Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:78
21:78Page 328
وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ ٧٨
And [mention] David and Solomon, when they judged concerning the field - when the sheep of a people overran it [at night],1 and We were witness to their judgement.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ .
(p-١٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: وداوُدَ [الأنبياء: ٧٨] مَنصُوبٌ بِـ ”اذْكُرْ“ مُقَدَّرًا. وقِيلَ: مَعْطُوفُ قَوْلِهِ: ﴿وَنُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ [ ٢١ ] أيْ: واذْكُرْ نُوحًا إذا نادى مِن قَبْلُ ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ الآيَةَ
وَقَوْلُهُ: إذْ بَدَلٌ مِن ”داوُدَ وسُلَيْمانَ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ كَما أوْضَحْنا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وذَكَرْنا بَعْضَ المُناقَشَةِ فِيهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا ويَكُونُ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ القَوْلِ. وذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ مَسائِلَ كَثِيرَةً مِن ذَلِكَ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِنَ العُلَماءِ قالُوا: إنَّ حُكْمَ داوُدَ وسُلَيْمانَ في الحَرْثِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ بِوَحْيٍ، إلّا أنَّ ما أُوحِيَ إلى سُلَيْمانَ كانَ ناسِخًا لِما أُوحِيَ إلى داوُدَ.
وَفِي الآيَةِ قَرِينَتانِ عَلى أنَّ حُكْمَهُما كانَ بِاجْتِهادٍ لا بِوَحْيٍ، وأنَّ سُلَيْمانَ أصابَ فاسْتَحَقَّ الثَّناءَ بِاجْتِهادِهِ وإصابَتِهِ، وأنَّ داوُدَ لَمْ يُصِبْ فاسْتَحَقَّ الثَّناءَ بِاجْتِهادِهِ، ولَمْ يَسْتَوْجِبْ لَوْمًا ولا ذَمًّا بِعَدَمِ إصابَتِهِ. كَما أثْنى عَلى سُلَيْمانَ بِالإصابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وأثْنى عَلَيْهِما في قَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨] فَدَلَّ قَوْلُهُ: إذْ يَحْكُمانِ عَلى أنَّهُما حَكَما فِيها مَعًا كُلٌّ مِنهُما بِحُكْمٍ مُخالِفٍ لِحُكْمِ الآخَرِ، ولَوْ كانَ وحْيًا لَما ساغَ الخِلافُ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَفْهَمْها داوُدُ، ولَوْ كانَ حُكْمُهُ فِيها بِوَحْيٍ لَكانَ مُفْهَمًا إيّاها كَما تَرى. فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَحْكُمانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الحُكْمَ لَمْ يَكُنْ بِوَحْيٍ بَلْ بِاجْتِهادٍ، وأصابَ فِيهِ سُلَيْمانُ دُونَ داوُدَ بِتَفْهِيمِ اللَّهِ إيّاهُ ذَلِكَ.
والقَرِينَةُ الثّانِيَةُ هي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: فَفَهَّمْناها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَهَّمَهُ إيّاها مِن نُصُوصِ ما كانَ عِنْدَهم مِنَ الشَّرْعِ. لا أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ فِيها وحْيًا جَدِيدًا ناسِخًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: فَفَهَّمْناها ألْيَقُ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي كَما تَرى.
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
المَسْألَةُ الأُولى:
اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْنا أنَّ القَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّهُما حَكَما فِيها بِاجْتِهادٍ، وأنَّ سُلَيْمانَ أصابَ في اجْتِهادِهِ - جاءَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِوُقُوعِ مِثْلِهِ مِنهُما في غَيْرِ هَذِهِ المَسْألَةِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى إمْكانِهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وقَدْ دَلَّتِ القَرِينَةُ القُرْآنِيَّةُ عَلى (p-١٧١)وُقُوعِهِ، قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (بابُ إذا ادَّعَتِ المَرْأةُ ابْنًا) حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، أخْبَرْنا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنا أبُو الزِّنادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كانَتِ امْرَأتانِ مَعَهُما ابْناهُما، جاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إحْداهُما، فَقالَتْ لِصاحِبَتِها: إنَّما ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَقالَتِ الأُخْرى: إنَّما ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحاكَمَتا إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَضى بِهِ لِلْكُبْرى، فَخَرَجَتا عَلى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِينِ أشُقُّهُ بَيْنَهُما. فَقالَتِ الصُّغْرى: لا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هو ابْنُها. فَقَضى بِهِ لِلصُّغْرى» . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: واللَّهِ إنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِينِ قَطُّ إلّا يَوْمَئِذٍ، وما كُنّا نَقُولُ إلّا المُدْيَةُ ”انْتَهى مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي شَبابَةُ، حَدَّثَنِي ورْقاءُ، عَنْ أبِي الزِّنادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“ «بَيْنَما امْرَأتانِ مَعَهُما ابْناهُما جاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إحْداهُما. فَقالَتْ هَذِهِ لِصاحِبَتِها: إنَّما ذَهَبَ بِابْنِكِ أنْتِ. وقالَتِ الأُخْرى: إنَّما ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحاكَمَتا إلى داوُدَ فَقَضى بِهِ لِلْكُبْرى، فَخَرَجَتا عَلى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِينِ أشُقُّهُ بَيْنَكُما، فَقالَتِ الصُّغْرى: لا، يَرْحَمُكَ اللَّهُ» انْتَهى مِنهُ فَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهُما قَضَيا مَعًا بِالِاجْتِهادِ في شَأْنِ الوَلَدِ المَذْكُورِ، وأنَّ سُلَيْمانَ أصابَ في ذَلِكَ، إذْ لَوْ كانَ قَضاءُ داوُدَ بِوَحْيٍ لَما جازَ نَقْضُهُ بِحالٍ. وقَضاءُ سُلَيْمانَ واضِحٌ أنَّهُ لَيْسَ بِوَحْيٍ؛ لِأنَّهُ أوْهَمَ المَرْأتَيْنِ أنَّهُ يَشُقُّهُ بِالسِّكِّينِ؛ لِيَعْرِفَ أُمَّهُ بِالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، ويَعْرِفَ الكاذِبَةَ بِرِضاها بِشَقِّهِ لِتُشارِكَها أُمُّهُ في المُصِيبَةِ فَعَرَفَ الحَقَّ بِذَلِكَ. وهَذا شَبِيهٌ جِدًّا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ حَسْبَما ذَكَرْنا وبَيَّنّا دَلالَةَ القَرِينَةِ القُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ. ومِمّا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِن قَضائِهِما القِصَّةُ الَّتِي أوْرَدَها الحافِظُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تارِيخِهِ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ سُفْيانَ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ صالِحٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ قِصَّةً مُطَوَّلَةً، مُلَخَّصُها أنَّ امْرَأةً حَسْناءَ في زَمانِ بَنِي إسْرائِيلَ راوَدَها عَنْ نَفْسِها أرْبَعَةٌ مِن رُؤَسائِهِمْ، فامْتَنَعَتْ عَلى كُلٍّ مِنهم، فاتَّفَقُوا فِيما بَيْنَهم عَلَيْها. فَشَهِدُوا عِنْدَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها مَكَّنَتْ مِن نَفْسِها كَلْبًا لَها، قَدْ عَوَّدَتْهُ ذَلِكَ مِنها، فَأمَرَ بِرَجْمِها، فَلَمّا كانَ عَشِيَّةُ ذَلِكَ اليَوْمِ جَلَسَ سُلَيْمانُ واجْتَمَعَ مَعَهُ ولْدانٌ مِثْلُهُ، فانْتَصَبَ حاكِمًا وتَزَيّا أرْبَعَةٌ مِنهم بِزِيٍّ أُولَئِكَ وآخَرُ بِزِيِّ المَرْأةِ، وشَهِدُوا عَلَيْها بِأنَّها مَكَّنَتْ مِن نَفْسِها كَلْبًا، فَقالَ سُلَيْمانُ: فَرَّقُوا بَيْنَهم. فَسَألَ أوَّلَهم: ما كانَ لَوْنُ الكَلْبِ ؟ فَقالَ: أسْوَدُ، فَعَزَلَهُ. واسْتَدْعى الآخَرَ فَسَألَهُ عَنْ لَوْنِهِ ؟ فَقالَ: أحْمَرُ. وقالَ (p-١٧٢)الآخَرُ: أغْبَشُ. وقالَ الآخَرُ: أبْيَضُ، فَأمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَتْلِهِمْ، فَحُكِيَ ذَلِكَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فاسْتَدْعى مِن فَوْرِهِ بِأُولَئِكَ الأرْبَعَةِ فَسَألَهم مُتَفَرِّقِينَ عَنْ لَوْنِ ذَلِكَ الكَلْبِ فاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِهِمْ. انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ ابْنِ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. وكُلُّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ؛ لِدَلالَةِ القَرِينَةِ القُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ. ومِمَّنْ فَسَّرَها بِذَلِكَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ كَما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْهُ. قالَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ، بابُ مَتى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ القَضاءَ: وقالَ الحَسَنُ: أخَذَ اللَّهُ عَلى الحُكّامِ أنْ لا يَتَّبِعُوا الهَوى، ولا يَخْشَوُا النّاسَ ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] إلى أنْ قالَ - وقَرَأ ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] فَحَمِدَ سُلَيْمانَ ولَمْ يَلُمْ داوُدَ. ولَوْلا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِن أمْرِ هَذَيْنِ لَرَأيْتُ أنَّ القُضاةَ هَلَكُوا، فَإنَّهُ أثْنى عَلى هَذا بِعِلْمِهِ، وعَذَرَ هَذا بِاجْتِهادِهِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ الحَسَنَ يَرى أنَّ مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَما ذَكَرْنا، ويَزِيدُ هَذا إيضاحًا ما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ مِنَ الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ وأبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ» .
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ:
اعْلَمْ أنَّ الِاجْتِهادَ في الأحْكامِ في الشَّرْعِ دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، مِنها هَذا الَّذِي ذَكَرْنا هُنا. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ بَنِي ”إسْرائِيلَ“ طَرَفًا مِن ذَلِكَ، ووَعَدْنا بِذِكْرِهِ مُسْتَوْفًى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وسُورَةِ الحَشْرِ، وهَذا أوانُ الوَفاءِ بِذَلِكَ الوَعْدِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ. وقَدْ عَلِمْتَ مِمّا مَرَّ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ أنّا ذَكَرْنا طَرَفًا مِنَ الأدِلَّةِ عَلى الِاجْتِهادِ فَبَيَّنّا إجْماعَ العُلَماءِ عَلى العَمَلِ بِنَوْعِ الِاجْتِهادِ المَعْرُوفِ بِالإلْحاقِ بِنَفْيِ الفارِقِ الَّذِي يُسَمِّيهِ الشّافِعِيُّ القِياسَ في مَعْنى الأصْلِ، وهو تَنْقِيحُ المَناطِ. وأوْضَحْنا أنَّهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وبَيَّنّا الإجْماعَ أيْضًا عَلى العَمَلِ بِنَوْعِ الِاجْتِهادِ المَعْرُوفِ بِتَحْقِيقِ المَناطِ، وأنَّهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وذَكَرْنا أمْثِلَةً لَهُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وذَكَرْنا أحادِيثَ دالَّةً عَلى الِاجْتِهادِ، مِنها الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ، ومِنها حَدِيثُ مُعاذٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلى اليَمَنِ، وقَدْ وعَدْنا بِأنْ نَذْكُرَ طُرُقَهُ هُنا إلى آخَرِ ما ذَكَرْنا هُناكَ.
(p-١٧٣)اعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ رِواياتِ هَذا الحَدِيثِ المَذْكُورَةِ في المُسْنَدِ والسُّنَنِ كُلُّها مِن طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ أبِي عَوْنٍ، عَنِ الحارِثِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ أخِي المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أُناسٍ مِن أصْحابِ مُعاذٍ، عَنْ مُعاذٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
أمّا الرِّوايَةُ المُتَّصِلَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنا سابِقًا عَنِ ابْنِ قُدامَةَ في (رَوْضَةِ النّاظِرِ) أنَّ عُبادَةَ بْنَ نُسَيٍّ رَواهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعاذٍ، فَهَذا الإسْنادُ وإنْ كانَ مُتَّصِلًا ورِجالُهُ مَعْرُوفُونَ بِالثِّقَةِ، فَإنِّي لَمْ أقِفْ عَلى مَن خَرَّجَ هَذا الحَدِيثَ مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ، إلّا ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ في (إعْلامِ المُوَقِّعِينَ) عَنْ أبِي بَكْرٍ الخَطِيبِ بِلَفْظِ: وقَدْ قِيلَ إنَّ عُبادَةَ بْنَ نُسَيٍّ رَواهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعاذٍ. ا هـ مِنهُ. ولَفْظَةُ ”قِيلَ“ صِيغَةُ تَمْرِيضٍ كَما هو مَعْرُوفٌ، وإلّا ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تارِيخِهِ، فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَهُ فِيهِ حَدِيثُ مُعاذٍ المَذْكُورُ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْنا بِالإسْنادِ الَّذِي أخْرَجَهُ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ قالَ: وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ، ولَيْسَ إسْنادُهُ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ. ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رَواهُ ابْنُ ماجَهْ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، إلّا أنَّهُ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَسّانَ وهو المَصْلُوبُ أحَدُ الكَذّابِينَ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُعاذٍ بِهِ نَحْوَهُ.
واعْلَمْ أنَّ النُّسْخَةَ المَوْجُودَةَ بِأيْدِينا مِن تارِيخِ ابْنِ كَثِيرٍ الَّتِي هي مِنَ الطَّبْعَةِ الأُولى سَنَةَ (١٣٥١) فِيها تَحْرِيفٌ مَطْبَعِيٌّ في الكَلامِ الَّذِي ذَكَرْنا؛ فَفِيها مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حَسّانَ، والصَّوابُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ لا سَعْدٍ. وفِيها: عَنْ عَيّاذِ بْنِ بِشْرٍ، والصَّوابُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ.
وَما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ مِن إخْراجِ ابْنِ ماجَهْ لِحَدِيثِ مُعاذٍ المَذْكُورِ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ المَصْلُوبِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وهو ابْنُ غَنْمٍ، عَنْ مُعاذٍ - لَمْ أرَهُ في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ، والَّذِي في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ بِالإسْنادِ المَذْكُورِ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ غَيْرُ المَتْنِ المَذْكُورِ، وهَذا لَفْظُهُ: حَدَّثْنا الحَسَنُ بْنُ حَمّادٍ سَجّادَةُ، حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَسّانَ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، «حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَمَنِ، قالَ: ”لا تَقْضِيَنَّ، ولا تَفْصِلَنَّ إلّا بِما تَعْلَمُ، وإنْ أشْكَلَ عَلَيْكَ أمْرٌ فَقِفْ حَتّى تَبَيَّنَهُ أوْ تَكْتُبَ إلَيَّ فِيهِ“» ا هـ مِنهُ. وما أدْرِي أوَهِمَ الحافِظُ بْنُ كَثِيرٍ فِيما ذَكَرَ ؟ أوْ هو يَعْتَقِدُ أنَّ مَعْنى ”تَبَيَّنَهُ“ في الحَدِيثِ أيْ: تَعْلَمُهُ بِاجْتِهادِكَ في اسْتِخْراجِهِ مِنَ المَنصُوصِ، فَيَرْجِعُ إلى مَعْنى الحَدِيثِ المَذْكُورِ ؟ وعَلى كُلِّ حالٍ (p-١٧٤)فالرِّوايَةُ المَذْكُورَةُ مِن طَرِيقِ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنِ ابْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعاذٍ، فِيها كَذّابٌ وهو مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ المَذْكُورُ الَّذِي قَتَلَهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ في الزَّنْدَقَةِ وصَلَبَهُ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ: وضَعَ أرْبَعَةَ آلافِ حَدِيثٍ. فَإذا عَلِمْتَ بِهَذا انْحِصارَ طُرُقِ الحَدِيثِ المَذْكُورِ الَّذِي فِيهِ أنَّ مُعاذًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدِ المَسْألَةَ في كِتابِ اللَّهِ، ولا سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اجْتَهَدَ فِيها رَأْيَهُ، وأقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ذَلِكَ في الطَّرِيقَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ - عَلِمْتَ وجْهَ تَضْعِيفِ الحَدِيثِ مِمَّنْ ضَعَّفَهُ، وأنَّهُ يَقُولُ: طَرِيقُ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنِ ابْنِ غَنْمٍ لَمْ تُسْنِدُوها ثابِتَةً مِن وجْهٍ صَحِيحٍ إلَيْهِ، والطَّرِيقُ الأُخْرى الَّتِي في المُسْنَدِ، والسُّنَنِ فِيها الحارِثُ بْنُ أخِي المُغِيرَةِ وهو مَجْهُولٌ، والرُّواةُ فِيها أيْضًا عَنْ مُعاذٍ مَجاهِيلُ - فَمِن أيْنَ قُلْتُمْ بِصِحَّتِها ؟ وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ قالَ في مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِهِ: إنَّ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ في المُسْنَدِ، والسُّنَنِ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ. وقُلْنا: لَعَلَّهُ يَرى أنَّ الحارِثَ المَذْكُورَ ثِقَةٌ، وقَدْ وثَّقَهُ ابْنُ حِبّانَ، وأنَّ أصْحابَ مُعاذٍ لا يُعْرَفُ فِيهِمْ كَذّابٌ، ولا مُتَّهَمٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا عَنْ مُرادِ ابْنِ كَثِيرٍ بِجَوْدَةِ الإسْنادِ المَذْكُورِ ما قالَهُ العَلّامَةُ ابْنُ القِيَمِ في إعْلامِ المُوَقِّعِينَ، قالَ فِيهِ: وقَدْ أقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ مُعاذًا عَلى اجْتِهادِ رَأْيِهِ فِيما لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَقالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنِي أبُو عَوْنٍ عَنِ الحارِثِ بْنِ عَمْرٍو، «عَنْ أُناسٍ مِن أصْحابِ مُعاذٍ: أنَّ رَسُولَهُ ﷺ لَمّا بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ قالَ: ”كَيْفَ تَصْنَعُ إنْ عَرَضَ لَكَ قَضاءٌ“ ؟ قالَ: أقْضِي بِما في كِتابِ اللَّهِ. قالَ: ”فَإنْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ“ ؟ قالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ”فَإنْ لَمْ يَكُنْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ“ ؟ قالَ: أجْتَهِدُ رَأْيِي، لا آلُو. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرِي ثُمَّ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِما يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ“» . فَهَذا حَدِيثٌ إنْ كانَ عَنْ غَيْرِ مُسَمَّيْنَ فَهم أصْحابُ مُعاذٍ، فَلا يَضُرُّهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى شُهْرَةِ الحَدِيثِ، وأنَّ الَّذِي حَدَّثَ لَهُ الحارِثُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ جَماعَةٍ مِن أصْحابِ مُعاذٍ، لا واحِدٍ مِنهم، وهَذا أبْلَغُ في الشُّهْرَةِ مِن أنْ يَكُونَ عَنْ واحِدٍ مِنهم ولَوْ سُمِّيَ، كَيْفَ وشُهْرَةُ أصْحابِ مُعاذٍ بِالعِلْمِ، والدِّينِ، والفَضْلِ، والصِّدْقِ بِالمَحَلِّ الَّذِي لا يَخْفى، ولا يُعْرَفُ في أصْحابِهِ مُتَّهَمٌ، ولا كَذّابٌ، ولا مَجْرُوحٌ، بَلْ أصْحابُهُ مِن أفاضِلِ المُسْلِمِينَ وخِيارِهِمْ، ولا يَشُكُّ أهْلُ العِلْمِ بِالنَّقْلِ في ذَلِكَ، كَيْفَ وشُعْبَةُ حامِلُ لِواءِ هَذا الحَدِيثِ ؟ وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ الحَدِيثِ: إذا رَأيْتَ شُعْبَةَ في إسْنادِ حَدِيثٍ فاشْدُدْ يَدَيْكَ بِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ عُبادَةَ بْنَ نُسَيٍّ رَواهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعاذٍ، وهَذا إسْنادٌ مُتَّصِلٌ، ورِجالُهُ مَعْرُوفُونَ بِالثِّقَةِ عَلى أنَّ أهْلَ (p-١٧٥)العِلْمِ قَدْ نَقَلُوهُ واحْتَجُّوا بِهِ. فَوَقَفْنا بِذَلِكَ عَلى صِحَّتِهِ عِنْدَهم، كَما وقَفْنا بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»، وقَوْلِهِ في البَحْرِ: «هو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحَلُّ مَيْتَتُهُ»، وقَوْلِهِ: «إذا اخْتَلَفَ المُتَبايِعانِ في الثَّمَنِ، والسِّلْعَةُ قائِمَةٌ تَحالَفا وتَرادّا البَيْعَ»، وقَوْلِهِ: «الدِّيَةُ عَلى العاقِلَةِ» . وإنَّ كانَتْ هَذِهِ الأحادِيثُ لا تَثْبُتُ مِن جِهَةِ الإسْنادِ ولَكِنْ لَمّا تَلَقَّتْها الكافَّةُ عَنِ الكافَّةِ غَنُوا بِصِحَّتِها عِنْدَهم عَنْ طَلَبِ الإسْنادِ لَها. فَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُعاذٍ لَمّا احْتَجُّوا بِهِ جَمِيعًا غَنُوا عَنْ طَلَبِ الإسْنادِ لَهُ. انْتَهى مِنهُ. وحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ العاصِ وأبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتُ في الصَّحِيحَيْنِ شاهِدٌ لَهُ كَما قَدَّمْنا، ولَهُ شَواهِدُ غَيْرُ ذَلِكَ سَتَراها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ:
اعْلَمْ أنَّ الِاجْتِهادَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّرْعِ أنْواعٌ مُتَعَدِّدَةٌ:
(مِنها): الِاجْتِهادُ في تَحْقِيقِ المَناطِ، وقَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا مِن أمْثِلَتِهِ في ”الإسْراءِ“ .
(ومِنها): الِاجْتِهادُ في تَنْقِيحِ المَناطِ، ومِن أنْواعِهِ: السَّبْرُ، والتَّقْسِيمُ، والإلْحاقُ بِنَفْيِ الفارِقِ.
واعْلَمْ أنَّ الِاجْتِهادَ بِإلْحاقِ المَسْكُوتِ عَنْهُ بِالمَنطُوقِ بِهِ قِسْمانِ:
الأوَّلُ: الإلْحاقُ بِنَفْيِ الفارِقِ، وهو قِسْمٌ مِن تَنْقِيحِ المَناطِ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا. ويُسَمّى عِنْدَ الشّافِعِيِّ القِياسَ في مَعْنى الأصْلِ، وهو بِعَيْنِهِ مَفْهُومُ المُوافَقَةِ، ويُسَمّى أيْضًا القِياسَ الجَلِيَّ.
والثّانِي مِن نَوْعَيِ الإلْحاقِ: هو القِياسُ المَعْرُوفُ بِهَذا الِاسْمِ في اصْطِلاحِ أهْلِ الأُصُولِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ الَّذِي هو الإلْحاقُ بِنَفْيِ الفارِقِ فَلا يُحْتاجُ فِيهِ إلى وصْفٍ جامِعٍ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ وهو العِلَّةُ. بَلْ يُقالُ فِيهِ: لَمْ يُوجَدْ بَيْنَ هَذا المَنطُوقِ بِهِ وهَذا المَسْكُوتِ عَنْهُ فَرْقٌ فِيهِ يُؤَثِّرُ في الحُكْمِ ألْبَتَّةَ، فَهو مِثْلُهُ في الحُكْمِ، وأقْسامُهُ أرْبَعَةٌ، لِأنَّ المَسْكُوتَ عَنْهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْمَنطِقِ بِهِ في الحُكْمِ، أوْ أوْلى بِهِ مِنهُ، وفي كُلٍّ مِنهُما إمّا أنْ يَكُونَ نَفْيُ الفارِقِ بَيْنَهُما مَقْطُوعًا بِهِ أوْ مَظْنُونًا. فالمَجْمُوعُ أرْبَعَةٌ:
(الأوَّلُ مِنها): أنْ يَكُونَ المَسْكُوتُ عَنْهُ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَنطُوقِ بِهِ مَعَ القَطْعِ بِنَفْيِ (p-١٧٦)الفارِقِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فالضَّرْبُ المَسْكُوتُ عَنْهُ أوْلى بِالحُكْمِ الَّذِي هو التَّحْرِيمُ مِنَ التَّأْفِيفِ المَنطُوقِ بِهِ مَعَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فَشَهادَةُ أرْبَعَةٍ عُدُولٍ المَسْكُوتُ عَنْها أوْلى بِالحُكْمِ وهو القَبُولُ مِنَ المَنطُوقِ بِهِ، وهو شَهادَةُ العَدْلَيْنِ مَعَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ.
(والثّانِي مِنها): أنْ يَكُونَ المَسْكُوتُ عَنْهُ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَنطُوقِ بِهِ أيْضًا، إلّا أنَّ نَفْيَ الفارِقِ بَيْنَهُما لَيْسَ قَطْعِيًّا، بَلْ مَظْنُونًا ظَنًّا قَوِيًّا مُزاحِمًا لِلْيَقِينِ. ومِثالُهُ نَهْيُهُ ﷺ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالعَوْراءِ. فالتَّضْحِيَةُ بِالعَمْياءِ المَسْكُوتِ عَنْها أوْلى بِالحُكْمِ وهو المَنعُ مِنَ التَّضْحِيَةِ بِالعَوْراءِ المَنطُوقِ بِها، إلّا أنَّ نَفْيَ الفارِقِ بَيْنَهُما لَيْسَ قَطْعِيًّا بَلْ مَظْنُونًا ظَنًّا قَوِيًّا؛ لِأنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالعَوْراءِ كَوْنُها ناقِصَةً ذاتًا وثَمَنًا وقِيمَةً، وهَذا هو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ فالعَمْياءُ أنْقَصُ مِنها ذاتًا وقِيمَةً. وهُناكَ احْتِمالٌ آخَرُ: هو الَّذِي مَنَعَ مِنَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ، وهو احْتِمالُ أنْ تَكُونَ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالعَوْراءِ أنَّ العَوَرَ مَظِنَّةُ الهُزالِ؛ لِأنَّ العَوْراءَ ناقِصَةُ البَصَرِ، وناقِصَةُ البَصَرِ تَكُونُ ناقِصَةَ الرَّعْيِ؛ لِأنَّها لا تَرى إلّا ما يُقابِلُ عَيْنًا واحِدَةً، ونَقْصُ الرَّعْيِ مَظِنَّةٌ لِلْهُزالِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فالعَمْياءُ لَيْسَتْ كالعَوْراءِ؛ لِأنَّ العَمْياءَ يُخْتارُ لَها أحْسَنُ العَلَفِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِسِمَنِها.
(والثّالِثُ مِنها): أنْ يَكُونَ المَسْكُوتُ عَنْهُ مُساوِيًا لِلْمَنطُوقِ بِهِ في الحُكْمِ مَعَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠] . فَإحْراقُ أمْوالِ اليَتامى وإغْراقُها المَسْكُوتُ عَنْهُ مُساوٍ لِلْأكْلِ المَنطُوقِ بِهِ في الحُكْمِ الَّذِي هو التَّحْرِيمُ، والوَعِيدُ بِعَذابِ النّارِ مَعَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ. (والرّابِعُ مِنها): أنْ يَكُونَ المَسْكُوتُ عَنْهُ مُساوِيًا لِلْمَنطُوقِ بِهِ في الحُكْمِ أيْضًا، إلّا أنَّ نَفْيَ الفارِقِ بَيْنَهُما مَظْنُونٌ ظَنًّا قَوِيًّا مُزاحِمًا لِلْيَقِينِ، ومِثالُهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ ”مَن أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ. .“ الحَدِيثُ المُتَقَدِّمُ في ”الإسْراءِ، والكَهْفِ“، فَإنَّ المَسْكُوتَ عَنْهُ وهو عِتْقُ بَعْضِ الأمَةِ مُساوٍ لِلْمَنطُوقِ بِهِ وهو عِتْقُ بَعْضِ العَبْدِ في الحُكْمِ الَّذِي هو سَرايَةُ العِتْقِ المُبَيَّنَةُ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ مِرارًا. إلّا أنَّ نَفْيَ الفارِقِ بَيْنَهُما مَظْنُونٌ ظَنًّا قَوِيًّا؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ والأُنُوثَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى العِتْقِ وصْفانِ طَرْدِيّانِ لا يُناطُ بِهِما حُكْمٌ مِن أحْكامِ العِتْقِ. كَما قَدَّمْناهُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وهُناكَ احْتِمالٌ آخَرُ هو الَّذِي مَنَعَ مِنَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ، وهو احْتِمالُ أنْ يَكُونَ الشّارِعُ نَصَّ عَلى سَرايَةِ العِتْقِ في خُصُوصِ العَبْدِ الذَّكَرِ، مُخَصِّصًا لَهُ بِذَلِكَ الحُكْمِ دُونَ الأُنْثى؛ لِأنَّ عِتْقَ الذَّكَرِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الآثارِ الشَّرْعِيَّةِ ما لا يَتَرَتَّبُ عَلى عِتْقِ (p-١٧٧)الأُنْثى، كالجِهادِ، والإمامَةِ، والقَضاءِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَناصِبِ المُخْتَصَّةِ بِالذُّكُورِ دُونَ الإناثِ. وقَدْ أكْثَرْنا مِن أمْثِلَةِ هَذا النَّوْعِ الَّذِي هو الإلْحاقُ بِنَفْيِ الفارِقِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ .
(وأمّا النَّوْعُ الثّانِي مِن أنْواعِ الإلْحاقِ): فَهو القِياسُ المَعْرُوفُ في الأُصُولِ، وهو المَعْرُوفُ بِقِياسِ التَّمْثِيلِ. وسَنُعَرِّفُهُ هُنا لُغَةً واصْطِلاحًا، ونَذْكُرُ أقْسامَهُ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ:
اعْلَمْ أنَّ القِياسَ في اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ. يُقالُ: قاسَ الثَّوْبَ بِالذِّراعِ، وقاسَ الجُرْحَ بِالمِيلِ (بِالكَسْرِ) وهو المِرْوَدُ، إذا قَدَّرَ عُمْقَهُ بِهِ؛ ولِهَذا سُمِّيَ المِيلُ مِقْياسًا، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ البُعَيْثِ بْنِ بِشْرٍ يَصِفُ جِراحَةً أوْ شَجَّةً:
؎إذا قاسَها الآسِي النَّطاسِيُّ أدْبَرَتْ غَثِيثَتُها وازْدادَ وهْيًا هَزُومُها
فَقَوْلُهُ: ”قاسَها“ يَعْنِي قَدَّرَ عُمْقَها بِالمِيلِ.
والآسِي: الطَّبِيبُ، والنِّطاسِيُّ (بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِها): الماهِرُ بِالطِّبِّ، والغَثِيثَةُ (بِثاءَيْنِ مُثَلَّثَتَيْنِ): مِدَّةُ الجُرْحِ وقَيْحُهُ، وما فِيهِ مِن لَحْمٍ مَيِّتٍ، والوَهْيُ: التَّخَرُّقُ والتَّشَقُّقُ، والهُزُومُ: غَمْزُ الشَّيْءِ بِاليَدِ فَيَصِيرُ فِيهِ حُفْرَةٌ كَما يَقَعُ في الوَرَمِ الشَّدِيدِ.
وَتَعْرِيفُ القِياسِ المَذْكُورِ في اصْطِلاحِ أهْلِ الأُصُولِ كَثُرَتْ فِيهِ عِباراتُ الأُصُولِيِّينَ مَعَ مُناقَشاتٍ مَعْرُوفَةٍ في تَعْرِيفاتِهِمْ لَهُ. واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ مِنهم تَعْرِيفَهُ بِأنَّهُ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلى مَعْلُومٍ، أيْ: إلْحاقُهُ بِهِ في حُكْمِهِ لِمُساواتِهِ لَهُ في عِلَّةِ الحُكْمِ. وهَذا التَّعْرِيفُ إنَّما يَشْمَلُ القِياسَ الصَّحِيحَ دُونَ الفاسِدِ. والتَّعْرِيفُ الشّامِلُ لِلْفاسِدِ هو أنْ تَزِيدَ عَلى تَعْرِيفِ الصَّحِيحِ لَفْظَةُ عِنْدَ الحامِلِ، فَتَقُولُ: هو إلْحاقٌ مَعْلُومٌ في حُكْمِهِ لِمُساواتِهِ لَهُ في عِلَّةِ الحُكْمِ عِنْدَ الحامِلِ، فَيَدْخُلُ الفاسِدُ في الحَدِّ مَعَ الصَّحِيحِ، كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ مُعَرِّفًا لِلْقِياسِ:
؎يُحْمَلُ مَعْلُومٌ عَلى ما قَدْ عُلِمْ ∗∗∗ لِلِاسْتِوا في عِلَّةِ الحُكْمِ وسَمْ
؎وَإنْ تُرِدْ شُمُولَهُ لِما فَسَدْ ∗∗∗ فَزِدْ لَدى الحامِلِ والزَّيْدُ أسَدْ
وَمَعْلُومٌ أنَّ أرْكانَ القِياسِ المَذْكُورِ أرْبَعَةٌ: وهي الأصْلُ المَقِيسُ عَلَيْهِ، والفَرْعُ المَقِيسُ، والعِلَّةُ الجامِعَةُ بَيْنَهُما، وحُكْمُ الأصْلِ المَقِيسِ عَلَيْهِ.
فَلَوْ قِسْنا النَّبِيذَ عَلى الخَمْرِ، فالأصْلُ: الخَمْرُ، والفَرْعُ: النَّبِيذُ، والعِلَّةُ: الإسْكارُ، (p-١٧٨)وَحُكْمُ الأصْلِ الَّذِي هو الخَمْرُ: التَّحْرِيمُ. وشُرُوطُ هَذِهِ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ والبَحْثُ فِيها مُسْتَوْفًى في أُصُولِ الفِقْهِ، فَلا نُطِيلُ بِهِ الكَلامَ هُنا.
واعْلَمْ أنَّ القِياسَ المَذْكُورَ يَنْقَسِمُ بِالنَّظَرِ إلى الجامِعِ بَيْنَ الفَرْعِ والأصْلِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
الأوَّلُ: قِياسُ العِلَّةِ.
والثّانِي: قِياسُ الدَّلالَةِ.
والثّالِثُ: قِياسُ الشَّبَهِ.
أمّا قِياسُ العِلَّةِ فَضابِطُهُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بَيْنَ الفَرْعِ والأصْلِ بِنَفْسِ عِلَّةِ الحُكْمِ، فالجَمْعُ بَيْنَ النَّبِيذِ والخَمْرِ بِنَفْسِ العِلَّةِ الَّتِي هي الإسْكارُ، والقَصْدُ مُطْلَقُ التَّمْثِيلِ؛ لِأنّا قَدْ قَدَّمْنا أنَّ قِياسَ النَّبِيذِ عَلى الخَمْرِ لا يَصِحُّ؛ لِوُجُودِ النَّصِّ عَلى أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وأنَّ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ " . والقِياسُ لا يَصِحُّ مَعَ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّ حُكْمَ الفَرْعِ المَذْكُورِ كَحُكْمِ الأصْلِ، إلّا أنَّ المِثالَ يَصِحُّ بِالتَّقْدِيرِ والفَرْضِ، ومُطْلَقِ الِاحْتِمالِ كَما تَقَدَّمَ. وكالجَمْعِ بَيْنَ البُرِّ والذُّرَةِ بِنَفْسِ العِلَّةِ الَّتِي هي الكَيْلُ مَثَلًا عِنْدَ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ، وإلى هَذا أشارَ في المَراقِي بِقَوْلِهِ:
؎وَما بِذاتِ عِلَّةٍ قَدْ جُمِعا ∗∗∗ فِيهِ فَقَيْسُ عِلَّةٍ قَدْ سُمِعا
وَأمّا قِياسُ الدَّلالَةِ فَضابِطُهُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ فِيهِ بِدَلِيلِ العِلَّةِ لا بِنَفْسِ العِلَّةِ، كَأنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الفَرْعِ والأصْلِ بِمَلْزُومِ العِلَّةِ أوْ أثَرِها أوْ حُكْمِها. فَمِثالُ الجَمْعِ بِمَلْزُومِ العِلَّةِ أنْ يُقالَ: النَّبِيذُ حَرامٌ كالخَمْرِ بِجامِعِ الشِّدَّةِ المُطْرِبَةِ، وهي مَلْزُومٌ لِلْإسْكارِ، بِمَعْنى أنَّها يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الإسْكارِ. ومِثالُ الجَمْعِ بِأثَرِ العِلَّةِ أنْ يُقالَ: القَتْلُ بِالمُثْقَلِ يُوجِبُ القِصاصَ كالقَتْلِ بِمُحَدَّدٍ، بِجامِعِ الإثْمِ وهو أثَرُ العِلَّةِ وهي لِلْقَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ. ومِثالُ الجَمْعِ بِحُكْمِ العِلَّةِ أنْ يُقالَ: تُقْطَعُ الجَماعَةُ بِالواحِدِ كَما يُقْتَلُونَ بِهِ، بِجامِعِ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ حَيْثُ كانَ غَيْرَ عَمْدٍ، وهو حُكْمُ العِلَّةِ الَّتِي هي القِطَعُ مِنهم في الصُّورَةِ الأُولى، والقَتْلُ مِنهم في الثّانِيَةِ. وإلى تَعْرِيفِ قِياسِ الدَّلالَةِ المَذْكُورِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
؎جامِعُ ذِي الدَّلالَةِ الَّذِي لَزِمْ ∗∗∗ فَأثَّرَ فَحُكْمُها كَما رُسِمْ
وَقَوْلُهُ: ”الَّذِي لَزِمَ“ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ يَعْنِي اللّازِمَ، وتَعْبِيرُهُ هُنا بِاللّازِمِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ غَلَطٌ مِنهُ ومِمَّنْ تَبِعَهُ هو؛ لِأنَّ وُجُودَ اللّازِمِ لا يَكُونُ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ المَلْزُومِ بِإطْباقِ (p-١٧٩)العُقَلاءِ؛ لِاحْتِمالِ كَوْنِ اللّازِمِ أعَمَّ مِنَ المَلْزُومِ، ووُجُودُ الأعَمِّ لا يَقْتَضِي وُجُودَ الأخَصِّ كَما هو مَعْرُوفٌ. ولِذا أجْمَعَ النُّظّارُ عَلى أنَّ اسْتِثْناءَ عَيْنِ التّالِي في الشَّرْطِ المُتَّصِلِ لا يُنْتِجُ عَيْنَ المُقَدَّمِ؛ لِأنَّ وُجُودَ اللّازِمِ لا يَقْتَضِي وُجُودَ المَلْزُومِ، والصَّوابُ ما مَثَّلْنا بِهِ مِنَ الجَمْعِ بِمَلْزُومِ العِلَّةِ؛ لِأنَّ المَلْزُومَ هو الَّذِي يَقْتَضِي وُجُودُهُ وُجُودَ اللّازِمِ كَما هو مَعْرُوفٌ، فالشِّدَّةُ المُطْرِبَةُ والإسْكارُ مُتَلازِمانِ، ودَلالَةُ الشِّدَّةِ المُطْرِبَةِ عَلى الإسْكارِ إنَّما هي مِن حَيْثُ إنَّها مَلْزُومٌ لَهُ لا لازِمٌ، لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ وُجُودَ اللّازِمِ لا يَقْتَضِي وُجُودَ المَلْزُومِ، واقْتِضاؤُهُ لَهُ هُنا إنَّما هو لِلْمُلازَمَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما لازِمٌ لِلْآخَرِ ومَلْزُومٌ لَهُ لِلْمُلازِمَةِ بَيْنَهُما مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
وَأمّا قِياسُ الشَّبَهِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ عِباراتُ أهْلِ الأُصُولِ، فَعَرَفَ بَعْضُهُمُ الشَّبَهَ بِأنَّهُ مَنزِلَةٌ بَيْنَ المُناسِبِ والطَّرْدِ، وعَرَّفَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ المُناسِبُ بِالتَّبَعِ بِالذّاتِ. ومَعْنى هَذا كَمَعْنى تَعْرِيفِ مَن عَرَّفَهُ بِأنَّهُ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُناسِبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences