Ash-ShinqitiAl‑Anbya · 21:81–86

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:81–86

21:81Page 328

وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١

And to Solomon [We subjected] the wind, blowing forcefully, proceeding by his command toward the land which We had blessed. And We are ever, of all things, Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ [الأنبياء: ٨١] مَعْطُوفٌ عَلى مَعْمُولِ ”وَسَخَّرْنا“، في قَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] أيْ: وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ في حالِ كَوْنِها عاصِفَةً، أيْ: شَدِيدَةَ الهُبُوبِ. يُقالُ: عَصَفَتِ الرِّيحُ أيِ: اشْتَدَّتْ، فَهي رِيحٌ عاصِفٌ وعَصُوفٌ، وفي لُغَةِ بَنِي أسَدٍ (أعْصَفَتْ) فَهي مُعْصِفٌ ومُعْصِفَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ (الإسْراءِ) .

وَقَوْلُهُ: تَجْرِي بِأمْرِهِ أيْ: تُطِيعُهُ وتَجْرِي إلى المَحَلِّ الَّذِي يَأْمُرُها بِهِ، وما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَسْخِيرِ الرِّيحِ لِسُلَيْمانَ، وأنَّها تَجْرِي بِأمْرِهِ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وزادَ بَيانَ قَدْرِ سُرْعَتِها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ (p-٢٣٥)[سبإ: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦] .

تَنْبِيهٌ

اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا سُؤالَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ وصَفَ الرِّيحَ المَذْكُورَةَ هُنا في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ بِأنَّها عاصِفَةٌ، أيْ: شَدِيدَةُ الهُبُوبِ، ووَصَفَها في سُورَةِ ”ص“ بِأنَّها تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً، والعاصِفَةُ غَيْرُ الَّتِي تَجْرِي رُخاءً.

والسُّؤالُ الثّانِي: هو أنَّهُ هُنا في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ خَصَّ جَرْيَها بِهِ بِكَوْنِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَ فِيها لِلْعالَمِينَ، وفي سُورَةِ ”ص“ قالَ: ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦] وقَوْلِهِ: حَيْثُ أصابَ يَدُلُّ عَلى التَّعْمِيمِ في الأمْكِنَةِ الَّتِي يُرِيدُ الذَّهابَ إلَيْها عَلى الرِّيحِ. فَقَوْلُهُ: حَيْثُ أصابَ أيْ: حَيْثُ أرادَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: أصابَ الصَّوابَ، وأخْطَأ الجَوابَ، أيْ: أرادَ الصَّوابَ وأخْطَأ الجَوابَ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎أصابَ الكَلامَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأخْطَأ الجَوابَ لَدى المَفْصِلِ

قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وعَنْ رُؤْبَةَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ مَعْنى ”أصابَ“، فَخَرَجَ إلَيْهِما فَقالَ: أيْنَ تُصِيبانِ ؟ فَقالا: هَذِهِ طِلْبَتُنا، ورَجَعا.

أمّا الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها عاصِفَةٌ في بَعْضِ الأوْقاتِ، ولَيِّنَةٌ رُخاءٌ في بَعْضِها بِحَسَبِ الحاجَةِ، كَأنْ تَعْصِفَ ويَشْتَدَّ هُبُوبُها في أوَّلِ الأمْرِ حَتّى تَرْفَعَ البِساطَ الَّذِي عَلَيْهِ سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ، فَإذا ارْتَفَعَ سارَتْ بِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ.

الجَوابُ الثّانِي: هو ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: وُصِفَتْ هَذِهِ الرِّيحُ بِالعَصْفِ تارَةً وبِالرُّخاءِ أُخْرى، فَما التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما ؟ قُلْتُ: كانَتْ في نَفْسِها رَخِيَّةً طَيِّبَةً كالنَّسِيمِ، فَإذا مَرَّتْ بِكُرْسِيِّهِ أبْعَدَتْ بِهِ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، عَلى ما قالَ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾، فَكانَ جَمْعُها بَيْنَ الأمْرَيْنِ: أنْ تَكُونَ رُخاءً في نَفْسِها، وعاصِفَةً في عَمَلِها، مَعَ طاعَتِها لِسُلَيْمانَ، وهُبُوبِها عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ ويَحْتَكِمُ. ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.

وَأمّا الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: فَهو أنَّ قَوْلَهُ: حَيْثُ أصابَ يَدُلُّ عَلى أنَّها تَجْرِي بِأمْرِهِ حَيْثُ أرادَ مِن أقْطارِ الأرْضِ. وقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها (p-٢٣٦)﴾ [ص: ٣٦] لِأنَّ مَسْكَنَهُ فِيها وهي الشّامُ، فَتَرُدُّهُ إلى الشّامِ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: حَيْثُ أصابَ في حالَةِ الذَّهابِ. وقَوْلِهِ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ في حالَةِ الإيابِ إلى مَحَلِّ السُّكْنى. فانْفَكَّتِ الجِهَةُ فَزالَ الإشْكالُ. وقَدْ قالَ نابِغَةُ ذُبْيانَ:

؎إلّا سُلَيْمانُ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِّيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ

؎وَخَيِّسِ الجِنَّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصِّفاحِ والعَمَدِ

وَتَدْمُرُ: بَلَدٌ بِالشّامِ. وذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّامَ هو مَحَلُّ سُكْناهُ كَما هو مَعْرُوفٌ.

21:82Page 329

وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ ٨٢

And of the devils [i.e., jinn] were those who dived for him and did work other than that. And We were of them a guardian.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَعْمُولِ سَخَّرْنا أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ مَن يَغُوصُونَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ. وقِيلَ: ”مِن“ مُبْتَدَأٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ.

وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ سَخَّرَ لِسُلَيْمانَ مَن يَغُوصُونَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، أيْ: يَغُوصُونَ لَهُ في البِحارِ فَيَسْتَخْرِجُونَ لَهُ مِنها الجَواهِرَ النَّفِيسَةَ، كاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ. والغَوْصُ: النُّزُولُ تَحْتَ الماءِ، والغَوّاصُ: الَّذِي يَغُوصُ البَحْرَ لِيَسْتَخْرِجَ مِنهُ اللُّؤْلُؤَ ونَحْوَهُ. ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:

؎أوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوّاصُها بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ

وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أيْضًا أنَّ الشَّياطِينَ المُسَخَّرِينَ لَهُ يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ، أيْ: سِوى ذَلِكَ الغَوْصِ المَذْكُورِ، أيْ: كَبِناءِ المَدائِنِ، والقُصُورِ، وعَمَلِ المَحارِيبِ، والتَّماثِيلِ، والجِفانِ، والقُدُورِ الرّاسِياتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنِ اخْتِراعِ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أيْ: مِن أنْ يَزِيغُوا عَنْ أمْرِهِ، أوْ يُبَدِّلُوا أوْ يُغَيِّرُوا، أوْ يُوجَدَ مِنهم فَسادٌ فِيما هم مُسَخَّرُونَ فِيهِ. وهَذِهِ المَسائِلُ الثَّلاثُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَتْ مُبَيَّنَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،

• كَقَوْلِهِ في الغَوْصِ والعَمَلِ سَواءً: ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ الآيَةَ [ص: ٣٧]

• وقَوْلِهِ في العَمَلِ غَيْرِ الغَوْصِ: ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبإ: ١٢]

• وقَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبإ: ١٣]

• وكَقَوْلِهِ في حِفْظِهِمْ مِن أنْ يَزِيغُوا عَنْ أمْرِهِ: ﴿وَمَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [سبإ: ١٢] (p-٢٣٧)

• وَقَوْلِهِ: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [ص: ٣٨] .

وَصِفَةُ البِساطِ، وصِفَةُ حَمْلِ الرِّيحِ لَهُ، وصِفَةُ جُنُودِ سُلَيْمانَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ كُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ بِكَثْرَةٍ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ، ونَحْنُ لَمْ نُطِلْ بِهِ الكَلامَ في هَذا الكَلامِ المُبارَكِ.

21:83Page 329

۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣

And [mention] Job, when he called to his Lord, "Indeed, adversity has touched me, and You are the most merciful of the merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ .

الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وأيُّوبَ مَنصُوبٌ بِـ ”اذْكُرْ“ مُقَدَّرًا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في ”ص“: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ [ص: ٤١] .

وَقَدْ أمَرَ - جَلَّ وعَلا - في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَذْكُرَ أيُّوبَ حِينَ نادى رَبَّهُ قائِلًا: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] وأنَّ رَبَّهُ اسْتَجابَ لَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ جَمِيعَ ما بِهِ مِنَ الضُّرِّ، وأنَّهُ آتاهُ أهْلَهُ، وآتاهُ مِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنهُ - جَلَّ وعَلا - بِهِ وتَذْكِيرًا لِلْعابِدِينَ، أيِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالذِّكْرى.

وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا ذَكَرَهُ أيْضًا في سُورَةِ ”ص“ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ [ص: ٤١ - ٤٣] والضُّرُّ الَّذِي مَسَّ أيُّوبَ، ونادى رَبَّهُ لِيَكْشِفَهُ عَنْهُ كانَ بَلاءً أصابَهُ في بَدَنِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ. ولَمّا أرادَ اللَّهُ إذْهابَ الضُّرِّ عَنْهُ أمَرَهُ أنْ يَرْكُضَ بِرِجْلِهِ فَفَعَلَ، فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنُ ماءٍ، فاغْتَسَلَ مِنها، فَزالَ كُلُّ ما بِظاهِرِ بَدَنِهِ مِنَ الضُّرِّ، وشَرِبَ مِنها فَزالَ كُلُّ ما بِباطِنِهِ. كَما أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ [ص: ٤٢] .

وَما ذَكَرَهُ في ”الأنْبِياءِ“ مِن أنَّهُ آتاهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنهُ وذِكْرى لِمَن يَعْبُدُهُ بَيَّنَهُ في ”ص“ في قَوْلِهِ: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [ص: ٤٣] وقَوْلِهِ في ”الأنْبِياءِ“: ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] مَعَ قَوْلِهِ في ”ص“، ﴿وَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [ص: ٤٣] فِيهِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ أصْحابَ العُقُولِ السَّلِيمَةِ مِن شَوائِبِ الِاخْتِلالِ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وحْدَهُ ويُطِيعُونَهُ. وهَذا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَن أوْصى بِشَيْءٍ مِن مالِهِ لِأعْقَلِ النّاسِ أنَّ تِلْكَ الوَصِيَّةَ تُصْرَفُ لِأتْقى النّاسِ وأشَدِّهِمْ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهم هم أُولُو الألْبابِ، أيِ العُقُولِ (p-٢٣٨)الصَّحِيحَةِ السّالِمَةِ مِنَ الِاخْتِلالِ.

* *

تَنْبِيهٌ

فِي هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَ أيُّوبَ المَذْكُورَ في ”الأنْبِياءِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وفي ”ص“ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ضَجِرَ مِنَ المَرَضِ فَشَكا مِنهُ، مَعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٤٤] يَدُلُّ عَلى كَمالِ صَبْرِهِ

والجَوابُ أنَّ ما صَدَرَ مِن أيُّوبَ دُعاءٌ وإظْهارُ فَقْرٍ وحاجَةٍ إلى رَبِّهِ، لا شَكْوى ولا جَزَعٌ.

قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ جَزَعًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ بَلْ كانَ ذَلِكَ دُعاءً مِنهُ. والجَزَعُ في الشَّكْوى إلى الخَلْقِ لا إلى اللَّهِ تَعالى، والدُّعاءُ لا يُنافِي الرِّضا. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: سَمِعْتُ أُسْتاذَنا أبا القاسِمِ بْنَ حَبِيبٍ يَقُولُ: حَضَرْتُ مَجْلِسًا غاصًّا بِالفُقَهاءِ والأُدَباءِ في دارِ السُّلْطانِ، فَسُئِلْتُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ عَلى أنَّ قَوْلَ أيُّوبَ كانَ شِكايَةً وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذا شِكايَةً، وإنَّما كانَ دُعاءً، بَيانُهُ فاسْتَجَبْنا لَهُ والإجابَةُ تَتَعَقَّبُ الدُّعاءَ لا الِاشْتِكاءَ. فاسْتَحْسَنُوهُ وارْتَضَوْهُ. وسُئِلَ الجُنَيْدُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقالَ: عَرَّفَهُ فاقَةَ السُّؤالِ لِيَمُنَّ عَلَيْهِ بِكَرَمِ النَّوالِ. انْتَهى مِنهُ.

وَدُعاءُ أيُّوبَ المَذْكُورُ ذَكَرَهُ اللَّهُ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ مِن غَيْرِ أنْ يُسْنَدَ مَسُّ الضُّرِّ أيُّوبَ إلى الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وذَكَرَهُ في سُورَةِ ”ص“ وأسْنَدَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ والنُّصْبُ عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ مَعْناهُ: التَّعَبُ والمَشَقَّةُ، والعَذابُ: الألَمُ. وفي نِسْبَةِ ما أصابَهُ مِنَ المَشَقَّةِ والألَمِ إلى الشَّيْطانِ في سُورَةِ ”ص“ هَذِهِ إشْكالٌ قَوِيٌّ مَعْرُوفٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ ذَكَرَ في آياتٍ مِن كِتابِهِ أنَّ الشَّيْطانَ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى مِثْلِ أيُّوبَ مِنَ الأنْبِياءِ الكِرامِ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لَهُ (p-٢٣٩)عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢١]

• وقَوْلِهِ تَعالى مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] .

وَلِلْعُلَماءِ عَنْ هَذا الإشْكالِ أجْوِبَةٌ، مِنها ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ:

فَإنْ قُلْتَ: لِمَ نَسَبَهُ إلى الشَّيْطانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُسَلِّطَهُ عَلى أنْبِيائِهِ لِيَقْضِيَ مِن إتْعابِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ وطَرَهُ، ولَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَدَعْ صالِحًا إلّا وقَدْ نَكَبَهُ وأهْلَكَهُ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ أنَّهُ لا سُلْطانَ لَهُ إلّا الوَسْوَسَةَ فَحَسْبُ ؟

قُلْتُ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ نَسَبَهُ إلَيْهِ، وقَدْ راعى الأدَبَ في ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ في دُعائِهِ، مَعَ أنَّهُ فاعِلُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو. وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، ويُغْرِيهِ عَلى الكَراهَةِ والجَزَعِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ في دَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ.

وَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهم فَسَألَ عَنْهُ، فَقِيلَ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ الصّالِحِينَ. وذُكِرَ في سَبَبِ بَلائِهِ أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَلَمْ يُغِثْهُ. وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ فَداهَنَهُ ولَمْ يَغْزُهُ. وقِيلَ. أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. انْتَهى مِنهُ.

وَمِنها ما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللَّهَ سَلَّطَ الشَّيْطانَ عَلى مالِهِ وأهْلِهِ ابْتِلاءً لِأيُّوبَ، فَأهْلَكَ الشَّيْطانُ مالَهُ ووَلَدَهُ، ثُمَّ سَلَّطَهُ عَلى بَدَنِهِ ابْتِلاءً لَهُ، فَنَفَخَ في جَسَدِهِ نَفْخَةً اشْتَعَلَ مِنها، فَصارَ في جَسَدِهِ ثَآلِيلُ، فَحَكَّها بِأظافِرِهِ حَتّى دَمِيَتْ، ثُمَّ بِالفَخّارِ حَتّى تَساقَطَ لَحْمُهُ، وعَصَمَ اللَّهُ قَلْبَهُ ولِسانَهُ (وغالِبُ ذَلِكَ مِنِ الإسْرائِيلِيّاتِ) وتَسْلِيطُهُ لِلِابْتِلاءِ عَلى جَسَدِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ مُمْكِنٌ، وهو أقْرَبُ مِن تَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ بِحَمْلِهِ عَلى أنْ يَفْعَلَ ما لا يَنْبَغِي، كَمُداهَنَةِ المَلِكِ المَذْكُورِ، وعَدَمِ إغاثَةِ المَلْهُوفِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَذْكُرُها المُفَسِّرُونَ. وقَدْ ذَكَرُوا هُنا قِصَّةً طَوِيلَةً تَتَضَمَّنُ البَلاءَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ، وقَدْرَ مُدَّتَهُ (وكُلُّ ذَلِكَ مِنِ الإسْرائِيلِيّاتِ) وقَدْ ذَكَرْنا هُنا قَلِيلًا.

وَغايَةُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّ اللَّهَ ابْتَلى نَبِيَّهُ أيُّوبَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ ناداهُ فاسْتَجابَ لَهُ وكَشَفَ عَنْهُ كُلَّ ضُرٍّ، ووَهَبَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم، وأنَّ أيُّوبَ نَسَبَ (p-٢٤٠)ذَلِكَ في ”ص“ إلى الشَّيْطانِ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلى جَسَدِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ ابْتِلاءً لِيَظْهَرَ صَبْرُهُ الجَمِيلُ، وتَكُونَ لَهُ العافِيَةُ الحَمِيدَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَرْجِعَ لَهُ كُلُّ ما أُصِيبَ فِيهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا لا يُنافِي أنَّ الشَّيْطانَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مِثْلِ أيُّوبَ؛ لِأنَّ التَّسْلِيطَ عَلى الأهْلِ والمالِ والجَسَدِ مَن جِنْسِ الأسْبابِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها الأعْراضُ البَشَرِيَّةُ كالمَرَضِ، وذَلِكَ يَقَعُ لِلْأنْبِياءِ، فَإنَّهم يُصِيبُهُمُ المَرَضُ، ومَوْتُ الأهْلِ، وهَلاكُ المالِ لِأسْبابٍ مُتَنَوِّعَةٍ. ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ تِلْكَ الأسْبابِ تَسْلِيطَ الشَّيْطانِ عَلى ذَلِكَ لِلِابْتِلاءِ، وقَدْ أوْضَحْنا جَوازَ وُقُوعِ الأمْراضِ، والتَّأْثِيراتِ البَشَرِيَّةِ عَلى الأنْبِياءِ في سُورَةِ ”طه“ وقَوْلُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ أيُّوبَ في سُورَةِ ”ص“: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] قالَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ: إنَّهُ حَلَفَ في مَرَضِهِ لَيَضْرِبَنَّ زَوْجَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا فَيَضْرِبَها بِهِ لِيَخْرُجَ مِن يَمِينِهِ، والضِّغْثُ: الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُ حُزْمَةً فِيها مِائَةُ عُودٍ، فَيَضْرِبُها بِها ضَرْبَةً واحِدَةً، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِن يَمِينِهِ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ الِاسْتِدْلالَ بِآيَةِ ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَأخِّرَ لا يُفِيدُ؛ إذْ لَوْ كانَ يُفِيدُ لِقالَ اللَّهُ لِأيُّوبَ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً في يَمِينِكَ.

21:84Page 329

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ ٨٤

So We responded to him and removed what afflicted him of adversity. And We gave him [back] his family and the like thereof with them as mercy from Us and a reminder for the worshippers [of Allāh].

No commentary for this ayah

21:85Page 329

وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٨٥

And [mention] Ishmael and Idrees and Dhul-Kifl; all were of the patient.

No commentary for this ayah

21:86Page 329

وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٦

And We admitted them into Our mercy. Indeed, they were of the righteous.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском