَ فِيكُمُ وأجْعَلَ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّما

أيْ أجْعَلُ مِنِّي اليَقِينَ غَيْبًا.

وَقَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:

؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ

فَقَوْلُهُ: ظُنُّوا أيْ أيْقِنُوا.

2:47Page 7

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds [i.e., peoples].

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى لِبَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ .

لا يُعارِضُ قَوْلَهُ تَعالى في تَفْضِيلِ هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١١٠]، لِأنَّ المُرادَ بِالعالَمِينَ عالَمُو زَمانِهِمْ بِدَلِيلِ الآياتِ والأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أفْضَلُ مِنهم، كَحَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ القُشَيْرِيِّ في المَسانِيدِ والسُّنَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ» .

ألا تَرى أنَّ اللَّهَ جَعَلَ المُقْتَصِدَ مِنهم هو أعْلاهم مَنزِلَةً حَيْثُ قالَ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦]، وجَعَلَ في هَذِهِ الأُمَّةِ دَرَجَةً أعْلى مِن دَرَجَةِ المُقْتَصِدَةِ وهي دَرَجَةُ السّابِقِ بِالخَيْراتِ، حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ الآيَةَ [ ٣٥ ] .

2:48Page 7

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٨

And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ الآيَةَ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ عَدَمُ قَبُولِ الشَّفاعَةِ مُطْلَقًا يَوْمَ القِيامَةِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ الشَّفاعَةَ المَنفِيَّةَ هي الشَّفاعَةُ لِلْكُفّارِ، والشَّفاعَةُ لِغَيْرِهِمْ بِدُونِ إذْنِ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ.

أمّا الشَّفاعَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِإذْنِهِ فَهي ثابِتَةٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ. فَنَصَّ عَلى عَدَمِ الشَّفاعَةِ لِلْكَفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقَدْ قالَ: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقالَ تَعالى عَنْهم مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] (p-٣٦)وَقالَ: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقالَ في الشَّفاعَةِ بِدُونِ إذْنِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقالَ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦]، وقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وادِّعاءُ شُفَعاءَ عِنْدَ اللَّهِ لِلْكُفّارِ أوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، مِن أنْواعِ الكُفْرِ بِهِ جَلَّ وعَلا، كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا﴾ [يونس: ١٨] .

تَنْبِيهٌ

هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ مِن أنَّ الشَّفاعَةَ لِلْكُفّارِ مُسْتَحِيلَةٌ شَرْعًا مُطْلَقًا، يُسْتَثْنى مِنهُ شَفاعَتُهُ ﷺ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ في نَقْلِهِ مِن مَحَلٍّ مِنَ النّارِ إلى مَحَلٍّ آخَرَ مِنها، كَما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ في الصَّحِيحِ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرْنا مِن تَخْصِيصِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ.

2:49Page 8

وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٤٩

And [recall] when We saved you [i.e., your forefathers] from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ.

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

(p-٢١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ الآيَةَ.

ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِحْياءَ النِّساءِ مِن جُمْلَةِ العَذابِ الَّذِي كانَ يَسُومُهم فِرْعَوْنُ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الإناثَ هِبَةٌ مِن هِباتِ اللَّهِ لِمَن أعْطاهُنَّ لَهُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، فَبَقاءُ بَعْضِ الأوْلادِ عَلى هَذا خَيْرٌ مِن مَوْتِهِمْ كُلِّهِمْ، كَما قالَ الهُذَيْلُ:

؎حَمِدْتُ إلَهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إذْ نَجا خِراشٌ وبَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ

والجَوابُ عَنْ هَذا، أنَّ الإناثَ وإنْ كُنَّ هِبَةً مِنَ اللَّهِ لِمَن أعْطاهُنَّ لَهُ، فَبَقاؤُهُنَّ تَحْتَ يَدِ العَدُوِّ يَفْعَلُ بِهِنَّ ما يَشاءُ مِنَ الفاحِشَةِ والعارِ، ويَسْتَخْدِمُهُنَّ في الأعْمالِ الشّاقَّةِ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ، ومَوْتُهُنَّ راحَةٌ مِن هَذا العَذابِ، وقَدْ كانَ العَرَبُ يَتَمَنَّوْنَ مَوْتَ الإناثِ خَوْفًا مِن مِثْلِ هَذا.

قالَ بَعْضُ شُعَراءِ العَرَبِ في ابْنَةٍ لَهُ تُسَمّى مَوَدَّةَ:

؎مَوَدَّةُ تَهْوى عُمْرَ شَيْخٍ يَسُرُّهُ ∗∗∗ لَها المَوْتُ قَبْلَ اللَّيْلِ لَوْ أنَّها تَدْرِي

؎يَخافُ عَلَيْها جَفْوَةَ النّاسِ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا خَتَنَ يُرْجى أوَدُّ مِنَ القَبْرِ

وَقالَ الآخَرُ:

؎تَهْوى حَياتِي وأهْوى مَوْتَها شَفَقًا ∗∗∗ والمَوْتُ أكْرَمُ نَزّالٍ عَلى الحُرَمِ

وَقالَ بَعْضُ راجِزِيهِمْ:

؎إنِّي وإنْ سِيقَ إلَيَّ المَهْرُ

؎عَبْدٌ وألْفانِ وذَوْدٌ عَشْرُ ∗∗∗ أحَبُّ أصْهارِي إلَيَّ القَبْرُ

وَقالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: وفي القُرْءانِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإنْسانَ يَسُوءُهُ إهانَةُ ذُرِّيَّتِهِ الضِّعافِ بَعْدَ مَوْتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩] .

2:50Page 8

وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٠

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكُمْ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ فَرْقِ البَحْرِ بِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ الآيَةَ [طه: ٧٧] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ إغْراقِهِمْ ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وَأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [ ٢٦ \ ٦٠ إلى ٦٦ ]، وقَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] .

وَقَوْلِهِ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿رَهْوًا﴾، (p-٣٧)أيْ: ساكِنًا عَلى حالَةِ انْفِلاقِهِ حَتّى يَدْخُلُوا فِيهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

2:51Page 8

وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٥١

And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him [i.e., his departure], while you were wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ واعَدَهُ إيّاها مُجْتَمِعَةً أوْ مُتَفَرِّقَةً ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في سُورَةِ الأعْرافِ أنَّها مُتَفَرِّقَةٌ، وأنَّهُ واعَدَهُ أوَّلًا ثَلاثِينَ، ثُمَّ أتَمَّها بِعَشْرٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٢٤] .

2:52Page 8

ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٢

Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.

No commentary for this ayah

2:53Page 8

وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ٥٣

And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion1 that perhaps you would be guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

لظّاهِرُ في مَعْناهُ: أنَّ الفُرْقانَ هو الكِتابُ الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى، وأنَّما عَطَفَ عَلى نَفْسِهِ تَنْزِيلًا لِتَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الكِتابَ الَّذِي هو التَّوْراةُ مَوْصُوفٌ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَكْتُوبٌ كَتَبَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.

والثّانِي: أنَّهُ فُرْقانٌ؛ أيْ: فارَقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَعَطَفَ الفُرْقانَ عَلى الكِتابِ، مَعَ أنَّهُ هو نَفْسُهُ نَظَرًا لِتَغايُرِ الصِّفَتَيْنِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: [ المُتَقارِبُ ]

؎إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ

بَلْ رُبَّما عَطَفَتِ العَرَبُ الشَّيْءَ عَلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ فَقَطْ، فاكْتَفُوا بِالمُغايَرَةِ في اللَّفْظِ. كَقَوْلِ الشّاعِرِ: [ البَسِيطُ ]

؎إنِّي لَأعْظُمُ في صَدْرِ الكَمِيِّ عَلى ∗∗∗ ما كانَ فِيَّ مِنَ التَّجْدِيرِ والقِصَرِ

القِصَرُ: هو التَّجْدِيرُ بِعَيْنِهِ، وقَوْلُ الآخَرِ: [ الوافِرُ ]

؎وَقَدَّدْتُ الأدِيمَ لِراهِشِيهِ ∗∗∗ وألْفى قَوْلُها كَذِبًا ومَيْنا

والمَيْنُ: هو الكَذِبُ بِعَيْنِهِ، وقَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلُ ]

؎ألا حَبَّذا هِنْدٌ وأرْضٌ بِها هِنْدٌ ∗∗∗ وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ

والبُعْدُ: هو النَّأْيُ بِعَيْنِهِ، وقَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: [ الكامِلُ ]

؎حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ

والإقْفارُ: هو الإقْواءُ بِعَيْنِهِ.

والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ الفُرْقانَ هو ما أُوتِيَهُ مُوسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٤٨] .

2:54Page 8

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤

And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves [i.e., the guilty among you]. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of Repentance, the Merciful.

(p-٣٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مِن أيِّ شَيْءٍ هَذا العِجْلُ المَعْبُودُ مِن دُونِ اللَّهِ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [طه: ٨٧، ٨٨] ولَمْ يَذْكُرِ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلِاتِّخاذِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وتَقْدِيرُهُ: بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ إلَهًا، كَما أشارَ لَهُ في سُورَةِ ”طَهَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [الأعلى: ٨٨]، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]، أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] .

2:55Page 8

وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٥

And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allāh outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском