Ash-ShinqitiAl‑Hajj · 22:27

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:27, continued

وَمِمّا يُؤَيِّدُ الحَدِيثَ المَذْكُورَ أنَّ أكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ عَلى العَمَلِ بِهِ، كَما قَدَّمْنا عَنْ أبِي عِيسى التِّرْمِذِيِّ أنَّهُ قالَ في حَدِيثِ: الزّادُ والرّاحِلَةُ، والعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ (p-٣١٨)قَوْلُ الأكْثَرِينَ، مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ.

أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ.

فالحاصِلُ: أنَّ حَدِيثَ الزّادِ والرّاحِلَةِ، لا يَقِلُّ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ والِاحْتِجاجِ.

وَأظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي أنَّ المُعْتَبَرَ في ذَلِكَ ما يُبِلِّغُهُ ذِهابًا وإيابًا.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ حَدِيثَ الزّادِ والرّاحِلَةِ، وإنْ كانَ صالِحًا لِلِاحْتِجاجِ لا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ القادِرَ عَلى المَشْيِ عَلى رِجْلَيْهِ بِدُونِ مَشَقَّةٍ فادِحَةٍ لا يَلْزَمُهُ الحَجُّ، إنْ كانَ عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ الرّاحِلَةِ، بَلْ يَلْزَمُهُ الحَجُّ؛ لِأنَّهُ يَسْتَطِيعُ إلَيْهِ سَبِيلًا، كَما أنَّ صاحِبَ الصَّنْعَةِ الَّتِي يُحَصِّلُ مِنها قُوتَهُ في سَفَرِ الحَجِّ، يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ عَلى تَحْصِيلِ الزّادِ في طَرِيقِهِ كَتَحْصِيلِهِ بِالفِعْلِ.

* *

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قُلْتُمْ بِوُجُوبِهِ عَلى القادِرِ عَلى المَشْيِ عَلى رِجْلَيْهِ، دُونَ الرّاحِلَةِ مَعَ اعْتِرافِكم بِقَبُولِ تَفْسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ السَّبِيلَ بِالزّادِ والرّاحِلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَشْيَ عَلى الرِّجْلَيْنِ لَيْسَ مِنَ السَّبِيلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ.

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الظّاهِرَ المُتَبادِرَ أنَّهُ ﷺ فَسَّرَ الآيَةَ بِأغْلَبِ حالاتِ الِاسْتِطاعَةِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ أكْثَرَ الحُجّاجِ أفاقِيُّونَ، قادِمُونَ مِن بِلادٍ بَعِيدَةٍ، والغالِبُ عَجْزُ الإنْسانِ عَنِ المَشْيِ عَلى رِجْلَيْهِ في المَسافاتِ الطَّوِيلَةِ، وعَدَمُ إمْكانِ سَفَرِهِ بِلا زادٍ، فَفَسَّرَ ﷺ الآيَةَ بِالأغْلَبِ، والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ في الأُصُولِ: أنَّ النَّصَّ إذا كانَ جارِيًا عَلى الأمْرِ الغالِبِ، لا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ، ولِأجْلِ هَذا مَنَعَ جَماهِيرُ العُلَماءِ تَزْوِيجَ الرَّجُلِ رَبِيبَتَهُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في حِجْرِهِ قائِلِينَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] جَرى عَلى الغالِبِ، فَلا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا، وإذا كانَ أغْلَبُ حالاتِ الِاسْتِطاعَةِ الزّادَ والرّاحِلَةَ، وجَرى الحَدِيثُ عَلى ذَلِكَ فَلا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ، فَيَجِبُ الحَجُّ عَلى القادِرِ عَلى المَشْيِ عَلى رِجْلَيْهِ، إمّا لِعَدَمِ طُولِ المَسافَةِ، وإمّا لِقُوَّةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ عَلى المَشْيِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى ذِي الصَّنْعَةِ الَّتِي يُحَصِّلُ مِنها قُوتَهُ في سَفَرِهِ، لِأنَّهُ في حُكْمِ واجِدِ الزّادِ في المَعْنى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا سَوّى في كِتابِهِ بَيْنَ الحاجِّ الرّاكِبِ والحاجِّ الماشِي عَلى رِجْلَيْهِ. وقَدَّمَ الماشِيَ عَلى الرّاكِبِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٣١٩)﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] .

وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُسْتَوْفًى، هَذا هو حاصِلُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَطِيعِ بِنَفْسِهِ.

* *

وَأمّا ما يُسَمُّونَهُ المُسْتَطِيعَ بِغَيْرِهِ فَهو نَوْعانِ:

الأوَّلُ مِنهُما: هو مَن لا يَقْدِرُ عَلى الحَجِّ بِنَفْسِهِ، لِكَوْنِهِ زَمِنًا، أوْ هَرِمًا ونَحْوَ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَهُ مالٌ يَدْفَعُهُ إلى مَن يَحُجُّ عَنْهُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الحَجُّ نَظَرًا إلى أنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ؟ أوْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ؛ لِأنَّهُ عاجِزٌ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِهِ، فَلا يَدْخُلُ في عُمُومِ الآيَةِ ؟

وَبِالقَوْلِ الأوَّلِ قالَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ؛ فَيَلْزَمُهُ عِنْدَهم أُجْرَةُ أجِيرٍ يَحُجُّ عَنْهُ بِشَرْطِ أنْ يَجِدَ ذَلِكَ بِأُجْرَةِ المِثْلِ. قالَ النَّوَوِيُّ: وبِهِ قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ، مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وداوُدُ. وقالَ مالِكٌ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولا يَجِبُ إلّا أنْ يَقْدِرَ عَلى الحَجِّ بِنَفْسِهِ، واحْتَجَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهَذا لا يَسْتَطِيعُ بِنَفْسِهِ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ المُسْتَطِيعِ، وبِأنَّها عِبادَةٌ لا تَصِحُّ فِيها النِّيابَةُ مَعَ القُدْرَةِ، فَكَذَلِكَ مَعَ العَجْزِ كالصَّلاةِ، واحْتَجَّ الأكْثَرُونَ القائِلُونَ بِوُجُوبِ الحَجِّ عَلَيْهِ بِأحادِيثَ رَواها الجَماعَةُ.

مِنها: ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو عاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أنَّ امْرَأةً (ح) حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنا ابْنُ شِهابٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ مَن خَثْعَمَ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَوِيَ عَلى الرّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أنْ أحُجَّ عَنْهُ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“» . وفي رِوايَةٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَتْ: «إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَثْبُتُ عَلى الرّاحِلَةِ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“»، وذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ.

وَفِي لَفْظٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ في الحَجِّ (p-٣٢٠)أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَثْبُتُ عَلى الرّاحِلَةِ؛ أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“» وذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ. اهـ.

وَقالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى، قالَ: قَرَأْتُ عَلى مالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: «أنَّهُ كانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مَن خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْها وتَنْظُرُ إلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُ وجْهَ الفَضْلِ إلى الشِّقِّ الآخَرِ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَثْبُتَ عَلى الرّاحِلَةِ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ: " نَعَمْ» . وذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ.

وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ في الحَجِّ، وهو لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَوِيَ عَلى ظَهْرِ بَعِيرِهِ. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”فَحُجِّي عَنْهُ“» . اهـ.

وَهَذا الحَدِيثُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخانِ أخْرَجَهُ باقِي الجَماعَةِ، إلّا أنَّ بَعْضَهم يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وهو عَبْدُ اللَّهِ، وبَعْضُهم يَرْوِيهِ عَنْ أخِيهِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

وَقالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ومُسْلِمُ بْنُ إبْراهِيمَ بِمَعْناهُ قالا: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ سالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أوْسٍ، عَنْ أبِي رَزِينٍ - قالَ حَفْصٌ في حَدِيثِهِ: «رَجُلٌ مِن بَنِي عامِرٍ - أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ، ولا العُمْرَةَ، ولا الظَّعْنَ. قالَ: ”احْجُجْ عَنْ أبِيكَ واعْتَمِرْ“» وقالَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ عِيسى، نا وكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ سالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أوْسٍ، عَنْ أبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ أنَّهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ. إلى آخِرِ الحَدِيثِ كَلَفْظِ أبِي داوُدَ الَّذِي ذَكَرْنا، ثُمَّ قالَ: قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وإنَّما ذُكِرَتِ العُمْرَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ: أنْ يَعْتَمِرَ الرَّجُلُ عَنْ غَيْرِهِ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ اسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ عامِرٍ. انْتَهى مِنهُ.

وَحَدِيثُ أبِي رَزِينٍ هَذا أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ بِهِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ.

وَقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الحَدِيثَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ في قِصَّةِ اسْتِفْتاءِ الخَثْعَمِيَّةِ ما نَصُّهُ: وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا البابِ غَيْرُ حَدِيثٍ. والعَمَلُ عَلى هَذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِن (p-٣٢١)أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِمْ، وبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وابْنُ المُبارَكِ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، يَرَوْنَ أنْ يُحَجَّ عَنِ المَيِّتِ.

وَقالَ مالِكٌ: إذا أوْصى أنْ يُحَجَّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم أنْ يُحَجَّ عَنِ الحَيِّ، إذا كانَ كَبِيرًا أوْ بِحالٍ لا يَقْدِرُ أنْ يَحُجَّ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُبارَكِ والشّافِعِيِّ. انْتَهى مِن سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ.

وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: أنْبَأنا وكِيعٌ، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ سالِمٍ إلى آخِرِ السَّنَدِ والمَتْنِ، كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ. اهـ.

وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جاءَتْهُ امْرَأةٌ شابَّةٌ مَن خَثْعَمَ فَقالَتْ: إنَّ أبِي كَبِيرٌ، وقَدْ أفْنَدَ وأدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ في الحَجِّ، ولا يَسْتَطِيعُ أداءَها فَيُجْزِئُ عَنْهُ أنْ أُؤَدِّيَها عَنْهُ ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”نَعَمْ“» رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ. انْتَهى مِنهُما بِواسِطَةِ نَقْلِ المُجِدِّ في المُنْتَقى والنَّوَوِيِّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ.

وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في نَيْلِ الأوْطارِ: وحَدِيثُ عَلِيٍّ أخْرَجَهُ أيْضًا البَيْهَقِيُّ. اهـ. وقَوْلُهُ في هَذا الحَدِيثِ: وقَدْ أفْنَدَ؛ أيْ: خَرِفَ وضَعُفَ عَقْلُهُ مِنَ الهِرَمِ.

وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: أنْبَأنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مَن خَثْعَمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنْ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوبَ، وأدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ في الحَجِّ فَهَلْ يُجْزِئُ أنْ أحُجَّ عَنْهُ ؟ قالَ ”أنْتَ أكْبَرُ ولَدِهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أكُنْتَ تَقْضِيهِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَحُجَّ عَنْهُ“» وفي لَفْظٍ لِلنَّسائِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ ”أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلى أبِيكَ دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟“ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ ”» وفي لَفْظٍ عِنْدَ النَّسائِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ: إنَّ أبِي أدْرَكَهُ الحَجُّ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَثْبُتُ عَلى راحِلَتِهِ، فَإنْ شَدَدْتُهُ خَشِيتُ أنْ يَمُوتَ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ“ أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ، أكانَ مُجْزِئًا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَحُجَّ عَنْ أبِيكَ "» . اهـ مِن سُنَنِ النَّسائِيِّ.

وَحَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا عِنْدَ النَّسائِيِّ قالَ المُجِدُّ في المُنْتَقى: رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ بِمَعْناهُ.

وَقالَ الشَّوْكانِيُّ: قالَ الحافِظُ: إنَّ إسْنادَهُ صالِحٌ. انْتَهى. والأحادِيثُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ.

(p-٣٢٢)وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي مِن نَوْعَيِ المُسْتَطِيعِ بِغَيْرِهِ، فَهو مَن لا يَقْدِرُ عَلى الحَجِّ بِنَفْسِهِ، ولَيْسَ لَهُ مالٌ يَدْفَعُهُ لِمَن يَحُجُّ عَنْهُ، ولَكِنْ لَهُ ولَدٌ يُطِيعُهُ إذا أمَرَهُ بِالحَجِّ والوَلَدُ مُسْتَطِيعٌ، فَهَلْ يَجِبُ الحَجُّ عَلى الوالِدِ، ويَلْزَمُهُ أمْرُ الوَلَدِ بِالحَجِّ عَنْهُ لِأنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ ؟ فِيهِ خِلافٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ.

قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: فَرْعٌ في مَذاهِبِهِمْ في المَعْضُوبِ إذا لَمْ يَجِدْ ما لا يُحِجُّ بِهِ غَيْرَهُ، فَوَجَدَ مَن يُطِيعُهُ؛ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَذْهَبَنا وُجُوبُ الحَجِّ عَلَيْهِ. وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مالِكًا احْتَجَّ في مَسْألَةِ العاجِزِ الَّذِي لَهُ مالٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وبِأنَّهُ عاجِزٌ بِنَفْسِهِ فَهو غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ إلى الحَجِّ سَبِيلًا، إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ، وبِأنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنصُورٍ وغَيْرَهُ رَوَوْا عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ: أنَّهُ لا يَحُجُّ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ، ونَحْوَهُ عَنِ اللَّيْثِ ومالِكٍ، وأنَّ الَّذِينَ خالَفُوهُ احْتَجُّوا بِالأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنا، وفِيها ألْفاظٌ ظاهِرُها الوُجُوبُ، كَتَشْبِيهِهِ بِدَيْنِ الآدَمِيِّ، وكَقَوْلِ السّائِلِ: يُجْزِئُ عَنْهُ أنْ أحُجَّ عَنْهُ ؟ والإجْزاءُ دَلِيلُ المُطالَبَةِ، وفي بَعْضِ رِواياتِها أنَّ السّائِلَ يَقُولُ: إنَّ عَلَيْهِ فَرِيضَةَ الحَجِّ، ويَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ في الحَجِّ عَنْهُ، وهو ﷺ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ أنَّ الحَجَّ سَقَطَ عَنْهُ بِزَمانَتِهِ وعَجْزِهِ عَنِ الثُّبُوتِ عَلى الرّاحِلَةِ، وبِقَوْلِهِ لِلْوَلَدِ ”أنْتَ أكْبَرُ ولَدِهِ“ وأمْرِهِ بِالحَجِّ عَنْهُ.

وَأمّا الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ وُجُودِ المَعْضُوبِ مالًا فَأوْجَبُوا عَلَيْهِ الحَجَّ، وبَيْنَ وُجُودِهِ ولَدًا يُطِيعُهُ فَلَمْ يُوجِبُوهُ عَلَيْهِ؛ فَلِأنَّ المالَ مِلْكُهُ، فَعَلَيْهِ أنْ يَسْتَأْجِرَ بِهِ، والوَلَدُ مُكَلَّفٌ آخَرُ لَيْسَ مُلْزَمًا بِفَرْضٍ عَلى شَخْصٍ آخَرَ، ولِأنَّهُ وإنْ كانَ لَهُ ولَدٌ فَلَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ بِبَدَنٍ، ولا بِزادٍ وراحِلَةٍ، ولَوْ وجَدَ إنْسانًا غَيْرَ الوَلَدِ يُطِيعُهُ في الحَجِّ عَنْهُ، فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الوَلَدِ ؟ فِيهِ خِلافٌ مَعْرُوفٌ. وفي فُرُوعِ الشّافِعِيَّةِ تَوْجِيهُ كُلِّ قَوْلٍ مِنها، فانْظُرْهُ في النَّوَوِيِّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ، وأظْهَرُها أنَّهُ كالوَلَدِ.

* *

تَنْبِيهٌ

إذا ماتَ الشَّخْصُ، ولَمْ يَحُجَّ، وكانَ الحَجُّ قَدْ وجَبَ عَلَيْهِ لِاسْتِطاعَتِهِ بِنَفْسِهِ أوْ بِغَيْرِهِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ، وكانَ قَدْ تَرَكَ مالًا، فَهَلْ يَجِبُ أنْ يُحَجَّ ويُعْتَمَرَ عَنْهُ مِن مالِهِ ؟ في ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، فَقالَ بَعْضُهم: يَجِبُ أنْ يُحُجَّ عَنْهُ، ويُعْتَمَرَ عَنْهُ مِن تَرِكَتِهِ، سَواءٌ ماتَ مُفَرِّطًا أوْ غَيْرَ مُفْرِّطٍ؛ لِكَوْنِ المَوْتِ عاجَلَهُ عَنِ الحَجِّ فَوْرًا. وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ.

(p-٣٢٣)قالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: وبِهَذا قالَ الحَسَنُ وطاوُسٌ والشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالُكٌ: يَسْقُطُ بِالمَوْتِ، فَإنْ أوْصى بِذَلِكَ، فَهو في الثُّلُثِ، وبِهَذا قالَ الشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ لِأنَّهُ عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَتَسْقُطُ بِالمَوْتِ كالصَّلاةِ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] مُقَدَّمٌ عَلى ظاهِرِ الأحادِيثِ، بَلْ عَلى صَرِيحِها؛ لِأنَّهُ أصَحُّ مِنها. وأجابَ المُخالِفُونَ بِأنَّ الأحادِيثَ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ القُرْآنِ، وبِأنَّ المَعْضُوبَ وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ بِسَعْيِهِ، بِتَقْدِيمِ المالِ وأُجْرَةِ مَن يَحُجُّ عَنْهُ. فَهَذا مِن سَعْيِهِ، وأجابُوا عَنْ قِياسِهِ عَلى الصَّلاةِ بِأنَّها لا تَدْخُلُها النِّيابَةُ، بِخِلافِ الحَجِّ، والَّذِينَ قالُوا: يَجِبُ أنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِن رَأْسِ مالِهِ اسْتَدَلُّوا بِأحادِيثَ جاءَتْ في ذَلِكَ، تَقْتَضِي أنَّ مَن ماتَ وقَدْ وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ قَبْلَ مَوْتِهِ، أنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ.

مِنها: ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ، عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ امْرَأةً مِن جُهَيْنَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتّى ماتَتْ، أفَأحُجُّ عَنْها ؟ قالَ: ”نَعَمْ، حُجِّي عَنْها، أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أُمِّكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قاضِيَتَهُ ؟ اقْضُوا اللَّهَ فاللَّهُ أحَقُّ بِالوَفاءِ“» . اهـ.

والحَجُّ في هَذا الحَدِيثِ وإنْ كانَ مَنذُورًا فَإيجابُ اللَّهِ لَهُ عَلى عِبادِهِ في كِتابِهِ أقْوى مِن إيجابِهِ بِالنَّذْرِ. واسْتَدَلَّ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ عَلى صِحَّةِ نَذْرِ الحَجِّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ.

قالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: فَإذا حَجَّ أجْزَأهُ عَنْ حَجَّةِ الإسْلامِ، عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَلَيْهِ الحَجُّ عَنِ النَّذْرِ. وقِيلَ: يُجْزِئُ عَنِ النَّذْرِ، ثُمَّ يَحُجُّ حَجَّةَ الإسْلامِ. وقِيلَ: يُجْزِئُ عَنْهُما.

وَقالَ البُخارِيُّ أيْضًا في كِتابِ الأيْمانِ والنُّذُورِ: حَدَّثَنا آدَمُ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «أتى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لَهُ: إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، وإنَّها ماتَتْ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لَوْ كانَ عَلَيْها دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟“ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ”فاقْضِ اللَّهَ فَهو أحَقُّ بِالقَضاءِ“» . اهـ.

وَقالَ المُجِدُّ في المُنْتَقى بَعْدَ أنْ أشارَ لِحَدِيثِ البُخارِيِّ هَذا: وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحَجِّ عَنِ المَيِّتِ مِنَ الوارِثِ وغَيْرِهِ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَفْصِلْهُ أوارِثٌ هو أوْ لا ؟ وشَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ. انْتَهى.

(p-٣٢٤)وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ عَدَمَ الِاسْتِفْصالِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ أيْ: طَلَبَ التَّفْصِيلِ في أحْوالِ الواقِعَةِ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ العُمُومِ القَوْلِيِّ، وإلَيْهِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:

؎وَنَزِّلَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصالِ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ

وَخالَفَ في هَذا الأصْلِ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ، مَعَ بَيانِ الخِلافِ في المَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ، تَبَعًا لِلْخِلافِ في هَذا الأصْلِ المَذْكُورِ.

وَمِنها: ما رَواهُ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ، أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ أبِي بِشْرٍ قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ امْرَأةً نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ فَماتَتْ، فَأتى أخُوها النَّبِيَّ ﷺ فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقالَ ”أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلى أُخْتِكَ دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ:“ فاقْضُوا اللَّهَ، فَهو أحَقُّ بِالوَفاءِ "» . انْتَهى.

وَهَذِهِ الأحادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنا في نَذْرِ الحَجِّ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ إيجابَ اللَّهِ فَرِيضَةَ الحَجِّ أعْظَمُ مِن إيجابِها بِالنَّذْرِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِقَضائِها وشَبَّهَها بِدَيْنِ الآدَمِيِّ، وسَنَذْكُرُ أيْضًا إنْ شاءَ اللَّهُ أحادِيثَ لَيْسَ فِيها نَذْرُ الحَجِّ.

قالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا أبُو عاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أصْرَمَ النَّسائِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ، قالَ: أنْبَأنا مَعْمَرٌ عَنِ الحَكَمِ بْنِ أبانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ ”أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلى أبِيكَ دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟“ قالَ: نَعَمْ. قالَ: ”فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ“» . اهـ.

وَرِجالُ هَذا الإسْنادِ ثِقاتٌ مَعْرُوفُونَ، لا كَلامَ في أحَدٍ مِنهم، إلّا الحَكَمَ بْنَ أبانٍ العَدَنِيَّ. وقَدْ قالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ، والنَّسائِيُّ: ثِقَةٌ. وقالَ أبُو زُرْعَةَ: صالِحٌ. وقالَ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ صاحِبُ سُنَّةٍ. قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أتَيْتُ عَدَنَ، فَلَمْ أرَ مِثْلَ الحَكَمِ بْنِ أبانٍ، وعَدَّهُ ابْنُ حِبّانَ في الثِّقاتِ. وقالَ: رُبَّما أخْطَأ. وإنَّما وقَعَ المَناكِيرُ في رِوايَتِهِ، مِن رِوايَةِ ابْنِهِ إبْراهِيمَ عَنْهُ، وإبْراهِيمُ ضَعِيفٌ. وحَكى ابْنُ خَلْفُونٍ تَوْثِيقَهُ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ وابْنِ المَدِينِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. اهـ. وقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: فِيهِ ضَعْفٌ. وقالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ: تَكَلَّمَ أهْلُ المَعْرِفَةِ بِالحَدِيثِ في الِاحْتِجاجِ بِخَبَرِهِ. وبِما ذُكِرَ تَعْلَمُ صِحَّةَ الِاحْتِجاجِ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ، ولَيْسَ فِيهِ نَذْرُ الحَجِّ.

وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ أيْضًا: أخْبَرَنا عِمْرانُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو التَّيّاحِ، قالَ: حَدَّثَنِي مُوسى بْنُ سَلَمَةَ الهُذَلِيُّ، أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: «أمَرَتِ (p-٣٢٥)امْرَأةُ سِنانِ بْنِ سَلَمَةَ الجُهَنِيَّ، أنْ يَسْألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أنَّ أُمَّها ماتَتْ ولَمْ تَحُجَّ، أفَيُجْزِئُ عَنْ أُمِّها أنْ تَحُجَّ عَنْها ؟ قالَ: ”نَعَمْ، لَوْ كانَ عَلى أُمِّها دَيْنٌ فَقَضَتْهُ عَنْها ألَمْ يَكُنْ يُجْزِئُ عَنْها ؟ فَلْتَحُجَّ عَنْ أُمِّها“»، وهَذا الإسْنادُ صَحِيحٌ. وفي لَفْظٍ عِنْدَ النَّسائِيِّ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، بِإسْنادٍ آخَرَ: «أنَّ امْرَأةً سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ، عَنْ أبِيها، ماتَ ولَمْ يَحُجَّ. قالَ: ”حُجِّي عَنْ أبِيكِ“» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ بِإسْنادٍ آخَرَ صَحِيحٍ.

وَقالَ المُجِدُّ في المُنْتَقى: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «أتى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقالَ: إنَّ أبِي ماتَ وعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ ”أرَأيْتَ لَوْ أنَّ أباكَ تَرَكَ دَيْنًا عَلَيْهِ أقَضَيْتَهُ عَنْهُ ؟“ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ”فاحْجُجْ عَنْ أبِيكَ“» رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ. انْتَهى مِنَ المُنْتَقى.

وَقالَ التِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى، نا عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطاءٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ أُمِّي ماتَتْ ولَمْ تَحُجَّ، أفَأحُجُّ عَنْها ؟ قالَ ”نَعَمْ، حُجِّي عَنْها“» . اهـ. ثُمَّ قالَ: قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. اهـ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ نَحْوَهُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ.

وَقالَ الشّافِعِيُّ في مُسْنَدِهِ: أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ سالِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، سَمِعْتُ طاوُسًا يَقُولُ: «أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأةٌ، فَقالَتْ: إنَّ أُمِّي ماتَتْ، وعَلَيْها حَجٌّ، قالَ: ”حُجِّي عَنْ أُمِّكِ“» ولا يَخْفى أنَّ حَدِيثَ الشّافِعِيِّ هَذا مُرْسَلٌ، ولَكِنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الأحادِيثِ، وبِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.

وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أبُو الحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: «بَيْنا أنا جالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذْ أتَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ: إنِّي تَصَدَّقْتُ عَلى أُمِّي بِجارِيَةٍ، وإنَّها ماتَتْ قالَ: فَقالَ ”وَجَبَ أجْرُكِ ورَدَّها عَلَيْكِ المِيراثُ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ كانَ عَلَيْها صَوْمُ شَهْرٍ أفَأصُومُ عَنْها ؟ قالَ: صُومِي عَنْها، قالَتْ: إنَّها لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أفَأحُجُّ عَنْها ؟ قالَ: حُجِّي عَنْها»“ . انْتَهى مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ.

فَهَذِهِ الأحادِيثُ وأمْثالُها: هي حُجَّةُ مَن قالَ: إنَّ مَن وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ في الحَياةِ، وتَرَكَ مالًا وجَبَ أنْ يُحَجَّ عَنْهُ، ولَيْسَتْ كُلُّها ظاهِرَةً في ذَلِكَ. ولَكِنَّ بَعْضَها ظاهِرٌ فِيهِ (p-٣٢٦)كَتَشْبِيهِهِ بِدَيْنِ الآدَمِيِّ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ. وأجابَ المُخالِفُونَ بِأنَّ الحَجَّ أعْمالٌ بَدَنِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ تَحْتاجُ إلى مالٍ. والأعْمالُ البَدَنِيَّةُ تَسْقُطُ بِالمَوْتِ، فَلا وُجُوبَ لِعَمَلٍ بَعْدَ المَوْتِ، والَّذِي يَحُجُّ عَنْهُ مُتَطَوِّعٌ، وفاعِلٌ خَيْرًا. قالُوا: ووَجْهُ تَشْبِيهِهِ بِالدَّيْنِ انْتِفاعُ كُلٍّ مِنهُما بِذَلِكَ الفِعْلِ، فالمَدِينُ يَنْتَفِعُ بِقَضاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ، والمَيِّتُ يَنْتَفِعُ بِالحَجِّ عَنْهُ، ولا يَلْزَمُ مِن قَضاءِ الدَّيْنِ عَنْ أحَدٍ، أنَّ القَضاءَ عَنْهُ واجِبٌ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَضاؤُهُ عَنْهُ غَيْرَ واجِبٍ عَلَيْهِ.

واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ جَمِيعَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ بِالحَجِّ عَنِ المَيِّتِ: وارِدَةٌ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ في الحَجِّ عَنْهُ، قالُوا: والأمْرُ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ كالأمْرِ بَعْدَ الحَظْرِ، فَهو لِلْإباحَةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ والحَظْرَ الأوَّلَ كِلاهُما قَرِينَةٌ عَلى صَرْفِ الأمْرِ عَنِ الوُجُوبِ إلى الإباحَةِ.

قالَ ابْنُ السُّبْكِيِّ في جَمْعِ الجَوامِعِ في مَبْحَثِ الأمْرِ: فَإنْ ورَدَ بَعْدَ حَظْرٍ - قالَ الإمامُ: أوِ اسْتِئْذانٍ - فَلِلْإباحَةِ. وقالَ أبُو الطَّيِّبِ، والشِّيرازِيُّ، والسَّمْعانِيُّ والإمامُ: لِلْوُجُوبِ، وتَوَقَّفَ إمامُ الحَرَمَيْنِ. انْتَهى مِنهُ. فَتَراهُ صَدَّرَ بِأنَّ الأمْرَ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ لِلْإباحَةِ، والخِلافُ في المَسْألَةِ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ، في أبْياتِ مَراقِي السُّعُودِ في أوَّلِ سُورَةِ المائِدَةِ.

وَمِن أمْثِلَةِ كَونِ الأمْرِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ لِلْإباحَةِ: أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَمّا اصْطادُوهُ بِالجَوارِحِ، واسْتَأْذَنُوهُ في أكْلِهِ، نَزَلَ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] فَصارَ هَذا الأمْرُ بِالأكْلِ لِلْإباحَةِ؛ لِأنَّهُ وارِدٌ بَعْدَ سُؤالٍ واسْتِئْذانٍ.

وَمِن أمْثِلَتِهِ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ مُسْلِمٍ: «أأُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ ؟ قالَ ”نَعَمْ“» الحَدِيثَ، فَإنَّ مَعْنى ”نَعَمْ“ هُنا: صَلِّ فِيها. وهَذا الأمْرُ بِالصَّلاةِ فِيها لِلْإباحَةِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ، وخِلافُ أهْلِ الأُصُولِ في مَسْألَةِ الأمْرِ بَعْدَ الحَظْرِ أوِ الِاسْتِئْذانِ مَعْرُوفٌ.

هَذا هو حاصِلُ كَلامِهِمْ في المُسْتَطِيعِ بِغَيْرِهِ، ووُجُوبِ الحَجِّ عَمَّنْ وجَبَ عَلَيْهِ في الحَياةِ، وماتَ قَبْلَ أنْ يَحُجَّ وتَرَكَ مالًا، وقَدْ عَلِمْتَ أدِلَّتَهم ومُناقَشَتَها.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الأحادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنا تَدُلُّ قَطْعًا عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الحَجِّ عَنِ المَعْضُوبِ والمَيِّتِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأظْهَرَ عِنْدَنا وُجُوبُ الحَجِّ فَوْرًا، وعَلَيْهِ فَلَوْ فَرَّطَ، وهو قادِرٌ عَلى (p-٣٢٧)الحَجِّ حَتّى ماتَ مُفَرِّطًا مَعَ القُدْرَةِ، أنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِن رَأْسِ مالِهِ، إنْ تَرَكَ مالًا؛ لِأنَّ فَرِيضَةَ الحَجِّ تَرَتَّبَتْ في ذِمَّتِهِ، فَكانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وقَضاءُ دَيْنِ اللَّهِ صَرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ في الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ بِأحَقِّيَّتِهِ حَيْثُ قالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقْضى» .

أمّا مَن عاجَلَهُ المَوْتُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَماتَ غَيْرَ مُفَرِّطٍ، فالظّاهِرُ لَنا أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ، ولا دَيْنَ لِلَّهِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن أداءِ الفِعْلِ حَتّى يَتَرَتَّبَ في ذِمَّتِهِ، ولَنْ يُكَلِّفَ اللَّهُ نَفَسًا إلّا وُسْعَها، وقَدْ دَلَّتِ الأحادِيثُ المَذْكُورَةُ عَلى جَوازِ حَجِّ الرَّجُلِ عَنِ المَرْأةِ وعَكْسِهِ، وعَلَيْهِ عامَّةُ العُلَماءِ، ولَمْ يُخالِفْ فِيهِ إلّا الحَسَنُ بْنُ صالِحِ بْنِ حَيٍّ.

والأحادِيثُ المَذْكُورَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن وافَقُوهُ، لَمْ يَعْمَلُوا بِظاهِرِ هَذِهِ الأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنا مَعَ كَثْرَتِها وصِحَّتِها؛ لِأنَّها مُخالِفَةٌ عِنْدَهم لِظاهِرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] . وقَوْلِهِ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] والمَعْضُوبُ والمَيِّتُ لَيْسَ واحِدٌ مِنهُما بِمُسْتَطِيعٍ؛ لِصِدْقِ قَوْلِكَ: إنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ بِنَفْسِهِ.

واعْلَمْ أنَّ ما اشْتُهِرَ عَنْ مالِكٍ مِن أنَّهُ يَقُولُ: لا يَحُجُّ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ؛ مَعْناهُ عِنْدَهُ: أنَّ الصَّحِيحَ القادِرَ لا يَصِحُّ الحَجُّ عَنْهُ في الفَرْضِ.

والمَعْضُوبُ عِنْدَهُ لَيْسَ بِقادِرٍ، وأحْرى المَيِّتُ، فالحَجُّ عَنْهُما مِن مالِهِما لا يَلْزَمُ عِنْدَهُ إلّا بِوَصِيَّةٍ، فَإنْ أوْصى بِهِ صَحَّ مِنَ الثُّلُثِ، وتَطَوُّعُ ولَيِّهِ بِالحَجِّ عَنْهُ، خِلافُ الأوْلى عِنْدَهُ، بَلْ مَكْرُوهٌ.

والأفْضَلُ عِنْدَهُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ المالُ الَّذِي يَحُجُّ بِهِ عَنْهُ في غَيْرِ الحَجِّ، كَأنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ أوْ يُعْتِقَ بِهِ عَنْهُ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنْ أحْرَمَ بِالحَجِّ عَنْهُ انْعَقَدَ إحْرامُهُ وصَحَّ حَجُّهُ عَنْهُ.

والحاصِلُ: أنَّ النِّيابَةَ عَنِ الصَّحِيحِ في الفَرْضِ عِنْدَهُ مَمْنُوعَةٌ، وفي غَيْرِ الفَرْضِ مَكْرُوهَةٌ، والعاجِزُ عِنْدَهُ لا فَرْضَ عَلَيْهِ أصْلًا لِلْحَجِّ.

قالَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ في مُخْتَصَرِهِ: ومُنِعَ اسْتِنابَةُ صَحِيحٍ في فَرْضٍ، وإلّا كُرِهَ. اهـ.

وَقالَ شارِحُهُ الخَطّابُ: ويَدْخُلُ في قَوْلِ المُصَنِّفِ: وإلّا كُرِهَ، بِحَسَبِ الظّاهِرِ ثَلاثُ صُوَرٍ: اسْتِنابَةُ الصَّحِيحِ في النَّفْلِ، واسْتِنابَةُ العاجِزِ في الفَرْضِ وفي النَّفْلِ، لَكِنْ في التَّحْقِيقِ لَيْسَ هُنا إلّا صُورَتانِ؛ لِأنَّ العاجِزَ لا فَرِيضَةَ عَلَيْهِ. اهـ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском