Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Taha 20:124–135
20:124Page 320
وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤
And whoever turns away from My remembrance - indeed, he will have a depressed [i.e., difficult] life, and We will gather [i.e., raise] him on the Day of Resurrection blind."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ الآيَةَ [الرعد: ٥٧] الآياتُ المُوَضَّحَةُ نَتائِجَ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى الوَخِيمَةِ. فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقَدْ قَدَّمْنا هُناكَ أنَّ مِنها المَعِيشَةَ الضَّنْكَ. واعْلَمْ (p-١٢٦)أنَّ الضَّنْكَ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ. ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎إنْ يَلْحَقُوا أكْرُرْ وإنْ يَسْتَلْحِمُوا أشْدُدْ ∗∗∗ وإنْ يُلْفَوْا بِضَنْكٍ أنْزِلُ
وَقَوْلُهُ أيْضًا:
؎إنَّ المَنِيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ ∗∗∗ مِثْلِي إذا نَزَلُوا بِضَنْكِ المَنزِلِ
وَأصْلُ الضَّنْكِ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ، والمُؤَنَّثُ، والمُفْرَدُ، والجَمْعُ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أيْ: عَيْشًا ضَيِّقًا، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِهَذا العَيْشِ الضَّيِّقِ عَلى أقْوالٍ مُتَقارِبَةٍ، لا يُكَذِّبُ بَعْضُها بَعْضًا. وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا: أنَّ الأوْلى في مِثْلِ ذَلِكَ شُمُولَ الآيَةِ لِجَمِيعِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ. ومِنَ الأقْوالِ في ذَلِكَ: أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ مَعَ الدِّينِ التَّسْلِيمَ، والقَناعَةَ، والتَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ، والرِّضا بِقِسْمَتِهِ فَصاحِبُهُ يُنْفِقُ مِمّا رَزَقَهُ اللَّهُ بِسَماحٍ وسُهُولَةٍ، فَيَعِيشُ عَيْشًا هَنِيئًا. ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآيَةَ [هود: ٣] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَأمّا المُعْرِضُ عَنِ الدِّينِ فَإنَّهُ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الحِرْصُ الَّذِي لا يَزالُ يَطْمَحُ بِهِ إلى الِازْدِيادِ مِنَ الدُّنْيا مُسَلِّطٌ عَلَيْهِ الشُّحَّ الَّذِي يَقْبِضُ يَدَهُ عَنِ الإنْفاقِ، فَعَيْشُهُ ضَنْكٌ، وحالُهُ مُظْلِمَةٌ. ومِنَ الكَفَرَةِ مَن ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الذِّلَّةَ، والمَسْكَنَةَ بِسَبَبِ كُفْرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الآياتِ [البقرة: ٦١] . وذَلِكَ مِنَ العَيْشِ الضَّنْكِ بِسَبَبِ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهم لَوْ تَرَكُوا الإعْراضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَأطاعُوهُ تَعالى أنَّ عَيْشَهم يَصِيرُ واسِعًا رَغْدًا لا ضَنْكًا،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٩٦]
• وكَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وَيَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ هُودٍ: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٢] (p-١٢٧)
• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ الآيَةَ [الجن: ١٦ - ١٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: هي طَعامُ الضَّرِيعِ، والزَّقُّومِ يَوْمَ القِيامَةِ وذَلِكَ مَذْكُورٌ في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ الآيَةَ [الغاشية: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٤٣ - ٤٤] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: الكَسْبُ الحَرامُ، والعَمَلُ السَّيِّئُ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: عَذابُ القَبْرِ وضَغْطَتُهُ. وقَدْ أشارَ تَعالى إلى فِتْنَةِ القَبْرِ وعَذابِهِ في قَوْلِهِ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ في الآيَةِ: عَذابُ القَبْرِ. وبَعْضُ طُرُقِهِ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ كَما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. ولا يُنافِي ذَلِكَ شُمُولُ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ لِمَعِيشَتِهِ في الدُّنْيا. وطَعامِ الضَّرِيعِ، والزَّقُّومِ. فَتَكُونُ مَعِيشَتَهُ ضَنْكًا في الدُّنْيا، والبَرْزَخِ، والآخِرَةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ يَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ في حالِ كَوْنِهِ أعْمى. قالَ مُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ: أعْمى أيْ: لا حُجَّةَ لَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: عَمِيَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا جَهَنَّمَ. وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونُ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ القَوْلِ. وقَدْ ذَكَرْنا أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً لِذَلِكَ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةً دالَّةً عَلى خِلافِ قَوْلِ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ، وعِكْرِمَةَ. وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ أعْمى أيْ: أعْمى البَصَرِ لا يَرى شَيْئًا. والقَرِينَةُ المَذْكُورَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥]، فَصَرَّحَ بِأنَّ عَماهُ هو العَمى المُقابِلُ لِلْبَصَرِ وهو بَصَرُ العَيْنِ، لِأنَّ الكافِرَ كانَ في الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ كَما دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، وقَدْ زادَ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ العَمى يُحْشَرُ أصَمَّ أبْكَمَ أيْضًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-١٢٨)﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] .
* *
تَنْبِيهٌ
فِي آيَةِ ”طه“ هَذِهِ وآيَةِ ”الإسْراءِ“ المَذْكُورَتَيْنِ إشْكالٌ مَعْرُوفٌ. وهو أنْ يُقالَ: إنَّهُما قَدْ دَلَّتا عَلى أنَّ الكافِرَ يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، وزادَتْ آيَةُ ”الإسْراءِ“ أنَّهُ يُحْشَرُ أبْكَمَ أصَمَّ أيْضًا، مَعَ أنَّهُ دَلَّتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ يُبْصِرُونَ ويَسْمَعُونَ ويَتَكَلَّمُونَ.
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآيَةَ [مريم: ٣٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٢]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) الجَوابَ عَنْ هَذا الإشْكالِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ بِما ذُكِرَ مِنَ العَمى، والصَّمَمِ، والبَكَمِ حَقِيقَتُهُ. ويَكُونُ ذَلِكَ في مَبْدَأِ الأمْرِ ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ أبْصارَهم ونُطْقَهم وسَمْعَهم فَيَرَوْنَ النّارَ ويَسْمَعُونَ زَفِيرَها، ويَنْطِقُونَ بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهم، ولا يَسْمَعُونَ كَذَلِكَ، ولا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، كَما أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا لا يَسْتَبْصِرُونَ، ولا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ، ولا يَسْمَعُونَهُ. وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الحَسْنِ كَما ذَكَرَهُ الألُوسِيُّ، وغَيْرُهُ. وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدْ نَزَلَ ما يَقُولُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ ويُبْصِرُونَهُ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ. كَما أوْضَحْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ لا شَيْءَ عَلى ما لا نَفْعَ فِيهِ. ألا تَرى أنَّ اللَّهَ يَقُولُ في المُنافِقِينَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨] مَعَ أنَّهُ يَقُولُ فِيهِمْ: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ويَقُولُ فِيهِمْ: ﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]، أيْ: لِفَصاحَتِهِمْ وحَلاوَةِ ألْسِنَتِهِمْ. ويَقُولُ فِيهِمْ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّ الكَلامَ ونَحْوَهُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ كَلا شَيْءٍ: فَيَصْدُقُ عَلى صاحِبِهِ أنَّهُ أعْمى وأصَمُّ وأبْكَمُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ قَعْنَبِ بْنِ أُمِّ صاحِبٍ:
؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
(p-١٢٩)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎أصَمُّ عَنِ الأمْرِ الَّذِي لا أُرِيدُهُ ∗∗∗ وأسْمَعُ خَلْقِ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎قُلْ ما بَدا لَكَ مِن زُورٍ ومِن كَذِبِ ∗∗∗ حِلْمِي أصَمُّ وأُذْنِي غَيْرُ صَمّاءَ
وَنَظائِرُ هَذا كَثِيرَةٌ في كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ الصَّمَمِ عَلى السَّماعِ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ. وكَذَلِكَ الكَلامُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، والرُّؤْيَةُ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ إذا قالَ لَهم: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقَعَ بِهِمْ ذَلِكَ العَمى، والصَّمَمُ، والبَكَمُ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ، واليَأْسِ مِنَ الفَرَجِ، قالَ تَعالى: ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥]، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الأحْوالُ الخَمْسَةُ مُقَدَّرَةً، أعْنِي قَوْلَهُ في ”طه“: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٥]، وقَوْلُهُ فِيها: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى﴾ وقَوْلُهُ في " الإسْراءِ: ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وأظْهَرُها عِنْدِي الأوَّلُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] مِنَ النِّسْيانِ بِمَعْنى التَّرْكِ عَمْدًا كَما قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . [طه: ١١٥] .
20:125Page 320
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥
He will say, "My Lord, why have you raised me blind while I was [once] seeing?"
No commentary for this ayah
20:126Page 321
قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ ١٢٦
[Allāh] will say, "Thus did Our signs come to you, and you forgot [i.e., disregarded] them; and thus will you this Day be forgotten."
No commentary for this ayah
20:127Page 321
وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ ١٢٧
And thus do We recompense he who transgressed and did not believe in the signs of his Lord. And the punishment of the Hereafter is more severe and more enduring.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُجازِي المُسْرِفِينَ ذَلِكَ الجَزاءَ المَذْكُورَ. وقَدْ دَلَّ مَسْلَكَ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ لِعِلَّةِ إسْرافِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ في الطُّغْيانِ والمَعاصِي، وبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ جَزاءَ الإسْرافِ النّارُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذا لَمْ يُنِيبُوا إلى اللَّهِ ويَتُوبُوا إلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٥٢ - ٥٤] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ .
(p-١٣٠)ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى. أيْ: أشَدُّ ألَمًا وأدْوَمُ مِن عَذابِ الدُّنْيا، ومِنَ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ الَّتِي هي عَذابُ القَبْرِ. وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [ ١٣ ]،
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
20:128Page 321
أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ١٢٨
Then, has it not become clear to them how many generations We destroyed before them as they walk among their dwellings? Indeed in that are signs for those of intelligence.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ . تَقَدَّمَ بَعْضُ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لَهُ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وسَيَأْتِي لَهُ بَعْدَ هَذا إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ إيضاحٍ.
20:129Page 321
وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى ١٢٩
And if not for a word1 that preceded from your Lord, it [i.e., punishment] would have been an obligation [due immediately],2 and [if not for] a specified term [decreed].
No commentary for this ayah
20:130Page 321
فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ ١٣٠
So be patient over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting; and during periods of the night [exalt Him] and at the ends of the day, that you may be satisfied.
No commentary for this ayah
20:131Page 321
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ ١٣١
And do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [some] categories of them, [its being but] the splendor of worldly life by which We test them. And the provision of your Lord is better and more enduring.
No commentary for this ayah
20:132Page 321
وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢
And enjoin prayer upon your family [and people] and be steadfast therein. We ask you not for provision; We provide for you, and the [best] outcome is for [those of] righteousness.
No commentary for this ayah
20:133Page 321
وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٣٣
And they say, "Why does he not bring us a sign from his Lord?" Has there not come to them evidence of what was in the former scriptures?1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ .
أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ اقْتَرَحُوا - عَلى عادَتِهِمْ في التَّعَنُّتِ - آيَةً عَلى النُّبُوَّةِ كالعَصا واليَدِ مِن آياتِ مُوسى، وكَناقَةِ صالِحٍ، واقْتِراحِهِمْ لِذَلِكَ بِحَرْفِ التَّحْضِيضِ الدّالِّ عَلى شِدَّةِ الحَضِّ في طَلَبِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَأْتِينا﴾ [طه: ١٣٨]، أيْ: هَلّا يَأْتِينا مُحَمَّدٌ بِآيَةٍ: كَناقَةِ صالِحٍ، وعَصا مُوسى، أيْ: نَطْلُبُ ذَلِكَ مِنهُ بِحَضٍّ وحَثٍّ. فَأجابَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وهي هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ؛ لِأنَّهُ آيَةٌ هي أعْظَمُ الآياتِ وأدَلُّها عَلى الإعْجازِ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ بِأنَّهُ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى؛ لِأنَّ القُرْآنَ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى صِحَّةِ جَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهو بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ عَلى صِدْقِها وصِحَّتِها: كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [ ٢٧ ] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ الَّذِي هو الأظْهَرُ أوْضَحَهُ - جَلَّ وعَلا - في سُورَةِ ”العَنْكَبُوتِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [ ٢٩
- ٥١ ] فَقَوْلُهُ في ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] هو مَعْنى قَوْلِهِ في ”طه“: (p-١٣١)﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ كَما أوْضَحْنا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ويَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «ما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا أُوتِيَ ما آمَنَ البَشَرُ عَلى مِثْلِهِ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» وفي الآيَةِ أقْوالٌ أُخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
20:134Page 321
وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ ١٣٤
And if We had destroyed them with a punishment before him,1 they would have said, "Our Lord, why did You not send to us a messenger so we could have followed Your verses [i.e., teachings] before we were humiliated and disgraced?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النِّساءِ“ أنَّ آيَةَ ”طه“ هَذِهِ تُشِيرُ إلى مَعْناها آيَةُ ”القَصَصِ“ الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]، وأنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِها لَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
20:135Page 321
قُلۡ كُلّٞ مُّتَرَبِّصٞ فَتَرَبَّصُواْۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ أَصۡحَٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ١٣٥
Say, "Each [of us] is waiting;1 so wait. For you will know who are the companions of the sound path and who is guided."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ .
أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ عِنادًا وتَعَنُّتًا: كُلٌّ مِنّا ومِنكم مُتَرَبِّصٌ، أيْ: مُنْتَظِرٌ ما يَحِلُّ بِالآخَرِ مِنَ الدَّوائِرِ، كالمَوْتِ، والغَلَبَةِ. وقَدْ أوْضَحَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ ما يَنْتَظِرُهُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ والمُسْلِمُونَ كُلُّهُ خَيْرٌ، بِعَكْسِ ما يَنْتَظِرُهُ ويَتَرَبَّصُ الكُفّارُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٩٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ سَيَعْلَمُونَ في ثانِي حالٍ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى. أيْ: وُفِّقَ لِطَرِيقِ الصَّوابِ، والدَّيْمُومَةِ عَلى ذَلِكَ. وأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِلْكُفّارِ. والمَعْنى: سَيَتَّضِحُ لَكم أنّا مُهْتَدُونَ، وأنّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وأنَّكم عَلى ضَلالٍ وباطِلٍ. وهَذا يَظْهَرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ، ويَظْهَرُ لَهم في الدُّنْيا لِما يَرَوْنَهُ مَن نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ .
(p-١٣٢)وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والصِّراطُ في لُغَةِ العَرَبِ: الطَّرِيقُ الواضِحُ. والسَّوِيُّ: المُسْتَقِيمُ، وهو الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمُ و ”مَن“ في قَوْلِهِ مَن أصْحابُ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”تَعْلَمُونَ“ . وقالَ بَعْضُهم: هي اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في ”مَرْيَمَ“، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences