Ash-ShinqitiAl‑Hajj · 22:27

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:27

22:27Page 335

وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧

And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾

الأذانُ في اللُّغَةِ: الإعْلامُ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ وقَوْلُ الحارْثِ بْنِ حِلِّزَةَ:

؎آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ رُبَّ ثاوٍ يَمَلُّ مِنهُ الثَّواءُ

والحَجُّ في اللُّغَةِ: القَصْدُ وكَثْرَةُ الِاخْتِلافِ والتَّرَدُّدِ، تَقُولُ العَرَبُ: حَجَّ بَنُو فُلانٍ فُلانًا: إذا قَصَدُوهُ وأطالُوا الِاخْتِلافَ إلَيْهِ والتَّرَدُّدَ عَلَيْهِ. ومِنهُ قَوْلُ المُخَبَّلِ السَّعْدِيِّ:

؎ألَمْ تَعْلَمِي يا أُمَّ أسْعَدَ أنَّما ∗∗∗ تَخاطَأنِي رَيْبُ المَنُونِ لِأكْبَرا

؎(p-٢٩٩)وَأشْهَدُ مَن عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ∗∗∗ يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقانِ المُزَعْفَرا

قَوْلُهُ: يَحُجُّونَ، يَعْنِي: يُكْثِرُونَ قَصْدَهُ والِاخْتِلافَ إلَيْهِ والتَّرَدُّدَ عَلَيْهِ. والسِّبُّ بِالكَسْرِ: العِمامَةُ. وعَنى بِكَوْنِهِمْ يَحُجُّونَ عِمامَتَهُ: أنَّهم يَحُجُّونَهُ، فَكَنّى عَنْهُ بِالعِمامَةِ.

والرِّجالُ في الآيَةِ: جَمْعُ راجِلٍ، وهو الماشِي عَلى رِجْلَيْهِ، والضّامِرُ: البَعِيرُ ونَحْوُهُ، المَهْزُولُ الَّذِي أتْعَبَهُ السَّفَرُ. وقَوْلُهُ ”يَأْتِينَ“ يَعْنِي: الضَّوامِرَ المُعَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ: كُلِّ ضامِرٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى: وعَلى ضَوامِرَ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ ”كُلِّ“ صِيغَةُ عُمُومٍ، يَشْمَلُ ضَوامِرَ كَثِيرَةً، والفَجُّ: الطَّرِيقُ، وجَمْعُهُ: فِجاجٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] والعَمِيقُ: البَعِيدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إذا الخَيْلُ جاءَتْ مِن فِجاجٍ عَمِيقَةٍ ∗∗∗ يَمُدُّ بِها في السَّيْرِ أشْعَثُ شاحِبُ

وَأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ العُمْقُ في البُعْدِ سُفْلًا، تَقُولُ: بِئْرٌ عَمِيقَةٌ؛ أيْ: بَعِيدَةُ القَعْرِ، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] لِإبْراهِيمَ كَما هو ظاهِرٌ مِنَ السِّياقِ. وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ الخِطابَ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى إبْراهِيمَ وسَلَّمَ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ الحَسَنُ، ومالَ إلَيْهِ القُرْطُبِيُّ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾؛ أيْ: وأمَرْنا إبْراهِيمَ أنْ أذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ؛ أيْ: أعْلِمْهم، ونادِ فِيهِمْ بِالحَجِّ؛ أيْ: بِأنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ حَجَّ بَيْتِهِ الحَرامِ.

وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ رَبُّهُ أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ قالَ: يا رَبِّ، كَيْفَ أُبَلِّغُ النّاسَ وصَوْتِي لا يُنْفِذُهم، فَقالَ: نادِ وعَلَيْنا البَلاغُ، فَقامَ عَلى مَقامِهِ. وقِيلَ: عَلى الحَجَرِ. وقِيلَ: عَلى الصَّفا. وقِيلَ: عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّ رَبَّكم قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَيُقالُ: إنَّ الجِبالَ تَواضَعَتْ، حَتّى بَلَغَ الصَّوْتُ أرْجاءَ الأرْضِ وأسْمَعَ مَن في الأرْحامِ والأصْلابِ، وأجابَهُ كُلُّ شَيْءٍ سَمِعَهُ مِن حَجَرٍ ومَدَرٍ وشَجَرٍ، ومَن كَتَبَ اللَّهُ أنَّهُ يَحُجُّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ: هَذا مَضْمُونُ ما ورَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ واللَّهُ أعْلَمُ، وأوْرَدَها ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مُطَوَّلَةً. انْتَهى مِنهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الطَّلَبِ، وهو عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ (p-٣٠٠)مَجْزُومٌ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، دَلَّ عَلَيْهِ الطَّلَبُ عَلى الأصَحِّ؛ أيْ: إنْ تُؤَذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ. وإنَّما قالَ ”يَأْتُوكَ“ لِأنَّ المَدْعُوَّ يَتَوَجَّهُ نَحْوَ الدّاعِي، وإنْ كانَ إتْيانُهم في الحَقِيقَةِ لِلْحَجِّ؛ لِأنَّ نِداءَ إبْراهِيمَ لِلْحَجِّ؛ أيْ: يَأْتُوكَ مُلَبِّينَ دَعْوَتَكَ، حاجِّينَ بَيْتَ اللَّهِ الحَرامَ، كَما نادَيْتَهم لِذَلِكَ.

وَعَلى قَوْلِ الحَسَنِ الَّذِي ذُكِرَ عَنْهُ أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الحَجِّ، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، فَوُجُوبُ الحَجِّ بِها عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ المائِدَةِ، مَعَ أنَّهُ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ الإيجابَ المَذْكُورَ عَلى لِسانِ إبْراهِيمَ وقَعَ مِثْلُهُ أيْضًا عَلى لِسانِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] .

وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ الآيَةَ. قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الحَجَّ ماشِيًا لِمَن قَدَرَ عَلَيْهِ أفْضَلُ مِنَ الحَجِّ راكِبًا؛ لِأنَّهُ قَدَّمَهم في الذِّكْرِ، فَدَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ بِهِمْ وقُوَّةِ هِمَمِهِمْ. وقالَ وكِيعٌ، عَنْ أبِي العُمَيْسِ، عَنْ أبِي حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما آسى عَلى شَيْءٍ إلّا أنِّي ودِدْتُ أنِّي كُنْتُ حَجَجْتُ ماشِيًا؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ .

والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ: أنَّ الحَجَّ راكِبًا أفْضَلُ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ حَجَّ راكِبًا مَعَ كَمالِ قُوَّتِهِ ﷺ . انْتَهى مِنهُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ مَنشَأ الخِلافِ في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي: هَلِ الرُّكُوبُ في الحَجِّ أفْضَلُ أوِ المَشْيُ، ونَظائِرُها - كَوْنُ أفْعالِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّظَرِ إلى الجِبِلَّةِ والتَّشْرِيعِ ثَلاثَةَ أقْسامٍ:

القِسْمُ الأوَّلُ: هو الفِعْلُ الجِبِلِّيُّ المَحْضُ: أعْنِي الفِعْلَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ بِطَبِيعَتِها؛ كالقِيامِ، والقُعُودِ، والأكْلِ، والشُّرْبِ، فَإنَّ هَذا لَمْ يُفْعَلْ لِلتَّشْرِيعِ والتَّأسِّي، فَلا يَقُولُ أحَدٌ: أنا أجْلِسُ وأقُومُ تَقَرُّبًا لِلَّهِ واقْتِداءً بِنَبِيِّهِ ﷺ لِأنَّهُ كانَ يَقُومُ ويَجْلِسُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِلتَّشْرِيعِ والتَّأسِّي. وبَعْضُهم يَقُولُ: فِعْلُهُ الجِبِلِّيُّ يَقْتَضِي الجَوازَ، وبَعْضُهم (p-٣٠١)يَقُولُ: يَقْتَضِي النَّدْبَ. والظّاهِرُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ لَمْ يُفْعَلْ لِلتَّشْرِيعِ، ولَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلى الجَوازِ.

القِسْمُ الثّانِي: هو الفِعْلُ التَّشْرِيعِيُّ المَحْضُ. وهو الَّذِي فُعِلَ لِأجْلِ التَّأسِّي والتَّشْرِيعِ، كَأفْعالِ الصَّلاةِ وأفْعالِ الحَجِّ مَعَ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» وقَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» .

القِسْمُ الثّالِثُ: وهو المَقْصُودُ هُنا هو الفِعْلُ المُحْتَمِلُ لِلْجِبِلِّيِّ والتَّشْرِيعِيِّ. وضابِطُهُ: أنْ تَكُونَ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ تَقْضِيهِ بِطَبِيعَتِها، ولَكِنَّهُ وقَعَ مُتَعَلِّقًا بِعِبادَةٍ بِأنْ وقَعَ فِيها أوْ في وسِيلَتِها، كالرُّكُوبِ في الحَجِّ، فَإنَّ رُكُوبَهُ ﷺ في حَجِّهِ مُحْتَمِلٌ لِلْجِبِلَّةِ؛ لِأنَّ الجِبِلَّةَ البَشَرِيَّةَ تَقْتَضِي الرُّكُوبَ، كَما كانَ يَرْكَبُ ﷺ في أسْفارِهِ غَيْرَ مُتَعَبِّدٍ بِذَلِكَ الرُّكُوبِ، بَلْ لِاقْتِضاءِ الجِبِلَّةِ إيّاهُ، ومُحْتَمِلٌ لِلشَّرْعِيِّ؛ لِأنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ في حالِ تَلَبُّسِهِ بِالحَجِّ، وقالَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» . ومِن فُرُوعِ هَذِهِ المَسْألَةِ: جِلْسَةُ الِاسْتِراحَةِ في الصَّلاةِ، والرُّجُوعُ مِن صَلاةِ العِيدِ في طَرِيقٍ أُخْرى غَيْرِ الَّتِي ذَهَبَ فِيها إلى صَلاةِ العِيدِ، والضِّجْعَةُ عَلى الشِّقِّ الأيْمَنِ، بَيْنَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ وصَلاةِ الصُّبْحِ، ودُخُولُ مَكَّةَ مِن كَداءٍ - بِالفَتْحِ والمَدِّ - والخُرُوجُ مِن كُدًى - بِالضَّمِّ والقَصْرِ - والنُّزُولُ بِالمُحَصَّبِ بَعْدَ النَّفْرِ مِن مِنًى، ونَحْوُ ذَلِكَ.

فَفِي كُلِّ هَذِهِ المَسائِلِ خِلافٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ؛ لِاحْتِمالِها لِلْجِبِلِّيِّ والتَّشْرِيعِيِّ، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:

؎وَفِعْلُهُ المَرْكُوزُ في الجِبِلَّهْ ∗∗∗ كالأكْلِ والشُّرْبِ فَلَيْسَ مِلَّهْ

؎مِن غَيْرِ لَمْحِ الوَصْفِ والَّذِي احْتَمَلْ ∗∗∗ شَرْعًا فَفِيهِ قُلْ تَرَدُّدٌ حَصَلْ

؎فالحَجُّ راكِبًا عَلَيْهِ يَجْرِي ∗∗∗ كَضِجْعَةٍ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ

وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ: أنَّ الرُّكُوبَ في الحَجِّ أفْضَلُ، إلّا في الطَّوافِ والسَّعْيِ، فالمَشْيُ فِيهِما واجِبٌ.

وَقالَ سَنَدٌ واللَّخْمِيُّ مِنَ المالِكِيَّةِ: إنَّ المَشْيَ أفْضَلُ لِلْمَشَقَّةِ، ورُكُوبُهُ ﷺ جِبِلِّيٌّ لا تَشْرِيعِيٌّ.

وَما ذَكَرْنا عَنْ مالِكٍ مِن أنَّ الرُّكُوبَ في الحَجِّ أفْضَلُ مِنَ المَشْيِ، هو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما.

قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الصَّحِيحَ في مَذْهَبِنا أنَّ الرُّكُوبَ أفْضَلُ. (p-٣٠٢)قالَ العَبْدَرِيُّ: وبِهِ قالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ، وقالَ داوُدُ: ماشِيًا أفْضَلُ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عائِشَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعائِشَةَ: ”وَلَكِنَّها عَلى قَدْرِ نَفَقَتِكِ، أوْ: نَصَبِكِ“» رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وفي رِوايَةٍ صَحِيحَةٍ: ”عَلى قَدْرِ عَنائِكِ ونَصَبِكِ“ ورَوى البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما آسِي عَلى شَيْءٍ ما آسِي أنِّي لَمْ أحُجَّ ماشِيًا، وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَدِمْتُ عَلى شَيْءٍ فاتَنِي في شَبابِي، إلّا أنِّي لَمْ أحُجَّ ماشِيًا، ولَقَدْ حَجَّ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَمْسًا وعِشْرِينَ حَجَّةً ماشِيًا. وإنَّ النَّجائِبَ لَتُقادُ مَعَهُ، ولَقَدْ قاسَمَ اللَّهَ تَعالى مالَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، حَتّى كانَ يُعْطِي الخُفَّ، ويُمْسِكُ النَّعْلَ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ، والحَدِيثُ المَرْفُوعُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في فَضْلِ الحَجِّ ماشِيًا: ضَعِيفٌ، وحَدِيثُ عائِشَةَ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ النَّوَوِيُّ يُقَوِّي حُجَّةَ مَن قالَ بِأنَّ المَشْيَ في الحَجِّ أفْضَلُ مِنَ الرُّكُوبِ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ نَصَبًا وعَناءً. ولَفْظُ البُخارِيِّ: ”وَلَكِنَّها عَلى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أوْ نَصَبِكِ“، ولَفْظُ مُسْلِمٍ: ”وَلَكِنَّها عَلى قَدْرِ نَصَبِكِ“، أوْ قالَ: ”نَفَقَتِكِ“ والنَّصَبُ: التَّعَبُ والمَشَقَّةُ.

* *

مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ دَلَّ الكِتابُ والسُّنَّةُ وإجْماعُ المُسْلِمِينَ عَلى وُجُوبِ الحَجِّ مَرَّةً واحِدَةً في العُمُرِ، وهو إحْدى الدَّعائِمِ الخَمْسِ، الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها الإسْلامُ إجْماعًا.

أمّا دَلِيلُ وُجُوبِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .

وَأمّا السُّنَّةُ فالأحادِيثُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِلَفْظِ: قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”أيُّها النّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا“، فَقالَ رَجُلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَسَكَتَ حَتّى قالَها ثَلاثًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ ولَما اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قالَ: ذَرُونِي ما تَرَكْتُكم، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ“» . انْتَهى مِنهُ.

وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِن هَذا الحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ: «أيُّها النّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا»، ونَحْوُهُ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ، واسْتُدِلَّ بِهَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ الأمْرَ المُجَرَّدَ مِنَ القَرائِنِ لا يَقْتَضِي التَّكْرارَ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ.

(p-٣٠٣)والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ إحْدى الدَّعائِمِ الخَمْسِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها الإسْلامُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ: شَهادَةِ أنْ لا إلَهُ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضانَ» هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ.

وَقَدْ ورَدَتْ في فَضْلِ الحَجِّ والتَّرْغِيبِ فِيهِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ: فَمِن ذَلِكَ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ قالَ ”إيمانٌ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ ماذا ؟ قالَ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ: ثُمَّ ماذا ؟ قالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ“» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا، وعَنْهُ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كَفّارَةٌ لِما بَيْنَهُما، والحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزاءٌ إلّا الجَنَّةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا، «وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَرى الجِهادَ أفْضَلَ العَمَلِ، أفَلا نُجاهِدُ ؟ قالَ: ”لَكِنَّ أفْضَلَ الجِهادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ“» رَواهُ البُخارِيُّ، وعَنْها أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِن يَوْمٍ أكْثَرُ مِن أنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النّارِ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ، وإنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُباهِي بِهِمُ المَلائِكَةَ، فَيَقُولُ: ما أرادَ هَؤُلاءِ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِهَذا اللَّفْظِ. والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ. وفَضْلُ الحَجِّ وكَوْنُهُ مِنَ الدَّعائِمِ الخَمْسِ مَعْرُوفٌ.

* *

واعْلَمْ: أنَّ وُجُوبَ الحَجِّ المَذْكُورَ تُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطٌ، وهي: العَقْلُ، والبُلُوغُ، والإسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، والِاسْتِطاعَةُ. ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، أمّا العَقْلُ فَكَوْنُهُ شَرْطًا في وُجُوبِ كُلِّ تَكْلِيفٍ، واضِحٌ لِأنَّ غَيْرَ العاقِلِ لا يَصِحُّ تَكْلِيفُهُ بِحالٍ. وأمّا اشْتِراطُ البُلُوغِ فَواضِحٌ؛ لِأنَّ الصَّبِيَّ مَرْفُوعٌ عَنْهُ القَلَمُ حَتّى يَحْتَلِمَ، فالبُلُوغُ والعَقْلُ كِلاهُما شَرْطُ وُجُوبٍ، وأمّا الإسْلامُ: فالظّاهِرُ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَهو شَرْطُ صِحَّةٍ لا شَرْطُ وُجُوبٍ، وعَلى أنَّهم غَيْرُ مُخاطَبِينَ بِها، فَهو شَرْطُ وُجُوبٍ، والأصَحُّ خِطابُ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَما أوْضَحْنا أدِلَّتَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَيَكُونُ الإسْلامُ شَرْطَ صِحَّةٍ في حَقِّهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ عَلى أنَّهُ شَرْطُ وُجُوبٍ، فَهو شَرْطُ صِحَّةٍ أيْضًا؛ لِأنَّ بَعْضَ شُرُوطِ الوُجُوبِ يَكُونُ شَرْطًا في الصِّحَّةِ أيْضًا؛ كالوَقْتِ لِلصَّلاةِ، فَإنَّهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِها وصِحَّتِها أيْضًا، وقَدْ يَكُونُ شَرْطُ الوُجُوبِ لَيْسَ شَرْطًا في الصِّحَّةِ؛ كالبُلُوغِ، والحُرِّيَّةِ، فَإنَّ الصَّبِيَّ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ، مَعَ أنَّهُ يَصِحُّ مِنهُ لَوْ فَعَلَهُ، وكَذَلِكَ العَبْدُ، إلّا أنَّهُ لا يُجْزِئُ عَنْ (p-٣٠٤)حَجَّةِ الإسْلامِ، إلّا إذا كانَ بَعْدَ البُلُوغِ وبَعْدَ الحُرِّيَّةِ. وأمّا الحُرِّيَّةُ: فَهي شَرْطُ وُجُوبٍ، فَلا يَجِبُ الحَجُّ عَلى العَبْدِ، واسْتَدَلَّ العُلَماءُ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ الحَجِّ عَلى العَبْدِ بِأمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: إجْماعُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ذَلِكَ. ولَكِنَّهُ إذا حَجَّ صَحَّ حَجُّهُ، ولَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ حَجَّةِ الإسْلامِ، فَإنْ عُتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ.

قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَلْزَمُهُ الحَجُّ؛ لِأنَّ مَنافِعَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ، فَلَيْسَ هو مُسْتَطِيعًا. ويَصِحُّ مِنهُ الحَجُّ بِإذْنِ سَيِّدِهِ وبِغَيْرِ إذْنِهِ بِلا خِلافٍ عِنْدَنا. قالَ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ: وبِهِ قالَ الفُقَهاءُ كافَّةً، وقالَ داوُدُ: لا يَصِحُّ بِغَيْرِ إذْنِهِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.

الأمْرُ الثّانِي: حَدِيثٌ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ وهو أنَّهُ ﷺ جاءَ عَنْهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «أيُّما صَبِيٌّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ، وأيُّما عَبْدٌ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ» قالَ ابْنُ حَجَرٍ في التَّلْخِيصِ في هَذا الحَدِيثِ: رَواهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ والإسْماعِيلِيُّ في مُسْنَدِ الأعْمَشِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ حَزْمٍ وصَحَّحَهُ، والخَطِيبُ في التّارِيخِ مِن حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ المِنهالِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي ظَبْيانَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ، بَلْ خَرَّجَهُ كَذَلِكَ مِن رِوايَةِ ابْنِ أبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، وقالَ البَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ مُحَمَّدُ بْنُ المِنهالِ، ورَواهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ شُعْبَةَ مَوْقُوفًا.

قُلْتُ: لَكِنْ هو عِنْدَ الإسْماعِيلِيِّ والخَطِيبِ عَنِ الحارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ مُتابَعَةً لِمُحَمَّدِ بْنِ المِنهالِ. ويُؤَيِّدُ صِحَّةَ رَفْعِهِ ما رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُصَنَّفِهِ: أنا أبُو مُعاوِيَةَ، عَنْ أبِي ظَبْيانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: احْفَظُوا عَنِّي ولا تَقُولُوا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ، وهَذا ظاهِرٌ أنَّهُ أرادَ أنَّهُ مَرْفُوعٌ؛ فَلِذا نَهاهم عَنْ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ. وفي البابِ عَنْ جابِرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِلَفْظِ: «لَوْ حَجَّ صَغِيرٌ حَجَّةً لَكانَتْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ إذا بَلَغَ» الحَدِيثَ، وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مُرْسَلًا، وفِيهِ راوٍ مُبْهَمٌ. انْتَهى مِنَ التَّلْخِيصِ.

وَقالَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ: وأخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ المُقْرِيُّ: ثَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ: ثَنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المِنهالِ: ثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمانَ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي ظَبْيانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أيُّما صَبِيٌّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الحِنْثَ فَعَلَيْهِ أنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرى، وأيُّما أعْرابِيٌّ حَجَّ ثُمَّ هاجَرَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرى، وأيُّما عَبْدٌ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرى»، ثُمَّ ساقَ الحَدِيثَ بِسَنَدٍ آخَرَ مَوْقُوفًا عَلى (p-٣٠٥)ابْنِ عَبّاسٍ، وسَكَتَ ولَمْ يُبَيِّنْ هَلِ المَوْقُوفُ أصَحُّ أوِ المَرْفُوعُ ؟ وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ في هَذا الحَدِيثِ:

رَواهُ البَيْهَقِيُّ في البابِ الأوَّلِ مِن كِتابِ الحَجِّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ ؟ ورَواهُ أيْضًا مَوْقُوفًا، ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِيهِ. ورِوايَةُ المَرْفُوعِ قَوِيَّةٌ، ولا يَضُرُّ تَفَرُّدُ مُحَمَّدِ بْنِ المِنهالِ بِها، فَإنَّهُ ثِقَةٌ مَقْبُولٌ ضابِطٌ. رَوى عَنْهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِما. اهـ.

وَقَدْ عَلِمْتَ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ: أنَّ ابْنَ المِنهالِ تابَعَهُ عَلى رَفْعِ الحَدِيثِ المَذْكُورِ الحارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، فَقَدْ زالَ التَّفَرُّدُ. والظّاهِرُ أنَّ الحارِثَ المَذْكُورَ هو ابْنُ سُرَيْجٍ النَّقّالُ، ولا يُحْتَجُّ بِهِ لِضَعْفِهِ. وبِما ذَكَرْنا تَعَلَمُ أنَّ الحَدِيثَ المَذْكُورَ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الِاحْتِجاجِ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ مِنهُ عَلى أنَّ الحُرِّيَّةَ شَرْطٌ في وُجُوبِ الحَجِّ أنَّهُ لَوْ حَجَّ وهو مَمْلُوكٌ، ثُمَّ أُعْتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ حَجَّةُ الإسْلامِ، فَلَوْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ في حالِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا أجْزَأهُ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الإسْلامِ كَما هو ظاهِرٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَقالَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ما نَصُّهُ:

وَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ: أنَّ الصَّبِيَّ إذا حَجَّ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَ فَعَلَيْهِ الحَجُّ إذا أدْرَكَ لا تُجْزِئُ عَنْهُ تِلْكَ الحَجَّةُ عَنْ حَجَّةِ الإسْلامِ، وكَذَلِكَ المَمْلُوكُ إذا حَجَّ في رِقِّهِ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ الحَجُّ إذا وجَدَ إلى ذَلِكَ سَبِيلًا، ولا يُجْزِئُ عَنْهُ ما حَجَّ في حالِ رِقِّهِ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ.

* *

وَأمّا الِاسْتِطاعَةُ: فَقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى اشْتِراطِها في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ مَعْرُوفٌ، وتَفْسِيرُ الِاسْتِطاعَةِ في الآيَةِ اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ.

فالِاسْتِطاعَةُ في مَشْهُورِ مَذْهَبِ مالِكٍ الَّذِي بِهِ الفَتْوى: هي إمْكانُ الوُصُولِ بِلا مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ زائِدَةٍ عَلى مَشَقَّةِ السَّفَرِ العادِيَّةِ مَعَ الأمْنِ عَلى النَّفْسِ والمالِ، ولا يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمُ الزّادُ والرّاحِلَةُ، بَلْ يَجِبُ الحَجُّ عِنْدَهم عَلى القادِرِ عَلى المَشْيِ، إنْ كانَتْ لَهُ صَنْعَةٌ يُحَصِّلُ مِنها قُوتَهُ في الطَّرِيقِ؛ كالجَمّالِ، والخَرّازِ، والنَّجّارِ، ومَن أشْبَهُهم.

وَقالَ الشَّيْخُ الحَطّابُ في كَلامِهِ عَلى قَوْلِ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ: ووَجَبَ بِاسْتِطاعَةٍ بِإمْكانِ الوُصُولِ بِلا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، وأمْنٍ عَلى نَفْسٍ ومالٍ ما نَصُّهُ: وقالَ مالِكٌ في كِتابِ مُحَمَّدٍ، وفي سَماعِ أشْهَبَ لَمّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أذَلِكَ الزّادُ والرّاحِلَةُ ؟ قالَ: لا واللَّهِ، ما ذَلِكَ إلّا طاقَةُ النّاسِ، الرَّجُلُ يَجِدُ (p-٣٠٦)الزّادَ والرّاحِلَةَ، ولا يَقْدِرُ عَلى المَسِيرِ، وآخَرُ يَقْدِرُ أن يَمْشِيَ عَلى رِجْلَيْهِ، ولا صِفَةَ في هَذا أبيَنُ مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وزادَ في كِتابِ مُحَمَّدٍ: ورُبَّ صَغِيرٍ أجَلَدُ مِن كَبِيرٍ، ونَقَلَ في المُقَدِّماتِ كَلامَ مالِكٍ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: فَمَن قَدَرَ عَلى الوُصُولِ إلى مَكَّةَ، إمّا راجِلًا بِغَيْرِ كَبِيرِ مَشَقَّةٍ، أوْ راكِبًا بِشِراءٍ أوْ كِراءٍ، فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ، ونَقَلَهُ في التَّوْضِيحِ. انْتَهى مِنَ الحَطّابِ.

واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ المالِكِيَّةِ يَشْتَرِطُونَ في الصَّنْعَةِ المَذْكُورَةِ ألّا تَكُونَ مُزْرِيَةً بِهِ.

واعْلَمْ أنَّ المالِكِيَّةَ اخْتَلَفُوا في الفَقِيرِ الَّذِي عادَتُهُ سُؤالُ النّاسِ في بَلَدِهِ، وعادَةُ النّاسِ إعْطاؤُهُ، وذَلِكَ السُّؤالُ هو الَّذِي مِنهُ عِيشَتُهُ، إذا عَلِمَ أنَّهُ إنْ خَرَجَ حاجًّا وسَألَ، أعْطاهُ النّاسُ ما يَعِيشُ بِهِ كَما كانُوا يُعْطُونَهُ في بَلَدِهِ، هَلْ سُؤالُهُ النّاسَ وإعْطاؤُهم إيّاهُ يَكُونُ بِسَبَبِهِ مُسْتَطِيعًا لِقُدْرَتِهِ عَلى الزّادِ بِذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ بِذَلِكَ، أوْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ؟

فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ الحَجُّ، ولا يُعَدُّ اسْتِطاعَةً، وبِهَذا القَوْلِ جَزَمَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ في مُخْتَصَرِهِ الَّذِي قالَ في تَرْجَمَتِهِ مُبَيِّنًا لِما بِهِ الفَتْوى، وذَلِكَ في قَوْلِهِ فِيما لا تَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِطاعَةُ: لا بِدَيْنٍ أوْ عَطِيَّةٍ أوْ سُؤالٍ مُطْلَقًا.

وَمَعْنى كَلامِهِ أنَّ مَن لَمْ يُمْكِنْهُ الوُصُولُ إلى مَكَّةَ إلّا بِتَحَمُّلِ دَيْنٍ في ذَلِكَ، أوْ قَبُولِ عَطِيَّةٍ مِمَّنْ أعْطاهُ مالًا أوْ سُؤالِ النّاسِ مُطْلَقًا، أنَّهُ لا يُعَدُّ بِذَلِكَ مُسْتَطِيعًا، ولا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ، وقَوْلُهُ: أوْ سُؤالٍ مُطْلَقًا يَعْنِي بِالإطْلاقِ، سَواءٌ كانَ السُّؤالُ عادَتَهُ في بَلَدِهِ أوْ لا، وسَواءٌ كانَتْ عادَةُ النّاسِ إعْطاءَهُ أوْ لا، أمّا إذا كانَتْ عادَةُ النّاسِ عَدَمَ إعْطائِهِ، فالحَجُّ حَرامٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إلْقاءٌ بِاليَدِ إلى التَّهْلُكَةِ، سَواءٌ كانَ السُّؤالُ عادَتَهُ في بَلَدِهِ أوْ لا، وأمّا إنْ كانَتْ عادَةُ النّاسِ إعْطاءَهُ، ولَمْ يَكُنِ السُّؤالُ عادَتَهُ في بَلَدِهِ، فَلا خِلافَ في أنَّهُ لا يُعَدُّ مُسْتَطِيعًا ولا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ، وأمّا إنْ كانَتْ عادَتُهُ السُّؤالَ في بَلَدِهِ، ومِنهُ عِيشَتُهُ، وعادَةُ النّاسِ إعْطاؤُهُ، فَهو مَحَلُّ الخِلافِ، وقَدْ ذَكَرْنا آنِفًا قَوْلَ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ، ولا يُعَدُّ مُسْتَطِيعًا بِسُؤالِ النّاسِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: أوْ بِسُؤالٍ مُطْلَقًا، وقالَ الشَّيْخُ المَوّاقُ في شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وسُؤالٍ مُطْلَقًا، وقالَ خَلِيلٌ في مَنسِكِهِ: وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى مَن عادَتُهُ السُّؤالُ، إذا كانَتِ العادَةُ إعْطاءَهُ، ويُكْرَهُ لَهُ المَسِيرُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ عادَتُهُ السُّؤالَ، أوْ لَمْ تَكُنِ العادَةُ إعْطاءَهُ سَقَطَ الحَجُّ بِالِاتِّفاقِ، وقالَ الشَّيْخُ الحَطّابَ في كَلامِهِ عَلى قَوْلِ خَلِيلٍ: أوْ سُؤالٍ مُطْلَقًا ما نَصُّهُ: وأمّا الصُّورَةُ الرّابِعَةُ: وهي ما إذا كانَتْ عادَتُهُ في بَلَدِهِ السُّؤالَ، ومِنهُ عَيْشُهُ، والعادَةُ إعْطاؤُهُ، فَقالَ المُصَنِّفُ في تَوْضِيحِهِ ومَنسِكِهِ: إنَّ (p-٣٠٧)ظاهِرَ المَذْهَبِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ، ويُكْرَهُ لَهُ الخُرُوجُ، وجَزَمَ بِهِ هُنا، وقالَ في الشّامِلِ: إنَّهُ المَشْهُورُ، وأقَرَّ في شُرُوحِهِ كَلامَ المُؤَلِّفِ عَلى إطْلاقِهِ، وكَذَلِكَ البِساطِيُّ والشَّيْخُ زَرُّوقٌ، ولَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ ابْنُ غازِيٍّ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وقالَ الحَطّابُ أيْضًا: وذَكَرَ ابْنُ الحاجِبِ القَوْلَيْنِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وقَبِلَهُما ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ، والمُصَنِّفُ في التَّوْضِيحِ وابْنُ فَرْجُونٍ، وصاحِبُ الشّامِلِ، ومَن بَعْدَهم، ورَجَّحُوا القَوْلَ بِالسُّقُوطِ، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِتَشْهِيرِهِ، وكَذَلِكَ شُرّاحُ المُخْتَصَرِ. اهـ مَحَلَّ الغَرَضِ مِنهُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ورَجَّحُوا القَوْلَ بِالسُّقُوطِ، يَعْنِي: سُقُوطَ وُجُوبِ الحَجِّ عَمَّنْ عادَتُهُ السُّؤالُ والإعْطاءُ.

القَوْلُ الثّانِي مِن قَوْلَيِ المالِكِيَّةِ: أنَّ الفَقِيرَ الَّذِي عادَتُهُ السُّؤالُ في بَلَدِهِ وعادَةُ النّاسِ إعْطاؤُهُ، إذا كانَتْ عادَتُهم إعْطاءَهُ في سَفَرِ الحَجِّ كَما كانُوا يُعْطُونَهُ في بَلَدِهِ، أنَّهُ يُعَدُّ بِذَلِكَ مُسْتَطِيعًا، وأنَّ تَحْصِيلَهُ زادَهُ بِذَلِكَ السُّؤالِ يُعَدُّ اسْتِطاعَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ أكْثَرُ المالِكِيَّةِ.

وَقالَ الحَطّابُ في كَلامِهِ عَلى قَوْلِ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ: أوْ سُؤالٍ مُطْلَقًا، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ القَوْلَ بِأنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ والإعْطاءَ لا يُعَدُّ اسْتِطاعَةً، ولا يَجِبُ بِهِ الحَجُّ، بَلْ يُكْرَهُ الخُرُوجُ في تِلْكَ الحالِ، ما نَصُّهُ:

قُلْتُ: ونُصُوصُ أهْلِ المَذْهَبِ الَّتِي وقَفْتُ عَلَيْها مُصَرِّحَةٌ بِخِلافِ ذَلِكَ، وأنَّ الحَجَّ واجِبٌ عَلى مَن عادَتُهُ السُّؤالُ، إذا كانَتِ العادَةُ إعْطاءَهُ، ثُمَّ سَرَدَ كَثِيرًا مِن نُقُولِ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ مُصَرِّحَةً بِوُجُوبِ الحَجِّ عَلَيْهِ، وأهْلُ هَذا القَوْلِ مِن عُلَماءِ المالِكِيَّةِ، وهُمُ الأكْثَرُونَ، وجَّهُوهُ بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الفَقِيرِ الَّذِي يُباحُ لَهُ السُّؤالُ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى كَسْبِ ما يَعِيشُ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ لَمّا كانَ جائِزًا لَهُ، وصارَ عَيْشُهُ مِنهُ في الحَضَرِ، فَهو بِذَلِكَ السُّؤالِ والإعْطاءِ قادِرٌ عَلى الوُصُولِ إلى مَكَّةَ. قالُوا: ومَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهٍ جائِزٍ لَزِمَهُ الحَجُّ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ مِن قَوْلَيِ المالِكِيَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: هو القَوْلُ الأوَّلُ؛ وهو أنَّ الحَجَّ لا يَجِبُ عَلى مَن يَعِيشُ في طَرِيقِهِ بِتَكَفُّفِ النّاسِ، وأنَّ سُؤالَ النّاسِ لا يُعَدُّ اسْتِطاعَةً.

وَمِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٩١]، وقَدْ قَدَّمْنا في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ مِرارًا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ (p-٣٠٨)الألْفاظِ، لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، وبَيَّنّا أدِلَّةَ ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَقَدْ صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِرَفْعِ الحَرَجِ عَنِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ. ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي يَتَكَفَّفُ النّاسَ لِشِدَّةِ فَقْرِهِ داخِلٌ في عُمُومِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِنَفْيِ الحَرَجِ عَنْهم، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ الحَرَجِ عَنْهُ في وُجُوبِ الحَجِّ، وهو واضِحٌ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ ابْنُ القاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ عَلى ما ذَكَرْنا.

وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِن مُتَأخِّرِي عُلَماءِ المالِكِيَّةِ حَمَلُوا قَوْلَ ابْنِ القاسِمِ الَّذِي احْتَجَّ عَلَيْهِ بِالآيَةِ المَذْكُورَةِ، عَلى مَن لَيْسَ عادَتُهُ السُّؤالَ في بَلَدِهِ، قالُوا: فَلَمْ يَتَناوَلْ قَوْلُهُ مَحَلَّ النِّزاعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском