Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:47–72
21:47Page 326
وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧
And We place the scales of justice for the Day of Resurrection, so no soul will be treated unjustly at all. And if there is [even] the weight of a mustard seed,1 We will bring it forth. And sufficient are We as accountant.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ، فَتُوزَنُ أعْمالُهم وزْنًا في غايَةِ العَدالَةِ والإنْصافِ، فَلا يَظْلِمُ اللَّهُ أحَدًا شَيْئًا، وأنَّ عَمَلَهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والدِّقَّةِ كَمِثْقالِ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ، فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وكَفى بِهِ - جَلَّ وعَلا - حاسِبًا؛ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ.
وَبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ المَوازِينَ عِنْدَ ذَلِكَ الوَزْنِ مِنها ما يَخِفُّ، ومِنها ما يَثْقُلُ، وأنَّ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ هَلَكَ، ومَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ نَجا،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ (p-١٥٩)الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١ - ١٠٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهو في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَما ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ مَوازِينَ يَوْمِ القِيامَةِ مَوازِينُ قِسْطٍ ذَكَرَهُ في ”الأعْرافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] لِأنَّ الحَقَّ عَدْلٌ وقِسْطٌ، وما ذَكَرَهُ فِيها مِن أنَّهُ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]
وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ .
وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن كَوْنِ العَمَلِ، وإنْ كانَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ أتى بِهِ - جَلَّ وعَلا - أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ عَنْ لُقْمانَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ﴾ جَمْعُ مِيزانٍ. وظاهِرُ القُرْآنِ تَعَدُّدُ المُوازِينِ لِكُلِّ شَخْصٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٢٣ ] فَظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْعامِلِ الواحِدِ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مَلِكٌ تَقُومُ الحادِثاتُ لِعَدْلِهِ فَلِكُلِّ حادِثَةٍ لَها مِيزانُ
والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ في الأُصُولِ: أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: الأكْثَرُ عَلى أنَّهُ إنَّما هو مِيزانٌ واحِدٌ، وإنَّما جُمِعَ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأعْمالِ المَوْزُونَةِ فِيهِ. وقَدْ قَدَّمْنا في آخِرِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“ (p-١٦٠)كَلامَ العُلَماءِ في كَيْفِيَّةِ وزْنِ الأعْمالِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: القِسْطَ أيِ العَدْلَ، وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ولِذا لَزِمَ إفْرادُهُ، كَما قالَ في الخُلاصَةِ:
؎وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرا ∗∗∗ فالتَزَمُوا الإفْرادَ والتَّذْكِيرا
كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا. ومَعْلُومٌ أنَّ النَّعْتَ بِالمَصْدَرِ يَقُولُ فِيهِ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ المُبالَغَةُ. وبَعْضُهم يَقُولُ: هو بِنِيَّةِ المُضافِ المَحْذُوفِ، فَعَلى الأوَّلِ كَأنَّهُ بالَغَ في عَدالَةِ المَوازِينِ حَتّى سَمّاها القِسْطَ الَّذِي هو العَدْلُ. وعَلى الثّانِي فالمَعْنى: المَوازِينُ ذَواتُ القِسْطِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فِيها أوْجُهٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ:
(مِنها): أنَّها لِلتَّوْقِيتِ، أيِ الدَّلالَةِ عَلى الوَقْتِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: جِئْتُ لِخَمْسِ لَيالٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ∗∗∗ لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ
وَمِنها: أنَّها لامُ ”كَيْ“، أيْ: نَضَعُ المُوازِينَ القِسْطَ لِأجْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ: لِحِسابِ النّاسِ فِيهِ حِسابًا في غايَةِ العَدالَةِ، والإنْصافِ.
(ومِنها): أنَّها بِمَعْنى في، أيْ: نَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ في يَوْمِ القِيامَةِ.
والكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ: إنَّ اللّامَ تَأْتِي بِمَعْنى في، ويَقُولُونَ: إنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أيْ: في وقْتِها. ووافَقَهم في ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، وابْنُ مالِكٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، وأنْشَدَ مُسْتَشْهِدًا لِذَلِكَ قَوْلَ مِسْكِينٍ الدّارِمِيِّ:
؎أُولَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ ∗∗∗ كَما قَدْ مَضى مِن قَبْلُ عادٌ وتُبَّعُ
يَعْنِي مَضَوْا في سَبِيلِهِمْ. وقَوْلَ الآخَرِ:
؎وَكُلُّ أبٍ وابْنٍ وإنْ عُمِّرا مَعًا ∗∗∗ مُقِيمَيْنِ مَفْقُودٌ لِوَقْتٍ وفاقِدُ
أيْ في وقْتٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا هو المَفْعُولُ الثّانِي لِـ تُظْلَمُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ. أيْ: شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ لا قَلِيلًا، ولا كَثِيرًا.
وَمِثْقالُ الشَّيْءِ: وزْنُهُ. والخَرْدَلُ: حَبٌّ في غايَةِ الصِّغَرِ، (p-١٦١)والدِّقَّةِ. وبَعْضُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: هو زَرِيعَةُ الجِرْجِيرِ. وأُنِّثَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بِها هو راجِعٌ إلى المُضافِ الَّذِي هو مِثْقالَ وهو مُذَكَّرٌ لِاكْتِسابِهِ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي هو ﴿حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎وَرُبَّما أكْسَبَ ثانٍ أوَّلًا ∗∗∗ تَأْنِيثًا إنْ كانَ لِحَذْفٍ مُؤَهَّلًا
وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولُ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي ∗∗∗ نَقَضْنَ كُلِّي ونَقَضْنَ بِعْضِي
وَقَوْلُ الأعْشى:
؎وَتُشْرِقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتُهُ ∗∗∗ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ
فَقَدْ أنَّثَ في البَيْتِ الأوَّلِ لَفْظَةَ ”كُلُّ“ لِإضافَتِها إلى ”عَيْنٍ“ . وأنَّثَ في البَيْتِ الثّانِي لَفْظَةَ ”طُولُ“ لِإضافَتِها إلى ”اللَّيالِي“ وأنَّثَ في البَيْتِ الثّالِثِ الصَّدْرَ لِإضافَتِهِ إلى ”القَناةِ“ وأنَّثَ في البَيْتِ الرّابِعِ ”مَرُّ“ لِإضافَتِهِ إلى ”الرِّياحِ“ . والمُضافاتُ المَذْكُورَةُ لَوْ حُذِفَتْ لَبَقِيَ الكَلامُ مُسْتَقِيمًا، كَما قالَ في الخُلاصَةِ: .
. . . . . . . . . إنْ كانَ لِحَذْفٍ مُؤَهَّلًا
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ ما عَدا نافِعًا ﴿وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ بِنَصْبِ مِثْقالَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ أيْ: وإنْ كانَ العَمَلُ الَّذِي يُرادُ وزْنُهُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ.
وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ﴿وَإنْ كانَ مِثْقالَ﴾ بِالرَّفْعِ، فاعِلُ كانَ عَلى أنَّها تامَّةٌ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ .
21:48Page 326
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨
And We had already given Moses and Aaron the criterion and a light and a reminder1 for the righteous
No commentary for this ayah
21:49Page 326
ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ ٤٩
Who fear their Lord unseen,1 while they are of the Hour apprehensive.
No commentary for this ayah
21:50Page 326
وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠
And this [Qur’ān] is a blessed message which We have sent down. Then are you with it unacquainted?1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ ﴿ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ البَرَكاتِ والخَيْراتِ؛ لِأنَّ فِيهِ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ثُمَّ وبَّخَ مَن يُنْكِرُونَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . وما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ هَذا (p-١٦٢)القُرْآنَ مُبارَكٌ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كِتابِهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الأنْعامِ“: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥]
• وقَوْلِهِ فِيها أيْضًا: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢]
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”ص“: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَنَرْجُو اللَّهَ تَعالى القَرِيبَ المُجِيبَ أنْ تَغْمُرَنا بَرَكاتُ هَذا الكِتابِ العَظِيمِ المُبارَكِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى لَنا لِتَدَبُّرِ آياتِهِ، والعَمَلِ بِما فِيها مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، والأوامِرِ والنَّواهِي، والمَكارِمِ والآدابِ، امْتِثالًا واجْتِنابًا، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
21:51Page 326
۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١
And We had certainly given Abraham his sound judgement before,1 and We were of him well-Knowing
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا ما يُوَضِّحُ هَذِهِ الآياتِ إلى آخِرِ القِصَّةِ مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
21:52Page 326
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢
When he said to his father and his people, "What are these statues to which you are devoted?"
No commentary for this ayah
21:53Page 326
قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ٥٣
They said, "We found our fathers worshippers of them."
No commentary for this ayah
21:54Page 326
قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٥٤
He said, "You were certainly, you and your fathers, in manifest error."
No commentary for this ayah
21:55Page 326
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ٥٥
They said, "Have you come to us with truth, or are you of those who jest?"
No commentary for this ayah
21:56Page 326
قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٦
He said, "[No], rather, your Lord is the Lord of the heavens and the earth who created them, and I, to that, am of those who testify.
No commentary for this ayah
21:57Page 326
وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ ٥٧
And [I swear] by Allāh, I will surely plan against your idols after you have turned and gone away."
No commentary for this ayah
21:58Page 327
فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ ٥٨
So he made them into fragments, except a large one among them, that they might return to it [and question].
No commentary for this ayah
21:59Page 327
قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٩
They said, "Who has done this to our gods? Indeed, he is of the wrongdoers."
No commentary for this ayah
21:60Page 327
قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ ٦٠
They said, "We heard a young man mention them who is called Abraham."
No commentary for this ayah
21:61Page 327
قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١
They said, "Then bring him before the eyes of the people that they may testify."1
No commentary for this ayah
21:62Page 327
قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢
They said, "Have you done this to our gods, O Abraham?"
No commentary for this ayah
21:63Page 327
قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣
He said, "Rather, this - the largest of them - did it, so ask them, if they should [be able to] speak."
No commentary for this ayah
21:64Page 327
فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤
So they returned to [blaming] themselves and said [to each other], "Indeed, you are the wrongdoers."
No commentary for this ayah
21:65Page 327
ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥
Then they reversed themselves,1 [saying], "You have already known that these do not speak!"
No commentary for this ayah
21:66Page 327
قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦
He said, "Then do you worship instead of Allāh that which does not benefit you at all or harm you?
No commentary for this ayah
21:67Page 327
أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٧
Uff1 to you and to what you worship instead of Allāh. Then will you not use reason?"
No commentary for this ayah
21:68Page 327
قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨
They said, "Burn him and support your gods - if you are to act."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا أفْحَمَ قَوْمَهُ الكَفَرَةَ بِالبَراهِينِ والحُجَجِ القاطِعَةِ لَجَئُوا إلى اسْتِعْمالِ القُوَّةِ، فَقالُوا: ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨] أيْ: بِقَتْلِكم عَدُوَّها إبْراهِيمَ شَرَّ قِتْلَةٍ، وهي الإحْراقُ بِالنّارِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ هُنا أنَّهم أرادُوا قَتْلَهُ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ ”العَنْكَبُوتِ“ أنَّهم ﴿قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤] وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤] .
وَقَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المُبْطِلَ إذا أُفْحِمَ بِالدَّلِيلِ لَجَأ إلى ما عِنْدَهُ مِنَ القُوَّةِ لِيَسْتَعْمِلَها ضِدَّ الحَقِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ ناصِرِينَ آلِهَتَكم نَصْرًا مُؤَزَّرًا، فاخْتارُوا لَهُ أفْظَعَ قِتْلَةٍ، وهي الإحْراقُ بِالنّارِ، وإلّا فَقَدَ فَرَّطْتُمْ في نَصْرِها.
21:69Page 327
قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩
We [i.e., Allāh] said, "O fire, be coolness and safety upon Abraham."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلاما عَلى إبْراهِيمَ وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ .
فِي الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: قالُوا حَرِّقُوهُ فَرَمَوْهُ في النّارِ، فَلَمّا فَعَلُوا (p-١٦٣)ذَلِكَ ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ وقَدْ بَيَّنَ في ”الصّافّاتِ“ أنَّهم لَمّا أرادُوا أنْ يُلْقُوهُ في النّارِ بَنَوْا لَهُ بُنْيانًا لِيُلْقُوهُ فِيهِ.
وَفِي القِصَّةِ أنَّهم ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ البُنْيانِ العالِي بِالمَنجَنِيقِ بِإشارَةِ رَجُلٍ مِن أعْرابِ فارِسٍ (يَعْنُونَ الأكْرادَ) وأنَّ اللَّهَ خَسَفَ بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] والمُفَسِّرُونَ يَذْكُرُونَ مِن شِدَّةِ هَذِهِ النّارِ وارْتِفاعِ لَهَبِها، وكَثْرَةِ حَطَبِها شَيْئًا عَظِيمًا هائِلًا. وذَكَرُوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ إبْراهِيمَ أنَّهم لَمّا كَتَّفُوهُ مُجَرَّدًا ورَمَوْهُ إلى النّارِ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَلْ لَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، وأمّا اللَّهُ فَنِعِمّا، قالَ: لِمَ لا تَسْألُهُ ؟ قالَ: عِلْمُهُ بِحالِي كافٍ عَنْ سُؤالِي.
وَما ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ أمَرَ النّارَ بِأمْرِهِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ أنْ تَكُونَ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أنْجاهُ مِن تِلْكَ النّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ [ ٢١ ] يَدُلُّ عَلى سَلامَتِهِ مِن حَرِّها، وقَوْلَهُ: وسَلامًا يَدُلُّ عَلى سَلامَتِهِ مِن شَرِّ بَرْدِها الَّذِي انْقَلَبَتِ الحَرارَةُ إلَيْهِ، وإنْجاؤُهُ إيّاهُ مِنها الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ أمْرُهُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ هُنا جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في ”العَنْكَبُوتِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] وأشارَ إلى ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَجَّيْناهُ ولُوطًا﴾ [الأنبياء: ٧١] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] يُوَضِّحُهُ ما قَبْلَهُ. فالكَيْدُ الَّذِي أرادُوهُ بِهِ: إحْراقُهُ بِالنّارِ نَصْرًا مِنهم لِآلِهَتِهِمْ في زَعْمِهِمْ، وجَعْلِهِ تَعالى إيّاهُمُ الأخْسَرِينَ أيِ الَّذِينَ هم أكْثَرُ خُسْرانًا لِبُطْلانِ كَيْدِهِمْ وسَلامَتِهِ مِن نارِهِمْ.
وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ ”الصّافّاتِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨] وكَوْنُهُمُ الأسْفَلِينَ واضِحٌ؛ لِعُلُوِّهِ عَلَيْهِمْ وسَلامَتِهِ مِن شَرِّهِمْ. وكَوْنِهُمُ الأخْسَرِينَ لِأنَّهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ. وفي القِصَّةِ أنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ خَلْقًا مِن أضْعَفِ خَلْقِهِ فَأهْلَكَهم وهو البَعُوضُ. وفِيها أيْضًا أنَّ كُلَّ الدَّوابِّ تُطْفِئُ عَنْ إبْراهِيمَ النّارَ، إلّا الوَزَغَ فَإنَّهُ يَنْفُخُ النّارَ عَلَيْهِ. وقَدْ قَدَّمْنا الأحادِيثَ الوارِدَةَ بِالأمْرِ بِقَتْلِ الأوْزاغِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ .
وَعَنْ أبِي العالِيَةِ: لَوْ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ: وسَلامًا لَكانَ بَرْدُها أشَدَّ عَلَيْهِ مِن حَرِّها، ولَوْ لَمْ يَقُلْ: عَلى إبْراهِيمَ لَكانَ بَرْدُها باقِيًا إلى الأبَدِ. وعَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (p-١٦٤)عَنْهم - لَوْ لَمْ يَقُلْ: وسَلامًا لَماتَ إبَراهِيمُ مِن بَرْدِها. وعَنِ السُّدِّيُّ: لَمْ تَبْقَ في ذَلِكَ اليَوْمِ نارٌ إلّا طَفِئَتْ. وعَنْ كَعْبٍ وقَتادَةَ: لَمْ تُحْرِقِ النّارُ مِن إبْراهِيمَ إلّا وِثاقَهُ. وعَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو: قالَ إبْراهِيمُ: ما كُنْتُ أيّامًا قَطُّ أنْعَمَ مِنِّي مِنَ الأيّامِ الَّتِي كُنْتُ فِيها في النّارِ. وعَنْ شُعَيْبٍ الحِمّانِيِّ أنَّهُ أُلْقِيَ في النّارِ وهو ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أُلْقِيَ فِيها وهو ابْنُ سِتٍّ وعِشْرِينَ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: بَرَدَتْ نِيرانُ الأرْضِ جَمِيعًا، فَما أنْضَجَتْ ذَلِكَ اليَوْمَ كُراعًا. وذَكَرُوا في القِصَّةِ أنَّ نَمْرُوذَ أشْرَفَ عَلى النّارِ مِنَ الصَّرْحِ، فَرَأى إبْراهِيمَ جالِسًا عَلى السَّرِيرِ يُؤْنِسُهُ مَلَكُ الظِّلِّ، فَقالَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ، لَأُقَرِّبَنَّ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ، وكَفَّ عَنْهُ. وكُلُّ هَذا مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ. والمُفَسِّرُونَ يَذْكُرُونَ كَثِيرًا مِنها في هَذِهِ القِصَّةِ وغَيْرِها مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ.
وَقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أُراهُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ عَنْ أبِي حُصَيْنٍ عَنْ أبِي الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ“ قالَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِي في النّارِ، وقالَها مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قالُوا: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] حَدَّثَنا مالِكُ بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا إسْرائِيلُ عَنْ أبِي حُصَيْنٍ عَنْ أبِي الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ آخِرُ قَوْلِ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِي في النّارِ: ”حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ“ انْتَهى.
21:70Page 327
وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠
And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the greatest losers.
No commentary for this ayah
21:71Page 327
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ ٧١
And We delivered him and Lot to the land which We had blessed for the worlds [i.e., peoples].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ونَجَّيْناهُ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ: وضُمِّنَ قَوْلُهُ: ونَجَّيْناهُ مَعْنى أخْرَجْناهُ بِنَجاتِنا إلى الأرْضِ. ولِذَلِكَ تَعَدّى ”نَجَّيْناهُ“ بِإلى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”إلى“ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ: مُنْتَهِيًا إلى الأرْضِ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، ولا تَضْمِينَ في ونَجَّيْناهُ عَلى هَذا. والأرْضُ الَّتِي خَرَجا مِنها: هي كُوثى مِن أرْضِ العِراقِ، والأرْضُ الَّتِي خَرَجا إلَيْها هي أرْضُ الشّامِ. ا هـ مِنهُ. وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تُشِيرُ إلى هِجْرَةِ إبْراهِيمَ ومَعَهُ لُوطٌ مِن أرْضِ العِراقِ إلى الشّامِ فِرارًا بِدِينِهِما.
وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،
• كَقَوْلِهِ في ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]
• وقَوْلِهِ في ”الصّافّاتِ:“ ﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] عَلى أظْهَرِ القَوْلَيْنِ؛ لِأنَّهُ فارٌّ إلى رَبِّهِ بِدِينِهِ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾: هَذِهِ (p-١٦٥)الآيَةُ أصْلٌ في الهِجْرَةِ والعُزْلَةِ، وأوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ حِينَ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ أيْ: مُهاجِرٌ مِن بَلَدِ قَوْمِي ومَوْلِدِي إلى حَيْثُ أتَمَكَّنُ مِن عِبادَةِ رَبِّي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ فِيما نَوَيْتُ إلى الصَّوابِ. وما أشارَ إلَيْهِ - جَلَّ وعَلا - مِن أنَّهُ بارَكَ لِلْعالَمِينَ في الأرْضِ المَذْكُورَةِ الَّتِي هي الشّامُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في هَذِهِ الآيَةِ
• بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] بَيَّنَهُ في غَيْرِ المَوْضِعِ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأنبياء: ٨١]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [ ١٧ ] ومَعْنى كَوْنِهِ (بارَكَ فِيها) . هو ما جَعَلَ فِيها مِنَ الخِصْبِ، والأشْجارِ، والأنْهارِ، والثِّمارِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]
ومِن ذَلِكَ أنَّهُ بَعَثَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ مِنها.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ومِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ماءٍ عَذْبٍ أصْلُ مَنبَعِهِ مِن تَحْتِ الصَّخْرَةِ الَّتِي عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ. وجاءَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ أقْوالٌ أُخَرُ تَرَكْناها لِضَعْفِها في نَظَرِنا.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الفِرارَ بِالدِّينِ مِن دارِ الكُفْرِ إلى بَلَدٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الفارُّ بِدِينِهِ مِن إقامَةِ دِينِهِ - واجِبٌ. وهَذا النَّوْعُ مِنَ الهِجْرَةِ وجُوبُهُ باقٍ بِلا خِلافٍ بَيْنِ العُلَماءِ في ذَلِكَ.
21:72Page 327
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ ٧٢
And We gave him Isaac and Jacob in addition, and all [of them] We made righteous.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ وهَبَ لِإبْراهِيمَ ابْنَهُ إسْحاقَ، وابْنَ ابْنِهِ يَعْقُوبَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ جَعَلَ الجَمِيعَ صالِحِينَ. وقَدْ أوْضَحَ البِشارَةَ بِهِما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] وقَوْلِهِ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] وقَدْ أشارَ تَعالى في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ إلى أنَّهُ لَمّا هَجَرَ الوَطَنَ والأقارِبَ عَوَّضَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ قُرَّةَ العَيْنِ بِالذُّرِّيَّةِ الصّالِحَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩] .
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: نافِلَةً قالَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ: نافِلَةٌ: عَطِيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: النّافِلَةُ: ولَدُ الوَلَدِ، يَعْنِي أنَّ (p-١٦٦)يَعْقُوبَ ولَدُ إسْحاقَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أصْلُ النّافِلَةِ في اللُّغَةِ: الزِّيادَةُ عَلى الأصْلِ، ومِنهُ النَّوافِلُ في العِباداتِ؛ لِأنَّها زِياداتٌ عَلى الأصْلِ الَّذِي هو الفَرْضُ، ووَلَدُ الوَلَدِ زِيادَةٌ عَلى الأصْلِ الَّذِي هو ولَدُ الصُّلْبِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎فَإنْ تَكُ أُنْثى مِن مَعَدٍّ كَرِيمَةٌ عَلَيْنا فَقَدْ أعْطَيْتَ نافِلَةَ الفَضْلِ
أيْ أعْطَيْتَ الفَضْلَ عَلَيْها، والزِّيادَةُ في الكَرامَةِ عَلَيْنا، كَما هو التَّحْقِيقُ في مَعْنى بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ هَذا، وكَما شَرَحَهُ بِهِ أبُو سَعِيدٍ الحَسَنُ بْنُ الحُسَيْنِ السُّكَّرِيُّ في شَرْحِهِ لِأشْعارِ الهُذَلِيِّينَ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ إيرادَ صاحِبِ اللِّسانِ بَيْتَ أبِي ذُؤَيْبٍ المَذْكُورَ مُسْتَشْهِدًا بِهِ لِأنَّ النّافِلَةَ الغَنِيمَةَ - غَيْرُ صَوابٍ، بَلْ هو غَلَطٌ. مَعَ أنَّ الأنْفالَ الَّتِي هي الغَنائِمُ راجِعَةٌ في المَعْنى إلى مَعْنى الزِّيادَةِ؛ لِأنَّها زِيادَةُ تَكْرِيمٍ أكْرَمَ اللَّهُ بِها هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ فَأحَلَّها لَهُ ولِأُمَّتِهِ. أوْ لِأنَّ الأمْوالَ المَغْنُومَةَ أمْوالٌ أخَذُوها زِيادَةً عَلى أمْوالِهِمُ الأصْلِيَّةِ بِلا ثَمَنٍ.
وَقَوْلُهُ: نافِلَةً فِيهِ وجْهانِ مِنَ الإعْرابِ، فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: النّافِلَةُ العَطِيَّةُ فَهو ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ مِن ”وَهَبْنا“ أيْ: وهَبَنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ هِبَةً. وعَلَيْهِ النّافِلَةُ مَصْدَرٌ جاءَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. وعَلى أنَّ النّافِلَةَ بِمَعْنى الزِّيادَةِ فَهو حالٌ مِن ”يَعْقُوبَ“ أيْ: وهَبْنا لَهُ يَعْقُوبَ في حالِ كَوْنِهِ زِيادَةً عَلى إسْحاقَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences