Ash-ShinqitiAl‑Hajj · 22:12–24

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:12–24

22:12Page 333

يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٢

He invokes instead of Allāh that which neither harms him nor benefits him. That is what is the extreme error.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ .

(p-٢٨٤)ضَمِيرُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ﴾ [الحج: ١٢] راجِعٌ إلى الكافِرِ المُشارِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الحج: ١١]؛ أيْ: يَدْعُو ذَلِكَ الكافِرُ المَذْكُورُ مِن دُونِ اللَّهِ، ما لا يَضُرُّهُ، إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ وكَفَرَ بِهِ، وما لا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ وزَعَمَ أنَّهُ يَشْفَعُ لَهُ.

وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ الأوْثانَ لا تَضُرُّ مَن كَفَرَ بِها، ولا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢ - ٧٤] .

إذِ المَعْنى: أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، ولَكِنَّهم عَبَدُوهم تَقْلِيدًا لِآبائِهِمْ. والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

* *

تَنْبِيهٌ

فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ نَفْيِهِ تَعالى النَّفْعَ والضُّرَّ مَعًا عَنْ ذَلِكَ المَعْبُودِ مِن دُونِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢] مَعَ إثْباتِهِما في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾؛ لِأنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ”أقْرَبُ“ دَلَّتْ عَلى أنَّ هُناكَ نَفْعًا وضَرًّا، ولَكِنَّ الضَّرَّ أقْرَبُ مِنَ النَّفْعِ.

فالجَوابُ: أنَّ لِلْعُلَماءِ أجْوِبَةً عَنْ ذَلِكَ:

مِنها: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ: فَإنْ قُلْتَ: الضَّرُّ والنَّفْعُ مَنفَيّانِ عَنِ الأصْنامِ، مُثْبَتانِ لَها في الآيَتَيْنِ، وهَذا تَناقُضٌ.

قُلْتُ: إذا حَصَلَ المَعْنى ذَهَبَ هَذا الوَهْمُ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَفَّهُ الكافِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ جَمادًا لا يَمْلِكُ ضَرًّا، ولا نَفْعًا، وهو يَعْتَقِدُ فِيهِ بِجَهْلِهِ وضَلالِهِ أنَّهُ يَسْتَنْفِعُ بِهِ حِينَ يَسْتَشْفِعُ بِهِ، ثُمَّ قالَ يَوْمَ القِيامَةِ: يَقُولُ هَذا الكافِرُ بِدُعاءٍ وصُراخٍ حِينَ يَرى اسْتِضْرارَهُ بِالأصْنامِ ودُخُولَهُ النّارَ بِعِبادَتِها، ولا يَرى أثَرَ الشَّفاعَةِ الَّتِي ادَّعاها لَها: ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣] (p-٢٨٥)وَكَرَّرَ يَدْعُو كَأنَّهُ قالَ: يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ. ثُمَّ قالَ لِمَن ضَرُّهُ بِكَوْنِهِ مَعْبُودًا أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ بِكَوْنِهِ شَفِيعًا: لَبِئْسَ المَوْلى، ولَبِئْسَ العَشِيرِ. ا هـ مِنهُ.

وَلا يَخْفى أنَّ جَوابَ الزَّمَخْشَرِيِّ هَذا غَيْرُ مُقْنِعٍ؛ لِأنَّ المَعْبُودَ مِن دُونِ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ نَفْعٌ البَتَّةَ، حَتّى يُقالَ فِيهِ: إنَّ ضَرَّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وقَدْ بَيَّنَ أبُو حَيّانَ عَدَمَ اتِّجاهِ جَوابِهِ المَذْكُورِ.

وَمِنها: ما أجابَ بِهِ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ.

وَحاصِلُهُ: أنَّ الآيَةَ الأوْلى في الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فالأصْنامُ لا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها، ولا تَضُرُّ مَن كَفَرَ بِها؛ ولِذا قالَ فِيها: ﴿ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ والقَرِينَةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الأصْنامُ، هي التَّعْبِيرُ بِلَفْظَةِ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢] لِأنَّ لَفْظَةَ ”ما“ تَأْتِي لِما لا يَعْقِلُ، والأصْنامُ لا تَعْقِلُ.

أمّا الآيَةُ الأُخْرى فَهي في مَن عَبَدَ بَعْضَ الطُّغاةِ المَعْبُودِينَ مِن دُونِ اللَّهِ، كَفِرْعَوْنَ القائِلِ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، فَإنَّ فِرْعَوْنَ ونَحْوَهُ مِنَ الطُّغاةِ المَعْبُودِينَ قَدْ يُغْدِقُونَ نِعَمَ الدُّنْيا عَلى عابِدِيهِمْ؛ ولِذا قالَ لَهُ القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا سَحَرَةً ﴿أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢] فَهَذا النَّفْعُ الدُّنْيَوِيُّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَيُلاقُونَهُ مِنَ العَذابِ والخُلُودِ في النّارِ كَلا شَيْءٍ، فَضَرُّ هَذا المَعْبُودِ بِخُلُودِ عابِدِهِ في النّارِ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ بِعَرَضٍ قَلِيلٍ زائِلٍ مِن حُطامِ الدُّنْيا، والقَرِينَةُ عَلى أنَّ المَعْبُودَ في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ بَعْضُ الطُّغاةِ الَّذِينَ هم مَن جِنْسِ العُقَلاءِ هي التَّعْبِيرُ بِـ ”مَن“ الَّتِي تَأْتِي لِمَن يَعْقِلُ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] هَذا هو خُلاصَةُ جَوابِ أبِي حَيّانَ، ولَهُ اتِّجاهٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّ اللّامَ في: ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] فِيها إشْكالٌ مَعْرُوفٌ. ولِلْعُلَماءِ عَنْ ذَلِكَ أجْوِبَةٌ.

ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنها ثَلاثَةً:

أحَدُها: أنَّ اللّامَ مُتَزَحْلِقَةٌ عَنْ مَحَلِّها الأصْلِيِّ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ، والأصْلُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وعَلى هَذا فَـ ”مَن“ المَوْصُولَةُ (p-٢٨٦)فِي مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ بِهِ لِـ ”يَدْعُو“ واللّامُ مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، داخِلَةٌ عَلى المُبْتَدَإ، الَّذِي هو وخَبَرُهُ صِلَةُ المَوْصُولِ، وتَأْكِيدُ المُبْتَدَإ في جُمْلَةِ الصِّلَةِ بِاللّامِ وغَيْرِها لا إشْكالَ فِيهِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ سَماعًا: مِنها عِنْدِي لَما غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنهُ؛ أيْ: عِنْدِي ما لَغَيْرُهُ خَيْرٌ مِنهُ، وأعْطَيْتُكَ لَما غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنهُ؛ أيْ: ما لَغَيْرُهُ خَيْرٌ مِنهُ.

والثّانِي مِنها: أنَّ قَوْلَهُ: يَدْعُو تَأْكِيدٌ لِـ ”يَدْعُوَ“ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿لَمَن ضَرُّهُ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ﴿ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] صِلَةُ المَوْصُولِ الَّذِي هو ”مِن“ والخَبَرُ هو جُمْلَةُ: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ . وهَذا المَعْنى كَقَوْلِ العَرَبِ: لَما فَعَلْتَ لَهو خَيْرٌ لَكَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ لَمّا ذَكَّرَ هَذا الوَجْهَ: واللّامُ الثّانِيَةُ في: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ جَوابُ اللّامِ الأُولى: قالَ: وهَذا القَوْلُ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أصَحُّ، والأوَّلُ إلى مَذْهَبِ أهْلِ التَّأْوِيلِ أقْرَبُ. اهـ.

والثّالِثُ مِنها أنَّ مَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”يَدْعُو“ وأنَّ اللّامَ دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وقَدْ عَزا هَذا لِبَعْضِ البَصْرِيِّينَ مَعَ نَقْلِهِ عَمَّنْ عَزاهُ إلَيْهِ أنَّهُ شاذٌّ. وأقْرَبُها عِنْدِي الأوَّلُ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَمْ يَرَ مِنهُ نَفْعًا أصْلًا، ولَكِنَّهُ قالَ ﴿ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] تَرْفِيعًا لِلْكَلامِ: كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] وباقِي الأقْوالِ في اللّامِ المَذْكُورَةِ تَرَكْناهُ، لِعَدَمِ اتِّجاهِهِ في نَظَرِنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

22:13Page 333

يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ ١٣

He invokes one whose harm is closer than his benefit - how wretched the protector and how wretched the associate.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ المَوْلى: هو كُلُّ ما انْعَقَدَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ سَبَبٌ، يُوالِيكَ وتُوالِيهِ بِهِ. والعَشِيرُ: هو المُعاشِرُ، وهو الصّاحِبُ والخَلِيلُ.

والتَّحْقِيقُ: أنَّ المُرادَ بِالمَوْلى والعَشِيرِ المَذْمُومِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، هو المَعْبُودُ الَّذِي كانُوا يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما هو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ مِنَ السِّياقِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢]؛ أيْ: البَعِيدُ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ.

22:14Page 333

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤

Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. Indeed, Allāh does what He intends.

No commentary for this ayah

22:15Page 333

مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥

Whoever should think that Allāh will not support him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] in this world and the Hereafter - let him extend a rope to the ceiling, then cut off [his breath],1 and let him see: will his effort remove that which enrages [him]?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ . في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أوْجُهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ، وبَعْضُها يَشْهَدُ لِمَعْناهُ قُرْآنٌ.

(p-٢٨٧)الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: مَن كانَ مِنَ الكَفَرَةِ الحَسَدَةِ لَهُ ﷺ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ؛ أيْ: أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥]؛ أيْ: بِحَبْلٍ إلى السَّماءِ؛ أيْ سَماءِ بَيْتِهِ، والمُرادُ بِهِ السَّقْفُ: لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ ما عَلاكَ سَماءٌ كَما قالَ:

؎وَقَدْ يُسَمّى سَماءً كُلُّ مُرْتَفِعٍ وإنَّما الفَضْلُ حَيْثُ الشَّمْسُ والقَمَرُ

كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ الحِجْرِ.

والمَعْنى: فَلْيَعْقِدْ رَأْسَ الحَبْلِ في خَشَبَةِ السَّقْفِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥]؛ أيْ: لِيَخْتَنِقْ بِالحَبْلِ، فَيَشُدُّهُ في عُنُقِهِ، ويَتَدَلّى مَعَ الحَبْلِ المُعَلَّقِ في السَّقْفِ حَتّى يَمُوتَ، وإنَّما أطْلَقَ القَطْعَ عَلى الِاخْتِناقِ؛ لِأنَّ الِاخْتِناقَ يَقْطَعُ النَّفَسَ بِسَبَبِ حَبْسِ مَجارِيهِ، ولِذا قِيلَ لِلْبُهْرِ وهو تَتابُعُ النَّفَسِ: قَطْعٌ، فَلْيَنْظُرْ إذا اخْتَنَقَ ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾؛ أيْ: هَلْ يُذْهِبُ فِعْلُهُ ذَلِكَ ما يَغِيظُهُ مَن نَصْرِ اللَّهِ نَبِيَّهُ ﷺ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والمَعْنى: لا يُذْهِبُ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلَهُ ذَلِكَ الكافِرُ الحاسِدُ ما يَغِيظُهُ ويُغْضِبُهُ مِن نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسُمِّيَ فِعْلُهُ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ وضَعَهُ مَوْضِعَ الكَيْدِ؛ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى غَيْرِهِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكِدْ بِهِ مَحْسُودَهُ، إنَّما كادَ بِهِ نَفْسَهُ، والمُرادُ: لَيْسَ في يَدِهِ إلّا ما لَيْسَ بِمُذْهِبٍ لِما يَغِيظُهُ. اهـ مِنهُ.

وَحاصِلُ هَذا القَوْلِ: أنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِحاسِدِيهِ ﷺ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِهِ الدَّوائِرَ، ويَظُنُّونَ أنَّ رَبَّهُ لَنْ يَنْصُرَهُ: مُوتُوا بِغَيْظِكم، فَهو ناصِرُهُ لا مَحالَةَ عَلى رَغْمِ أُنُوفِكم، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، وأبُو الجَوْزاءِ، وغَيْرُهم. كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وهو أظْهَرُها عِنْدِي.

وَمِمّا يَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى مِنَ القُرْآنِ: قَوْلُهُ تَعالى. ﴿وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ .

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والحالُ أنَّ النَّصْرَ يَأْتِيهِ ﷺ مِنَ السَّماءِ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ فَيَرْتَقِي بِذَلِكَ السَّبَبِ، حَتّى يَصْعَدَ إلى السَّماءِ فَيَقْطَعَ نُزُولَ الوَحْيِ مِنَ السَّماءِ، فَيَمْنَعَ النَّصْرَ عَنْهُ ﷺ .

والمَعْنى: أنَّهُ وإنْ غاظَهُ نَصْرُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ. فَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ، ولا قُدْرَةٌ عَلى مَنعِ النَّصْرِ؛ (p-٢٨٨)لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ الِارْتِقاءَ إلى السَّماءِ ومَنعِ نُزُولِ النَّصْرِ مِنها عَلَيْهِ ﷺ: وعَلى هَذا القَوْلِ: فَصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: فَلْيَمْدُدْ [الحج: ١٥]، وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ لِلتَّعْجِيزِ فَلْيَنْظُرْ ذَلِكَ الحاسِدُ العاجِزُ عَنْ قَطْعِ النَّصْرِ عَنْهُ ﷺ: هَلْ يُذْهِبُ كَيْدُهُ إذا بَلَغَ غايَةَ جَهْدِهِ في كَيْدِ النَّبِيِّ ﷺ، ما يَغِيظُهُ مِن نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ .

والمَعْنى: أنَّهُ إنْ أعْمَلَ كُلَّ ما في وُسْعِهِ مِن كَيْدِ النَّبِيِّ ﷺ، لِيَمْنَعَ عَنْهُ نَصْرَ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، ولا يُذْهِبُ كَيْدُهُ ما يَغِيظُهُ مِن نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ .

وَمِمّا يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١٠ - ١١] وقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ.

وَلِبَعْضِ أهْلِ العِلْمِ قَوْلٌ ثالِثٌ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وهو أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ عائِدٌ إلى ”مَن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ﴾ [الحج: ١٥] وأنَّ النَّصْرَ هُنا بِمَعْنى الرِّزْقِ، وأنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ؛ أيْ: لَنْ يَرْزُقَهُ، فَلْيَخْتَنِقْ، ولْيَقْتُلْ نَفْسَهُ؛ إذْ لا خَيْرَ في حَياةٍ لَيْسَ فِيها رِزْقُ اللَّهِ وعَوْنُهُ، أوْ فَلْيَخْتَنِقْ ولْيَمُتْ غَيْظًا وغَمًّا، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُغَيِّرُ شَيْئًا مِمّا قَضاهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ، والَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ قالُوا: إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الرِّزْقَ نَصْرًا، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: وقَفَ عَلَيْنا سائِلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ، فَقالَ: مَن يَنْصُرْنِي نَصَرَهُ اللَّهُ. يَعْنِي: مَن يُعْطِينِي أعْطاهُ اللَّهُ، قالُوا: ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: أرْضٌ مَنصُورَةٌ؛ أيْ: مَمْطُورَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ رَجُلٍ مِن بَنِي فَقْعَسٍ:

؎وَإنَّكَ لا تُعْطِي امْرَءًا فَوْقَ حَقِّهِ ∗∗∗ ولا تَمْلِكُ الشِّقَّ الَّذِي الغَيْثُ ناصِرُهْ

؛ أيْ: مُعْطِيهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا الله عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ ظاهِرُ السُّقُوطِ، كَما تَرى، والَّذِينَ قالُوا: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ راجِعٌ إلى الدِّينِ أوِ الكِتابِ، لا يُخالِفُ قَوْلُهم قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّ نَصْرَ الدِّينِ والكِتابِ هو نَصْرُهُ ﷺ كَما لا يَخْفى، ونَصْرُ اللَّهُ لَهُ ﷺ في الدُّنْيا بِإعْلائِهِ كَلِمَتَهُ، وقَهْرِهِ أعْداءَهُ، وإظْهارِ دِينِهِ، وفي الآخِرَةِ بِإعْلاءِ دَرَجَتِهِ، والِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَهُ، ونَحْوِ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] فَإنْ قِيلَ: قَرَّرْتُمْ أنَّ الضَّمِيرَ في ”يَنْصُرُهُ“ عائِدٌ إلَيْهِ ﷺ، وهو لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، فَكَيْفَ قَرَّرْتُمْ رُجُوعَ (p-٢٨٩)الضَّمِيرِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ ؟

فالجَوابُ هو ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، مِن أنَّهُ ﷺ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، فالكَلامُ دالٌّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ في قَوْلِهِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٤] . هو الإيمانُ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ، والِانْقِلابُ عَنِ الدِّينِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] انْقِلابٌ عَمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى الأصْلِ في لامِ الأمْرِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِإسْكانِ اللّامِ تَخْفِيفًا.

22:16Page 334

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ ١٦

And thus have We sent it [i.e., the Qur’ān] down as verses of clear evidence and because Allāh guides whom He intends.

No commentary for this ayah

22:17Page 334

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧

Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1

No commentary for this ayah

22:18Page 334

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨

Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.1 And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

22:19Page 334

۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩

These1 are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿وَلَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ .

ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنْواعِ عَذابِ أهْلِ النّارِ - أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها، ومَن كُلِّ ما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ - جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩]؛ أيْ: قَطَّعَ اللَّهُ لَهم مِنَ النّارِ ثِيابًا، وألْبَسَهم إيّاها تَنْقَدُّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] والسَّرابِيلُ: هي الثِّيابُ الَّتِي هي القُمُصُ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ، وكَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] والغَواشِي: جَمْعُ غاشِيَةٍ، وهي غِطاءٌ كاللِّحافِ، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ هُنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩]، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ذَكَرَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٨ - ٤٩] والحَمِيمُ: الماءُ البالِغُ شِدَّةَ الحَرارَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ الآيَة [الكهف: ٢٩] . وقَوْلُهُ هُنا ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ٢٠]؛ أيْ: يُذابُ (p-٢٩٠)بِذَلِكَ الحَمِيمِ إذا سُقُوهُ فَوَصَلَ إلى بُطُونِهِمْ كُلُّ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الشَّحْمِ والأمْعاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] والعَرَبُ تَقُولُ: صَهَرْتُ الشَّيْءَ فانْصَهَرَ، فَهو صَهِيرٌ؛ أيْ: أذَبْتُهُ فَذابَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ يَصِفُ تَغْذِيَةَ قَطاةٍ لِفَرْخِها في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ:

؎تُرْوى لَقًى أُلْقِيَ في صَفْصَفٍ تَصْهَرُهُ الشَّمْسُ فَما يَنْصَهِرُ

؛ أيْ: تُذِيبُهُ الشَّمْسُ، فَيَصْبِرُ عَلى ذَلِكَ، ولا يَذُوبُ.

وَقَوْلُهُ: والجُلُودُ الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ٢٠] الَّتِي هي نائِبُ فاعِلِ ”يُصْهَرُ“ وعَلى هَذا الظّاهِرِ المُتَبادِرِ مِنَ الآيَةِ فَذَلِكَ الحَمِيمُ يُذِيبُ جُلُودَهم، كَما يُذِيبُ ما في بُطُونِهِمْ لِشِدَّةِ حَرارَتِهِ.

إذِ المَعْنى: يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ، وتُصْهَرُ بِهِ الجُلُودُ؛ أيْ: جُلُودُهم، فالألِفُ واللّامُ قامَتا مَقامَ الإضافَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: والجُلُودُ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى تُصْهَرُ، وتَقْدِيرُهُ: وتُحْرَقُ بِهِ الجُلُودُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في تَقْدِيرِ العامِلِ المَحْذُوفِ الرّافِعِ الباقِي مَعْمُولُهُ مَرْفُوعًا بَعْدَ الواوِ، قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ:

فَعَلا فُرُوعُ الأيْهَقانِ وأطْفَلَتْ بِالجَلْهَتَيْنِ ظِباؤُها ونَعامُها

يَعْنِي: وباضَ نَعامُها؛ لِأنَّ النَّعامَةَ لا تَلِدُ الطِّفْلَ، وإنَّما تَبِيضُ، بِخِلافِ الظَّبْيَةِ فَهي تَلِدُ الطِّفْلَ، ومِثالُهُ في المَنصُوبِ قَوْلُ الآخَرِ:

؎إذا ما الغانِياتِ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا

؎تَرى مِنّا الأُيُورَ إذا رَأوْها ∗∗∗ قِيامًا راكِعِينَ وساجِدِينا

يَعْنِي زَجَّجْنَ الحَواجِبَ، وأكْحَلْنَ العُيُونَ.

وَقَوْلُهُ:

؎وَرَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحا

؛ أيْ: وحامِلًا رُمْحًا؛ لِأنَّ الرُّمْحَ لا يُتَقَلَّدُ.

وَقَوْلُ الآخَرِ:(p-٢٩١)

؎تَراهُ كَأنَّ اللَّهَ يَجْدَعُ أنْفَهُ ∗∗∗ وعَيْنَيْهِ إنْ مَوْلاهُ ثابَ لَهُ وفْرُ

يَعْنِي: ويَفْقَأُ عَيْنَيْهِ.

وَمِن شَواهِدِهِ المَشْهُورَةِ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها

يَعْنِي: وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٩]؛ أيْ: وأخْلَصُوا الإيمانَ، أوْ ألِفُوا الإيمانَ، ومِثالُ ذَلِكَ في المَخْفُوضِ قَوْلُهم: ما كُلُّ بَيْضاءَ شَحْمَةً، ولا سَوْداءَ تَمْرَةً؛ أيْ: ولا كُلُّ سَوْداءَ تَمْرَةً، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

وَهِيَ انْفَرَدَتْ

بِعَطْفِ عامِلٍ مُزالٍ قَدْ بَقِي مَعْمُولُهُ دَفْعًا لِوَهْمٍ اتَّقِي

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] المَقامِعُ: جَمَعُ مِقْمَعَةٍ بِكَسْرِ المِيمِ الأُولى، وفَتْحِ المِيمِ الأخِيرَةِ، ويُقالُ: مِقْمَعٌ بِلا هاءٍ، وهو في اللُّغَةِ: حَدِيدَةٌ كالمِحْجَنِ يُضْرَبُ بِها عَلى رَأْسِ الفِيلِ: وهي في الآيَةِ مَرازِبُ عَظِيمَةٌ مِن حَدِيدٍ تَضْرِبُ بِها خَزَنَةُ النّارِ رُءُوسَ أهْلِ النّارِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المَقامِعُ: سِياطٌ مِن نارٍ، ولا شَكَّ أنَّ المَقامِعَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ مِنَ الحَدِيدِ لِتَصْرِيحِهِ تَعالى بِذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٩] نَزَلَ في المُبارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ المُطَّلِبِ، وفي أقْرانِهِمُ المُبارِزِينَ مِنَ الكُفّارِ، وهم: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وابْنُهُ الوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وأخُوهُ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، وغَيْرِهِما.

22:20Page 334

يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠

By which is melted that within their bellies and [their] skins.

No commentary for this ayah

22:21Page 334

وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١

And for [striking] them are maces of iron.

No commentary for this ayah

22:22Page 334

كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢

Every time they want to get out of it [i.e., Hellfire] from anguish, they will be returned to it, and [it will be said], "Taste the punishment of the Burning Fire!"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ .

ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن أنَّ أهْلَ النّارِ كُلَّما أرادُوا الخُرُوجَ مِنها، لِما يُصِيبُهم مِنَ الغَمِّ فِيها عِياذًا بِاللَّهِ مِنها، أُعِيدُوا فِيها، ومُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ مِنها بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في المائِدَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦ - ٣٧]، وقَوْلِهِ في السَّجْدَةِ: (p-٢٩٢)﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠]، وقَوْلُهُ في آيَةِ الحَجِّ هَذِهِ: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] حُذِفَ فِيهِ القَوْلُ.

والمَعْنى: أُعِيدُوا فِيها، وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، وهَذا القَوْلُ المَحْذُوفُ في الحَجِّ صُرِّحَ بِهِ في السَّجْدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: إنَّ لَهَبَ النّارِ يَرْفَعُهم، حَتّى يَكادَ يَرْمِيهِمْ خارِجَها، فَتَضْرِبُهم خَزَنَةُ النّارِ بِمَقامِعِ الحَدِيدِ، فَتَرُدُّهم في قَعْرِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها، ومِن كُلِّ ما يُقَرِّبُ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ.

22:23Page 334

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣

Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearl, and their garments therein will be silk.

No commentary for this ayah

22:24Page 335

وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤

And they had been guided [in worldly life] to good speech, and they were guided to the path of the Praiseworthy.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском