Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:30–36
21:30Page 324
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠
Have those who disbelieved not considered that the heavens and the earth were a joined entity, and then We separated them and made from water every living thing? Then will they not believe?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وجَعَلْنا﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدا ابْنَ كَثِيرٍ ”أوَلَمْ يَرَ“ بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ ”ألَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا“ بِدُونِ واوٍ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ مَكَّةَ. والِاسْتِفْهامُ لِتَوْبِيخِ الكُفّارِ وتَقْرِيعِهِمْ، حَيْثُ يُشاهِدُونَ غَرائِبَ صُنْعِ اللَّهِ وعَجائِبَهُ، ومَعَ هَذا يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ما لا يَنْفَعُ مَن عَبَدَهُ، ولا يَضُرُّ مَن عَصاهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ.
وَقَوْلُهُ: كانَتا التَّثْنِيَةُ بِاعْتِبارِ النَّوْعَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما نَوْعُ السَّماءِ ونَوْعُ الأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ شَيْبَةَ:
؎ألَمْ يُحْزِنْكَ أنَّ جِبالَ قِيسٍ وتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا
والرَّتْقُ مَصْدَرُ رَتَقَهُ رَتْقًا: إذا سَدَّهُ. ومِنهُ الرَّتْقاءُ، وهي الَّتِي انْسَدَّ فَرْجُها، ولَكِنَّ المَصْدَرَ وُصِفَ بِهِ هُنا، ولِذا أفْرَدَهُ ولَمْ يَقُلْ كانَتا رَتْقَيْنِ. والفَتْقُ: الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَّصِلَيْنِ، فَهو ضِدُّ الرَّتْقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَهُونُ عَلَيْهِمْ إذا يَغْضَبُو ∗∗∗ نَ سُخْطُ العِداةِ وإرْغامُها
؎وَرَتْقُ الفُتُوقِ وفَتْقُ الرُّتُوقِ ∗∗∗ ونَقْضُ الأُمُورِ وإبْرامُها
واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالرَّتْقِ والفَتْقِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ، بَعْضُها في غايَةِ السُّقُوطِ، وواحِدٌ مِنها تَدُلُّ لَهُ قَرائِنُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ:
(p-١٤١)الأوَّلُ أنَّ مَعْنى ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ أيْ: كانَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مُتَلاصِقَةً بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ، فَفَتَقَها اللَّهُ وفَصَلَ بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَرَفَعَ السَّماءَ إلى مَكانِها، وأقَرَّ الأرْضَ في مَكانِها، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِالهَواءِ الَّذِي بَيْنَهُما كَما تَرى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ كانَتْ رَتْقًا، أيْ: مُتَلاصِقَةً بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَفَتَقَها اللَّهُ وجَعَلَها سَبْعَ سَماواتٍ، كُلُّ اثْنَتَيْنِ مِنها بَيْنَهُما فَصْلٌ، والأرَضُونَ كَذَلِكَ كانَتْ رَتْقًا فَفَتَقَها، وجَعَلَها سَبْعًا بَعْضُها مُنْفَصِلٌ عَنْ بَعْضٍ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ أنَّ السَّماءَ كانَتْ لا يَنْزِلُ مِنها مَطَرٌ، والأرْضُ كانَتْ لا يَنْبُتُ فِيها نَباتٌ، فَفَتَقَ اللَّهُ السَّماءَ بِالمَطَرِ، والأرْضَ بِالنَّباتِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ أيْ: في ظُلْمَةٍ لا يُرى مِن شِدَّتِها شَيْءٌ، فَفَتَقَهُما اللَّهُ بِالنُّورِ. وهَذا القَوْلُ في الحَقِيقَةِ يَرْجِعُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ والثّانِي.
الخامِسُ: - وهو أبْعَدُها لِظُهُورِ سُقُوطِهِ - أنَّ الرَّتْقَ يُرادُ بِهِ العَدَمُ، والفَتْقُ يُرادُ بِهِ الإيجادُ، أيْ: كانَتا عَدَمًا فَأوْجَدْناهُما. وهَذا القَوْلُ كَما تَرى.
فَإذا عَرَفْتَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ، فاعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الثّالِثَ مِنها - وهو كَوْنُهُما كانَتا رَتْقًا بِمَعْنى أنَّ السَّماءَ لا يَنْزِلُ مِنها مَطَرٌ، والأرْضَ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، فَفَتَقَ اللَّهُ السَّماءَ بِالمَطَرِ، والأرْضَ بِالنَّباتِ - قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرائِنُ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى:
الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ﴾ [ ٢١ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهم رَأوْا ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأظْهَرَ في ”رَأى“ أنَّها بَصَرِيَّةٌ، والَّذِي يَرَوْنَهُ بِأبْصارِهِمْ هو أنَّ السَّماءَ تَكُونُ لا يَنْزِلُ مِنها مَطَرٌ، والأرْضُ مَيِّتَةٌ هامِدَةٌ لا نَباتَ فِيها، فَيُشاهِدُونَ بِأبْصارِهِمْ إنْزالَ اللَّهِ المَطَرَ وإنْباتَهُ بِهِ أنْواعَ النَّباتِ.
القَرِينَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [ ٢١ ] . والظّاهِرُ اتِّصالُ هَذا الكَلامِ بِما قَبِلَهُ، أيْ: وجَعَلْنا مِنَ الماءِ الَّذِي أنْزَلْناهُ بِفَتِقِنا السَّماءَ، وأنْبَتْنا بِهِ أنْواعَ النَّباتِ بِفَتِقِنا الأرْضَ - كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.
القَرِينَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ هَذا المَعْنى جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] لِأنَّ المُرادَ بِالرَّجْعِ نُزُولُ المَطَرِ مِنها تارَةً بَعْدَ أُخْرى، والمُرادَ بِالصَّدْعِ انْشِقاقُ الأرْضِ عَنِ النَّباتِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ الآيَةَ (p-١٤٢)[عبس: ٢٤ - ٢٦] .
واخْتارَ هَذا القَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُما؛ لِلْقَرائِنِ الَّتِي ذَكَرْنا. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَثْرَةُ وُرُودِ الِاسْتِدْلالِ بِإنْزالِ المَطَرِ، وإنْباتِ النَّباتِ في القُرْآنِ العَظِيمِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وعِظَمِ مِنَّتِهِ عَلى خَلْقِهِ، وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. والَّذِينَ قالُوا: إنَّ المُرادَ بِالرَّتْقِ والفَتْقِ أنَّهُما كانَتا مُتَلاصِقَتَيْنِ، فَفَتَقَهُما اللَّهُ وفَصَلَ بَعْضَهُما عَنْ بَعْضٍ - قالُوا في قَوْلِهِ: أوَلَمْ يَرَ أنَّها مِن ”رَأى“ العِلْمِيَّةِ لا البَصْرِيَّةِ، وقالُوا: وجْهُ تَقْرِيرِهِمْ بِذَلِكَ أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ، وما جاءَ في القُرْآنِ فَهو أمْرٌ قَطْعِيٌّ لا سَبِيلَ لِلشَّكِّ فِيهِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَأقْرَبُ الأقْوالِ في ذَلِكَ هو ما ذَكَرْنا دَلالَةَ القَرائِنِ القُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ، وقَدْ قالَ فِيهِ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ورَجَّحُوا هَذا الوَجْهَ عَلى سائِرِ الوُجُوهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا ولِلْماءِ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ المُرادُ ما ذَكَرْنا.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ المَطَرَ لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماواتِ بَلْ مِن سَماءٍ واحِدَةٍ وهي سَماءُ الدُّنْيا.
قُلْنا: إنَّما أطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ الجَمْعِ لِأنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنها سَماءٌ، كَما يُقالُ: ثَوْبٌ أخْلاقٌ، وبُرْمَةٌ أعْشارٌ. ا هـ مِنهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ ”جَعَلَ“ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ؛ لِأنَّها مُتَعَدِّيَةٌ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”النُّورِ“: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ [النور: ٤٥] .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الماءِ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الماءُ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ هو النُّطْفَةُ؛ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَمِيعَ الحَيَواناتِ الَّتِي تُولَدُ عَنْ طَرِيقِ التَّناسُلِ مِنَ النُّطَفِ، وعَلى هَذا فَهو مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو الماءُ المَعْرُوفُ؛ لِأنَّ الحَيَواناتِ إمّا مَخْلُوقَةً مِنهُ مُباشَرَةً كَبَعْضِ الحَيَواناتِ الَّتِي تَتَخَلَّقُ مِنَ الماءِ، وإمّا غَيْرَ مُباشِرَةٍ؛ لِأنَّ النُّطَفَ مِنَ الأغْذِيَةِ، والأغْذِيَةُ كُلُّها ناشِئَةٌ عَنِ الماءِ، وذَلِكَ في الحُبُوبِ والثِّمارِ ونَحْوِها ظاهِرٌ، وكَذَلِكَ هو في اللُّحُومِ، والألْبانِ، والأسْمانِ ونَحْوِها؛ لِأنَّهُ كُلُّهُ ناشِئٌ بِسَبَبِ الماءِ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى خَلْقِهِ كُلَّ حَيَوانٍ مِن ماءٍ أنَّهُ كَأنَّما خَلَقَهُ مِنَ الماءِ (p-١٤٣)لِفَرْطِ احْتِياجِهِ إلَيْهِ، وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ. وقَدْ قَدَّمْنا المَعانِيَ الأرْبَعَةَ الَّتِي تَأْتِي لَها لَفْظَةُ ”جَعَلَ“ وما جاءَ مِنها في القُرْآنِ وما لَمْ يَجِئْ فِيهِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ .
وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما نَصُّهُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ قالَ: وخَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ ؟ وقَدْ قالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] وجاءَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ المَلائِكَةَ مِنَ النُّورِ، وقالَ تَعالى في حَقِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] وقالَ في حَقِّ آدَمَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
والجَوابُ: اللَّفْظُ وإنْ كانَ عامًّا إلّا أنَّ القَرِينَةَ المُخَصِّصَةَ قائِمَةٌ، فَإنَّ الدَّلِيلَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا؛ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى المَقْصُودِ. وبِهَذا الطَّرِيقِ تَخْرُجُ عَنْهُ المَلائِكَةُ، والجِنُّ، وآدَمُ، وقِصَّةُ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّ الكُفّارَ لَمْ يَرَوْا شَيْئًا مِن ذَلِكَ. ا هـ مِنهُ.
ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ أيْضًا: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ الحَيَوانُ فَقَطْ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّباتُ، والشَّجَرُ؛ لِأنَّهُ مِنَ الماءِ صارَ نامِيًا، وصارَ فِيهِ الرُّطُوبَةُ، والخُضْرَةُ، والنُّورُ، والثَّمَرُ. وهَذا القَوْلُ ألْيَقُ بِالمَعْنى المَقْصُودِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَفَتَقْنا السَّماءَ لِإنْزالِ المَطَرِ، وجَعَلْنا مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ في الأرْضِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ حَيًّا. حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ النَّباتَ لا يُسَمّى حَيًّا. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] انْتَهى مِنهُ أيْضًا.
21:31Page 324
وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١
And We placed within the earth firmly set mountains, lest it should shift with them, and We made therein [mountain] passes [as] roads that they might be guided.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
21:32Page 324
وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ ٣٢
And We made the sky a protected ceiling, but they, from its signs,1 are turning away.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ .
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ ثَلاثَ مَسائِلَ:
الأُولى: أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - جَعَلَ السَّماءَ سَقْفًا، أيْ: لِأنَّها لِلْأرْضِ كالسَّقْفِ لِلْبَيْتِ.
الثّانِيَةُ: أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ السَّقْفَ مَحْفُوظًا.
(p-١٤٤)الثّالِثَةُ: أنَّ الكُفّارَ مُعْرِضُونَ عَمّا فِيها - أيِ السَّماءِ - مِنَ الآياتِ، لا يَتَّعِظُونَ بِهِ، ولا يَتَذَكَّرُونَ. وقَدْ أوْضَحَ هَذِهِ المَسائِلَ الثَّلاثَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ
أمّا كَوْنُهُ جَعَلَها سَقْفًا فَقَدْ ذَكَرَهُ في سُورَةِ ”الطُّورِ“ أنَّهُ مَرْفُوعٌ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: - ٥] .
وَأمّا كَوْنُ ذَلِكَ السَّقْفِ مَحْفُوظًا فَقَدْ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ السُّقُوطِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] عَلى قَوْلِ مَن قالَ: وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ. إذْ لَوْ كُنّا نَغْفُلُ لَسَقَطَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ فَأهْلَكَتْهم. وبَيَّنَ أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّشَقُّقِ والتَّفَطُّرِ، لا يَحْتاجُ إلى تَرْمِيمٍ ولا إصْلاحٍ كَسائِرِ السُّقُوفِ إذا طالَ زَمَنُها،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] أيْ: لَيْسَ فِيها مِن شُقُوقٍ، ولا صُدُوعٍ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ السَّقْفَ المَذْكُورَ مَحْفُوظٌ مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقَدْ بَيَّنّا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى حِفْظِها مِن جَمِيعِ الشَّياطِينِ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ . وأمّا كَوْنُ الكُفّارِ مُعْرِضِينَ عَمّا فِيها مِنَ الآياتِ فَقَدْ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ الآيَةَ [القمر: ٢]
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .
21:33Page 324
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٣٣
And it is He who created the night and the day and the sun and the moon; all [heavenly bodies] in an orbit are swimming.
No commentary for this ayah
21:34Page 324
وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤
And We did not grant to any man before you eternity [on earth]; so if you die - would they be eternal?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ .
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ ﷺ ويَقُولُونَ: هو شاعِرٌ يُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، ولَعَلَّهُ يَمُوتُ كَما ماتَ شاعِرُ بَنِي فَلانٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قَدْ ماتَ (p-١٤٥)الأنْبِياءُ مِن قَبْلِكَ، وتَوَلّى دِينَهُ بِالنَّصْرِ والحِياطَةِ، فَهَكَذا نَحْفَظُ دِينَكَ وشَرْعَكَ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَمّا نَعى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ نَفْسَهُ قالَ: ”فَمَن لِأُمَّتِي“ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِبَشَرٍ قَبْلَ نَبِيِّهِ الخُلْدَ أيْ: دَوامَ البَقاءِ في الدُّنْيا، بَلْ كُلُّهم يَمُوتُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مَعْناهُ النَّفْيُ. والمَعْنى: أنَّكَ إنْ مِتَّ فَهم لَنْ يَخْلُدُوا بِعْدَكَ، بَلْ سَيَمُوتُونَ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وما أشارَ إلَيْهِ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّهُ ﷺ سَيَمُوتُ، وأنَّهم سَيَمُوتُونَ، وأنَّ المَوْتَ سَتَذُوقُهُ كُلُّ نَفْسٍ أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣]
• وكَقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٧]
• وقَوْلِهِ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]
• وقَوْلِهِ في سُورَةِ ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٦ - ٥٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”النِّساءِ“: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ اسْتِدْلالَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى مَوْتِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ هو اسْتِفْهامٌ حُذِفَتْ أداتُهُ. أيْ: أفَهُمُ الخالِدُونَ. وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ حَذْفَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ إذا دَلَّ المَقامُ عَلَيْها جائِزٌ، وهو قِياسِيٌّ عِنْدَ الأخْفَشِ مَعَ ”أمْ“، ودُونَها ذِكْرُ الجَوابِ أمْ لا، فَمِن أمْثِلَتِهِ دُونَ ”أمْ“ ودُونَ ذِكْرِ الجَوابِ قَوْلُ الكُمَيْتِ:
؎طَرِبْتُ وما شَوْقًا إلى البِيضِ أطْرَبُ ولا لَعِبًا مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ
يَعْنِي: أوْ ذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ. وقَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ واسْمُهُ خُوَيْلِدٌ:
؎رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
يَعْنِي: أهم هم عَلى التَّحْقِيقِ. ومِن أمْثِلَتِهِ دُونَ ”أمْ“ مَعَ ذِكْرِ الجَوابِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ:
؎ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بَهْرا ∗∗∗ عَدَدَ النَّجْمِ والحَصى والتُّرابِ
(p-١٤٦)يَعْنِي: أتَحُبُّها عَلى الصَّحِيحِ. وهو مَعَ ”أمْ“ كَثِيرٌ جِدًّا، وأنْشَدَ لَهُ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ التَّمِيمِيِّ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنقَرِ
يَعْنِي: أشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ، ومِنهُ قَوْلُ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ:
؎بَدا لِي مِنها مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ ∗∗∗ وكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَتْ بِبَنانِ ∗∗∗ فَواللَّهِ ما أدْرِي وإنِّي لَحاسِبٌ ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ
يَعْنِي: أبِسَبْعٍ. وقَوْلُ الأخْطَلِ:
؎كِذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطٍ ∗∗∗ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالًا
يَعْنِي: أكْذَبَتْكَ عَيْنُكَ. كَما نَصَّ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ عَلى جَوازِ ذَلِكَ في بَيْتِ الأخْطَلِ هَذا، وإنْ خالَفَ في ذَلِكَ الخَلِيلَ قائِلًا: إنَّ ”كَذَبَتْكَ“ صِيغَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَيْسَ فِيها اسْتِفْهامٌ مَحْذُوفٌ، وإنَّ ”أمْ“ بِمَعْنى بَلْ. فَفي البَيْتِ عَلى قَوْلِ الخَلِيلِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ المَعْنَوِيِّ يُسَمّى ”الرُّجُوعَ“ . وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ وأكْثَرْنا مِن شَواهِدِها العَرَبِيَّةِ في كِتابِنا (دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ وذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في آيَةِ ”الأنْبِياءِ“ هَذِهِ ﴿فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ مِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أفَإنْ مِتَّ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ ”مِتَّ“ بِكَسْرِ المِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ، وقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وجْهَ كَسْرِ المِيمِ. وقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَفْرَحَ بِمَوْتِ أحَدٍ لِأجْلِ أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ يَنالُهُ بِسَبَبِ مَوْتِهِ؛ لِأنَّهُ هو لَيْسَ مُخَلَّدًا بَعْدَهُ.
وَرُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ أنْشَدَ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ مُسْتَشْهِدًا بِهِما:
؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ ∗∗∗ فَقُلْ لِلَّذِي يَبْقى خِلافَ الَّذِي ∗∗∗ مَضى تَهَيَّأْ لِأُخْرى مِثْلِها فَكَأنْ قَدِ
وَنَظِيرُ هَذا قَوْلُ الآخَرِ:
فَقُلْ لِلشّامِتِينَ بِنا أفِيقُوا سَيَلْقى الشّامِتُونَ كَما لَقِينا
21:35Page 324
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٣٥
Every soul will taste death. And We test you with evil and with good as trial; and to Us you will be returned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ .
(p-١٤٧)المَعْنى: ونَخْتَبِرُكم بِما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ مِنَ البَلايا، ومِمّا يَجِبُ فِيهِ الشُّكْرُ مِنَ النِّعَمِ، وإلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُجازِيكم عَلى حَسَبِ ما يُوجَدُ مِنكم مِنَ الصَّبْرِ أوِ الشُّكْرِ، وقَوْلِهِ: فِتْنَةً مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ ونَبْلُوكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ.
وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - مِن أنَّهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ أيْ: يَخْتَبِرُهم بِالشَّرِّ والخَيْرِ - قَدْ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ”بَلا يَبْلُو“ تُسْتَعْمَلُ في الِاخْتِبارِ بِالنِّعَمِ وبِالمَصائِبِ والبَلايا. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ ”بَلا يَبْلُو“، وفي الخَيْرِ ”أبْلى يُبْلِي“ . وقَدْ جَمَعَ اللُّغَتَيْنِ في الخَيْرِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى:
؎جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِكم وأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ﴾ قالَ: أيْ نَبْتَلِيكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً بِالشِّدَّةِ، والرَّخاءِ، والصِّحَّةِ، والسُّقْمِ، والغِنى، والفَقْرِ، والحَلالِ، والحَرامِ، والطّاعَةِ، والمَعْصِيَةِ، والهُدى، والضَّلالِ.
21:36Page 325
وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٦
And when those who disbelieve see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one who mentions [i.e., insults] your gods?" And they are, at the mention of the Most Merciful, disbelievers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ إذا رَأوُا النَّبِيَّ ﷺ ما يَتَّخِذُونَهُ إلّا هُزُوًا، أيْ مُسْتَهْزَأً بِهِ مُسْتَخَفًّا بِهِ. والهُزُؤُ: السُّخْرِيَةُ، فَهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. ويَقُولُونَ: أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم أيْ: يَعِيبُها ويَنْفِي أنَّها تَشْفَعُ لَكم وتُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ زُلْفى، (p-١٤٨)وَيَقُولُ: إنَّها لا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها، ولا تَضُرُّ مَن لَمْ يَعْبُدْها، وهم مَعَ هَذا كُلِّهِ كافِرُونَ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ، فالخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا رَآكَ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ و ”إنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ نافِيَةٌ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ قالَ فِيهِ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: إنَّهُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهم يُرِيدُونَ بِالِاسْتِفْهامِ المَذْكُورِ التَّحْقِيرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ . وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي أنَّ مِنَ الأغْراضِ الَّتِي تُؤَدّى بِالِاسْتِفْهامِ التَّحْقِيرَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ جَوابَ ”إذا“ هو القَوْلُ المَحْذُوفُ، وتَقْدِيرُهُ: وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُونَ أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم. وقالَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ إذا وجَوابِها. واخْتارَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ أنَّ جَوابَ ”إذا“ هو جُمْلَةُ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ وقالَ: إنَّ جَوابَ إذا بِجُمْلَةٍ مُصَدَّرَةٍ بِـ ”إنْ“ أوْ ”ما“ النّافِيَتَيْنِ لا يَحْتاجُ إلى الِاقْتِرانِ بِالفاءِ. وقَوْلِهِ: ﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ: يَعِيبُها. ومِن إطْلاقِ الذِّكْرِ بِمَعْنى العَيْبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] أيْ: يَعِيبُهم، وقَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎لا تَذْكُرِي مُهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكِ مِثْلَ جِلْدِ الأجْرَبِ
أيْ لا تَعِيبِي مُهْرِي، قالَهُ القُرْطُبِيُّ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: الذِّكْرُ يَكُونُ بِخَيْرٍ وبِخِلافِهِ، فَإذا دَلَّتِ الحالُ عَلى أحَدِهِما أُطْلِقُ ولَمْ يُقَيَّدْ، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: سَمِعْتُ فُلانًا يَذْكُرُكَ، فَإذا كانَ الذّاكِرُ صَدِيقًا فَهو ثَناءٌ، وإنْ كانَ عَدُوًّا فَذَمٌّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. والجُمْلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وَهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ حالِيَّةٌ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى كُفْرِهِمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هو المُوَضَّحُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] وقَوْلُهم: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحِمْنَ اليَمامَةَ، يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ. وقَدْ بَيَّنَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ إنْكارَهم لِمَعْرِفَتِهِمُ الرَّحْمَنَ تَجاهُلٌ مِنهم ومُعانَدَةٌ مَعَ أنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّ الرَّحْمَنَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى. قالَ: وقالَ بَعْضُ شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ الجُهَلاءُ:
؎ألا ضَرَبَتْ تِلْكَ الفَتاةُ هَجِينَها ∗∗∗ ألا قَطَعَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَمِينَها
وَقالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ الطُّهَوِيُّ:(p-١٤٩)
؎عَجِلْتُمْ عَلَيْنا عَجَلَتَيْنا عَلَيْكُمُ ∗∗∗ وما يَشَأِ الرَّحْمَنُ يَعْقِدُ ويُطْلِقُ
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى سَخافَةِ عُقُولِ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم عاكِفُونَ عَلى ذِكْرِ أصْنامٍ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ويَسُوءُهم أنْ تُذَكَرَ بِسُوءٍ، أوْ يُقالَ: إنَّها لا تَشْفَعُ، ولا تُقَرِّبُ إلى اللَّهِ. وأمّا ذِكْرُ اللَّهِ وما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ بِهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ فَهم بِهِ كافِرُونَ لا يُصَدِّقُونَ بِهِ، فَهم أحَقُّ بِأنْ يُتَّخَذُوا هُزُؤًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي اتَّخَذُوهُ هُزُؤًا، فَإنَّهُ مُحِقٌ وهم مُبْطِلُونَ. فَإذا عَرَفْتَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فاعْلَمْ أنَّ هَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ جاءَ أيْضًا مُبَيَّنًا في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢] فَتَحْقِيرُهم - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - لَهُ ﷺ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ في ”الأنْبِياءِ“ في قَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ في ”الفُرْقانِ“: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] وذِكْرُهُ لِآلِهَتِهِمْ بِالسُّوءِ المَذْكُورِ في ”الأنْبِياءِ“ في قَوْلِهِ: ﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو المَذْكُورُ في ”الفُرْقانِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [طه: ٤٢] أيْ: لِما يُبَيِّنُ مِن مَعائِبِها، وعَدَمِ فائِدَتِها، وعِظَمِ ضَرَرِ عِبادَتِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences