Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
طه
Taha
Ta-Ha · Meccan · 135 ayahs
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ طه
(p-٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طه﴾ .
أظْهَرُ الأقْوالِ فِيهِ عِنْدِي أنَّهُ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّ الطّاءَ والهاءَ المَذْكُورَتَيْنِ في فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ، جاءَتا في مَواضِعَ أُخَرَ لا نِزاعَ فِيها في أنَّهُما مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، أمّا الطّاءُ فَفي فاتِحَةِ ”الشُّعَراءِ“ ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] وفاتِحَةِ ”النَّمْلِ“ ﴿طس﴾ [النمل: ١] . وفاتِحَةِ ”القَصَصِ“ وأمّا الهاءُ فَفي فاتِحَةِ ”مَرْيَمَ“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] وقَدْ قَدَّمَّنا الكَلامَ مُسْتَوْفًى عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“ وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: قَوْلُهُ ﴿طه﴾: مَعْناهُ يا رَجُلُ. قالُوا: وهي لُغَةُ بَنِي عَكِّ بْنِ عَدْنانَ، وبَنِي طَيِّئٍ، وبَنِي عُكْلٍ، قالُوا: لَوْ قُلْتَ لِرَجُلٍ مِن بَنِي عَكِّ: يا رَجُلُ، لَمْ يَفْهَمْ أنَّكَ تُنادِيهِ حَتّى تَقُولَ طه، ومِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ التَّمِيمِيِّ:
؎دَعَوْتُ بِطه في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا
وَيُرْوى مُزايِلًا، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: مَعْنى (طه) بِلُغَةِ عَكٍّ يا حَبِيبِي، ذَكَرَهُ الغَزْنَوِيُّ. وقالَ قُطْرُبٌ: هو بِلُغَةِ طَيِّئٍ، وأنْشَدَ لِيَزِيدَ بْنِ المُهَلْهِلِ:
؎إنَّ السَّفاهَةَ طه في شَمائِلِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللَّهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ
وَيُرْوى:
؎إنَّ السَّفاهَةَ طه مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا قَدَّسَ اللَّهُ أرْواحَ المَلاعِينِ
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّ مَعْنى ”طه“: يا رَجُلُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مالِكٍ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبْزى، وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وغَيْرُهُ. وذَكَرَ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلّى قامَ عَلى رِجْلٍ ورَفَعَ الأُخْرى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ”طه“ يَعْنِي طَأِ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ يا مُحَمَّدُ» . وعَلى هَذا القَوْلِ فالهاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ، والهَمْزَةُ خُفِّفَتْ بِإبْدالِها ألِفًا كَقَوْلٍ في الفَرَزْدَقِ:(p-٤)
؎راحَتْ بِمُسْلِمَةِ البِغالِ عَشِيَّةً ∗∗∗ فارْعَيْ فَزارَةَ لا هَناكَ المَرْتَعُ
ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ الأمْرُ، والهاءُ لِلسَّكْتِ. ولا يَخْفى ما في هَذا القَوْلِ مِنَ التَّعَسُّفِ، والبُعْدِ عَنِ الظّاهِرِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿طه﴾ أقْوالٌ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ، كالقَوْلِ بِأنَّهُ مِن أسْماءِ النَّبِيِّ ﷺ . والقَوْلُ بِأنَّ الطّاءَ مِنَ الطَّهارَةِ، والهاءَ مِنَ الهِدايَةِ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ: يا طاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ، يا هادِيَ الخَلْقِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الضَّعِيفَةِ. والصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ في الآيَةِ هو ما صَدَّرْنا بِهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ في مَواضِعَ أُخَرَ.
20:2Page 312
مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ ٢
We have not sent down to you the Qur’ān that you be distressed
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾.
في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ، وكِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ:
الأوَّلُ أنَّ المَعْنى: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى. أيْ لِتَتْعَبَ التَّعَبَ الشَّدِيدَ بِفَرْطِ تَأسُّفِكِ عَلَيْهِمْ وعَلى كُفْرِهِمْ، وتَحَسُّرِكَ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا. وهَذا الوَجْهُ جاءَتْ بِنَحْوِهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]
• وقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا مِنها في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
الوَجْهُ الثّانِي أنَّهُ ﷺ صَلّى بِاللَّيْلِ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ أيْ تُنْهِكَ نَفْسَكَ بِالعِبادَةِ، وتُذِيقَها المَشَقَّةَ الفادِحَةَ. وما بَعَثْناكَ إلّا بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ. وهَذا الوَجْهُ تَدُلُّ لَهُ ظَواهِرُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . والعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وَيُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾ أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ لِيَسْعَدَ. كَما يَدُلُّ لَهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ» وقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحَكَمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْعُلَماءِ يَوْمَ القِيامَةِ: ”إنِّي لَمْ أجْعَلْ عِلْمِي وحِكْمَتِي فِيكم إلّا وأنا أُرِيدُ أنْ أغْفِرَ لَكم عَلى ما كانَ مِنكم ولا أُبالِي“» وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ إسْنادَهُ جَيِّدٌ، ويُشْبِهُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا﴾ الآيَةَ (p-٥)[المزمل: ٢٠] . وأصْلُ الشَّقاءِ في لُغَةِ العَرَبِ: العَناءُ، والتَّعَبُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ:
؎ذُو العَقْلِ يَشْقى في النَّعِيمِ بِعَقْلِهِ وأخُو الجَهالَةِ في الشَّقاوَةِ يَنْعَمُ
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ .
أظْهَرُ الأقْوالِ فِيهِ: أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أيْ ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ إلّا تَذْكِرَةً، أيْ إلّا لِأجْلِ التَّذْكِرَةِ لِمَن يَخْشى اللَّهَ ويَخافُ عَذابَهُ. والتَّذْكِرَةُ: المَوْعِظَةُ الَّتِي تَلِينُ لَها القُلُوبُ. فَتَمْتَثِلُ أمْرَ اللَّهِ، وتَجْتَنِبُ نَهْيَهُ. وخَصَّ بِالتَّذْكِرَةِ مَن يَخْشى دُونَ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [يس: ١١]
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] . فالتَّخْصِيصُ المَذْكُورُ في الآياتِ بِمَن تَنْفَعُ فِيهِمُ الذِّكرى لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها دُونَ غَيْرِهِمْ. وما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهُ ما أنْزَلَ القُرْآنَ إلّا لِلتَّذْكِرَةِ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَإعْرابُ ﴿إلّا تَذْكِرَةً﴾ بِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿لِتَشْقى﴾ لا يَصِحُّ، لِأنَّ التَّذْكِرَةَ لَيْسَتْ بِشَقاءٍ. وإعْرابُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا أيْضًا غَيْرُ ظاهِرٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾:
ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ هَذا التَّعَبَ الشّاقَّ إلّا لِيَكُونَ تَذْكِرَةً. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿تَذْكِرَةً﴾ حالًا ومَفْعُولًا لَهُ.
20:4Page 312
تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى ٤
A revelation from He who created the earth and highest heavens,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾.
فِي قَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلًا﴾ أوْجُهٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الإعْرابِ ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ. وأظْهَرُها عِنْدِي أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، مَنصُوبٌ بِنَزَّلَ مُضْمَرَةً دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ أيْ نَزَّلَهُ اللَّهُ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ﴾ أيْ فَلَيْسَ بِشِعْرٍ، ولا كِهانَةٍ، ولا سِحْرٍ، ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ، كَما دَلَّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤١]، والآياتُ المُصَرِّحَةُ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَعْرُوفَةٌ، (p-٦)
• كَقَوْلِهِ ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]
• وقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
20:5Page 312
ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥
The Most Merciful [who is] above the Throne established.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾.
تَقَدَّمَ إيضاحُ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها في القُرْآنِ في سُورَةِ الأعْرافِ مُسْتَوْفًى فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
20:6Page 312
لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ ٦
To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth and what is between them and what is under the soil.
No commentary for this ayah
20:7Page 312
وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧
And if you speak aloud - then indeed, He knows the secret and what is [even] more hidden.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾.
خاطَبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّهُ: إنْ يَجْهَرْ بِالقَوْلِ أيْ يَقُولُهُ جَهْرَةً في غَيْرِ خَفاءٍ، فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا يَعْلَمُ السِّرَّ وما هو أخْفى مِنَ السِّرِّ. وهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ هُنا ذَكَرُهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَفِي المُرادِ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَأخْفى﴾ أوْجُهٌ مَعْرُوفَةٌ كُلُّها حَقٌّ ويَشْهَدُ لَها قُرْآنٌ. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: أيْ ما قالَهُ العَبْدُ سِرًّا ﴿وَأخْفى﴾ أيْ ويَعْلَمُ ما هو أخْفى مِنَ السِّرِّ، وهو ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] . وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: أيْ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴿وَأخْفى﴾ مِن ذَلِكَ، وهو ما عَلِمَ اللَّهُ أنَّ الإنْسانَ سَيَفْعَلُهُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ الإنْسانُ أنَّهُ فاعِلُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]، وكَما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] فاللَّهُ يَعْلَمُ ما يُسِرُّهُ الإنْسانُ اليَوْمَ. وما سَيُسِرُّهُ غَدًا. والعَبْدُ لا يَعْلَمُ ما في غَدٍ كَما قالَ زُهَيْرٌ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎وَأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأخْفى﴾ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ كَما بَيَّنّا، أيْ (p-٧)وَيَعْلَمُ ما هو أخْفى مِنَ السِّرِّ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ ”أخْفى“ فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّ الخَلْقِ، وأخْفى عَنْهم ما يَعْلَمُهُ هو. كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما لا يَخْفى.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ فَلا حاجَةَ لَكَ إلى الجَهْرِ بِالدُّعاءِ ونَحْوِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقالَ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] . ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الصَّحِيحُ. لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا سَمِعَ أصْحابَهُ رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَّكْبِيرِ قالَ ﷺ: «أرْبِعُوا عَلى أنْفُسِكم فَإنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ، ولا غائِبًا، إنَّما تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا. إنَّ الَّذِي تَدْعُونَ أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ» .
20:8Page 312
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ٨
Allāh - there is no deity except Him. To Him belong the best names.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾.
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ، وأنَّ لَهُ الأسْماءَ الحُسْنى. وبَيَّنَ أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ في آياتٍ لا يُمْكِنُ حَصْرُها لِكَثْرَتِها، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ الآيَةَ [محمد: ١٩] .
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ لَهُ الأسْماءَ الحُسْنى، وزادَ في بَعْضِ المَواضِعِ الأمْرَ بِدُعائِهِ بِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] وزادَ في مَوْضِعٍ آخَرَ تَهْدِيدَ مَن ألْحَدَ في أسْمائِهِ. وهو قَوْلُهُ: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ومِن إلْحادِهِمْ في أسْمائِهِ أنَّهُمُ اشْتَقُّوا العُزّى مِنِ اسْمِ العَزِيزِ، واللّاتِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» وقَدْ دَلَّ بَعْضُ الأحادِيثِ عَلى أنَّ مِن أسْمائِهِ جَلَّ وعَلا ما اسْتَأْثَرَ بِهِ ولَمْ يُعَلِّمْهُ خَلْقَهُ، كَحَدِيثِ: «أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ» الحَدِيثَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿الحُسْنى﴾ تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وإنَّما وصَفَ أسْماءَهُ جَلَّ وعَلا بِلَفْظِ المُؤَنَّثِ المُفْرَدِ، لِأنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ مُطْلَقًا وجَمْعَ المُؤَنَّثِ السّالِمِ يَجْرِيانِ مَجْرى المُؤَنَّثَةِ الواحِدَةِ (p-٨)المَجازِيَّةِ التَّأْنِيثِ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎والتّاءُ مَعْ جَمْعِ سِوى السّالِمِ مِن مُذَكَّرٍ كالتّاءِ مِن إحْدى اللَّبِنْ
وَنَظِيرُ قَوْلِهِ هُنا ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ مِن وصْفِ الجَمْعِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ المُؤَنَّثِ قَوْلُهُ: ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ الآياتِ [طه: ٩] .
قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَها في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [ الآيَةِ ٥٢ ] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
20:10Page 312
إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى ١٠
When he saw a fire and said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire; perhaps I can bring you a torch or find at the fire some guidance."
No commentary for this ayah
20:11Page 312
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ ١١
And when he came to it, he was called, "O Moses,
No commentary for this ayah
20:12Page 312
إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ١٢
Indeed, I am your Lord, so remove your sandals. Indeed, you are in the blessed valley of Ṭuwā.
No commentary for this ayah
20:13Page 313
وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣
And I have chosen you, so listen to what is revealed [to you].
No commentary for this ayah
20:14Page 313
إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ١٤
Indeed, I am Allāh. There is no deity except Me, so worship Me and establish prayer for My remembrance.
No commentary for this ayah
20:15Page 313
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ١٥
Indeed, the Hour is coming - I almost conceal it1 - so that every soul may be recompensed according to that for which it strives.
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ طه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُتَوَهَّمُ مِنها أنَّهُ جَلَّ وعَلا لَمْ يُخْفِها بِالفِعْلِ ولَكِنَّهُ قارَبَ أنْ يُخْفِيَها لِأنَّ كادَ فِعْلُ مُقارَبَةٍ.
وَقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ أخْفاها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أنَّ المُرادَ بِمَفاتِحِ الغَيْبِ الخَمْسُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ [ ٣١ ] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقَوْلِهِ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ [النازعات: ٤٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والجَوابُ مِن سَبْعَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو الرّاجِحُ، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، أيْ لَوْ كانَ ذَلِكَ يُمْكِنُ، وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، لَأنَّ القُرْءانِ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، والواحِدُ مِنهم إذا أرادَ المُبالَغَةَ في كِتْمانِ أمْرٍ قالَ: كَتَمْتُهُ مِن نَفْسِي، أيْ لا أبُوحُ لِأحَدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أيّامُ تَصْحَبُنِي هِنْدٌ وأُخْبِرُها ما كِدْتُ أكْتُمُهُ عَنِّي مِنَ الخَبَرِ
وَنَظِيرُ هَذا مِنَ المُبالَغَةِ قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمُ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ» وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ وجَعْفَرٌ الصّادِقُ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي“، (p-٣٣٦)كَما نَقَلَهُ الألُوسِيُّ وغَيْرُهُ.
وَرَوى ابْنُ خالَوَيْهِ أنَّها في مُصْحَفِ أُبَيٍّ كَذَلِكَ بِزِيادَةِ: ”فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها“، وفي بَعْضِ القِراءاتِ بِزِيادَةِ: ”فَكَيْفَ أُظْهِرُها لَكم“ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِزِيادَةِ: ”فَكَيْفَ يَعْلَمُها مَخْلُوقٌ“ كَما نَقَلَهُ الألُوسِيُّ وغَيْرُهُ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أيْ أُخْفِي الأخْبارَ بِأنَّها آتِيَةٌ، والمَعْنى أقْرُبُ أنْ أتْرُكَ الإخْبارَ عَنْ إتْيانِها مِن أصْلِهِ لِشِدَّةِ إخْفائِي لِتَعْيِينِ وقْتِ إتْيانِها.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الهَمْزَةَ في قَوْلِهِ: أُخْفِيها، هي هَمْزَةُ السَّلْبِ لِأنَّ العَرَبَ كَثِيرًا ما تَجْعَلُ الهَمْزَةَ أداةً لِسَلْبِ الفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ: شَكا إلَيَّ فُلانٌ فَأشْكَيْتُهُ أيْ أزَلْتُ شِكايَتَهُ، وقَوْلِهِمْ: عَقَلَ البَعِيرَ فَأعْقَلْتُهُ، أيْ أزَلْتُ عِقالَهُ.
وَعَلى هَذا فالمَعْنى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أيْ أُزِيلُ خَفاءَها بِأنْ أُظْهِرَها لِقُرْبِ وقْتِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ الآيَةَ [ ٥٤ ]، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ونَقَلَهُ النَّيْسابُورِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي الفَتْحِ المَوْصِلِيِّ.
وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ:
؎فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ
عَلى رِوايَةِ ضَمِّ النُّونِ مِن: لا نُخْفِهِ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ المُثَنّى أنَّهُ قالَ: أنْشَدَنِيهِ أبُو الخَطّابِ عَنْ أهْلِهِ في بَلَدِهِ بِضَمِّ النُّونِ مِن: لا نُخْفِهِ، ومَعْناهُ: لا نُظْهِرُهُ.
أمّا عَلى الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ بِفَتْحِ النُّونِ مِن: لا نَخْفِهِ، فَلا شاهِدَ في البَيْتِ إلّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: ”أكادُ أخْفِيها“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ومِمَّنْ قَرَأ بِذَلِكَ أبُو الدَّرْداءِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعاصِمٍ، وإطْلاقُ خَفاهُ يَخْفِيهِ بِفَتْحِ الياءِ بِمَعْنى أظْهَرَهُ إطْلاقٌ مَشْهُورٌ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ القِراءَةَ بِهِ لا تَخْلُو مِن شُذُوذٍ.
وَمِنهُ البَيْتُ المَذْكُورُ عَلى رِوايَةِ فَتْحِ النُّونِ وقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ أوْ غَيْرِهِ:
؎دَأبَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكًا ∗∗∗ بِأرِيكَيْنِ يُخْفِيانِ غَمِيرًا
أيْ يُظْهِرانِهِ. وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:(p-٣٣٧)
؎خَفاهُنَّ مِن إنْفاقِهِنَّ كَأنَّما ∗∗∗ خَفاهُنَّ ودْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلَّبِ
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ خَبَرَ كادَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُظْهِرُها، فَحَذَفَ الخَبَرَ ثُمَّ ابْتَدَأ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥]، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ ضابِئِ بْنِ الحارِثِ البُرْجُمِيِّ:
؎هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكَتْ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ
يَعْنِي: وكِدْتُ أفْعَلُ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ كادَ تَأْتِي بِمَعْنى أرادَ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أُرِيدُ أنَّ أُخْفِيَها، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الأخْفَشُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو مُسْلِمٍ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ الألُوسِيُّ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ جِنِّي في المُحْتَسَبِ، ومِن مَجِيءٍ كادَ بِمَعْنى أرادَ، قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى
كَما نَقَلَهُ الألُوسِيُّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ مِن مَجِيءٍ كادَ بِمَعْنى أرادَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [ ١٢ ]، أيْ أرَدْنا لَهُ كَما ذَكَرَهُ النَّيْسابُورِيُّ وغَيْرُهُ.
وَمِنهُ قَوْلُ العَرَبِ لا أفْعَلُ كَذا ولا أكادُ أيْ لا أُرِيدُ كَما نَقَلَهُ بَعْضُهم.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ كادَ مِنَ اللَّهِ تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ عَسى في كَلامِهِ تَعالى نَحْوَ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]، أيْ هو قَرِيبٌ.
وَعَلى هَذا فَمَعْنى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أنا أُخْفِيها.
الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّ كادَ صِلَةٌ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ ﴿لِتُجْزى﴾ الآيَةَ، واسْتَدَلَّ قائِلُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِ زِيدِ الخَيْلِ:
؎سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ ∗∗∗ فَما أنْ يَكادَ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ
أيْ فَما يَتَنَفَّسُ قِرْنُهُ، قالُوا: ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]، أيْ لَمْ يَرَها، وقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:(p-٣٣٨)
؎إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ∗∗∗ رَسِيسُ الهَوى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
أيْ لَمْ يَبْرَحْ عَلى قَوْلِ هَذا القائِلِ.
قالُوا: ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ أبِي النَّجْمِ:
؎وَإنْ أتاكَ نَعِيٌّ فانْدُبَنَّ أبًا ∗∗∗ قَدْ كادَ يَطَّلِعُ الأعْداءُ والخُطُبا
أيْ قَدِ اطَّلَعَ الأعْداءُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أرْجَحَ الأقْوالِ الأوَّلُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
20:16Page 313
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ١٦
So do not let one avert you from it1 who does not believe in it and follows his desire, for you [then] would perish.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
20:18Page 313
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ١٨
He said, "It is my staff; I lean upon it, and I bring down leaves for my sheep and I have therein other uses."
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
20:20Page 313
فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ ٢٠
So he threw it down, and thereupon it was a snake, moving swiftly.
No commentary for this ayah
20:21Page 313
قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ٢١
[Allāh] said, "Seize it and fear not; We will return it to its former condition.
No commentary for this ayah
20:22Page 313
وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ ٢٢
And draw in your hand to your side; it will come out white without disease - another sign,
No commentary for this ayah
20:23Page 313
لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى ٢٣
That We may show you [some] of Our greater signs.
No commentary for this ayah
20:24Page 313
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤
Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed [i.e., tyrannized]."
No commentary for this ayah
20:25Page 313
قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥
[Moses] said, "My Lord, expand [i.e., relax] for me my breast [with assurance]
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences