Ash-ShinqitiTaha · 20:72–79

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Taha 20:72–79

20:72Page 316

قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢

They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ .

قَوْلُهُ: لَنْ نُؤْثِرَكَ أيْ: لَنْ نَخْتارَ اتِّباعَكَ وكَوْنُنا مِن حِزْبِكَ، وسَلامَتُنا مِن عَذابِكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ. كَمُعْجِزَةِ العَصا الَّتِي أتَتْنا وتَيَقَنّا صِحَّتَها. والواوُ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ عاطِفَةٌ عَلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: عَلى ما جاءَنا أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ ولا عَلى ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ أيْ: خَلَقَنا وأبْرَزَنا مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. وقِيلَ: هي واوُ القَسَمِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. أيْ: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ لا نُؤْثِرُكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ فاقْضِ ما أيِ: اصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ. فَلَسْنا راجِعِينَ عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: إنَّما يَنْفُذُ أمْرُكَ فِيها. فَـ ”هَذِهِ“ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ عَلى الأصَحِّ. أيْ: ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ يُهِمُّ لِسُرْعَةِ زَوالِها وانْقِضائِها.

وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا عَنْهم في هَذا المَوْضِعِ: مِن ثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ، وعَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِتَهْدِيدِ فِرْعَوْنَ ووَعِيدِهِ رَغْبَةً فِيما عِنْدَ اللَّهِ قَدْ ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“ عَنْهم في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] . وقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٥ - ١٢٦] . وقَوْلُهُ: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ عائِدُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أنْتَ قاضِيهِ لِأنَّهُ مَخْفُوضٌ بِالوَصْفِ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎كَذاكَ حَذْفُ ما بِوَصْفٍ خُفِضا كَأنْتَ قاضٍ بَعْدَ أمْرٍ مِن قَضى

وَنَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ ناشِبٍ المازِنِيِّ:

؎وَيَصْغُرُ في عَيْنَيْ تِلادِي إذا انْثَنَتْ ∗∗∗ يَمِينِي بِإدْراكِ الَّذِي كُنْتُ طالِبًا

(p-٦٦)أيْ: طالِبَهُ.

20:73Page 316

إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣

Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ لَمّا قالَ لِلسَّحَرَةِ ما قالَ لَمّا آمَنُوا، قالُوا لَهُ: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ [طه: ٧٣] يَعْنُونَ ذُنُوبَهُمُ السّالِفَةَ كالكُفْرِ، وغَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا ما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهم هُنا أشارَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الشُّعَراءِ“ عَنْهم: ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥٠ - ٥١] وقَوْلُهُ عَنْهم في ”الأعْرافِ“: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] . وفي آيَةِ طه ”هَذا سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: قَوْلُهم ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: ٧٣] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أكْرَهَهم عَلَيْهِ، مَعَ أنَّهُ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّهم فَعَلُوهُ طائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ، كَقَوْلِهِ في“ طه ”: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه: ٦٢ - ٦٣] . فَقَوْلُهم: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] صَرِيحٌ في أنَّهم غَيْرُ مُكْرَهِينَ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَنْهم في“ الشُّعَراءِ ”: ﴿قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١] وقَوْلُهُ في“ الأعْرافِ ": ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣ - ١١٤] فَتِلْكَ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم غَيْرُ مُكْرَهِينَ.

وَلِلْعُلَماءِ عَنْ هَذا السُّؤالِ أجْوِبَةٌ مَعْرُوفَةٌ:

(مِنها): أنَّهُ أكْرَهَهم عَلى الشُّخُوصِ مِن أماكِنِهِمْ لِيُعارِضُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ، فَلَمّا أُكْرِهُوا عَلى القُدُومِ وأُمِرُوا بِالسِّحْرِ أتَوْهُ طائِعِينَ، فَإكْراهُهم بِالنِّسْبَةِ إلى أوَّلِ الأمْرِ، وطَوْعُهم بِالنِّسْبَةِ إلى آخِرِ الأمْرِ، فانْفَكَّتَ الجِهَةُ وبِذَلِكَ يَنْتَفِي التَّعارُضُ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ: ﴿وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦] وقَوْلُهُ: ﴿وَأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١] .

(ومِنها): أنَّهُ كانَ يُكْرِهُهم عَلى تَعْلِيمِ أوْلادِهِمُ السِّحْرَ في حالِ صِغَرِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو مُرادُهم بِإكْراهِهِمْ عَلى السِّحْرِ. ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ السِّحْرِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِمْ وكِبَرِهِمْ طائِعِينَ.

(p-٦٧)(ومِنها): أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا: فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ قُرْبَ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرِ السّاحِرِ ! لِأنَّ السّاحِرَ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ. فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، وألْزَمَهم بِذَلِكَ. فَلَمّا لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِن ذَلِكَ فَعَلُوهُ طائِعِينَ. وأظْهَرُها عِنْدِي الأوَّلُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَقَوْلُهُ: في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خَطايانا جَمْعُ خَطِيئَةٍ، وهي الذَّنْبُ العَظِيمُ. كالكُفْرِ ونَحْوِهِ. والفَعِيلَةُ تُجْمَعُ عَلى فَعائِلَ، والهَمْزَةُ في فَعائِلَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الياءِ في فَعِيلَةٍ، ومِثْلُها الألِفُ، والواوُ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎والمَدُّ زِيدَ ثالِثًا في الواحِدِ هَمْزًا يُرى في مِثْلِ كالقَلائِدِ

فَأصْلُ خَطايا ”خَطائِيِ“ بِياءٍ مَكْسُورَةٍ، وهي ياءُ خَطِيئَةٍ، وهَمْزَةٍ بَعْدَها هي لامُ الكَلِمَةِ. ثُمَّ أُبْدِلَتِ الياءُ هَمْزَةً عَلى حَدِّ الإبْدالِ في صَحائِفَ فَصارَتْ خَطائِئَ بِهَمْزَتَيْنِ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ياءً لِلُزُومِ إبْدالِ الهَمْزَةِ المُتَطَرِّفَةِ بَعْدَ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ ياءً، فَصارَتْ خَطائِيَ، ثُمَّ فُتِحَتِ الهَمْزَةُ الأُولى تَخْفِيفًا فَصارَ خَطاءَيَ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها فَصارَ خَطاءا بِألِفَيْنِ بَيْنَهُما هَمْزَةٌ، والهَمْزَةُ تُشْبِهُ الألِفَ، فاجْتَمَعَ شِبْهُ ثَلاثَةِ ألِفاتٍ، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ ياءً فَصارَ خَطايا بَعْدَ خَمْسَةِ أعْمالٍ، وإلى ما ذَكَرْنا أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وافْتَحْ ورُدَّ الهَمْزَ يا فِيما أُعِلَّ ∗∗∗ لامًا وفي مِثْلِ هِراوَةٍ جُعِلْ

واوًا. . . إلَخْ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ظاهِرُهُ المُتَبادَرُ مِنهُ: أنَّ المَعْنى خَيْرٌ مِن فِرْعَوْنَ وأبْقى مِنهُ. لِأنَّهُ باقٍ لا يَزُولُ مُلْكُهُ، ولا يُذَلُّ، ولا يَمُوتُ، ولا يُعْزَلُ. كَما أوْضَحْنا هَذا المَعْنى في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] . أيْ: بِخِلافِ فِرْعَوْنَ، وغَيْرِهِ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا فَإنَّهُ لا يَبْقى، بَلْ يَمُوتُ أوْ يُعْزَلُ، أوْ يُذَلُّ بَعْدَ العِزِّ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المَعْنى: أنَّ ثَوابَهُ خَيْرٌ مِمّا وعَدَهم فِرْعَوْنُ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣ - ١١٤] . وأبْقى: أيْ: أدْوَمُ. لِأنَّ ما وعَدَهم بِهِ فِرْعَوْنُ زائِلٌ، وثَوابُ اللَّهِ باقٍ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦] . وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وأبْقى أيْ: أبْقى عَذابًا مِن عَذابِكَ، وأدْوَمُ مِنهُ. وعَلَيْهِ فَهو رَدٌّ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ (p-٦٨)وَمَعْنى أبْقى أكْثَرُ بَقاءً.

20:74Page 316

إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤

Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ .

ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إنَّهُ أيِ: الأمْرُ والشَّأْنُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ في حالِ كَوْنِهِ مُجْرِمًا أيْ: مُرْتَكِبًا الجَرِيمَةَ في الدُّنْيا حَتّى ماتَ عَلى ذَلِكَ كالكافِرِ عِياذًا بِاللَّهِ تَعالى فَإنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ فِيها فَـ لا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ ولا يَحْيا حَياةً فِيها راحَةٌ.

وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا أُوَضِّحُهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ:

• كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [الروم: ٣٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٥ - ١٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أحَدِ فُقَهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ:

؎ألا مَن لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي شَقاها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمُ

20:75Page 316

وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥

But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ”أنَّ“ ومَن يَأْتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ في حالِ كَوْنِهِ ﴿مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا حَتّى ماتَ عَلى ذَلِكَ ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ﴾ عِنْدَ اللَّهِ ﴿الدَّرَجاتُ العُلا﴾ والعُلا: جَمْعُ عُلْيا وهي تَأْنِيثُ الأعْلى. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

20:76Page 316

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦

Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1

No commentary for this ayah

20:77Page 317

وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧

And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. أنَّهُ أوْحى إلى نَبِيِّهِ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ (p-٦٩)والسَّلامُ: أنْ يَسْرِيَ بِعِبادِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ فَيُخْرِجَهم مِن قَبْضَةِ فِرْعَوْنَ لَيْلًا، وأنْ يَضْرِبَ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا، أيْ: يابِسًا لا ماءَ فِيهِ، ولا بَلَلَ، وأنَّهُ لا يَخافُ دَرَكًا مِن فِرْعَوْنَ وراءَهُ أنْ يَنالَهُ بِسُوءٍ. ولا يَخْشى مِنَ البَحْرِ أمامَهُ أنْ يَغْرَقَ قَوْمُهُ. وقَدْ أوْضَحَ هَذِهِ القِصَّةَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“: ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وَإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٥٢ - ٦٣] .

فَقَوْلُهُ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أيْ: فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ يُوَضِّحُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] وقَوْلُهُ: ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢] يُوَضِّحُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ في ”الدُّخانِ“: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٢ - ٢٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ واضِحَةٌ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ ”أنِ اسْرِ“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وكَسْرِ نُونٍ أنْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والباقُونَ قَرَءُوا أنْ أسْرِ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ إسْكانِ نُونِ ”أنْ“ وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”هُودٍ“ أنَّ أسْرى وسَرى لُغَتانِ وبَيَّنا شَواهِدَ ذَلِكَ العَرَبِيَّةَ. وقَرَأ حَمْزَةُ لا تَخَفْ بِسُكُونِ الفاءِ بِدُونِ ألِفٍ بَيْنَ الخاءِ، والفاءِ، وهو مَجْزُومٌ لِأنَّهُ جَزاءُ الطَّلَبِ، أيْ: فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخَفْ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الجَزْمِ بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الطَّلَبِ، أيْ: أنْ تَضْرِبَ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخَفْ. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ”لا تَخافُ“ بِالرَّفْعِ، فَلا إشْكالَ في قَوْلِهِ ولا تَخْشى لِأنَّهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ بِضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلى الألِفِ، مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مُضارِعٍ مَرْفُوعٍ هو قَوْلُهُ: لا تَخافُ.

وَأمّا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ ”لا تَخَفْ“ بِالجَزْمِ فَفي قَوْلِهِ ولا تَخْشى إشْكالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُضارِعٍ مَجْزُومٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي جَزْمَهُ، ولَوْ جُزِمَ لَحُذِفَتِ (p-٧٠)الألِفُ مِن تَخْشى عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:

؎واحْذِفْ جازِمًا ثَلاثَهُنَّ تَقْضِ حُكْمًا لازِمًا

والألِفُ لَمْ تُحْذَفْ فَوَقَعَ الإشْكالُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

وَأُجِيبَ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ ولا تَخْشى مُسْتَأْنَفٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأنْتَ لا تَخْشى، أيْ: ومِن شَأْنِكَ أنَّكَ آمِنٌ لا تَخْشى.

والثّانِي: أنَّ الفِعْلَ مَجْزُومٌ، والألِفُ لَيْسَتْ هي الألِفُ الَّتِي في مَوْضِعِ لامِ الكَلِمَةِ، ولَكِنَّها زِيدَتْ لِلْإطْلاقِ مِن أجْلِ الفاصِلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] وقَوْلِهِ: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] .

والثّالِثُ: أنَّ إشْباعَ الحَرَكَةِ بِحَرْفِ مَدٍّ يُناسِبُها أُسْلُوبٌ مَعْرُوفٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، كَقَوْلِ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وقّاصٍ الحارِثِيِّ:

؎وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ∗∗∗ كَأنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيا

وَقَوْلِ الرّاجِزِ:

؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقْ ∗∗∗ ولا تَرَضّاها ولا تَمَلَّقْ

وَقَوْلِ الآخَرِ:

؎قُلْتُ وقَدْ خَرَّتْ عَلى الكَلْكالِ ∗∗∗ يا ناقَتِي ما جُلْتِ مِن مَجالِ

وَقَوْلِ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:

؎يَنْباعُ مِن ذَفِرَيْ غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ∗∗∗ زَيّافَةٍ مِثْلَ الفَنِيقِ المُكْدَمِ

فالأصْلُ في البَيْتِ الأوَّلِ: كَأنْ لَمْ تَرَ، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ. والأصْلُ في الثّانِي، ولا تَرْضَها، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ. والأصْلُ في الثّالِثِ عَلى الكَلْكالِ يَعْنِي الصَّدْرَ، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ. والأصْلُ في الرّابِعِ يَنْبُعُ يَعْنِي أنَّ العَرَقَ يَنْبُعُ مِن عَظْمِ الذِّفْرى مِن ناقَتِهِ عَلى التَّحْقِيقِ، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ، وإشْباعُ الفَتْحَةِ بِألْفٍ في هَذِهِ الأبْياتِ وأمْثالِها مِمّا لَمْ نَذْكُرْهُ لَيْسَ لِضَرُورَةٍ لِلشِّعْرِ لِتَصْرِيحِ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ بِأنَّهُ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ مَسْمُوعٌ في النَّثْرِ، كَقَوْلِهِمْ في النَّثْرِ: كَلْكالٌ، وخاتامٌ، وداناقٌ، يَعْنُونَ كَلْكَلًا، وخاتَمًا، ودانِقًا. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ، وأكْثَرْنا مِن شَواهِدِها العَرَبِيَّةِ في كِتابِنا (p-٧١)(دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”البَلَدِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾: فاجْعَلْ لَهم طَرِيقًا، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبِنَ عَمِلَهُ ا هـ. والتَّحْقِيقُ أنَّ يَبَسًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ جاءَتْ عَلى فَعَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَبَطَلٍ وحَسَنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اليُبْسُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. يُقالُ: يَبِسَ يَبَسًا ويُبْسًا، ونَحْوُهُما العَدَمُ، والعُدْمُ، ومِن ثَمَّ وُصِفَ بِهِ المُؤَنَّثُ فَقِيلَ: شاتُنا يُبْسٌ، وناقَتُنا يُبْسٌ. إذا جَفَّ لَبَنُها.

وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾ الدَّرَكُ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الإدْراكِ، أيْ: لا يُدْرِكُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، ولا يَلْحَقُونَكَ مِن ورائِكَ، ولا تَخْشى مِنَ البَحْرِ أمامَكَ. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ لا تَخافُ فالجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ فاضْرِبْ أيْ: فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في حالِ كَوْنِكَ غَيْرَ خائِفٍ دَرَكًا، ولا خاشٍ. وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الفِعْلَ المُضارِعَ المَنفِيَّ بِلا إذا كانَتْ جُمْلَتُهُ حالِيَّةً وجَبَ الرَّبْطُ فِيها بِالضَّمِيرِ وامْتَنَعَ بِالواوِ.

• كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾ أيْ: في حالِ كَوْنِكَ لا تَخافُ دَرَكًا،

• وقَوْلِهِ ﴿ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠]

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٨٤]

ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وَلَوْ أنَّ قَوْمًا لِارْتِفاعِ قَبِيلَةٍ ∗∗∗ دَخَلُوا السَّماءَ دَخَلْتُها لا أُحْجَبُ

يَعْنِي دَخَلْتُها في حالِ كَوْنِي غَيْرَ مَحْجُوبٍ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ في الخُلاصَةِ:

؎وَذاتُ بَدْءٍ بِمُضارِعٍ ثَبَتْ ∗∗∗ حَوَتْ ضَمِيرًا ومِنَ الواوِ خَلَتْ

فِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ كَما هو مَعْلُومٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.

20:78Page 317

فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨

So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ .

التَّحْقِيقُ أنَّ أتْبَعَ واتَّبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. فَقَوْلُهُ: فَـ أتْبَعَهم أيِ: اتَّبَعَهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٧٥] . والمَعْنى: أنَّ مُوسى لَمّا أسْرى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ﴾ [طه: ٧٨] أيِ: البَحْرِ ما غَشِيَهم أيْ: أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ في البَحْرِ فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ فِرْعَوْنَ أتْبَعَ بَنِي إسْرائِيلَ هو وجُنُودُهُ، وأنَّ اللَّهَ أغْرَقَهم في البَحْرِ أُوَضِّحُهُ في غَيْرِ هَذا (p-٧٢)المَوْضِعِ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُمُ اتَّبَعُوهم في أوَّلِ النَّهارِ عِنْدَ إشْراقِ الشَّمْسِ، فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى اتِّباعِهِ لَهم قَوْلُهُ تَعالى في ”الشُّعَراءِ“: ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢] يَعْنِي سَيَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ اتِّباعِهِ لَهم فَقالَ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وَإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ فَلَمّا ﴿تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٥٣ - ٦٢] .

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ أيْ: أوَّلَ النَّهارِ عِنْدَ إشْراقِ الشَّمْسِ. ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في ”يُونُسَ“: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا﴾ [يونس: ٩٠] وقَوْلُهُ في ”الدُّخانِ“: ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى إتْباعِهِ لَهم. وأمّا غَرَقُهُ هو وجَمِيعُ قَوْمِهِ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ فَقَدْ أوْضَحَهُ تَعالى في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كِتابِهِ العَزِيزِ.

• كَقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وَأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦٣ - ٦٧]

• وقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [ ١٣٦ ]

• وقَوْلِهِ في ”الزُّخْرُفِ“: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥]

• وقَوْلِهِ في ”البَقَرَةِ“: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]

• وقَوْلِهِ في ”يُونُسَ“: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]

• وقَوْلِهِ في ”الدُّخانِ“: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والتَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ المُبْهَمِ الَّذِي هو المَوْصُولُ في قَوْلِهِ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] وقَوْلُهُ: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٣ - ٥٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] .

واليَمُّ: البَحْرُ. والمَعْنى: فَأصابَهم مِنَ البَحْرِ ما أصابَهم وهو الغَرَقُ، والهَلاكُ المُسْتَأْصِلُ.

20:79Page 317

وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩

And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].

(p-٧٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ .

يَعْنِي أنَّ فِرْعَوْنَ أضَلَّ قَوْمَهُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ وما هَداهم إلَيْها. وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بَيَّنَ اللَّهُ فِيها كَذِبَ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ومِنَ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٦ - ٩٨] والنُّكْتَةُ البَلاغِيَّةُ في حَذْفِ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ وما هَدى ولَمْ يَقُلْ وما هَداهم، هي مُراعاةُ فَواصِلِ الآياتِ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском