Ash-ShinqitiAl‑Anbya · 21:103–112

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:103–112

21:103Page 331

لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ١٠٣

They will not be grieved by the greatest terror,1 and the angels will meet them, [saying], "This is your Day which you have been promised" -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنهُ الحُسْنى ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [ ٢١ ] أيْ: تَسْتَقْبِلُهم بِالبِشارَةِ، وتَقُولُ لَهم: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أيْ: تُوعَدُونَ فِيهِ أنْواعَ الكَرامَةِ والنَّعِيمِ. قِيلَ: تَسْتَقْبِلُهم عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ بِذَلِكَ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ كَما تَقَدَّمَ.

وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - مِنِ اسْتِقْبالِ المَلائِكَةِ لَهم بِذَلِكَ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”فُصِّلَتْ“: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: - ٣٣] وقَوْلِهِ في ”النَّحْلِ“: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [ ١٦ ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

21:104Page 331

يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٠٤

The Day when We will fold the heaven like the folding of a [written] sheet for the records. As We began the first creation, We will repeat it. [That is] a promise binding upon Us. Indeed, We will do it.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ﴾ [ ٢١ ] أوْ بِقَوْلِهِ تَتَلَقّاهُمُ. وقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ الكُتُبَ. وصَرَّحَ في ”الزُّمَرِ“ بِأنَّ الأرْضَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّ السَّماواتِ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] وما ذَكَرَهُ مِن كَوْنِ السَّماواتِ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ في هَذِهِ الآيَةِ جاءَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ الواجِبَ في ذَلِكَ إمْرارُهُ كَما جاءَ، والتَّصْدِيقُ بِهِ مَعَ اعْتِقادِ أنَّ صِفَةَ الخالِقِ أعْظَمُ مِن أنْ تُماثِلَ صِفَةَ المَخْلُوقِ.

وَأقْوالُ العُلَماءِ في مَعْنى قَوْلِهِ: (p-٢٤٩)﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ راجِعَةٌ إلى أمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ السِّجِلَّ: الصَّحِيفَةُ، والمُرادُ بِالكُتُبِ: ما كُتِبَ فِيها، واللّامُ بِمَعْنى عَلى، أيْ: كَطَيِّ السِّجِلِّ عَلى الكُتُبِ، أيْ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلى ما كُتِبَ فِيها، وعَلى هَذا فَطَيُّ السِّجِلِّ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ؛ لِأنَّ السِّجِلَّ عَلى هَذا المَعْنى مَفْعُولُ الطَّيِّ.

الثّانِي: أنَّ السِّجِلَّ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو الَّذِي يَطْوِي كُتُبَ أعْمالِ بَنِي آدَمَ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ في السَّماءِ الثّالِثَةِ، تَرْفَعُ إلَيْهِ الحَفَظَةُ المُوَكَّلُونَ بِالخَلْقِ أعْمالَ بَنِي آدَمَ في كُلِّ خَمِيسٍ واثْنَيْنِ، وكانَ مِن أعْوانِهِ (فِيما ذَكَرُوا) هارُوتُ ومارُوتُ، وقِيلَ: إنَّهُ لا يَطْوِي الصَّحِيفَةَ حَتّى يَمُوتَ صاحِبُها، فَيَرْفَعَها ويَطْوِيَها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ السِّجِلَّ صَحابِيٌّ كاتِبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما تَرى.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ”لِلْكِتابِ“ قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ ”لِلْكِتابِ“ بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ التّاءِ بَعْدَها ألْفٌ بِصِيغَةِ الإفْرادِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”لِلْكُتُبِ“ بِضَمِّ الكافِ والتّاءِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ. ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالكِتابِ عَلى قِراءَةِ الإفْرادِ جِنْسُ الكِتابِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ الكُتُبِ.

21:105Page 331

وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ ١٠٥

And We have already written in the book [of Psalms]1 after the [previous] mention2 that the land [of Paradise] is inherited by My righteous servants.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ . أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الزَّبُورَ الَّذِي هو الكِتابُ يُرادُ بِهِ جِنْسُ الكِتابِ فَيَشْمَلُ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ، كالتَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، وزَبُورِ داوُدَ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وأنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ: أُمُّ الكِتابِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: ولَقَدْ كَتَبْنا في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ بَعْدَ أنْ كَتَبْنا ذَلِكَ في أُمِّ الكِتابِ. وهَذا المَعْنى واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ. وقِيلَ: الزَّبُورُ في الآيَةِ زَبُورُ داوُدَ، والذِّكْرُ: التَّوْراةُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وأظْهَرُها هو ما ذَكَرْنا واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ.

واعْلَمْ أنّا قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ، وكَلاهُما حَقٌّ ويَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ فَنَذْكُرُ الجَمِيعَ؛ لِأنَّهُ كُلُّهُ حَقُّ داخِلٌ في الآيَةِ، ومِن ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأرْضِ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] فِيهِ لِلْعُلَماءِ وجْهانِ:

(p-٢٥٠)الأوَّلُ: أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ يُورِثُها اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِبادَهُ الصّالِحِينَ. وهَذا القَوْلُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [ ٣٩ ] وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى إيراثِهِمُ الجَنَّةَ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ .

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ أرْضُ العَدُوِّ، يُورِثُها اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الآيَةَ [ ٢٤ ] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ غَيْرَ حَمْزَةَ في الزَّبُورِ بِفَتْحِ الزّايِ ومَعْناهُ الكِتابُ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (في الزُّبُورِ) بِضَمِّ الزّايِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَهو جَمْعُ زُبُرٍ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ الزِّبِرَ - بِالكَسْرِ - بِمَعْنى الزَّبُورِ أيِ: المَكْتُوبِ. وعَلَيْهِ فَمَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ: ولَقَدْ كَتَبْنا في الكُتُبِ، وهي تُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ بِالزَّبُورِ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ جِنْسُ الكُتُبِ لا خُصُوصُ زَبُورِ داوُدَ كَما بَيَّنّا. وقَرَأ حَمْزَةُ ”يَرِثُها عِبادِي“ بِإسْكانِ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها.

21:106Page 331

إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَٰغٗا لِّقَوۡمٍ عَٰبِدِينَ ١٠٦

Indeed, in this [Qur’ān] is notification for a worshipping people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ .

الإشارَةُ في قَوْلِهِ: هَذا [الأنبياء: ١٠٦] لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي مِنهُ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ. والبَلاغُ: الكِفايَةُ، وما تُبْلَغُ بِهِ البُغْيَةُ. وما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ فِيهِ الكِفايَةُ لِلْعابِدِينَ، وما يَبْلُغُونَ بِهِ بُغْيَتَهم، أيْ: مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] وخَصَّ القَوْمَ العابِدِينَ بِذَلِكَ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

21:107Page 331

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧

And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a mercy to the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ما أرْسَلَ هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ - صَلَواتُ اللَّهِ (p-٢٥١)وَسَلامُهُ عَلَيْهِ - إلى الخَلائِقِ إلّا رَحْمَةً لَهم؛ لِأنَّهُ جاءَهم بِما يُسْعِدُهم ويَنالُونَ بِهِ كُلَّ خَيْرٍ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إنِ اتَّبَعُوهُ. ومَن خالَفَ ولَمْ يَتَّبِعْ فَهو الَّذِي ضَيَّعَ عَلى نَفْسِهِ نَصِيبَهُ مِن تِلْكَ الرَّحْمَةِ العُظْمى. وضَرَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ لِهَذا مَثَلًا، قالَ: لَوْ فَجَّرَ اللَّهُ عَيْنًا لِلْخَلْقِ غَزِيرَةَ الماءِ، سَهْلَةَ التَّناوُلِ، فَسَقى النّاسُ زُرُوعَهم ومَواشِيَهم بِمائِها، فَتَتابَعَتْ عَلَيْهِمُ النِّعَمُ بِذَلِكَ، وبَقِيَ أُناسٌ مُفَرِّطُونَ كُسالى عَنِ العَمَلِ، فَضَيَّعُوا نَصِيبَهم مِن تِلْكَ العَيْنِ - فالعَيْنُ المُفَجَّرَةُ في نَفْسِها رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، ونِعْمَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ. ولَكِنَّ الكَسْلانَ مِحْنَةٌ عَلى نَفْسِهِ حَيْثُ حَرَمَها ما يَنْفَعُها. ويُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] وقِيلَ: كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ مِن حَيْثُ إنَّ عُقُوبَتَهم أُخِّرَتْ بِسَبَبِهِ، وأمِنُوا بِهِ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ. والأوَّلُ أظْهَرُ.

وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ ما أرْسَلَهُ إلّا رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جاءَ بِالرَّحْمَةِ لِلْخَلْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ. وهَذا المَعْنى جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨٦] .

وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في مَوْضِعَيْنِ مِنها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ. قالَ: ”إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا، وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً“» .

21:108Page 331

قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٨

Say, "It is only revealed to me that your god is but one God; so will you be Muslims [in submission to Him]?"

No commentary for this ayah

21:109Page 331

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ ١٠٩

But if they turn away, then say, "I have announced to [all of] you equally.1 And I know not whether near or far is that which you are promised.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ .

قَوْلُهُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أيْ: أعْرَضُوا وصَدُّوا عَمّا تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ أيْ: أعْلَمْتُكم أنِّي حَرْبٌ لَكم كَما أنَّكم حَرْبٌ لِي، بَرِيءٌ مِنكم كَما أنْتُمْ بَراءٌ مِنِّي. وهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ أشارَتْ إلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ: لِيَكُنْ عِلْمُكَ وعِلْمُهم بِنَبْذِ العُهُودِ عَلى السَّواءِ.

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١]

• وقَوْلِهِ: آذَنْتُكم الأذانُ: الإعْلامُ. ومِنهُ الأذانُ لِلصَّلاةِ.

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣] أيْ: إعْلامٌ مِنهُ، قَوْلُهُ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٧٩]

أيِ: اعْلَمُوا. ومِنهُ قَوْلُ (p-٢٥٢)الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:

؎آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنهُ الثَّواءُ

يَعْنِي أعْلَمَتْنا بِبَيْنِها.

21:110Page 331

إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ ١١٠

Indeed, He knows what is declared of speech, and He knows what you conceal.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ عَلِمَ ما يَجْهَرُ بِهِ خَلْقُهُ مِنَ القَوْلِ، ويَعْلَمُ ما يَكْتُمُونَهُ. وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]

• وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٩] في المَوْضِعَيْنِ،

• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]

• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ [طه: ٧]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

21:111Page 331

وَإِنۡ أَدۡرِي لَعَلَّهُۥ فِتۡنَةٞ لَّكُمۡ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ١١١

And I know not; perhaps it1 is a trial for you and enjoyment for a time."

No commentary for this ayah

21:112Page 331

قَٰلَ رَبِّ ٱحۡكُم بِٱلۡحَقِّۗ وَرَبُّنَا ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١١٢

[The Prophet (ﷺ)] has said, "My Lord, judge [between us] in truth. And our Lord is the Most Merciful, the one whose help is sought against that which you describe."1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ﴾ .

قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ قُلْ رَبِّ بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ اللّامِ بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ وحْدَهُ قالَ بِفَتْحِ القافِ واللّامِ بَيْنَهُما ألِفٌ بِصِيغَةِ الماضِي. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ أمَرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ. وقِراءَةُ حَفْصٍ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ امْتَثَلَ الأمْرَ بِالفِعْلِ. وما أمَرَهُ أنْ يَقُولَهُ هُنا قالَهُ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] وقَوْلِهِ: افْتَحْ أيْ: احْكم كَما تَقَدَّمَ.

* *

قَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] أيْ: تَصِفُونَهُ بِألْسِنَتِكم مِن أنْواعِ الكَذِبِ بِادِّعاءِ الشُّرَكاءِ والأوْلادِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٢] وقالَ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٦] . وما قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ قالَهُ يَعْقُوبُ لَمّا عَلِمَ أنَّ أوْلادَهُ فَعَلُوا بِأخِيهِمْ يُوسُفَ شَيْئًا غَيْرَ ما أخْبَرُوهُ بِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] والمُسْتَعانُ: المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

(p-٢٥٣)وَهَذا آخِرُ الجُزْءِ الرّابِعِ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الخامِسُ إنْ شاءَ اللَّهُ، وأوَّلُهُ سُورَةُ الحَجِّ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وصَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском