Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:28, continued
وَحاصِلُ كَلامِهِ أنَّ ظاهِرَ كَلامِ الحَنابِلَةِ أنَّ السَّفَرَ بَعْدَ وُصُولِ مَكَّةَ، لا يُسْقِطُ دَمَ القِرانِ، وأنَّ مُقْتَضى القِياسِ أنَّهُ يُسْقِطُهُ إلْحاقًا لَهُ بِالتَّمَتُّعِ، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: لَوْ دَخَلَ القارِنُ مَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، ثُمَّ عادَ إلى المِيقاتِ، فالمَذْهَبُ: أنَّهُ لا دَمَ عَلَيْهِ في الإمْلاءِ، وقَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ أوِ الأكْثَرُونَ، وصَحَّحَهُ الحَنّاطِيُّ وآخَرُونَ. وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: إنْ قُلْنا المُتَمَتِّعُ إذا أحْرَمَ بِالحَجِّ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ لا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ فَهُنا أوْلى، وإلّا فَوَجْهانِ: والفَرْقُ أنَّ اسْمَ القِرانِ لا يَزُولُ بِالعَوْدِ، بِخِلافِ التَّمَتُّعِ، ولَوْ أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ مِنَ المِيقاتِ، ودَخَلَ مَكَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المِيقاتِ قَبْلَ طَوافِهِ فَأحْرَمَ بِالحَجِّ، فَهو قارِنٌ.
قالَ الدّارِمِيُّ في آخِرِ بابِ الفَواتِ: إنْ قُلْنا إذا أحْرَمَ بِهِما جَمِيعًا، ثُمَّ رَجَعَ سَقَطَ الدَّمُ فَهُنا أوْلى، وإلّا فَوَجْهانِ. انْتَهى مِنهُ.
وَظاهِرُ كَلامِ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ المالِكِيِّ أنَّ السَّفَرَ لا يُسْقِطُ دَمَ القِرانِ والحاصِلُ: أنّا بَيَّنّا اخْتِلافَ أهْلِ العِلْمِ في السَّفَرِ بَعْدَ أفْعالِ العُمْرَةِ أوْ بَعْدَ دُخُولِ مَكَّةَ، هَلْ يُسْقِطُ دَمَ القِرانِ أوْ لا ؟ وبَيَّنّا قَوْلَ صاحِبِ ”الإنْصافِ“ أنَّ سُقُوطَهُ بِالسَّفَرِ، هو مُقْتَضى قِياسِهِ عَلى التَّمَتُّعِ.
وَأقْرَبُ الأقْوالِ عِنْدِي لِلصَّوابِ أنَّ دَمَ القِرانِ لا يُسْقِطُهُ السَّفَرُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الأحْوَطَ عِنْدَنا أنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ لا يُسْقِطُهُ السَّفَرُ؛ لِتَصْرِيحِ القُرْآنِ بِوُجُوبِ الهَدْيِ عَلى المُتَمَتِّعِ، وعَدَمِ صَراحَةِ الآيَةِ في سُقُوطِهِ بِالسَّفَرِ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ لُزُومَ الدَّمِ لِلْقارِنِ الَّذِي هو مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ اكْتَفى عَنِ النُّسُكَيْنِ بِعَمَلِ أحَدِهِما عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، كَما تَقَدَّمَ.
(p-١٣١)وَأظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدَنا أنَّ المَكِّيَّ إذا أرادَ الإحْرامَ بِالقِرانِ، أحْرَمَ بِهِ مِن مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ في حَجِّهِ إلى عَرَفَةَ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الحِلِّ والحَرَمِ، خِلافًا لِمَن قالَ: يَلْزَمُ المَكِّيَّ إنْشاءُ إحْرامِهِ مِن أدْنى الحِلِّ وكَذَلِكَ الآفاقِيُّ، إذا كانَ في مَكَّةَ، وأرادَ أنْ يُحْرِمَ قارِنًا، فالأظْهَرُ أنَّهُ يُحْرِمُ بِالقِرانِ مِن مَكَّةَ، خِلافًا لِمَن قالَ: يُحْرِمُ بِهِ مِن أدْنى الحِلِّ لِما بَيَّنّا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
وَإذا عَرَفْتَ الشُّرُوطَ الَّتِي بِها يَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ والقِرانِ، فاعْلَمْ أنا أرَدْنا هُنا أنْ نُبَيِّنَ ما يُجْزِئُ فِيهِ، فالتَّحْقِيقُ أنَّهُ ما تَيَسَّرَ مِنَ الهَدْيِ، وأقَلُّهُ شاةٌ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً، وأعْلاهُ بَدَنَةٌ، وأوْسَطُهُ بَقَرَةٌ، والتَّحْقِيقُ أنَّ سُبْعَ بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ يَكْفِي، فَلَوِ اشْتَرَكَ سَبْعَةٌ مِنَ المُتَمَتِّعِينَ في بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ وذَبَحُوها أجْزَأتْ عَنْهم، لِلنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ؛ كَحَدِيثِ جابِرٍ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنّا في بَدَنَةٍ» وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ قالَ: ”«اشْتَرَكْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الحَجِّ والعُمْرَةِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنّا في بَدَنَةٍ“، فَقالَ رَجُلٌ لِجابِرٍ: أيُشْتَرَكُ في البَقَرَةِ ما يُشْتَرَكُ في الجَزُورِ ؟ فَقالَ: ما هي إلّا مِنَ البُدْنِ» .
قالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا مالِكٌ (ح)، وحَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى. واللَّفْظُ لَهُ، قالَ: قَرَأْتُ عَلى مالِكٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «نَحَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» . وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنّا في بَدَنَةٍ» وفي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: «حَجَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَحَرْنا البَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» . وفي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «اشْتَرَكْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، كُلُّ سَبْعَةٍ في بَدَنَةٍ ”فَقالَ رَجُلٌ لِجابِرٍ: أيُشْتَرَكُ في البَدَنَةِ ما يُشْتَرَكُ في الجَزُورِ ؟ قالَ: ما هي إلّا مِنَ البُدْنِ»، وحَضَرَ جابِرٌ الحُدَيْبِيَةَ، قالَ:“ نَحَرْنا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَةً اشْتَرَكْنا كُلُّ سَبْعَةٍ في بَدَنَةٍ ”. وفي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ، وهو يُحَدِّثُ عَنْ حُجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“ «فَأمَرَنا إذا أحْلَلْنا أنْ نُهْدِيَ ويَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنّا في الهَدِيَّةِ»؛ وذَلِكَ حِينَ أمَرَهم أنَّ يُحِلُّوا مِن حَجِّهِمْ في هَذا الحَدِيثِ. وفي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كُنّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَذْبَحُ البَقَرَةَ، عَنْ سَبْعَةٍ نَشْتَرِكُ فِيها» . انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
وَهَذِهِ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ: عَلى أنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ يَكْفِي فِيهِ الِاشْتِراكُ بِالسَّبْعِ في بَدَنَةٍ، أوْ بَقَرَةٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ داخِلٌ فِيما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ. أمّا الشّاةُ والبَدَنَةُ كامِلَةً (p-١٣٢)فَإجْزاءُ كُلٍّ مِنهُما لا إشْكالَ فِيهِ. وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ مَنصُورٍ، أخْبَرَنا النَّضْرُ، أخْبَرَنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنا أبُو جَمْرَةَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنِ المُتْعَةِ ؟ فَأمَرَنِي بِها، وسَألْتُهُ عَنِ الهَدْيِ فَقالَ: فِيها جَزُورٌ أوْ بَقَرَةٌ، أوْ شاةٌ، أوْ شِرْكٌ في دَمٍ. الحَدِيثَ. فَقَوْلُهُ: أوْ شِرْكٌ في دَمٍ: يَعْنِي بِهِ ما بَيَّنَتْهُ الرِّواياتُ المَذْكُورَةُ الصَّحِيحَةُ. عَنْ جابِرٍ أنَّ البَدَنَةَ والبَقَرَةَ كِلْتاهُما تَكْفِي عَنْ سَبْعَةٍ مِنَ المُتَمَتِّعِينَ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ هَذا الحَدِيثِ: وهَذا مُوافِقٌ لِما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ جابِرٍ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ فَأمَرَنا أنْ نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنّا في بَدَنَةٍ»، ثُمَّ قالَ وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ والجُمْهُورُ، سَواءٌ كانَ الهَدْيُ تَطَوُّعًا أوْ واجِبًا، وسَواءٌ كانُوا كُلُّهم مُتَقَرِّبِينَ بِذَلِكَ، أوْ كانَ بَعْضُهم يُرِيدُ التَّقَرُّبَ، وبَعْضُهم يُرِيدُ اللَّحْمَ. وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: يُشْتَرَطُ في الِاشْتِراطِ أنْ يَكُونُوا كُلُّهم مُتَقَرِّبِينَ بِالهَدْيِ، وعَنْ زُفَرَ مِثْلُهُ بِزِيادَةٍ: أنْ تَكُونَ أسْبابُهم واحِدَةً، وعَنْ داوُدَ وبَعْضِ المالِكِيَّةِ: يَجُوزُ في هَدْيِ التَّطَوُّعِ، دُونَ الواجِبِ، وعَنْ مالِكٍ: لا يَجُوزُ مُطْلَقًا انْتَهى مِنهُ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ سُبْعَ البَدَنَةِ وسُبْعَ البَقَرَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقُومُ مَقامَ الشّاةِ، ويَدْخُلُ في عُمُومِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، والرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنا حُجَّةٌ عَلى كُلِّ مَن خالَفَ ذَلِكَ كَمالِكٍ ومَن وافَقَهُ، وما احْتَجَّ بِهِ إسْماعِيلُ القاضِي لِمالِكٍ، مِن أنَّ الِاشْتِراكَ في الهَدْيِ، لا يَصِحُّ مِن أنَّ حَدِيثَ جابِرٍ، إنَّما كانَ بِالحُدَيْبِيَةِ، حَيْثُ كانُوا مُحْصَرِينَ. وأنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ خالَفَ فِيهِ أبُو جَمْرَةَ عَنْهُ ثِقاتِ أصْحابِهِ، فَرَوَوْا عَنْهُ أنَّ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ: شاةٌ، ثُمَّ ساقَ ذَلِكَ عَنْهم بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ مَرْدُودَةٍ. أمّا دَعْوى أنَّ حَدِيثَ جابِرٍ إنَّما كانَ بِالحُدَيْبِيَةِ، حَيْثُ كانُوا مُحْصَرِينَ، فَهي مَرْدُودَةٌ، بِما ثَبَتَ في الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ في مُسْلِمٍ الَّتِي سُقْناها بِألْفاظِها: أنَّهُمُ اشْتَرَكُوا الِاشْتِراكَ المَذْكُورَ مَعَهُ ﷺ أيْضًا في حَجِّهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِحَجِّهِ حَجَّةُ الوَداعِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الهِجْرَةِ حَجَّةً غَيْرَها. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، عِنْدَ مُسْلِمٍ الَّتِي سُقْناها بِألْفاظِها آنِفًا التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ الِاشْتِراكِ في الحَجَّةِ المَذْكُورَةِ، كَما هو واضِحٌ مِن ألْفاظِ مُسْلِمٍ الَّتِي ذَكَرْناها. وأمّا دَعْوى مُخالَفَةِ أبِي جَمْرَةَ في ذِكْرِهِ الِاشْتِراكَ المَذْكُورَ ثِقاتِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَهي مَرْدُودَةٌ أيْضًا، بِما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“، حَيْثُ قالَ: ولَيْسَ بَيْنَ رِوايَةِ أبِي جَمْرَةَ، ورِوايَةِ غَيْرِهِ مُنافاةٌ؛ لِأنَّهُ زادَ عَلَيْهِمْ ذِكْرَ الِاشْتِراكِ، ووافَقَهم عَلى ذِكْرِ الشّاةِ، وإنَّما أرادَ ابْنُ عَبّاسٍ بِالِاقْتِصارِ عَلى الشّاةِ الرَّدَّ عَلى مَن زَعَمَ اخْتِصاصَ الهَدْيِ بِالإبِلِ والبَقَرِ. وذَلِكَ واضِحٌ فِيما سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذا، إلى (p-١٣٣)أنْ قالَ: وبِهَذا تَجْتَمِعُ الأخْبارُ، وهو أوْلى مِنَ الطَّعْنِ في رِوايَةِ مَن أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى تَوْثِيقِهِ، وهو أبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ لا يَرى التَّشْرِيكَ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لَمّا بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ، وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ رُجُوعَ ابْنِ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ، عَنْ أحْمَدَ بِسَنَدِهِ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَأظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي أنَّ البَدَنَةَ لا تُجْزِئُ عَنْ أكْثَرِ مِن سَبْعَةٍ، وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ: أنَّها تُجْزِئُ عَنْ عَشَرَةٍ. قالَ: وبِهِ قالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ مِنَ الشّافِعِيَّةِ. واحْتَجَّ لِذَلِكَ في صَحِيحِهِ، وقَوّاهُ واحْتَجَّ لَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِحَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أنَّهُ ﷺ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ»، الحَدِيثَ. وهو في الصَّحِيحَيْنِ.
وَأجْمَعُوا عَلى أنَّ الشّاةَ: لا يَصِحُّ الِاشْتِراكُ فِيها، وقَوْلُهُ: ”أوْ شاةٌ“ هو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ. ورَواهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْهم، ورُوِيا بِإسْنادٍ قَوِيٍّ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عائِشَةَ، وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُما كانا لا يَرَيانِ ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾: إلّا مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، ووافَقَهُما القاسِمُ، وطائِفَةٌ. قالَ إسْماعِيلُ القاضِي في الأحْكامِ لَهُ: أظُنُّ أنَّهم ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] فَذَهَبُوا إلى تَخْصِيصِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ البُدْنِ، قالَ: ويَرُدُّ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ في الظَّبْيِ شاةٌ، فَوَقَعَ عَلَيْها اسْمُ هَدْيٍ.
قُلْتُ: قَدِ احْتَجَّ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَأخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهَدْيُ شاةٌ. فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أنا أقْرَأُ عَلَيْكم مِن كِتابِ اللَّهِ ما تُقِرُّونَ بِهِ، ما في الظَّبْيِ ؟ قالُوا: شاةٌ، قالَ: فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ . اهـ مِن فَتْحِ البارِي.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: أنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «أهْدى ﷺ مَرَّةً غَنَمًا»، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ عَنْها صَرِيحٌ في تَسْمِيَةِ الغَنَمِ هَدْيًا كَما تَرى.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ هو الصَّوابُ في هَدْيِ التَّمَتُّعِ، الَّذِي نَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ عَلى أنَّهُ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ: أنَّهُ شاةٌ، أوْ بَدَنَةٌ، أوْ بَقَرَةٌ. ويَكْفِي في ذَلِكَ سُبْعُ البَدَنَةِ وسُبْعُ البَقَرَةِ، عَنِ المُتَمَتِّعِ الواحِدِ، وتَكْفِي البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةِ مُتَمَتِّعِينَ لِثُبُوتِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ بِذَلِكَ، ولَمْ يَقُمْ مِن كِتابِ اللَّهِ، ولا سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ نَصٌّ (p-١٣٤)صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ يُقاوِمُها، ورِوايَةُ جابِرٍ أنَّ البَدَنَةَ تَكْفِي في الهَدْيِ، عَنْ سَبْعَةٍ أخَصُّ في مَحَلِّ النِّزاعِ مِن حَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أنَّهُ ﷺ جَعَلَ البَعِيرَ في القِسْمَةِ يَعْدِلُ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ»؛ لِأنَّ هَذا في القِسْمَةِ، وحَدِيثُ جابِرٍ في خُصُوصِ الهَدْيِ، والأخَصُّ في مَحَلِّ النِّزاعِ مُقَدَّمٌ عَلى الأعَمِّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَمِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“ في شَرْحِ حَدِيثِ رافِعٍ المَذْكُورِ، وقَدْ أوْرَدَهُ البُخارِيُّ في كِتابِ الذَّبائِحِ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ بِلَفْظٍ، قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ فَأصَبْنا إبِلًا وغَنَمًا، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ في أُخْرَياتِ النّاسِ فَعَجَّلُوا فَنَصَبُوا القُدُورَ، فَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِمْ فَأمَرَ بِالقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَّمَ فَعَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ فَنَّدَ مِنها بَعِيرٌ»، الحَدِيثَ.
وَنَصُّ كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ في هَذا الحَدِيثِ: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ هَذا كانَ قِيمَةَ الغَنَمِ إذْ ذاكَ، فَلَعَلَّ الإبِلَ كانَتْ قَلِيلَةً، أوْ نَفِيسَةً، والغَنَمُ كانَتْ كَثِيرَةً، أوْ هَزِيلَةً بِحَيْثُ كانَتْ قِيمَةُ البَعِيرِ عَشْرَ شِياهٍ، ولا يُخالِفُ ذَلِكَ القاعِدَةَ في الأضاحِيِّ، مِن أنَّ البَعِيرَ يُجْزِئُ عَنْ سَبْعِ شِياهٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الغالِبُ في قِيمَةِ الشّاةِ والبَعِيرِ المُعْتَدِلَيْنِ. وأمّا هَذِهِ القِسْمَةُ، فَكانَتْ واقِعَةَ عَيْنٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّعْدِيلُ لِما ذُكِرَ مِن نَفاسَةِ الإبِلِ، دُونَ الغَنَمِ.
وَحَدِيثُ جابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ صَرِيحٌ في الحُكْمِ، حَيْثُ قالَ فِيهِ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنّا في بَدَنَةٍ» والبَدَنَةُ تُطْلَقُ عَلى النّاقَةِ، والبَقَرَةِ.
وَأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ فَحَضَرَ الأضْحى فاشْتَرَكْنا في البَقَرَةِ تِسْعَةٌ، وفي البَدَنَةِ عَشَرَةٌ» فَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وعَضَّدَهُ بِحَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ هَذا. والَّذِي يَتَحَرَّرُ في هَذا أنَّ الأصْلَ أنَّ البَعِيرَ بِسَبْعٍ ما لَمْ يَعْرِضْ عارِضٌ مِن نَفاسَةٍ، ونَحْوِها، فَيَتَغَيَّرُ الحُكْمُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وبِهَذا تَجْتَمِعُ الأخْبارُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ، ثُمَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ القِسْمَةِ المَذْكُورَةِ، أنَّها وقَعَتْ فِيما عَدا ما طُبِخَ وأُرِيقَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ، الَّتِي كانُوا غَنِمُوها، ويُحْتَمَلُ إنْ كانَتِ الواقِعَةُ تَعَدَّدَتْ أنْ تَكُونَ القِصَّةُ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَبّاسٍ، أُتْلِفَ فِيها اللَّحْمُ لِكَوْنِهِ كانَ قُطِّعَ لِلطَّبْخِ، والقِصَّةُ الَّتِي في حَدِيثِ رافِعٍ طُبِخَتِ الشِّياهُ صِحاحًا مَثَلًا، فَلَمّا أُرِيقَ مَرَقُها ضُمَّتْ إلى الغَنَمِ لِتُقَسَّمَ، ثُمَّ يَطْبُخُها مَن وقَعَتْ في سَهْمِهِ، ولَعَلَّ هَذا هو النُّكْتَةُ في انْحِطاطِ قِيمَةِ الشِّياهِ، عَنِ العادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ.
(p-١٣٥)وَكَوْنُ اللَّحْمِ رُدَّ لِيَطْبُخَهُ مَن وقَعَ في سَهْمِهِ مَرَّةً أُخْرى، غَيْرُ ظاهِرٍ عِنْدِي، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَحَدِيثُ رافِعٍ المَذْكُورُ: أخْرَجَهُ أيْضًا مُسْلِمٌ في كِتابِ: الصَّيْدِ والذَّبائِحِ، ولَفْظُ المُرادِ مِنهُ عَنْ رافِعٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ مِن تِهامَةَ فَأصَبْنا غَنَمًا وإبِلًا فَعَجِلَ القَوْمُ فَأغْلُوا بِها القُدُورَ فَأمَرَ بِها فَكُفِئَتْ، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ» .
والحاصِلُ أنَّ أخَصَّ شَيْءٍ في مَحَلِّ النِّزاعِ وأصْرَحَهُ فِيهِ، وأوْضَحَهُ فِيهِ حَدِيثُ جابِرٍ، الَّذِي ذَكَرْنا رِوايَتَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ. أمّا حَدِيثُ رافِعٍ، فَهو في قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ لا في الهَدْيِ. وأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَظاهِرُهُ أنَّهُ في الضَّحايا، وعَلى كُلِّ حالٍ: فَحَدِيثُ جابِرٍ أصَحُّ مِنهُ، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُتَمَتِّعَ يَكْفِيهِ سُبْعُ بَدَنَةٍ، وأنَّ النَّصَّ الصَّرِيحَ الوارِدَ بِذَلِكَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ، عَلى أنَّهُ يَكْفِيهِ عُشْرُ بَدَنَةٍ، وقَدْ رَأيْتُ أدِلَّةَ القَوْلَيْنِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences