Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Taha 20:53–57
20:53Page 315
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ ٥٣
[It is He] who has made for you the earth as a bed [spread out] and inserted therein for you roadways and sent down from the sky, rain and produced thereby categories of various plants.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ عاصِمٌ وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ”مَهْدًا“ بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ الهاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الهاءِ بَعْدَها ألِفٌ. والمِهادُ: الفِراشُ. والمَهْدُ بِمَعْناهُ. وكَوْنُ أصْلِهِ مَصْدَرًا لا يُنافِي أنْ يُسْتَعْمَلَ اسْمًا لِلْفِراشِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ﴾ في مَحَلِّ رَفْعِ نَعْتٍ لِـ ”رَبِّي“ (p-٢١)مِن قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] أيْ لا يَضِلُّ رَبِّي الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أيْ هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ. ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى المَدْحِ، وهو أجْوَدُ مِن أنْ يُقَدَّرَ عامِلُ النَّصْبِ لَفَظَةَ أعْنِي، كَما أشارَ إلى هَذِهِ الأوْجُهِ مِنَ الإعْرابِ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وارْفَعْ أوِ انْصِبْ إنْ قَطَعْتَ مُضْمِرًا مُبْتَدَأً أوْ ناصِبًا لَنْ يَظْهَرا
هَكَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ. والتَّحْقِيقُ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. لِأنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ. ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِ مُوسى ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأخْرَجْنا﴾ يُعَيِّنُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أرْبَعَ آياتٍ مِن آياتِهِ الكُبْرى الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ. ومَعَ كَوْنِها مِن آياتٍ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ واسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَهي مِنَ النِّعَمِ العُظْمى عَلى بَنِي آدَمَ.
الأُولى: فَرْشُهُ الأرْضَ عَلى هَذا النَّمَطِ العَجِيبِ.
الثّانِيَةُ: جَعْلُهُ فِيها سُبُلًا يَمُرُّ مَعَها بَنُو آدَمَ ويَتَوَصَّلُونَ بِها مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ.
الثّالِثَةُ: إنْزالُهُ الماءَ مِنَ السَّماءِ عَلى هَذا النَّمَطِ العَجِيبِ.
الرّابِعَةُ: إخْراجُهُ أنْواعَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ.
أمّا الأُولى الَّتِي هي جَعْلُهُ الأرْضَ مَهْدًا فَقَدْ ذَكَرَ الِامْتِنانَ بِها مَعَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٩ - ١٠]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦ - ٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا﴾ [الرعد: ٣]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَأمّا الثّانِيَةُ الَّتِي هي جَعْلُهُ فِيها سُبُلًا فَقَدْ جاءَ الِامْتِنانُ، والِاسْتِدْلالُ بِها في آياتٍ كَثِيرَةٍ. كَقَوْلِهِ في ”الزُّخْرُفِ“: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٩]، (p-٢٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] .
وَأمّا الثّالِثَةُ، والرّابِعَةُ وهُما إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإخْراجُ النَّباتِ بِهِ مِنَ الأرْضِ فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُما في القُرْآنِ عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، والِاسْتِدْلالِ مَعًا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠] . وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِصِيغَةِ التَّعْظِيمِ. ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى في ”الأنْعامِ“: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ [الأنعام: ٩٩]، وقَوْلُهُ في ”فاطِرٍ“: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧]، وقَوْلُهُ في ”النَّمْلِ“: ﴿أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] .
وَهَذا الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِصِيغَةِ التَّعْظِيمِ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها في إنْباتِ النَّباتِ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ شَأْنِ إنْباتِ النَّباتِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْزِلِ الماءُ ولَمْ يَنْبُتْ شَيْءٌ لَهَلَكَ النّاسُ جُوعًا وعَطَشًا. فَهو يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ جَلَّ وعَلا، وشِدَّةِ احْتِياجِ الخَلْقِ إلَيْهِ ولُزُومِ طاعَتِهِمْ لَهُ جَلَّ وعَلا.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ أيْ أصْنافًا مُخْتَلِفَةً مِن أنْواعِ النَّباتِ. فالأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ، وهو هُنا الصِّنْفُ مِنَ النَّباتِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ ”الحَجِّ“: ﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ، وقالَ تَعالى في سُورَةِ ”لُقْمانَ“: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ مِن كُلِّ نَوْعٍ حَسَنٍ مِن أنْواعِ النَّباتِ، وقالَ تَعالى في سُورَةِ ”يس“: (p-٢٣)﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ ﴿شَتّى﴾ نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أزْواجًا﴾ [طه: ٥٣] . ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ أيْ أصْنافًا مُخْتَلِفَةَ الأشْكالِ، والمَقادِيرِ، والمَنافِعِ، والألْوانِ، والرَّوائِحِ، والطُّعُومِ. وقِيلَ ﴿شَتّى﴾ جَمْعٌ لِـ ”نَباتٍ“ أيْ نَباتٌ مُخْتَلِفٌ كَما بَيَّنّا. والأظْهَرُ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ ﴿شَتّى﴾ جَمْعُ شَتِيتٍ. كَمَرِيضٍ ومَرْضى. والشَّتِيتُ: المُتَفَرِّقُ. ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ يَصِفُ إبِلًا جاءَتْ مُجْتَمِعَةً ثُمَّ تَفَرَّقَتْ، وهي تُثِيرُ غُبارًا مُرْتَفِعًا:
؎جاءَتْ مَعًا وأطْرَقَتْ شَتِيتًا ∗∗∗ وهي تُثِيرُ السّاطِعَ السَّخْتِيتا
وَثَغْرٌ شَتِيتٌ: أيْ مُتَفَلِّجٌ لِأنَّهُ مُتَفَرِّقُ الأسْنانِ. أيْ لَيْسَ بَعْضُها لاصِقًا بِبَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ مَعْنى السَّلْكُ: الإدْخالُ. وقَوْلُهُ سَلَكَ هُنا مَعْناهُ أنَّهُ جَعَلَ في داخِلِ الأرْضِ بَيْنَ أوْدِيَتِها وجِبالِها سُبُلًا فِجاجًا يَمُرُّ الخَلْقُ مَعَها. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿وَسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ [طه: ٥٣] وعَبَّرَ في مَواضِعَ أُخَرَ عَنْ ذَلِكَ بِالجَعْلِ، كَقَوْلِهِ في ”الأنْبِياءِ“: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] وقَوْلُهُ في ”الزُّخْرُفِ“: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] وعَبَّرَ في بَعْضِ المَواضِعِ عَنْ ذَلِكَ بِالإلْقاءِ كَقَوْلِهِ في ”النَّحْلِ“: ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [لقمان: ١٥] لِأنَّ عَطْفَ السُّبُلِ عَلى الرَّواسِي ظاهِرٌ في ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ أيْ كُلُوا أيُّها النّاسُ مِنَ الثِّمارِ، والحُبُوبِ الَّتِي أخْرَجْناها لَكم مِنَ الأرْضِ بِالماءِ الَّذِي أنْزَلْنا مِن جَمِيعِ ما هو غِذاءٌ لَكم مِنَ الحُبُوبِ، والفَواكِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وارْعَوْا أنْعامَكم. أيْ أسِيمُوها وسَرِّحُوها في المَرْعى الَّذِي يَصْلُحُ لِأكْلِها. تَقُولُ: رَعَتَ الماشِيَةُ الكَلَأ، ورَعاها صاحِبُها: أيْ أسامَها وسَرَّحَها. يَلْزَمُ ويَتَعَدّى. والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿كُلُوا وارْعَوْا﴾ لِلْإباحَةِ. ولا يَخْفى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الِامْتِنانِ، والِاسْتِدْلالِ عَلى اسْتِحْقاقِ المُنْعِمِ بِذَلِكَ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ.
وَما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِنَ الِامْتِنانِ عَلى بَنِي آدَمَ بِأرْزاقِهِمْ وأرْزاقِ أنْعامِهِمْ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ.
• كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”السَّجْدَةِ“: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ في ”النّازِعاتِ“: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣١ - ٣٣ ]]، (p-٢٤)
• وَقَوْلِهِ في ”عَبَسَ“: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢]
• وقَوْلِهِ في ”النَّحْلِ“: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [لقمان: ١٠]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿لِأُولِي النُّهى﴾ أيْ لِأصْحابِ العُقُولِ. فالنُّهى: جَمَعُ نُهْيَةٍ بِضَمِّ النُّونِ، وهي العَقْلُ. لِأنَّهُ يَنْهى صاحِبَهُ عَمّا لا يَلِيقُ. تَقُولُ العَرَبُ: نَهُوَ الرَّجُلُ بِصِيغَةِ فَعُلَ بِالضَّمِّ: إذا كَمُلَتْ نُهْيَتُهُ أيْ عَقْلُهُ. وأصْلُهُ نَهُيَ بِالياءِ فَأُبْدِلَتِ الياءُ واوًا لِأنَّها لامُ فِعْلٍ بَعْدَ ضَمٍّ. كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَواوًا إثْرَ الضَّمِّ رُدَّ اليا مَتى ∗∗∗ أُلْفِيَ لامُ فِعْلٍ أوْ مِن قَبْلِ تا
20:54Page 315
كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ٥٤
Eat [therefrom] and pasture your livestock. Indeed in that are signs for those of intelligence.
No commentary for this ayah
20:55Page 315
۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ٥٥
From it [i.e., the earth] We created you, and into it We will return you, and from it We will extract you another time.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾.
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”مِنها“ مَعًا، وقَوْلِهِ فِيها راجِعٌ إلى ”الأرْضَ“ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ .
وَقَدْ ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثُ مَسائِلَ:
الأُولى: أنَّهُ خَلَقَ بَنِي آدَمَ مِنَ الأرْضِ.
الثّانِيَةُ: أنَّهُ يُعِيدُهم فِيها.
الثّالِثَةُ: أنَّهُ يُخْرِجُهم مِنها مَرَّةً أُخْرى. وهَذِهِ المَسائِلُ الثَّلاثُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ مُوَضَّحَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
أمّا خَلْقُهُ إيّاهم مِنَ الأرْضِ فَقَدْ ذَكَرَهُ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ. كَقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٠]، وقَوْلُهُ في سُورَةِ ”المُؤْمِنِ“: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [غافر: ٦٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ مَعْنى خَلْقِهِ النّاسَ مِن تُرابٍ أنَّهُ خَلَقَ أباهم آدَمَ مِنها. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٥٩] . ولَمّا خَلَقَ أباهم مِن تُرابٍ وكانُوا تَبَعًا لَهُ في الخَلْقِ صَدَقَ عَلَيْهِمْ أنَّهم خُلِقُوا مِن تُرابٍ. وما يَزْعُمُهُ (p-٢٥)بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ مَعْنى خَلْقِهِمْ مِن تُرابٍ أنَّ النُّطْفَةَ إذا وقَعَتْ في الرَّحِمِ انْطَلَقَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالرَّحِمِ فَأخَذَ مِن تُرابِ المَكانِ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ فَيَذْرُهُ عَلى النُّطْفَةِ فَيَخْلُقُ اللَّهُ النَّسَمَةَ مِنَ النُّطْفَةِ، والتُّرابِ مَعًا فَهو خِلافُ التَّحْقِيقِ. لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَرْحَلَةَ النُّطْفَةِ بَعْدَ مَرْحَلَةِ التُّرابِ بِمُهْلَةٍ. فَهي غَيْرُ مُقارِنَةٌ لَها بِدَلِيلِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُما بِـ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآيَةَ [غافر: ٦٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٦ - ٨]
وكَذَلِكَ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ مَعْنى خَلْقِهِمْ مِن تُرابٍ أنَّ المُرادَ أنَّهم خُلِقُوا مِنَ الأغْذِيَةِ الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنَ الأرْضِ فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما تَرى.
وَأمّا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ فَقَدْ ذَكَرَها تَعالى أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وَأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦] فَقَوْلُهُ ﴿كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] أيْ مَوْضِعُهُمُ الَّذِي يَكْفِتُونَ فِيهِ أيْ يُضَمُّونَ فِيهِ: أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها. وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ .
وَأمّا المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وهي إخْراجُهم مِنَ الأرْضِ أحْياءً يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ جاءَتْ مُوَضَّحَةً في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] أيْ مِن قُبُورِكم أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] أيْ مِنَ القُبُورِ بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ الآيَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] . والتّارَةُ في قَوْلِهِ ﴿تارَةً أُخْرى﴾ بِمَعْنى (p-٢٦)المَرَّةِ. وفي حَدِيثِ السُّنَنِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَضَرَ جِنازَةً، فَلَمّا أرادُوا دَفْنَ المَيِّتِ أخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ فَألْقاها في القَبْرِ وقالَ ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ ثُمَّ أخَذَ أُخْرى وقالَ ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ ثُمَّ أُخْرى وقالَ ﴿وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾» .
20:56Page 315
وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦
And We certainly showed him [i.e., Pharaoh] Our signs - all of them - but he denied and refused.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾.
أظْهَرُ القَوْلَيْنِ أنَّ الإضافَةَ في قَوْلِهِ آياتِنا مُضَمَّنَةٌ مَعْنى العَهْدِ كالألِفِ، واللّامِ. والمُرادُ بِآياتِنا المَعْهُودَةِ لِمُوسى كُلُّها وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ الآيَةَ [النمل: ١٢] . وقالَ بَعْضُهُمُ: الآياتُ التِّسْعُ المَذْكُورَةُ هي: العَصا، واليَدُ البَيْضاءُ، وفَلْقُ البَحْرِ، والحَجَرُ الَّذِي انْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، ونَتْقُ الجَبَلِ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ. وقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في الآياتِ التِّسْعِ في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ . وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: العُمُومُ عَلى ظاهِرِهِ، وإنَّ اللَّهَ أرى فِرْعَوْنَ جَمِيعَ الآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى، والَّتِي جاءَ بِها غَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ بِأنْ عَرَّفَهُ مُوسى جَمِيعَ مُعْجِزاتِهِ ومُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ. والأوَّلُ هو الظّاهِرُ.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّ الآياتِ الَّتِي أراها فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بَعْضُها أعْظَمُ مِن بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“: ﴿وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ [ ٤٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٢٠] لِأنَّ الكُبْرى في المَوْضِعَيْنِ تَأنِيثُ الأكْبَرِ، وهي صِيغَةُ تَفْضِيلٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها أكْبَرُ مِن غَيْرِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَكَذَّبَ وأبى﴾ يَعْنِي أنَّهُ مَعَ ما أراهُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ نَبِيِّهِ مُوسى، كَذَّبَ رَسُولَ رَبِّهِ مُوسى، وأبى عَنْ قَبُولِ الحَقِّ. وقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ شِدَّةَ إبائِهِ وعِنادِهِ وتَكَبُّرِهِ عَلى مُوسى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٣]، (p-٢٧)
وَمَقْصُودُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ تَعْظِيمُ أمْرِ نَفْسِهِ وتَحْقِيرُ أمْرِ مُوسى، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتْبَعَ الفاضِلُ المَفْضُولَ.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا: أنَّ فِرْعَوْنَ كَذَّبَ وأبى، وهو عالِمٌ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى حَقٌّ. وأنَّ الآياتِ الَّتِي كَذَّبَ بِها وأبى عَنْ قَبُولِها ما أنْزَلَها إلّا اللَّهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . وقَوْلُهُ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ ﴿أرَيْناهُ﴾ أصْلُهُ مِن رَأى البَصْرِيَّةَ عَلى الصَّحِيحِ.
20:57Page 315
قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ ٥٧
He said, "Have you come to us to drive us out of our land with your magic, O Moses?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾.
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لَمّا أرى فِرْعَوْنَ آياتِهِ عَلى يَدِ نَبِيِّهِ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: إنَّ الآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى سِحْرٌ، وإنَّهُ يُرِيدُ بِها إخْراجَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن أرْضِهِمْ.
أمّا دَعْواهُ هو وقَوْمُهُ أنَّ مُوسى ساحِرٌ فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٤٩]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأمّا ادِّعاؤُهم أنَّهُ يُرِيدُ إخْراجَهم مِن أرْضِهِمْ بِالسِّحْرِ فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا أيْضًا في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ.
• كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٥٧]،
• وقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٩ - ١١٠]،
• وقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٤]،
• وقَوْلِهِ في ”يُونُسَ“: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، وقالَ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences