Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Taha 20:94–110
20:94Page 318
قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي ٩٤
[Aaron] said, "O son of my mother, do not seize [me] by my beard or by my head. Indeed, I feared that you would say, 'You caused division among the Children of Israel, and you did not observe [or await] my word.'"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ هارُونَ قالَهُ لِأخِيهِ مُوسى ﴿ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ أرادَ أنْ يُمْسِكَ بِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في ”الأعْرافِ“ أنَّهُ أخَذَ بِرَأْسِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، . وقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]، مِن بَقِيَّةِ كَلامِ هارُونَ. أيْ: خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنْ تَقُولَ لِي لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي أيْ: لَمْ تَعْمَلْ بِوَصِيَّتِي وتَمْتَثِلْ أمْرِي.
* *
(p-٩٢)تَنْبيهٌ
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِضَمِيمَةِ آيَةِ ”الأنْعامِ“ إلَيْها تَدُلُّ عَلى لُزُومِ إعْفاءِ اللِّحْيَةِ، فَهي دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ عَلى إعْفاءِ اللِّحْيَةِ وعَدَمِ حَلْقِها. وآيَةُ الأنْعامِ المَذْكُورَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨٤] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ أنْ عَدَّ الأنْبِياءَ الكِرامَ المَذْكُورِينَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ ٦ ]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هارُونَ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أمَرَ نَبِيُّنا ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ، وأمْرُهُ ﷺ بِذَلِكَ أمْرٌ لَنا. لِأنَّ أمْرَ القُدْوَةِ أمْرٌ لِأتْباعِهِ كَما بَيَّنّا إيضاحَهُ بِالأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ وقَدْ قَدَّمْنا هُناكَ: أنَّهُ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّ مُجاهِدًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ أُخِذَتِ السَّجْدَةُ في ”ص“ قالَ: أوْ ما تَقْرَأُ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ ٦ ]، فَسَجَدَها داوُدُ فَسَجَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» فَإذا عَلِمْتَ بِذَلِكَ أنَّ هارُونَ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أُمِرَ نَبِيُّنا ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، وعَلِمْتَ أنَّ أمْرَهُ أمْرٌ لَنا. لِأنَّ لَنا فِيهِ الأُسْوَةَ الحَسَنَةَ، وعَلِمْتَ أنَّ هارُونَ كانَ مُوَفِّرًا شَعْرَ لِحْيَتِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِأخِيهِ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ لِأنَّهُ لَوْ كانَ حالِقًا لَما أرادَ أخُوهُ الأخْذَ بِلِحْيَتِهِ تَبَيَّنَ لَكَ مِن ذَلِكَ بِإيضاحٍ: أنَّ إعْفاءَ اللِّحْيَةِ مِنَ السَّمْتِ الَّذِي أُمِرْنا بِهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وأنَّهُ كانَ سَمْتُ الرُّسُلِ الكِرامِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ. والعَجَبُ مِنَ الَّذِينَ مَضَخَتْ ضَمائِرُهم، واضْمَحَلَّ ذَوْقُهم، حَتّى صارُوا يَفِرُّونَ مِن صِفاتِ الذُّكُورِيَّةِ، وشَرَفِ الرُّجُولَةِ، إلى خُنُوثَةِ الأُنُوثَةِ، ويُمَثِّلُونَ بِوُجُوهِهِمْ بِحَلْقِ أذْقانِهِمْ، ويَتَشَبَّهُونَ بِالنِّساءِ حَيْثُ يُحاوِلُونَ القَضاءَ عَلى أعْظَمِ الفَوارِقِ الحِسِّيَّةِ بَيْنَ الذَّكَرِ، والأُنْثى وهو اللِّحْيَةُ. وقَدْ كانَ ﷺ كَثَّ اللِّحْيَةِ، وهو أجْمَلُ الخَلْقِ وأحْسَنُهم صُورَةً. والرِّجالُ الَّذِينَ أخَذُوا كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ، ودانَتْ لَهم مَشارِقُ الأرْضِ ومَغارِبُها: لَيْسَ فِيهِمْ حالِقٌ. نَرْجُو اللَّهَ أنْ يُرِيَنا وإخْوانَنا المُؤْمِنِينَ الحَقَّ حَقًّا، ويَرْزُقَنا اتِّباعَهُ، والباطِلَ باطِلًا ويَرْزُقَنا اجْتِنابَهُ.
أمّا الأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى إعْفاءِ اللِّحْيَةِ، فَلَسْنا بِحاجَةٍ إلى ذِكْرِها لِشُهْرَتِها بَيْنَ النّاسِ، وكَثْرَةِ الرَّسائِلِ المُؤَلَّفَةِ في ذَلِكَ. وقَصَدْنا هُنا أنْ نُبَيِّنَ دَلِيلَ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ. وإنَّما قالَ هارُونُ لِأخِيهِ ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ﴾ لِأنَّ قَرابَةَ الأُمِّ أشَدُّ عَطْفًا وحَنانًا مِن قَرابَةِ الأبِ.
وَأصْلُهُ يا ابْنَ أُمِّي بِالإضافَةِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، ويَطَّرِدُ حَذْفُ الياءِ وإبْدالُها ألِفًا وحَذْفُ الألِفِ المُبْدَلَةِ مِنها كَما هُنا، وإلى ذَلِكَ أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَفَتْحٌ أوْ كَسْرٌ وحَذْفُ اليا اسْتَمَرْ في يا بْنَ أُمَّ يا بْنَ عَمَّ لا مَفَرْ
(p-٩٣)وَأمّا ثُبُوتُ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَيَقُولُ حَرْمَلَةُ بْنُ المُنْذِرِ:
؎يا ابْنَ أُمِّي ويا شَقِيقِيَ ∗∗∗ نَفْسِي أنْتَ خَلَّيْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدِ
فَلُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وقالَ بَعْضُهم: هو لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وقَوْلُهُ ”يا ابْنَ أُمَّ“ قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِها. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] .
No commentary for this ayah
20:96Page 318
قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي ٩٦
He said, "I saw what they did not see, so I took a handful [of dust] from the track of the messenger1 and threw it,2 and thus did my soul entice me."
No commentary for this ayah
20:97Page 318
قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا ٩٧
[Moses] said, "Then go. And indeed, it is [decreed] for you in [this] life to say, 'No contact.'1 And indeed, you have an appointment [in the Hereafter] you will not fail to keep. And look at your 'god' to which you remained devoted. We will surely burn it and blow it [i.e., its ashes] into the sea with a blast.
No commentary for this ayah
20:98Page 318
إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا ٩٨
Your god is only Allāh, except for whom there is no deity. He has encompassed all things in knowledge."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ العِجْلَ الَّذِي صَنَعَهُ السّامِرِيُّ مِن حُلِيِّ القِبْطِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلاهًا ؟ وذَلِكَ لِأنَّهُ حَصَرَ الإلَهَ أيِ: المَعْبُودَ بِحَقٍّ بِـ إنَّما الَّتِي هي أداةُ حَصْرٍ عَلى التَّحْقِيقِ في خالِقِ السَّماواتِ، والأرْضِ. الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو. أيْ: لا مَعْبُودَ بِالحَقِّ إلّا هو وحْدَهُ جَلَّ وعَلا، وهو الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا. وقَوْلُهُ عِلْمًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، أيْ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَما ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن أنَّهُ تَعالى هو الإلَهُ المَعْبُودُ بِحَقٍّ دُونَ غَيْرِهِ، وأنَّهُ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ذَكَرَهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ تَعالى. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢]، وقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ الآيَةَ [محمد: ١٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلِهِ في إحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
20:99Page 319
كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا ٩٩
Thus, [O Muḥammad], We relate to you from the news of what has preceded. And We have certainly given you from Us a message [i.e., the Qur’ān].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ .
الكافُ في قَوْلِهِ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما سَبَقَ قَصَصًا مِثْلَ ذَلِكَ القَصَصِ الحَسَنِ الحَقِّ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ عَنْ مُوسى وهارُونَ، وعَنْ مُوسى وقَوْمِهِ، والسّامِرِيِّ. والظّاهِرُ أنَّ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم لَمْ يُقْصَصْ عَلَيْهِ خَبَرُهُ ويَدُلُّ لِهَذا (p-٩٤)المَفْهُومِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”النِّساءِ“: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، وقَوْلُهُ في سُورَةِ ”المُؤْمِنِ“: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، قَوْلُهُ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ [إبراهيم: ٩]، . والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ وهو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ.
وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ قَصَّ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ أخْبارَ الماضِينَ. أيْ: لِيُبَيِّنَ بِذَلِكَ صِدْقَ نُبُوَّتِهِ، لِأنَّهُ أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ، ولا يَقْرَأُ الكُتُبَ، ولَمْ يَتَعَلَّمْ أخْبارَ الأُمَمِ وقِصَصَهم. فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ ذَلِكَ لَما عَلِمَهُ. بَيَّنَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،
• كَقَوْلِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، أيْ: فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْكَ ذَلِكَ لَما كانَ لَكَ عِلْمٌ بِهِ.
• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”هُودٍ“ ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]،
• وقَوْلِهِ في ”هُودٍ“ أيْضًا: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ الآيَةَ [هود: ١٢٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”يُوسُفَ“: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢]،
• وقَوْلِهِ في ”يُوسُفَ“ أيْضًا: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]،
• وقَوْلِهِ في ”القَصَصِ“: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ فِيها: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ [القصص: ٤٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [القصص: ٤٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. يَعْنِي لَمْ تَكُنْ حاضِرًا يا نَبِيَّ اللَّهِ لِتِلْكَ الوَقائِعِ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْكَ ذَلِكَ لَما عَلِمْتَهُ. وقَوْلِهِ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ أيْ: أخْبارِ ما مَضى مِن أحْوالِ الأُمَمِ، والرُّسُلِ.
* *
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ .
أيْ: أعْطَيْناكَ مِن عِنْدِنا ذِكْرًا وهو هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٩٥)﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ ٣٨ ]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٤٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ثُمَّ في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ كِتابٌ فِيهِ ذِكْرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم.
وَثانِيها: أنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعَ آلاءِ اللَّهِ ونَعْمائِهِ تَعالى. فَفِيهِ التَّذْكِيرُ، والمَواعِظُ.
وَثالِثُها: أنَّهُ فِيهِ الذِّكْرُ، والشَّرَفُ لَكَ ولِقَوْمِكَ عَلى ما قالَ: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى كُلَّ كُتُبِهِ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ٧]، ا ه المُرادُ مِن كَلامِ الرّازِيِّ.
وَيَدُلُّ لِلْوَجْهِ الثّانِي في كَلامِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ . [طه: ١١٣] .
20:100Page 319
مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا ١٠٠
Whoever turns away from it - then indeed, he will bear on the Day of Resurrection a burden [i.e., great sin],
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ هَذا الذِّكْرِ الَّذِي هو القُرْآنُ العَظِيمُ، أيْ: صَدَّ وأدْبَرَ عَنْهُ، ولَمْ يَعْمَلْ بِما فِيهِ مِنَ الحَلالِ، والحَرامِ، والآدابِ، والمَكارِمِ، ولَمْ يَعْتَقِدْ ما فِيهِ مِنَ العَقائِدِ ويَعْتَبِرُ بِما فِيهِ مِنَ القَصَصِ، والأمْثالِ، ونَحْوَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يُرِيدُ بِالوِزْرِ العُقُوبَةَ الثَّقِيلَةَ الباهِظَةَ. سَمّاها وِزْرًا تَشْبِيهًا في ثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها، بِالحِمْلِ الَّذِي يَفْدَحُ الحامِلَ ويَنْقُضُ ظَهْرَهُ، ويُلْقِي عَلَيْهِ بِوِزْرِهِ. أوْ لِأنَّها جَزاءُ الوِزْرِ وهو الإثْمُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ دَلَّتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ: عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ يَأْتُونَ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُونَ أوْزارَهم. أيْ: أثْقالَ ذُنُوبِهِمْ عَلى ظُهُورِهِمْ.
• كَقَوْلِهِ في (p-٩٦)سُورَةِ ”الأنْعامِ“: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]،
• وقَوْلِهِ في ”النَّحْلِ“: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]،
• وقَوْلِهِ في ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]،
• وقَوْلِهِ في ”فاطِرٍ“: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨]، .
وَبِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا وأمْثالِها في القُرْآنِ تَعْلَمُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ١٠٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ١٠١]، أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الوِزْرِ المَحْمُولِ أثْقالُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ يَأْتُونَ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُونَها: سَواءٌ قُلْنا إنَّ أعْمالَهُمُ السَّيِّئَةُ تَتَجَسَّمُ في أقْبَحِ صُورَةٍ وأنْتَنِها، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَمَلَ ”ساءَ“ الَّتِي بِمَعْنى بِئْسَ مِرارًا. فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ . قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ يُرِيدُ مُقِيمِينَ فِيهِ، أيْ: في جَزائِهِ، وجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ.
تَنْبِيهٌ
إفْرادُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: أعْرَضَ
• وقَوْلِهِ: فَإنَّهُ
• وقَوْلِهِ: يَحْمِلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ”مَن“ وأمّا جَمْعُ خالِدِينَ وضَمِيرُ لَهم ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَبِاعْتِبارِ مَعْنى مِن.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ [طه: ١٠١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ الآيَةَ [الجن: ٢٣] .
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنْ قُلْتَ: اللّامُ في ”لَهم“ ما هي ؟ وبِمَ تَتَعَلَّقُ ؟ قُلْتُ: هي لِلْبَيانِ كَما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ . [يوسف: ٢٣] .
20:101Page 319
خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا ١٠١
[Abiding] eternally therein,1 and evil it is for them on the Day of Resurrection as a load -
No commentary for this ayah
20:102Page 319
يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا ١٠٢
The Day the Horn will be blown. And We will gather the criminals, that Day, blue-eyed.1
No commentary for this ayah
20:103Page 319
يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا ١٠٣
They will murmur among themselves, "You remained not but ten [days in the world]."
No commentary for this ayah
20:104Page 319
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا ١٠٤
We are most knowing of what they say when the best of them in manner [i.e., wisdom or speech] will say, "You remained not but one day."
No commentary for this ayah
20:105Page 319
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا ١٠٥
And they ask you about the mountains, so say, "My Lord will blow them away with a blast.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهم يَسْألُونَهُ عَنِ الجِبالِ، وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: (p-٩٧)إنَّ رَبَّهُ يَنْسِفُها نَسْفًا، وذَلِكَ بِأنْ يَقْلَعَها مِن أُصُولِها، ثُمَّ يَجْعَلَها كالرَّمْلِ المُتَهايِلِ الَّذِي يَسِيلُ، وكالصُّوفِ المَنفُوشِ تُطَيِّرُها الرِّياحُ هَكَذا وهَكَذا.
واعْلَمْ أنَّهُ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ الأحْوالَ الَّتِي تَصِيرُ إلَيْها الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ. فَبَيَّنَ أنَّهُ يَنْزِعُها مِن أماكِنِها ويَحْمِلُها فَيَدُكُّها دَكًّا. وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٤]، .
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يُسَيِّرُها في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٧ - ٨٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩ - ١٠]، .
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يُفَتِّتُها ويَدُقُّها كَقَوْلِهِ ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ أيْ: فُتِّتَتْ حَتّى صارَتْ كالبَسِيسَةِ، وهي دَقِيقٌ مَلْتُوتٌ بِسَمْنٍ أوْ نَحْوِهِ عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ، وقَوْلِهِ: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، .
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يُصَيِّرُها كالرَّمْلِ المُتَهايِلِ، وكالعِهْنِ المَنفُوشِ ؟ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩]، في ”المَعارِجِ، والقارِعَةِ“ . والعِهْنُ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى في مُعَلَّقَتِهِ:
؎كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّها تَصِيرُ كالهَباءِ المُنْبَثِّ في قَوْلِهِ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّها تَصِيرُ سَرابًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، وقَدْ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ السَّرابَ لا شَيْءَ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وبَيَّنَ أنَّهُ يَنْسِفُها نَسْفًا في قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥]، .
* *
تَنْبِيهٌ
(p-٩٨)جَرَتِ العادَةُ في القُرْآنِ: أنَّ اللَّهَ إذا قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: يَسْألُونَكَ قالَ لَهُ قُلْ بِغَيْرِ فاءٍ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٥]
• وقَوْلِهِ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، أمّا في آيَةِ ”طه“ هَذِهِ فَقالَ فِيها: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها﴾ [طه: ١٠٥]
بِالفاءِ. وقَدْ أجابَ القُرْطُبِيُّ عَنْ هَذا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِما نَصُّهُ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ أيْ: عَنْ حالِ الجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَقُلْ. جاءَ هَذا بِفاءٍ، وكُلُّ سُؤالٍ في القُرْآنِ ”قُلْ“ بِغَيْرِ فاءٍ إلّا هَذا؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ سَألُوكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ، فَتَضَمَّنَ الكَلامُ مَعْنى الشَّرْطِ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يَسْألُونَهُ عَنْها فَأجابَهم قَبْلَ السُّؤالِ. وتِلْكَ أسْئِلَةٌ تَقَدَّمَتْ، سَألُوا عَنْها النَّبِيَّ ﷺ فَجاءَ الجَوابُ عَقِبَ السُّؤالِ. فَلِذَلِكَ كانَ بِغَيْرِ فاءٍ. وهَذا سُؤالٌ لَمْ يَسْألُوهُ عَنْهُ بَعْدُ فَتَفَهَّمْهُ انْتَهى مِنهُ. وما ذَكَرَهُ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَيَذَرُها فِيهِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ. ونَظِيرُ هَذا القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقَوْلُهُ: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ١٦]، فالضَّمِيرُ فِيهِما راجِعٌ إلى الأرْضِ ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ. وقَدْ بَيَّنّا شَواهِدَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِيَّةِ، والقُرْآنِ بِإيضاحٍ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى مَنابِتِ الجِبالِ الَّتِي هي مَراكِزُها ومَقارُّها لِأنَّها مَفْهُومَةٌ مِن ذِكْرِ الجِبالِ. والمَعْنى: فَيَذَرُ مَواضِعَها الَّتِي كانَتْ مُسْتَقِرَّةً فِيها مِنَ الأرْضِ قاعًا صَفْصَفًا. والقاعُ: المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مُسْتَنْقَعُ الماءِ. والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي الأمْلَسُ (p-٩٩)الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، ولا بِناءَ، فَإنَّهُ عَلى صَفٍّ واحِدٍ في اسْتِوائِهِ. وأنْشَدَ لِذَلِكَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ الأعْشى:
؎وَكَمْ دُونَ بَيْتِكَ مِن صَفْصَفٍ ودَكْداكِ رَمْلٍ وأعْقادِها
وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎وَمَلْمُومَةٌ شَهْباءُ لَوْ قَذَفُوا بِها ∗∗∗ شَمارِيخَ مِن رَضْوى إذًا عادَ صَفْصَفًا
وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]، أيْ: لا اعْوِجاجَ فِيها، ولا أمْتَ. والأمْتُ: النُّتُوءُ اليَسِيرُ. أيْ: لَيْسَ فِيها اعْوِجاجٌ، ولا ارْتِفاعٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، بَلْ هي مُسْتَوِيَةٌ، ومِن إطْلاقِ الأمْتِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎فاجْرَمَّزَتْ ثُمَّ سارَتْ وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ في كافِرٍ ما بِهِ أمْتٌ، ولا شَرَفٌ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎فَأبْصَرَتْ لَمْحَةً مِن رَأْسِ عِكْرِشَةٍ ∗∗∗ في كافِرٍ ما بِهِ أمْتٌ ولا عِوَجٌ
والكافِرُ في البَيْتَيْنِ: قِيلَ اللَّيْلُ. وقِيلَ المَطَرُ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ العَيْنَ مِن رُؤْيَةِ الِارْتِفاعِ، والِانْحِدارِ في الأرْضِ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ، والعَوَجِ فَقالُوا. العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجِ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ. والأرْضُ عَيْنٌ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟
قُلْتُ اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ، والمَلاسَةِ، ونَفْيِ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ. وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها، وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكِ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ، ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها، وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ ذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ، فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ ولَطُفَ عَنِ الإدْراكِ، اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ، والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكْ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ: عِوَجٌ بِالكَسْرِ، والأمْتُ: النُّتُوءُ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى مِنهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ ما يُغْنِي عَنْ هَذا الكَلامِ الَّذِي ذَكَرَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
20:107Page 319
لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا ١٠٧
You will not see therein a depression or an elevation."
No commentary for this ayah
20:108Page 319
يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا ١٠٨
That Day, they [i.e., everyone] will follow [the call of] the Caller1 [with] no deviation therefrom, and [all] voices will be stilled before the Most Merciful, so you will not hear except a whisper [of footsteps].
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ .
قَوْلُهُ يَوْمَئِذٍ أيْ: يَوْمَ إذْ نُسِفَتِ الجِبالُ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. والدّاعِي: هو المَلَكُ الَّذِي يَدْعُوهم إلى الحُضُورِ لِلْحِسابِ. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: يُنادِيهِمْ أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ، والأوْصالُ المُتَفَرِّقَةُ، واللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ، قُومِي إلى رَبِّكِ لِلْحِسابِ، والجَزاءِ، فَيَسْمَعُونَ الصَّوْتَ ويَتْبَعُونَهُ. ومَعْنى ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾: أيْ: لا يَحِيدُونَ عَنْهُ، ولا يَمِيلُونَ يَمِينًا، ولا شِمالًا. وقِيلَ: لا عِوَجَ لِدُعاءِ المَلَكِ عَنْ أحَدٍ، أيْ: لا يَعْدِلُ بِدُعائِهِ عَنْ أحَدٍ، بَلْ يَدْعُوهم جَمِيعًا. وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنِ اتِّباعِهِمْ لِلدّاعِي لِلْحِسابِ، وعَدَمِ عُدُولِهِمْ عَنْهُ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وزادَ أنَّهم يُسْرِعُونَ إلَيْهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٦ - ٨]، والإهْطاعُ: الإسْراعُ:
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤١ - ٤٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٢]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيْ: خُفِّضَتْ وخَفُتَتْ، وسَكَنَتْ هَيْبَةً لِلَّهِ، وإجْلالًا وخَوْفًا ﴿فَلا تَسْمَعُ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ صَوْتًا عالِيًا، بَلْ لا تَسْمَعُ ﴿إلّا هَمْسًا﴾ أيْ: صَوْتًا خَفِيًّا خافِتًا مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. أوْ ﴿إلّا هَمْسًا﴾ أيْ: إلّا صَوْتَ خَفْقِ الأقْدامِ ونَقْلِها إلى المَحْشَرِ، والهَمْسُ يُطْلَقُ في اللُّغَةِ عَلى الخَفاءِ، فَيَشْمَلُ خَفْضَ الصَّوْتِ وصَوْتَ الأقْدامِ. كَصَوْتِ أخْفافِ الإبِلِ في الأرْضِ الَّتِي فِيها يابِسُ النَّباتِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسًا إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسًا
وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا هُنا أشارَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٧] .
وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ الآيَةَ، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في ”مَرْيَمَ“، وغَيْرِها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
20:109Page 319
يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا ١٠٩
That Day, no intercession will benefit except [that of] one to whom the Most Merciful has given permission and has accepted his word.
No commentary for this ayah
20:110Page 319
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠
He [i.e., Allāh] knows what is [presently] before them and what will be after them,1 but they do not encompass it [i.e., what He knows] in knowledge.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences