Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Taha 20:69
20:69Page 316
وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩
And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وهِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُخَفَّفَةٍ بَعْدَها لامٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ قافٌ مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ بَعْدَها فاءٌ ساكِنَةٌ، وهو مُضارِعُ تَلْقَفُ وأصْلُهُ تَتَلَقَّفُ بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَما بِتاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلى تا كَتَبَيُّنِ العِبَرْ
والمُضارِعَ مَجْزُومٌ، لِأنَّهُ جَزاءُ الطَّلَبِ في قَوْلِهِ وألْقِ وجُمْهُورُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ عَلى أنَّ الجَزْمَ في نَحْوِ ذَلِكَ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الطَّلَبِ، وتَقْدِيرُهُ هُنا: إنْ تُلْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ كالقِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا، إلّا أنَّهُ يُشَدِّدُ (p-٣٧)تاءَ تَلْقَفُ وصْلًا. ووَجْهُ تَشْدِيدِ التّاءِ هو إدْغامُ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى، وهو جائِزٌ في كُلِّ فِعْلٍ بُدِئَ بِتاءَيْنِ كَما هُنا، وأشارَ إلَيْهِ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَحَيِيَ افْكُكْ وادَّغِمْ دُونَ حَذَرَ كَذاكَ نَحْوُ تَتَجَلّى واسْتَتِرْ
وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ أوَّلُهُ نَحْوَ ”تَتَجَلّى“ ومِثالُهُ في الماضِي قَوْلُهُ:
؎تُولِي الضَّجِيجَ إذا ما التَذَّها خَصْرًا ∗∗∗ عَذْبَ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلَ
أصْلُهُ تَتابَعَ، وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ كالقِراءَةِ المَذْكُورَةِ لِلْجُمْهُورِ إلّا أنَّهُ يَضُمُّ الفاءَ، فالمُضارِعُ عَلى قِراءَتِهِ مَرْفُوعٌ، ووَجْهُ رَفْعِهِ أنَّ جُمْلَةَ الفِعْلِ حالٌ، أيْ: ألْقِ بِما في يَمِينِكَ في حالِ كَوْنِها مُتَلَقِّفَةً ما صَنَعُوا. أوْ مُسْتَأْنِفَةً، وعَلَيْهِ فَهي خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهي تَلْقَفُ ما صَنَعُوا. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَلْقَفْ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ وفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً مَعَ الجَزْمِ، مُضارِعُ لَقِفَهُ بِالكَسْرِ يَلْقَفُهُ بِالفَتْحِ ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، لِأنَّ مَعْنى تَلَقَّفَهُ ولَقِفَهُ إذا تَناوَلَهُ بِسُرْعَةٍ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ أنَّها تَبْتَلِعُ كُلَّ ما زَوَّرُوهُ وافْتَعَلُوهُ مِنَ الحِبالِ، والعِصِيِّ الَّتِي خَيَّلُوا لِلنّاسِ أنَّها تَسْعى وصُنْعُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما صَنَعُوا﴾ واقِعٌ في الحَقِيقَةِ عَلى تَخْيِيلِهِمْ إلى النّاسِ بِسِحْرِهِمْ أنَّ الحِبالَ والعِصِيَّ تَسْعى، لا عَلى نَفْسِ الحِبالِ، والعَصِيِّ لِأنَّها مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ كائِنًا ما كانَ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا هُنا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن كَوْنِهِ أمَرَ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُلْقِيَ ما في يَمِينِهِ أيْ: يَدِهِ اليُمْنى، وهو عَصاهُ فَإذا هي تَبْتَلِعُ ما يَأْفِكُونَ مِنَ الحِبالِ، والعِصِيِّ الَّتِي خَيَّلُوا إلَيْهِ أنَّها تَسْعى أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٧ - ١١٩]، وقَوْلِهِ تَعالى في ”الشُّعَراءِ“: ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] فَذِكْرُ العَصا في ”الأعْرافِ، والشُّعَراءِ“ يُوَضِّحُ أنَّ المُرادَ بِما في يَمِينِهِ في ”طه“ أنَّهُ عَصاهُ كَما لا يَخْفى.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ما يَأْفِكُونَ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ ويَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ، وهو زَعْمُهم أنَّ الحِبالَ، والعِصِيَّ تَسْعى حَقِيقَةً، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: أفَكَهُ عَنْ شَيْءٍ يَأْفِكُهُ عَنْهُ (مِن بابِ ضَرَبَ): إذا صَرَفَهُ عَنْهُ وقَلَبَهُ. فَأصْلُ الأفْكِ بِالفَتْحِ (p-٣٨)القَلْبُ والصَّرْفُ عَنِ الشَّيْءِ. ومِنهُ قِيلَ لِقُرى قَوْمِ لُوطٍ والمُؤْتَفِكاتِ.
لِأنَّ اللَّهَ أفَكَها أيْ: قَلَبَها. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا﴾ [الحجر: ٧٤] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أيْ: يُصْرَفُ عَنْهُ مَن صُرِفَ، وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ [الأحقاف: ٢٢] أيْ: لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها، وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ أُذَيْنَةَ:
؎إنْ تَكُ عَنْ أحْسَنِ المُرُوءَةِ ∗∗∗ مَأْفُوكًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا
وَأكْثَرُ اسْتِعْمالِ هَذِهِ المادَّةِ في الكَذِبِ لِأنَّهُ صَرْفٌ وقَلْبٌ لِلْأمْرِ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِالكَذِبِ، والِافْتِراءِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ ”ما“ مَوْصُولَةٌ وهي اسْمُ ”إنَّ“، و ”كَيْدُ“ خَبَرُها، والعائِدُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: .
. . . . . . . . . . . .
؎والحَذْفُ عِنْدَهم كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عائِدٍ مُتَّصِلٍ إنِ انْتَصَبْ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ كَمَن نَرْجُو يَهَبْ
والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ كَيْدُ ساحِرٍ. وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ كَيْدُ ساحِرٍ بِالنَّصْبِ فَـ ”ما“ كافَّةٌ و ”كَيْدُ“ مَفْعُولُ ”صَنَعُوا“ ولَيْسَتْ سَبْعِيَّةً، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ ”كَيْدُ سِحْرٍ“ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ، فالظّاهِرُ أنَّ الإضافَةَ بَيانِيَّةٌ. لِأنَّ الكَيْدَ المُضافَ إلى السِّحْرِ هو المُرادُ بِالسِّحْرِ. وقَدْ بَسَطْنا الكَلامَ في نَحْوِ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. والكَيْدُ: هو المَكْرُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ أنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ. لِأنَّهُ يَنْحَلُّ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمانٍ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمانٍ ونِسْبَةٍ. فالمَصْدَرُ كامِنٌ في مَفْهُومِهِ إجْماعًا، وهَذا المَصْدَرُ الكامِنُ في مَفْهُومِ الفِعْلِ في حُكْمِ النَّكِرَةِ فَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلى النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ وهي صِيغَةُ عُمُومٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ. فَظَهَرَ أنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، وكَذَلِكَ الفِعْلُ في سِياقِ الشَّرْطِ. لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ الشَّرْطِ أيْضًا صِيغَةُ عُمُومٍ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ أوِ الشَّرْطِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، خِلافًا لِبَعْضِهِمْ فِيما إذا لَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ المَذْكُورُ بِمَصْدَرٍ. فَإنْ أُكِّدَ بِهِ فَهو (p-٣٩)صِيغَةُ عُمُومٍ بِلا خِلافٍ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى صِيَغَ العُمُومِ:
؎وَنَحْوَ لا شَرِبْتُ أوْ إنْ شَرِبا واتَّفَقُوا إنْ مَصْدَرًا قَدْ جَلَبا
والتَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّها لا تَخْتَصُّ بِالفِعْلِ المُتَعَدِّي دُونَ اللّازِمِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ التَّأْكِيدِ بِالمَصْدَرِ وعَدَمِهِ. لِإجْماعِ النُّحاةِ عَلى أنَّ ذِكْرَ المُصْدَرِ بَعْدَ الفِعْلِ تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ، والتَّأْكِيدُ لا يَنْشَأُ بِهِ حُكْمٌ، بَلْ هو مُطْلَقُ تَقْوِيَةً لِشَيْءٍ ثابِتٍ قَبْلَ ذَلِكَ كَما هو مَعْرُوفٌ. وخِلافُ العُلَماءِ في عُمُومِ الفِعْلِ المَذْكُورِ هَلْ هو بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ أوِ الِالتِزامِ مَعْرُوفٌ. وإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ الآيَةَ. يَعُمُّ نَفْيُ جَمِيعِ أنْواعِ الفَلاحِ عَنِ السّاحِرِ، وأكَدَّ ذَلِكَ بِالتَّعْمِيمِ في الأمْكِنَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَيْثُ أتى﴾ وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِ. لِأنَّ الفَلّاحَ لا يُنْفى بِالكُلِّيَّةِ نَفْيًا عامًّا إلّا عَمَّنْ لا خَيْرَ فِيهِ وهو الكافِرُ. ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أمْرانِ:
الأوَّلُ هو ما جاءَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ السّاحِرَ كافِرٌ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٢] . فَقَوْلُهُ ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ ساحِرًا وحاشاهُ مِن ذَلِكَ لَكانَ كافِرًا. وقَوْلُهُ ﴿وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ صَرِيحٌ في كُفْرِ مُعَلِّمِ السِّحْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ هارُوتَ ومارُوتَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أيْ: مِن نَصِيبٍ، ونَفِيُ النَّصِيبِ في الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ لا يَكُونُ إلّا لِلْكافِرِ عِياذًا بِاللَّهِ تَعالى. وهَذِهِ الآياتُ أدِلَّةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ مِنَ السِّحْرِ ما هو كُفْرٌ بَواحٌ، وذَلِكَ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ.
الأمْرُ الثّانِي أنَّهُ عَرَفَ بِاسْتِقْراءِ القُرْآنِ أنَّ الغالِبَ فِيهِ أنَّ لَفْظَةَ لا يُفْلِحُ يُرادُ بِها الكافِرُ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”يُونُسَ“: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٨ - ٧٠]،
• وقَوْلِهِ في ”يُونُسَ“ أيْضًا: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧]،
• وقَوْلِهِ (p-٤٠)فِي ”الأنْعامِ“: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَيُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةِ الآياتِ المَذْكُورَةِ: أنَّ مِن جانِبِ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي اسْتَوْجَبَتْ نَفْيَ الفَلاحِ عَنِ السَّحَرَةِ، والكَفَرَةِ غَيْرِهِمْ أنَّهُ يَنالُ الفَلاحَ، وهو كَذَلِكَ، كَما بَيَّنَهُ جَلَّ وعَلا في آياتٍ كَثِيرَةٍ. كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ مُضارِعُ أفْلَحَ بِمَعْنى نالَ الفَلاحَ. والفَلاحُ يُطْلَقُ في العَرَبِيَّةِ عَلى الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ. ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎فاعْقِلِي إنْ كُنْتِ لَمّا تَعْقِلِي ∗∗∗ ولَقَدْ أفْلَحَ مَن كانَ عَقَلْ
فَقَوْلُهُ ”وَلَقَدْ أفْلَحَ مَن كانَ عَقَلَ“ يَعْنِي أنَّ مَن رَزَقَهُ اللَّهُ العَقْلَ فازَ بِأكْبَرِ مَطْلُوبٍ. ويُطْلَقُ الفَلاحُ أيْضًا عَلى البَقاءِ، والدَّوامِ في النَّعِيمِ. ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَوْ أنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الفَلاحِ ∗∗∗ لَنالَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ
فَقَوْلُهُ ”مُدْرِكُ الفَلاحِ“ يَعْنِي البَقاءَ. وقَوْلُ الأضْبَطِ بْنِ قُرَيْعٍ السَّعْدِيِّ، وقِيلَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ∗∗∗ والمُسْيُ والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ
عَنى أنَّهُ لَيْسَ مَعَ تَعاقُبِ اللَّيْلِ، والنَّهارِ بَقاءٌ. وبِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ فَسَّرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ”حَيَّ عَلى الفَلّاحِ“ في الأذانِ، والإقامَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿حَيْثُ أتى﴾ حَيْثُ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى المَكانِ، كَما تَدُلُّ حِينًا عَلى الزَّمانِ، رُبَّما ضُمِّنَتْ مَعْنى الشَّرْطِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ أيْ: حَيْثُ تَوَجَّهَ وسَلَكَ. وهَذا أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْمِيمُ. كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُتَّصِفٌ بِكَذا حَيْثُ سارَ، وأيَّةُ سَلَكَ، وأيْنَما كانَ. ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎بانَ الخَلِيطُ ولَمْ يَأْوُوا لِمَن تَرَكُوا ∗∗∗ وزَوَّدُوكَ اشْتِياقًا أيْةَ سَلَكُوا
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ أيْ: لا يَفُوزُ، ولا يَنْجُو حَيْثُ أتى مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: حَيْثُ احْتالَ. والمَعْنى في الآيَةِ هو (p-٤١)ما بَيَّنّا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ السِّحْرَ يُطْلَقُ في اللُّغَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَفِيَ سَبَبُهُ ولَطُفَ ودَقَّ. ولِذَلِكَ تَقُولُ العَرَبُ في الشَّيْءِ الشَّدِيدِ الخَفاءِ: أخْفى مِنَ السِّحْرِ. ومِنهُ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ الوَلِيدِ الأنْصارِيِّ:
؎جَعَلْتِ عَلاماتِ المَوَدَّةِ بَيْنَنا مَصائِدَ لَحْظٍ هُنَّ أخْفى مِنَ السِّحْرِ
؎فَأعْرِفُ مِنها الوَصْلَ في لِينِ طَرْفِها ∗∗∗ وأعْرِفُ مِنها الهَجْرَ في النَّظَرِ الشَّزْرِ
وَلِهَذا قِيلَ لِمَلاحَةِ العَيْنَيْنِ: سِحْرٌ. لِأنَّها تُصِيبُ القُلُوبَ بِسِهامِها في خَفاءٍ. ومِنهُ قَوْلُ المَرْأةِ الَّتِي شَبَّبَتْ بِنَصْرِ بْنِ حَجّاجٍ السُّلَمِيِّ:
؎وانْظُرْ إلى السِّحْرِ يَجْرِي في لَواحِظِهِ ∗∗∗ وانْظُرْ إلى دَعَجٍ في طَرْفِهِ السّاجِي
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ السِّحْرَ في الِاصْطِلاحِ لا يُمْكِنُ حَدُّهُ بِحَدٍّ جامِعٍ مانِعٍ. لِكَثْرَةِ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَهُ، ولا يَتَحَقَّقُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَها يَكُونُ جامِعًا لَها مانِعًا لِغَيْرِها. ومِن هُنا اخْتَلَفَتْ عِباراتُ العُلَماءِ في حَدِّهِ اخْتِلافًا مُتَبايِنًا.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الفَخْرَ الرّازِيَّ في تَفْسِيرِهِ قَسَّمَ السِّحْرَ إلى ثَمانِيَةِ أقْسامٍ:
القِسْمُ الأوَّلُ: سِحْرُ الكِلْدانِيِّينَ، والكَسْدائِيِّينَ الَّذِينَ كانُوا في قَدِيمِ الدَّهْرِ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، ويَزْعُمُونَ أنَّها هي المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ، ومِنها تَصْدُرُ الخَيْراتُ، والشُّرُورُ، والسَّعادَةُ، والنُّحُوسَةُ، وهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبْطِلًا لِمَقالَتِهِمْ ورادًّا عَلَيْهِمْ. وقَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ كُفْرٌ بِلا خِلافٍ. لِأنَّهم كانُوا يَتَقَرَّبُونَ فِيهِ لِلْكَواكِبِ كَما يَتَقَرَّبُ المُسْلِمُونَ إلى اللَّهِ، ويَرْجُونَ الخَيْرَ مِن قِبَلِ الكَواكِبِ ويَخافُونَ الشَّرَّ مِن قِبَلِها كَما يَرْجُو المُسْلِمُونَ رَبَّهم ويَخافُونَهُ. فَهم كَفَرَةٌ يَتَقَرَّبُونَ إلى الكَواكِبِ في سِحْرِهِمْ بِالكُفْرِ البَواحِ.
(p-٤٢)النَّوْعُ الثّانِي مِنَ السِّحْرِ: سِحْرُ أصْحابِ الأوْهامِ، والنُّفُوسِ القَوِيَّةِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى تَأْثِيرِ الوَهْمِ بِأنَّ الإنْسانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَمْشِيَ عَلى الجِسْرِ المَوْضُوعِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، ولا يُمْكِنُهُ المَشْيُ عَلَيْهِ إذا كانَ مَمْدُودًا عَلى نَهْرٍ أوْ نَحْوِهِ قالَ: وما ذاكَ إلّا أنَّ تَخَيُّلَ السُّقُوطِ مَتى قَوِيَ أوْجَبَهُ. وقالَ: واجْتَمَعَتِ الأطِبّاءُ عَلى نَهْيِ المَرْعُوفِ عَنِ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ الحُمْرِ، والمَصْرُوعِ عَنِ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ القَوِيَّةِ اللَّمَعانِ، والدَّوَرانِ. وما ذاكَ إلّا أنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مُطِيعَةً لِلْأوْهامِ.
قالَ: وحَكى صاحِبُ الشِّفاءِ عَنْ أرِسْطُو في طَبائِعِ الحَيَوانِ: أنَّ الدَّجاجَةَ إذا تَشَبَّهَتْ كَثِيرًا بِالدِّيَكَةِ في الصَّوْتِ وفي الحِرابِ مَعَ الدِّيَكَةِ نَبَتَ عَلى ساقِها مِثْلُ الشَّيْءِ النّابِتِ عَلى ساقِ الدِّيكِ، قالَ: ثُمَّ قالَ صاحِبُ الشِّفاءِ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأحْوالَ الجُسْمانِيَّةَ تابِعَةٌ لِلْأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ. قالَ: واجْتَمَعَتِ الأُمَمُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ اللِّسانِيَّ الخالِيَ عَنِ الطَّلَبِ النَّفْسانِيِّ قَلِيلُ العَمَلِ عَدِيمُ الأثَرِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لِلْهِمَمِ والنُّفُوسِ آثارًا. . . إلى آخِرِ كَلامِهِ في هَذا النَّوْعِ مِن أنْواعِ السِّحْرِ، وقَدْ أطالَ فِيهِ الكَلامَ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ النُّفُوسَ الخَبِيثَةَ لَها آثارٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، ومِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «العَيْنُ حَقٌّ ولَوْ كانَ شَيْءٌ سابِقٌ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ» . وهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هِمَّةَ العائِنِ وقُوَّةَ نَفْسِهِ في الشَّرِّ جَعَلَها اللَّهُ سَبَبًا لِلتَّأْثِيرِ في المُصابِ بِالعَيْنِ.
وَقالَ الرّازِيُّ في هَذا النَّوْعِ مِن أنْواعِ السِّحْرِ: إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النُّفُوسُ الَّتِي تَفْعَلُ هَذِهِ الأفاعِيلَ قَدْ تَكُونُ قَوِيَّةً جِدًّا فَتَسْتَغْنِي في هَذِهِ الأفْعالِ عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِالآلاتِ، والأدَواتِ، وقَدْ تَكُونُ ضَعِيفَةً فَتَحْتاجُ إلى الِاسْتِعانَةِ بِهَذِهِ الآلاتِ. وتَحْقِيقُهُ: أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مُسْتَعْلِيَةً عَلى البَدَنِ شَدِيدَةَ الِانْجِذابِ إلى عالَمِ السَّماءِ كانَتْ كَأنَّها رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، فَكانَتْ قَوِيَّةً عَلى التَّأْثِيرِ في مَوادِّ هَذا العالَمِ، أمّا إذا كانَتْ ضَعِيفَةً شَدِيدَةَ التَّعَلُّقِ بِهَذِهِ الذّاتِ البَدَنِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لَها تَصَرُّفٌ البَتَّةَ إلّا في هَذا البَدَنِ. إلى آخِرِ كَلامِهِ. ولا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن نَظَرَهُ.
وَقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ كَلامَ الرّازِيِّ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا ما نَصُّهُ: ثُمَّ أرْشَدَ إلى مُداواةِ هَذا الدّاءِ بِتَقْلِيلِ الغِذاءِ، والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ. قُلْتُ: وهَذا الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ هو التَّصَرُّفُ بِالحالِ وهو عَلى قِسْمَيْنِ: تارَةً يَكُونُ حالًا صَحِيحَةً شَرْعِيَّةً، يَتَصَرَّفُ بِها فِيما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ ﷺ، ويَتْرُكُ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ورَسُولُهُ ﷺ: فَهَذِهِ الأحْوالُ مَواهِبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكَراماتٌ لِلصّالِحِينَ مِن هَذِهِ (p-٤٣)الأُمَّةِ، ولا يُسَمّى هَذا سِحْرًا في الشَّرْعِ. وتارَةً تَكُونُ الحالُ فاسِدَةً لا يَمْتَثِلُ صاحِبُها ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورَسُولُهُ ﷺ ولا يَتَصَرَّفُ بِها في ذَلِكَ. فَهَذِهِ حالُ الأشْقِياءِ المُخالِفِينَ لِلشَّرِيعَةِ، ولا يَدُلُّ إعْطاءُ اللَّهِ إيّاهم هَذِهِ الأحْوالِ عَلى مَحَبَّتِهِ لَهم. كَما أنَّ الدَّجّالَ لَهُ مِن خَوارِقِ العاداتِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الكَثِيرَةُ، مَعَ أنَّهُ مَذْمُومٌ شَرْعًا لَعَنَهُ اللَّهُ. وكَذَلِكَ مَن شابَهَهُ مِن مُخالِفِي الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ المَذْكُورَةِ: الِاسْتِعانَةُ بِالأرْواحِ الأرْضِيَّةِ، يَعْنِي تَسْخِيرَ الجِنِّ واسْتِخْدامَهم. قالَ:
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِالجِنِّ مِمّا أنْكَرَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ الفَلاسِفَةِ، والمُعْتَزِلَةِ. أمّا أكابِرُ الفَلاسِفَةِ فَلَمْ يُنْكِرُوا القَوْلَ بِها. إلّا أنَّهم سَمَّوْها بِالأرْواحِ الأرْضِيَّةِ. والجِنُّ المَذْكُورُونَ قِسْمانِ: مُؤْمِنُونَ، وكافِرُونَ وهُمُ الشَّياطِينُ.
قالَ الرّازِيُّ في كَلامِهِ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ: واتِّصالُ النُّفُوسِ النّاطِقَةِ بِها أسْهَلُ مِنِ اتِّصالِها بِالأرْواحِ السَّماوِيَّةِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ، والقُرْبِ. ثُمَّ إنَّ أصْحابَ الصَّنْعَةِ وأصْحابَ التَّجْرِبَةِ شاهَدُوا بِأنَّ الِاتِّصالَ بِهَذِهِ الأرْواحِ الأرْضِيَّةِ يَحْصُلُ بِأعْمالٍ سَهْلَةٍ مِنَ الرُّقى، والدَّخْنِ، والتَّجْرِيدِ. وهَذا النَّوْعُ هو المُسَمّى بِالعَزائِمِ، وعَمَلِ تَسْخِيرِ الجِنِّ. وقَدْ أطالَ الرّازِيُّ أيْضًا الكَلامَ في هَذا النَّوْعِ مِن أنْواعِ السِّحْرِ.
النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ: هو التَّخَيُّلاتُ، والأخْذُ بِالعُيُونِ. ومَبْنى هَذا النَّوْعِ مِنهُ عَلى أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ قَدْ تَرى الشَّيْءَ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ في الحَقِيقَةِ لِبَعْضِ الأسْبابِ العارِضَةِ. ولِأجْلِ هَذا كانَتِ أغْلاطُ البَصَرِ كَثِيرَةً. ألا تَرى أنَّ راكِبَ السَّفِينَةِ إذا نَظَرَ إلى الشَّطِّ رَأى السَّفِينَةَ واقِفَةً، والشَّطَّ مُتَحَرِّكًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السّاكِنَ يُرى مُتَحَرِّكًا. والمُتَحَرِّكُ ساكِنًا. والقَطْرَةُ النّازِلَةُ تُرى خَطًّا مُسْتَقِيمًا. إلى آخِرِ كَلامِ الرّازِيِّ. وقَدْ أطالَ الكَلامَ أيْضًا في هَذا النَّوْعِ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ مُخْتَصِرًا كَلامَ الرّازِيِّ المَذْكُورَ: ومَبْناهُ عَلى أنَّ البَصَرَ قَدْ يُخْطِئُ ويَشْتَغِلُ بِالشَّيْءِ المُعَيَّنِ دُونَ غَيْرِهِ. ألا تَرى ذا الشَّعْبَذَةِ الحاذِقَ يُظْهِرُ عَمَلَ شَيْءٍ يُذْهِلُ أذْهانَ النّاظِرِينَ بِهِ، ويَأْخُذُ عُيُونَهم إلَيْهِ، حَتّى إذا اسْتَغْرَقَهُمُ الشُّغْلُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ بِالتَّحْدِيقِ ونَحْوِهِ عَمِلَ شَيْئًا آخَرَ عَمَلًا بِسُرْعَةٍ شَدِيدَةٍ، وحِينَئِذٍ، يَظْهَرُ لَهم شَيْءٌ غَيْرُ ما انْتَظَرُوهُ فَيَتَعَجَّبُونَ مِنهُ جِدًّا، ولَوْ أنَّهُ سَكَتَ ولَمْ يَتَكَلَّمْ بِما (p-٤٤)يَصْرِفُ الخَواطِرَ إلى ضِدِّ ما يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَهُ، ولَمْ تَتَحَرَّكِ النُّفُوسُ والأوْهامُ إلى غَيْرِ ما يُرِيدُ إخْراجَهُ لَفَطِنَ النّاظِرُونَ لِكُلِّ ما يَفْعَلُهُ. قالَ: وكُلَّما كانَتِ الأحْوالُ تُفِيدُ حِسَّ البَصَرِ نَوْعًا مِن أنْواعِ الخَلَلِ أشَدَّ، كانَ العَمَلُ أحْسَنَ. مِثْلَ أنْ يَجْلِسَ المُشَعْبِذُ في مَوْضِعٍ مُضِيءٍ جِدًّا أوْ مُظْلِمٍ، فَلا تَقِفُ القُوَّةُ النّاظِرَةُ عَلى أحْوالِها، والحالَةُ هَذِهِ. ا ه مِنهُ.
وَلا يَخْفى أنْ يَكُونَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِن هَذا النَّوْعِ. فَهو تَخْيِيلٌ وأخْذٌ بِالعُيُونِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] فَإطْلاقُ التَّخْيِيلِ في الآيَةِ عَلى سِحْرِهِمْ نَصٌّ صَرِيحٌ في ذَلِكَ. وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] . لِأنَّ إيقاعَ السِّحْرِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ في الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أعْيُنَهم تَخَيَّلَتْ غَيْرَ الحَقِيقَةِ الواقِعَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
النَّوْعُ الخامِسُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ: الأعْمالُ العَجِيبَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِن تَرْكِيبِ الآلاتِ المُرَكَّبَةِ عَلى النِّسَبِ الهَنْدَسِيَّةِ، كَفارِسٍ عَلى فَرَسٍ في يَدِهِ بُوقٌ، كُلَّما مَضَتْ ساعَةٌ مِنَ النَّهارِ ضَرَبَ بِالبُوقِ مِن غَيْرِ أنْ يَمَسَّهُ أحَدٌ. ومِنها الصُّوَرُ الَّتِي يُصَوِّرُها الرُّومُ، والهِنْدُ حَتّى لا يُفَرِّقَ النّاظِرُ بَيْنَها وبَيْنَ الإنْسانِ، حَتّى إنَّهم يُصَوِّرُونَها ضاحِكَةً وباكِيَةً، حَتّى يُفَرِّقَ فِيها بَيْنَ ضَحِكِ السُّرُورِ، وبَيْنَ ضَحِكِ الخَجَلِ، وضَحِكِ الشّامِتِ.
فَهَذِهِ الوُجُوهُ مِن لَطِيفِ أُمُورِ المَخايِلِ. قالَ الرّازِيُّ: وكانَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِن هَذا الضَّرْبِ. ومِن هَذا البابِ تَرْكِيبُ صُنْدُوقِ السّاعاتِ. ويَنْدَرِجُ في هَذا البابِ عِلْمُ جَرِّ الأثْقالِ، وهو أنْ يَجُرَّ ثَقِيلًا عَظِيمًا بِآلَةٍ خَفِيفَةٍ سَهْلَةٍ، وهَذا في الحَقِيقَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ مِن بابِ السِّحْرِ لِأنَّ لَها أسْبابًا مَعْلُومَةً نَفِيسَةً، مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْها قَدِرَ عَلَيْها، إلّا أنَّ الِاطِّلاعَ عَلَيْها لَمّا كانَ عَسِيرًا عَدَّ أهْلُ الظّاهِرِ ذَلِكَ مِن بابِ السِّحْرِ لِخَفاءِ مَأْخَذِهِ ا ه.
وَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ الرّازِيَّ يَرى أنَّ سِحْرَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِن هَذا النَّوْعِ الأخِيرِ، لِأنَّ السَّحَرَةَ جَعَلُوا الزِّئْبَقَ عَلى الحِبالِ، والعِصِيِّ فَحَرَّكَتْهُ حَرارَةُ الشَّمْسِ فَتَحَرَّكَتِ الحِبالُ والعِصِيُّ فَظَنُّوا أنَّها حَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ. والَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي قَبْلَهُ كَما قَدَّمْنا، ولا مانِعَ مِن أنْ يَتَوارَدَ نَوْعانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ فَيَكُونُ داخِلًا في هَذا وفي هَذا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ كَلامَ الرّازِيِّ الَّذِي ذَكَرْنا في هَذا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ. قُلْتُ: ومِن هَذا القَبِيلِ حِيَلُ النَّصارى عَلى عامَّتِهِمْ بِما يُرُونَهم إيّاهُ مِنَ الأنْوارِ، كَقَضِيَّةِ قُمامَةِ الكَنِيسَةِ الَّتِي لَهم بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وما يَحْتالُونَ بِهِ مِن إدْخالِ النّارِ خُفْيَةً إلى (p-٤٥)الكَنِيسَةِ، وإشْعالِ ذَلِكَ القِنْدِيلِ بِصَنْعَةٍ لَطِيفَةٍ تُرَوَّجُ عَلى الطَّغامِ مِنهم، وأمّا الخَواصُّ مِنهم فَمُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، ولَكِنْ يَتَأوَّلُونَ أنَّهم يَجْمَعُونَ شَمْلَ أصْحابِهِمْ عَلى دِينِهِمْ، فَيَرَوْنَ ذَلِكَ سائِغًا لَهم، وفِيهِمْ شُبَهٌ مِنَ الجَهَلَةِ الأغْبِياءِ مِن مُتَعَبِّدِي الكَرّامِيَّةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ جَوازَ وضْعِ الأحادِيثِ في التَّرْغِيبِ، والتَّرْهِيبِ، فَيَدْخُلُونَ في عِدادِ مَن قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ ”»، وقَوْلُهُ:“ «حَدِّثُوا عَنِّي، ولا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإنَّهُ مَن يَكْذِبُ عَلَيَّ يَلِجُ النّارَ» . ثُمَّ ذَكَرَها هُنا - يَعْنِي الرّازِيَّ - حِكايَةً عَنْ بَعْضِ الرُّهْبانِ، وهي أنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ طائِرٍ حَزِينِ الصَّوْتِ، ضَعِيفِ الحَرَكَةِ، فَإذا سَمِعَتْهُ الطُّيُورُ تَرِقُّ لَهُ فَتُذْهِبُ في وكْرِهِ مِن ثَمَرِ الزَّيْتُونِ لِيَتَبَلَّغَ بِهِ، فَعَمَدَ هَذا الرّاهِبُ إلى صَنْعَةِ طائِرٍ عَلى شَكْلِهِ وتَوَصَّلَ إلى أنْ جَعَلَهُ أجْوَفًا، فَإذا دَخَلَتْهُ الرِّيحُ سُمِعَ مِنهُ صَوْتٌ كَصَوْتِ ذَلِكَ الطّائِرِ. وانْقَطَعَ في صَوْمَعَةٍ ابْتَناها، وزَعَمَ أنَّها عَلى قَبْرِ بَعْضِ صالِحِيهِمْ، وعَلَّقَ ذَلِكَ الطّائِرَ في مَكانٍ مِنها، فَإذا كانَ زَمانُ الزَّيْتُونِ فَتَحَ بابًا مِن ناحِيَتِهِ فَتَدْخُلُ الرِّيحُ إلى داخِلِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَيَسْمَعُ صَوْتَها كُلُّ طائِرٍ في شَكْلِهِ أيْضًا، فَتَأْتِي الطُّيُورُ فَتَحْمِلُ مِنَ الزَّيْتُونِ شَيْئًا كَثِيرًا فَلا تَرى النَّصارى إلّا ذَلِكَ الزَّيْتُونَ في هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ، ولا يَدْرُونَ ما سَبَبُهُ. فَفَتَنَهم بِذَلِكَ وأوْهَمَهم أنَّ هَذا مِن كَراماتِ صاحِبِ ذَلِكَ القَبْرِ، عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ المُتَتابِعَةُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَذَكَرَ الرّازِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي نَقَلَها عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ: أنَّ ذَلِكَ الطّائِرَ المَذْكُورَ يُسَمّى البَراصِلَ، وأنَّ الَّذِي عَمِلَ صُورَتَهُ يُسَمّى أرْجِعْيانُوسَ المُوسِيقارَ، وأنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ عَلى هَيْكَلِ أُورَشْلِيمَ العَتِيقِ عِنْدَ تَجْدِيدِهِ إيّاهُ، وأنَّ الَّذِي قامَ بِعِمارَةِ ذَلِكَ الهَيْكَلِ أوَّلًا أُسْطَرْخَسُ النّاسِكُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: وهَذا النَّوْعُ الخامِسُ الَّذِي عَدَّهُ الرّازِيُّ مِن أنْواعِ السِّحْرِ، الَّذِي هو الأعْمالُ العَجِيبَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِن تَرْكِيبِ الآلاتِ المُرَكَّبَةِ عَلى النِّسَبِ الهَنْدَسِيَّةِ. . . إلَخْ لا يَنْبَغِي عَدُّهُ اليَوْمَ مِن أنْواعِ السِّحْرِ. لِأنَّ أسْبابَهُ صارَتْ واضِحَةً مُتَعارَفَةً عِنْدَ النّاسِ، بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العِلْمِ المادِّيِّ. والواضِحُ الَّذِي صارَ عادِيًّا لا يَدْخُلُ في حَدِّ السِّحْرِ، وقَدْ كانَتْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ خَفِيَّةَ الأسْبابِ فَصارَتِ اليَوْمَ ظاهِرَتَها جِدًّا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
النَّوْعُ السّادِسُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ: الِاسْتِعانَةُ بِخَواصِّ الأدْوِيَةِ، مِثْلَ أنْ يَجْعَلَ في طَعامِهِ بَعْضَ الأدْوِيَةِ المُبَلِّدَةِ المُزِيلَةِ لِلْعَقْلِ، والدَّخَنَ المُسْكِرَةَ نَحْوَ دِماغِ الحِمارِ إذا تَناوَلَهُ (p-٤٦)الإنْسانُ تَبَلَّدَ عَقْلُهُ، وقَلَّتْ فِطْنَتُهُ، قالَهُ الرّازِيُّ. ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِ الخَواصِّ: فَإنَّ أثَرَ المِغْناطِيسِ مُشاهَدٌ إلّا أنَّ النّاسَ قَدْ أكْثَرُوا فِيهِ وخَلَطُوا الصِّدْقَ بِالكَذِبِ، والباطِلَ بِالحَقِّ. ا ه كَلامُ الرّازِيِّ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ نَقْلًا عَنِ الرّازِيِّ: قُلْتُ: يَدْخُلُ في هَذا القَبِيلِ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الفَقْرَ، ويَتَحَيَّلُ عَلى جَهَلَةِ النّاسِ بِهَذِهِ الخَواصِّ مُدَّعِيًا أنَّها أحْوالٌ لَهُ مِن مُخالَطَةِ النِّيرانِ ومَسْكِ الحَيّاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُحاوَلاتِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ.
النَّوْعُ السّابِعُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ المَذْكُورِ: تَعْلِيقُ القَلْبِ، وهو أنْ يَدَّعِيَ السّاحِرُ أنَّهُ قَدْ عَرَفَ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وأنَّ الجِنَّ يُطِيعُونَ ويَنْقادُونَ لَهُ في أكْثَرِ الأحْوالِ: فَإذا اتَّفَقَ أنْ كانَ السّامِعُ لِذَلِكَ ضَعِيفَ العَقْلِ قَلِيلَ التَّمْيِيزِ اعْتَقَدَ أنَّهُ حَقٌّ: وتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِذَلِكَ: حَصَلَ في نَفْسِهِ نَوْعٌ مِنَ الرُّعْبِ، والمَخافَةِ: وإذا حَصَلَ الخَوْفُ ضَعُفَتِ القُوى الحَسّاسَةُ: فَحِينَئِذٍ يَتَمَكَّنُ السّاحِرُ مِن أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ. قالَ الرّازِيُّ: وإنَّ مَن جَرَّبَ الأُمُورَ وعَرَفَ أحْوالَ أهْلِ العِلْمِ عَلِمَ أنَّ لِتَعَلُّقِ القَلْبِ أثَرًا عَظِيمًا في تَنْفِيذِ الأعْمالِ وإخْفاءِ الأسْرارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences