Ash-ShinqitiAl‑Anbya · 21:37–46

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:37–46

21:37Page 325

خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ ٣٧

Man was created of haste [i.e., impatience]. I will show you My signs [i.e., vengeance], so do not impatiently urge Me.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُورِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَذْكُرَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا ويَكُونَ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ القَوْلِ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن عَجَلٍ فِيهِ لِلْعُلَماءِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ، وفي نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ أحَدِهِما. أمّا القَوْلُ الَّذِي دَلَّتِ القَرِينَةُ المَذْكُورَةُ عَلى عَدَمِ صِحَّتِهِ فَهو قَوْلُ مَن قالَ: العَجَلُ: الطِّينُ، وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ كَما قالَ شاعِرُهم:

؎البَيْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ مَنبَتُهُ والنَّخْلُ يَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ

يَعْنِي: بَيْنَ الماءِ والطِّينِ. وعَلى هَذا القَوْلِ فَمَعْنى الآيَةِ: خُلِقَ الإنْسانَ مِن طِينٍ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]

• وقَوْلِهِ: ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] والقَرِينَةُ المَذْكُورَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَجَلِ في الآيَةِ لَيْسَ الطِّينَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾

• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-١٥٠)[الأنبياء: ٣٨] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَجَلِ هو العَجَلَةُ الَّتِي هي خِلافُ التَّأنِّي، والتَّثَبُّتِ. والعَرَبُ تَقُولُ: خُلِقَ مِن كَذا. يَعْنُونَ بِذَلِكَ المُبالِغَةَ في الإنْصافِ.

• كَقَوْلِهِمْ: خُلِقَ فَلانٌ مِن كَرَمٍ، وخُلِقَتْ فُلانَةُ مِنَ الجَمالِ. ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] عَلى الأظْهَرِ. ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] أيْ: ومِن عَجَلَتِهِ دُعاؤُهُ عَلى نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ بِالشَّرِّ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللَّهِ وآياتِهِ المُلْجِئَةَ إلى العِلْمِ والإقْرارِ، ويَقُولُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ لِلزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ. كَأنَّهُ يَقُولُ لَهم: لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنكم أنْ تَسْتَعْجِلُوا، فَإنَّكم مَجْبُولُونَ عَلى ذَلِكَ، وهو طَبْعُكم وسَجِيَّتُكم. ثُمَّ وعَدَهم بِأنَّهُ سَيُرِيهِمْ آياتِهِ، ونَهاهم أنْ يَسْتَعْجِلُوا

• بِقَوْلِهِ: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المُرادُ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ آدَمُ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ: لَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في عَيْنَيْ آدَمَ نَظَرَ في ثِمارِ الجَنَّةِ، فَلَمّا دَخَلَ جَوْفَهُ اشْتَهى الطَّعامَ، فَوَثَبَ مِن قَبْلِ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ؛ عَجْلانَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ . وعَنْ مُجاهِدٍ، والكَلْبِيِّ، وغَيْرِهِما: خُلِقَ آدَمُ يَوْمَ الجُمْعَةِ في آخِرِ النَّهارِ، فَلَمّا أحْيا اللَّهُ رَأْسَهُ اسْتَعْجَلَ وطَلَبَ تَتْمِيمَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ ونَحْوَها مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ. وأظْهَرُ الأقْوالِ أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ جِنْسَ الإنْسانِ مِن طَبْعِهِ العَجَلُ وعَدَمُ التَّأنِّي كَما بَيَّنّا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: والحِكْمَةُ في ذِكْرِ عَجَلَةِ الإنْسانِ هاهُنا أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالرَّسُولِ ﷺ وقَعَ في النُّفُوسِ سُرْعَةُ الِانْتِقامِ مِنهم، واسْتَعْجَلَتْ ذَلِكَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ لِأنَّهُ تَعالى يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، يُؤَجِّلُ ثُمَّ يُعَجِّلُ، ويُنْظِرُ ثُمَّ لا يُؤَخِّرُ. ولِهَذا قالَ: ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ أيْ: نَقْمِي وحُكْمِي، واقْتِدارِي عَلى مَن عَصانِي فَلا تَسْتَعْجِلُونَ. انْتَهى مِنهُ.

21:38Page 325

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨

And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"

No commentary for this ayah

21:39Page 325

لَوۡ يَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمۡ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٣٩

If those who disbelieved but knew the time when they will not avert the Fire from their faces or from their backs and they will not be aided...1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ .

جَوابُ ”لَوْ“ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، وقَدْ قَدَّمْنا أدِلَّةَ ذَلِكَ وشَواهِدَهُ مِنَ العَرَبِيَّةِ (p-١٥١)فِي سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، وأشَرْنا إلَيْهِ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“ وسُورَةِ ”يُوسُفَ“ . ومَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: لَوْ يَعْلَمُ الكُفّارُ الوَقْتَ الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: مَتى هَذا الوَعْدُ ؟ وهو وقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ، تُحِيطُ بِهِمْ فِيهِ النّارُ مِن وراءَ وقُدّامَ. فَلا يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِها ودَفْعِها عَنْ أنْفُسِهِمْ، ولا يَجِدُونَ ناصِرًا يَنْصُرُهم؛ لَمّا كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ، والِاسْتِهْزاءِ، والِاسْتِعْجالِ، ولَكِنَّ جَهْلَهم بِذَلِكَ هو الَّذِي هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ. وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ المَعانِي جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى.

أمّا إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَدْ جاءَتْ مُوَضَّحَةً في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٤١]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. نَرْجُو اللَّهَ الكَرِيمَ العَظِيمَ أنْ يُعِيذَنا مِنها ومِن كُلِّ ما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَيْسَ لَهم ناصِرٌ ولا قُوَّةٌ يَدْفَعُونَ بِها عَنْ أنْفُسِهِمْ، جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ.

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٥ - ٢٦]

والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن أنَّ الَّذِي هَوَّنَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ العَظِيمَ حَتّى اسْتَعْجَلُوهُ واسْتَهْزَءُوا بِمَن يُخَوِّفُهم مِنهُ إنَّما هو جَهْلُهم بِهِ جاءَ مُبَيَّنًا أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ [ ٤٢ ] ١٨، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: لَوْ يَعْلَمُ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، والظّاهِرُ أنَّها عِرْفانِيَّةٌ، فَهي تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎لِعِلْمِ عِرْفانٍ وظَنِّ تُهَمَةْ تَعْدِيَةٌ لِواحِدِ مُلْتَزَمَةْ

(p-١٥٢)وَعَلى هَذا فالمَفْعُولُ هَذا قَوْلُهُ: حِينَ أيْ: لَوْ يَعْرِفُونَ حِينَ وُقُوعِ العَذابِ بِهِمْ وما فِيهِ مِنَ الفَظائِعِ لَما اسْتَخَفُّوا بِهِ واسْتَعْجَلُوهُ. وعَلى هَذا فالحِينُ مَفْعُولٌ بِهِ لا مَفْعُولٌ فِيهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ الَّذِي هو بِمَعْنى المَعْرِفَةِ واقِعٌ عَلى نَفْسِ الحِينِ المَذْكُورِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: فِعْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَلَيْسَ واقِعًا عَلى مَفْعُولٍ. وعَلَيْهِ فالمَعْنى: لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ ولَمْ يَكُونُوا جاهِلِينَ لَما كانُوا مُسْتَعْجِلِينَ. وعَلى هَذا فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] والمَعْنى: لا يَسْتَوِي مَن عِنْدَهُ عِلْمٌ ومَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي أنَّهُ إذا كانَ الغَرَضُ إثْباتُ الفِعْلِ لِفاعِلِهِ في الكَلامِ المُثْبَتِ، أوْ نَفْيِهِ عَنْهُ في الكَلامِ المَنفِيِّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اعْتِبارِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِمَن وقَعَ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَجْرِي مَجْرى اللّازِمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] لِأنَّهُ يُرادُ مِنهُ أنَّ مَن ثَبَتَتْ لَهُ صِفَةُ العِلْمِ لا يَسْتَوِي هو ومَنِ انْتَفَتْ عَنْهُ، ولَمْ يُعْتَبَرْ هُنا وُقُوعُ العِلْمِ عَلى مَعْلُوماتِ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ العِلْمِ. وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ. أيْ: حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وجْهِهِمُ النّارَ يَعْلَمُونَ أنَّهم كانُوا عَلى الباطِلِ. والأوَّلُ هو الأظْهَرُ. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ مَفْعُولَ ”يَعْلَمُ“ مَحْذُوفٌ، وأنَّهُ هو العامِلُ في الظَّرْفِ الَّذِي هو ”حِينَ“، والتَّقْدِيرُ: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَجِيءَ المَوْعُودِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ حِينَ لا يَكُفُّونَ لَما كَفَرُوا واسْتَعْجَلُوا واسْتَهْزَءُوا.

واعْلَمْ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فَلا يُقالُ: كَيْفَ يَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مِنَ العَجَلِ وجُبِلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْهاهُ عَمّا خُلِقَ مِنهُ وجُبِلَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمُحالٍ ! ؟ لِأنّا نَقُولُ: نَعَمْ هو جُبِلَ عَلى العَجَلِ، ولَكِنْ في اسْتِطاعَتِهِ أنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِالتَّأنِّي. كَما أنَّهُ جُبِلَ عَلى حُبِّ الشَّهَواتِ مَعَ أنَّهُ في اسْتِطاعَتِهِ أنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِالكَفِّ عَنْها. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ . [النازعات: ٤٠ - ٤١] .

21:40Page 325

بَلۡ تَأۡتِيهِم بَغۡتَةٗ فَتَبۡهَتُهُمۡ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٤٠

Rather, it will come to them unexpectedly and bewilder them, and they will not be able to repel it, nor will they be reprieved.

No commentary for this ayah

21:41Page 325

وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤١

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by what they used to ridicule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .

فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ إخْوانَهُ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمُ - اسْتَهْزَأ بِهِمُ الكُفّارُ، كَما اسْتَهْزَءُوا بِهِ ﷺ يَعْنِي: فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا، ولَكَ (p-١٥٣)العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ، والنَّصْرُ النِّهائِيُّ كَما كانَ لَهم. وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن ذَلِكَ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ.

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ [ ٦ ]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥ - ٢٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [فاطر: ٤]

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ. ومادَّةُ حاقَ يائِيَّةُ العَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في المُضارِعِ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ولا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ المادَّةُ إلّا في إحاطَةِ المَكْرُوهِ خاصَّةً. فَلا تَقُولُ: حاقَ بِهِ الخَيْرُ بِمَعْنى أحاطَ بِهِ. والأظْهَرُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُرادَ: وحاقَ بِهِمُ العَذابُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وعَلى هَذا اقْتَصَرَ ابْنُ كَثِيرٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَحاقَ﴾ أيْ: أحاطَ ودارَ بِالَّذِينَ كَفَرُوا و سَخِرُوا مِنهم وهَزِئُوا بِهِمْ (ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأنبياء: ٤١] أيْ جَزاءُ اسْتِهْزائِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السُّخْرِيَةَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ وهو مَعْرُوفٌ.

21:42Page 325

قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ ٤٢

Say, "Who can protect you at night or by day from the Most Merciful?" But they are, from the remembrance of their Lord, turning away.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ .

أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبَيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ لِلْمُعْرِضِينَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ: ﴿مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ أيْ: مَن هو الَّذِي يَحْفَظُكم ويَحْرُسُكم بِاللَّيْلِ في حالِ نَوْمِكم والنَّهارِ في حالِ تَصَرُّفِكم في أُمُورِكم. والكِلاءَةُ بِالكَسْرِ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. يُقالُ: اذْهَبْ في كِلاءَةِ اللَّهِ. أيْ: في حِفْظِهِ، واكْتَلَأْتُ مِنهم: احْتَرَسْتُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ:

؎إنَّ سُلَيْمى واللَّهُ يَكْلَؤُها ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها

وَقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

؎أنَخْتُ بَعِيرِي واكْتَلَأْتُ بِعَيْنِهِ ∗∗∗ وآمَرْتُ نَفْسِي أيَّ أمْرِي أفْعَلُ

(p-١٥٤)وَ ”مِن“ في قَوْلِهِ مِنَ الرَّحْمَنِ فِيها لِلْعُلَماءِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ: أحَدُهُما وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ كَثِيرٍ: أنَّ ”مِن“ هي الَّتِي بِمَعْنى بَدَلَ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ مِنَ الرَّحْمَنِ أيْ: بَدَلَ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي غَيْرَهُ. وأنْشَدَ ابْنُ كَثِيرٍ لِذَلِكَ قَوْلَ الرّاجِزِ:

؎جارِيَةٌ لَمْ تَلْبَسِ المُرَقَّقا ∗∗∗ وَلَمْ تَذُقْ مِنَ البُقُولِ الفُسْتُقا

أيْ لَمْ تَذُقْ بَدَلَ البُقُولِ الفُسْتُقَ. وعَلى هَذا القَوْلِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أيْ: بَدَلَها. ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎أخَذُوا المَخاضَ مِنَ الفَصِيلِ غُلُبَّةً ∗∗∗ ظُلْمًا ويُكْتَبُ لِلْأمِيرِ أفِيلا

يَعْنِي: أخَذُوا في الزَّكاةِ المَخاضَ بَدَلَ الفَصِيلِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى ﴿مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ أيْ: يَحْفَظُكم ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ وبَأْسِهِ. وهَذا هو الأظْهَرُ عِنْدِي. ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣] أيْ: مَن يَنْصُرُنِي مِنهُ فَيَدْفَعُ عَنِّي عَذابَهُ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى: مَن يَكْلَؤُكم قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: هو اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، وهو عِنْدِي يَحْتَمِلُ الإنْكارَ والتَّقْرِيرَ. فَوَجْهُ كَوْنِهِ إنْكارِيًّا أنَّ المَعْنى: لا كالِئَ لَكم يَحْفَظُكم مِن عَذابِ اللَّهِ ألْبَتَّةَ إلّا اللَّهُ تَعالى، أيْ: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وُوجْهُ كَوْنِهِ تَقْرِيرِيًّا أنَّهم إذا قِيلَ لَهم: مَن يَكْلَؤُكم ؟ اضْطُرُّوا إلى أنْ يُقِرُّوا بِأنَّ الَّذِي يَكْلَؤُهم هو اللَّهُ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا نافِعَ ولا ضارَّ إلّا هو تَعالى، ولِذَلِكَ يُخْلِصُونَ لَهُ الدُّعاءَ عِنْدَ الشَّدائِدِ والكُرُوبِ، ولا يَدْعُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، كَما قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ وغَيْرِها. فَإذا أقَرُّوا بِذَلِكَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ، كَيْفَ يَصْرِفُونَ حُقُوقَ الَّذِي يَحْفَظُهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ إلى ما لا يَنْفَعُ، ولا يَضُرُّ. وهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ: أنَّهُ لا أحَدَ يَمْنَعُ أحَدًا مِن عَذابِ اللَّهِ، ولا يَحْفَظُهُ ولا يَحْرُسُهُ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ الحافِظَ لِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ وحْدَهُ - جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] عَلى أظْهَرِ التَّفْسِيراتِ،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ الآيَةَ [الفتح: ١١]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ (p-١٥٥)ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأحزاب: ٨٨]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

21:43Page 325

أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ ٤٣

Or do they have gods to defend them other than Us? They are unable [even] to help themselves, nor can they be protected from Us.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ .

قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وهي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى مَعْنى الإضْرابِ والإنْكارِ، والمَعْنى: ألَهَمْ آلِهَةٌ تَجْعَلُهم في مَنَعَةٍ وعِزٍّ حَتّى لا يَنالُهم عَذابُنا. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَ لا تَسْتَطِيعُ نَفْعَ أنْفُسِها، فَكَيْفَ تَنْفَعُ غَيْرَها بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٤٣]

• وقَوْلِهِ: مِن دُونِنا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ مُتَعَلِّقُ آلِهَةً أيْ: ألَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا أيْ: سِوانا تَمْنَعُهم مِمّا نُرِيدُ أنْ نَفْعَلَهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ كَلّا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَمْنَعُهم لِقَوْلِ العَرَبِ: مَنَعْتُ دُونَهُ، أيْ: كَفَفْتُ أذاهُ. والأظْهَرُ عِنْدِي الأوَّلُ، ونَحْوُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٢٩]

• وقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٣]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الآلِهَةِ الَّتِي اتَّخَذُوها لا تَسْتَطِيعُ نَصْرَ أنْفُسِها، فَكَيْفَ تَنْفَعُ غَيْرَها - جاءَ مُبَيَّنًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٥]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ الآيَةَ [فاطر: ١٣ - ١٤]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٥]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ المَعْبُودَةَ مِن دُونِ اللَّهِ لَيْسَ فِيها نَفْعٌ ألْبَتَّةَ.

(p-١٥٦)وَقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ: يُجارُونَ، أيْ: لَيْسَ لِتِلْكَ الآلِهَةِ مُجِيرٌ يُجِيرُهم مِنّا؛ لِأنَّ اللَّهَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨] في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨] والعَرَبُ تَقُولُ: أنا جارٌ لَكَ وصاحِبٌ مِن فَلانٍ، أيْ: مُجِيرٌ لَكَ مِنهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا لِيُصْحَبَ مِنّا والرِّماحُ دَوانِي

يَعْنِي: لِيُجارَ ويُغاثَ مِنّا. وأغْلَبُ أقْوالِ العُلَماءِ في الآيَةِ راجِعَةٌ إلى ما ذَكَرْنا، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: يُصْحَبُونَ يُمْنَعُونَ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: يُنْصَرُونَ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿وَلا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ: لا يَصْحَبُهُمُ اللَّهُ بِخَيْرٍ، ولا يَجْعَلُ الرَّحْمَةَ صاحِبًا لَهم. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

21:44Page 325

بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤

But, [on the contrary], We have provided good things for these [disbelievers] and their fathers until life was prolonged for them. Then do they not see that We set upon the land, reducing it from its borders?1 Is it they who will overcome?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ .

الظّاهِرُ أنَّ الإضْرابَ بَلْ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ انْتِقالِيٌّ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: هَؤُلاءِ راجِعَةٌ إلى المُخاطَبِينَ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ الآيَةَ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، ومَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ.

والمَعْنى أنَّهُ مَتَّعَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ وآباءَهم قَبْلَهم بِما رَزَقَهم مِن نَعِيمِ الدُّنْيا حَتّى طالَتْ أعْمارُهم في رَخاءٍ ونِعْمَةٍ، فَحَمَلَهم ذَلِكَ عَلى الطُّغْيانِ، واللَّجاجِ في الكُفْرِ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُ الكُفّارَ ويُمْلِي لَهم في النِّعْمَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يَزِيدُهم كُفْرًا وضَلالًا - جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٩]

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، والعُمْرُ يُطْلَقُ عَلى مُدَّةِ العَيْشِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ .

(p-١٥٧)فِي مَعْنى إتْيانِ اللَّهِ الأرْضَ يَنْقُصُها مِن أطْرافِها في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أقْوالٌ مَعْرُوفَةٌ لِلْعُلَماءِ، وبَعْضُها تَدُلُّ لَهُ قَرِينَةٌ قُرْآنِيَّةٌ:

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نَقْصُها مِن أطْرافِها: مَوْتُ العُلَماءِ، وجاءَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وبُعْدُ هَذا القَوْلِ عَنْ ظاهِرِ القُرْآنِ بِحَسَبِ دَلالَةِ السِّياقِ ظاهِرٌ كَما تَرى.

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: نَقْصُها مِن أطْرافِها خَرابُها عِنْدَ مَوْتِ أهْلِها.

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: نَقْصُها مِن أطْرافِها هو نَقْصُ الأنْفُسِ، والثَّمَراتِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، وأمّا القَوْلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ القُرْآنِيَّةُ فَهو أنَّ مَعْنى ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ: نَنْقُصُ أرْضَ الكُفْرِ ودارَ الحَرْبِ، ونَحْذِفُ أطْرافَها بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها وإظْهارِهِمْ عَلى أهْلِها، ورَدِّها دارَ إسْلامٍ. والقَرِينَةُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى هي قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ غَلَبَتِهِمْ. وقِيلَ: لِتَقْرِيرِهِمْ بِأنَّهم مَغْلُوبُونَ لا غالِبُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ نَقْصَ الأرْضِ مِن أطْرافِها سَبَبٌ لِغَلَبَةِ المُسْلِمِينَ لِلْكُفّارِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِالمَعْنى المَذْكُورِ. ومِمّا يَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١] عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِالقارِعَةِ الَّتِي تُصِيبُهم سَرايا النَّبِيِّ ﷺ تَفْتَحُ أطْرافَ بِلادِهِمْ، أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ. ومِمَّنْ يُرْوى عَنْهُ هَذا القَوْلُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم. وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ هُنا ذَكَرَهُ في آخِرِ سُورَةِ ”الرَّعْدِ“ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [الرعد: ٤١] وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ آيَةِ ”الأنْبِياءِ“ هَذِهِ: إنَّ أحْسَنَ ما فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] .

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ صَوابٌ، واسْتِقْراءُ القُرْآنِ العَظِيمِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: أفَلا يَرى كُفّارُ مَكَّةَ ومَن سارَ سَيْرَهم في تَكْذِيبِكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ والكَفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ: بِإهْلاكِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ كَما أهْلَكْنا قَوْمَ صالِحٍ وقَوْمَ لُوطٍ، وهم يَمُرُّونَ بِدِيارِهِمْ. وكَما (p-١٥٨)أهْلَكْنا قَوْمَ هُودٍ، وجَعَلْنا سَبَأً أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ، كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والكُفْرِ بِما جاءُوا بِهِ. وهَذا هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ [الأحقاف: ٢٧] كَقَوْمِ صالِحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ هُودٍ وسَبَأٍ، فاحْذَرُوا مِن تَكْذِيبِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ لِئَلّا نُنْزِلَ بِكم مِثْلَ ما أنْزَلْنا بِهِمْ. وهَذا الوَجْهُ لا يُنافِي قَوْلَهُ بَعْدَهُ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الغَلَبَةَ لِحِزْبِ اللَّهِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي أهْلَكَ ما حَوْلَكم مِنَ القُرى بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم، وأنْتُمْ لَسْتُمْ بِأقْوى مِنهم، ولا أكْثَرَ أمْوالًا ولا أوْلادًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهُمْ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٣٧] . وقالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ الآيَةَ [الروم: ٩٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَإنْذارُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ ﷺ بِما وقَعَ لِمَن كَذَّبَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الرُّسُلِ كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ. وبِهِ تَعْلَمُ اتِّجاهَ ما اسْتَحْسَنَهُ ابْنُ كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِ آيَةِ ”الأنْبِياءِ“ هَذِهِ بِآيَةِ ”الأحْقافِ“ المَذْكُورَةِ كَما بَيَّنّا.

وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ ؟ قُلْتُ: فِيهِ تَصْوِيرُ ما كانَ اللَّهُ يُجْرِيهِ عَلى أيْدِي المُسْلِمِينَ، وأنَّ عَساكِرَهم وسَراياهم كانَتْ تَغْزُو أرْضَ المُشْرِكِينَ، وتَأْتِيها غالِبَةً عَلَيْها ناقِصَةً مِن أطْرافِها. ا هـ مِنهُ. واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أعْلَمُ.

21:45Page 326

قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥

Say, "I only warn you by revelation." But the deaf do not hear the call when they are warned.

No commentary for this ayah

21:46Page 326

وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٤٦

And if [as much as] a whiff of the punishment of your Lord should touch them, they would surely say, "O woe to us! Indeed, we have been wrongdoers."

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском