Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:29–35, continued
فَظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أنَّ كَعْبًا غَيْرُ مُسْتَشِيرٍ بَلْ مُرِيدُ التَّجَرُّدِ مِن جَمِيعِ مالِهِ عَلى وجْهِ النَّذْرِ والتَّوْبَةِ، كَما في تَرْجَمَةِ الحَدِيثِ، وقَدْ أمَرَهُ ﷺ بِأنْ يُمْسِكَ بَعْضَ مالِهِ، وصَرَّحَ لَهُ بِأنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ البَعْضَ الَّذِي يُمْسِكُهُ بِالثُّلُثَيْنِ، وأنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ هَذا الحَدِيثِ قَوْلُهُ: «أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهو خَيْرٌ لَكَ» زادَ أبُو داوُدَ عَنْ أحْمَدَ بْنِ صالِحٍ بِهَذا السَّنَدِ، فَقُلْتُ: إنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، وهو عِنْدَ المُصَنِّفِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، ووَقَعَ في رِوايَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذا السَّنَدِ، عِنْدَ أبِي داوُدَ: «إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أخْرُجَ مِن مالِي كُلِّهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ صَدَقَةً قالَ: لا، قُلْتُ: فَنَصِفُهُ ؟ قالَ: لا، قُلْتُ: فَثُلُثُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإنِّي سَأمْسِكُ سَهْمِي في خَيْبَرَ» .
واعْلَمْ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ في حَدِيثِهِ هَذا عِنْدَ أبِي داوُدَ، صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأمِنَ تَدْلِيسَهُ ثُمَّ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ (p-٢٥٢)كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وذَكَرَ الحَدِيثَ وفِيهِ: «وَإنِّي أنْخَلِعُ مِن مالِي كُلِّهِ صَدَقَةً، قالَ: ”يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ»“ وفي حَدِيثِ أبِي لُبابَةَ، عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ مِثْلُهُ اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن فَتْحِ البارِي.
وَقَدْ رَأيْتُ الرِّواياتِ المُصَرِّحَةَ بِأنَّهُ يُجْزِئُهُ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيعِ المالِ، وظاهِرُ الحَدِيثِ أنَّهُ جازِمٌ غَيْرُ مُسْتَشِيرٍ فَمَن زَعَمَ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ مُسْتَشِيرٌ فَهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ مَبْدُوءٌ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، الَّذِي هو إنَّ المَكْسُورَةُ في قَوْلِهِ: «إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي»، واللَّفْظُ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ، لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى التَّوَقُّفِ والِاسْتِشارَةِ، كَما تَرى فَقَوْلُهُ ﷺ لِكَعْبِ بْنِ مالِكٍ وأبِي لُبابَةَ: إنَّ الثُّلُثَ يَكْفِي عَنِ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ المالِ، هو الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنا بِسَبَبِهِ: أنَّ أقْرَبَ الأقْوالِ عِنْدَنا الِاكْتِفاءُ بِالثُّلُثِ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِهِ، فَيَسْتَدِلُّ لَهُ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» وهو يَدُلُّ عَلى إيفائِهِ بِنَذْرِهِ، ولَوْ أتى عَلى كُلِّ المالِ، إلّا أنَّ دَلِيلَ ما قَبْلَهُ أخَصُّ مِنهُ في مَحَلِّ النِّزاعِ والأخَصُّ مُقَدَّمٌ عَلى الأعَمِّ.
وَأمّا قَوْلُ سَحْنُونٍ: يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِما لا يَضُرُّ بِهِ فَيَسْتَدِلُّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٦]؛ لِأنَّ العَفْوَ في أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ، هو ما لا يَضُرُّ إنْفاقُهُ بِالمُنْفِقِ، ولا يُجْحِفُ بِهِ لِإمْساكِهِ ما يَسُدُّ خَلَّتَهُ الضَّرُورِيَّةَ، وهَذا قَدْ يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الثُّلُثَ مِنَ العَفْوِ الَّذِي لا يُجْحِفُ بِهِ إنْفاقُهُ، فَأظْهَرُها الأوَّلُ كَما ذَكَرْنا وباقِي الأقْوالِ لا أعْلَمُ لَهُ دَلِيلًا مُتَّجِهًا مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، وما وجَّهَ بِهِ تِلْكَ الأقْوالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ لا يَتَّجِهُ عِنْدِي، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
الفَرْعُ الثّامِنُ: اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ دَلَّ النَّصُّ الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ مَن نَذَرَ أنْ يُسافِرَ إلى مَسْجِدٍ لِيُصَلِّيَ فِيهِ كَمَسْجِدِ البَصْرَةِ، أوِ الكُوفَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ: لا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ إلى مَسْجِدٍ مِن تِلْكَ المَساجِدِ، ولْيُصَلِّ الصَّلاةَ الَّتِي نَذَرَها بِهِ في مَوْضِعِهِ الَّذِي هو بِهِ، والنَّصُّ الصَّحِيحُ المَذْكُورُ هو حَدِيثُ: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ ومَسْجِدِي هَذا ومَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ»، والجارِي عَلى الأُصُولِ: أنَّهُ لا يَخْرُجُ مِن هَذا الحَصْرِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، إلّا ما أخْرَجَهُ نَصٌّ صَحِيحٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ. والأظْهَرُ أنَّ مَن نَذَرَ السَّفَرَ لِصَلاةٍ في مَسْجِدِ إيلِياءَ، وصَلّاها في مَسْجِدِ مَكَّةَ أوِ المَدِينَةِ أجْزَأتْهُ، لِأنَّهُما أفْضَلُ مِنهُ.
وَقَدْ قالَ أبُو داوُدَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ ثَنا حَمّادٌ أخْبَرَنا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ (p-٢٥٣)عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ رَجُلًا قامَ يَوْمَ الفَتْحِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أنْ أُصَلِّيَ في بَيْتِ المَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قالَ: ”صَلِّ هَهُنا ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِ، فَقالَ: صَلِّ هَهُنا ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِ، فَقالَ: شَأْنَكَ إذًا»“ قالَ أبُو داوُدَ: ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفي لَفْظٍ لِأبِي داوُدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ رِجالٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ ﷺ: «والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ هُنا لَأجْزَأ عَنْكَ صَلاةً في بَيْتِ المَقْدِسِ» اهـ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَلْنَكْتَفِ بِما ذُكِرَ هُنا مِن مَسائِلِ النَّذْرِ لِكَثْرَةِ ما كَتَبْنا في آياتِ سُورَةِ الحَجِّ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ وأقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فِيها، والنَّذْرُ بابٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ، فَمَن أرادَ الإحاطَةَ بِجَمِيعِ مَسائِلِهِ، فَلْيَنْظُرْها في كُتُبِ فُرُوعِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هُنا عُيُونَ مَسائِلِهِ المُهِمَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ .
فِي المُرادِ بِالعَتِيقِ هُنا لِلْعُلَماءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهِ القَدِيمُ، لِأنَّهُ أقْدَمُ مَواضِعِ التَّعَبُّدِ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالعِتْقِ فِيهِ الكَرَمُ، والعَرَبُ تُسَمِّي القَدِيمَ عَتِيقًا وعاتِقًا ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
؎كالمِسْكِ تَخْلِطُهُ بِماءِ سَحابَةٍ أوْ عاتِقٍ كَدَمِ الذَّبِيحِ مُدامِ
لِأنَّ مُرادَهُ بِالعاتِقِ الخَمْرُ القَدِيمَةُ الَّتِي طالَ مُكْثُها في دَنِّها زَمَنًا طَوِيلًا، وتُسَمِّي الكَرِيمَ عِتْقًا ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎قَنْواءُ في حَرَّتَيْها لِلْبَصِيرِ بِها عِتْقٌ ∗∗∗ مُبِينٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ
فَقَوْلُهُ: عِتْقٌ مُبِينٌ: أيْ كَرَمٌ ظاهِرٌ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي:
؎وَيَبِينُ عِتْقُ الخَيْلِ في أصْواتِها
أيْ كَرَمُها،
؎والعِتْقُ مِنَ الجَبابِرَةِ كالعِتْقِ مِنَ الرِّقِّ
، وهو مَعْرُوفٌ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ: أنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، عَلى أنَّ العَتِيقَ في الآيَةِ (p-٢٥٤)بِمَعْنى القَدِيمِ الأوَّلِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٩٦] مَعَ أنَّ المَعْنَيَيْنِ الآخَرَيْنِ كِلاهُما حَقٌّ، ولَكِنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى ما ذَكَرْنا، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
تَنْبِيهانِ
الأوَّلُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، عَلى لُزُومِ طَوافِ الإفاضَةِ وأنَّهُ لا صِحَّةَ لِلْحَجِّ بِدُونِهِ.
الثّانِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا عَلى لُزُومِ الطَّوافِ مِن وراءِ الحِجْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ القَصِيرُ شَمالَ البَيْتِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ مِنَ البَيْتِ، فَهو داخِلٌ في اسْمِ البَيْتِ العَتِيقِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
22:30Page 335
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠
That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمُ المُسْتَثْنى مِن حِلْيَةِ الأنْعامِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو الصَّوابُ، أمّا ما قالَهُ جَماعاتٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ الآيَةَ الَّتِي بَيَّنَتِ الإجْمالَ في قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [ ٢٢ ] أنَّها قَوْلُهُ تَعالى في المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣] فَهو غَلَطٌ، لِأنَّ المائِدَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ وآيَةُ الحَجِّ هَذِهِ نازِلَةٌ قَبْلَ نُزُولِ المائِدَةِ بِكَثِيرٍ، فَلا يَصِحُّ أنْ يُحالَ البَيانُ عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ بَلِ المُبَيِّنُ لِذَلِكَ الإجْمالِ آيَةُ الأنْعامِ الَّتِي ذَكَرْنا لِأنَّها نازِلَةٌ بِمَكَّةَ، فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِآيَةِ الحَجِّ المَذْكُورَةِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى في المائِدَةِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] فَيَصِحُّ بَيانُهُ بِقَوْلِهِ في المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣]، كَما أوْضَحْنا في أوَّلِ المائِدَةِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ . ”مِن“ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانِيَّةٌ.
والمَعْنى: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ: أيْ (p-٢٥٥)عِبادَتَها والرِّجْسُ القَذَرُ الَّذِي تَعافُهُ النُّفُوسُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الأمْرُ بِاجْتِنابِ عِبادَةِ الأوْثانِ، ويَدْخُلُ في حُكْمِها، ومَعْناها عِبادَةُ كُلِّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ، وهَذا الأمْرُ بِاجْتِنابِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ المَذْكُورِ هُنا، جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ في صِحَّةِ إيمانِهِ بِاللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] وأثْنى اللَّهُ عَلى مُجْتَنِبِي عِبادَةِ الطّاغُوتِ المُنِيبِينَ لِلَّهِ، وبَيَّنَ أنَّ لَهُمُ البُشْرى، وهي ما يَسُرُّهم عِنْدَ رَبِّهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى﴾ الآيَةَ [الزمر: ١٧]، وقَدْ سَألَ إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَرْزُقَهُ اجْتِنابَ عِبادَةِ الطّاغُوتِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] والأصْنامُ تَدْخُلُ في الطّاغُوتِ دُخُولًا أوَّلِيًا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾، أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِاجْتِنابِ قَوْلِ الزُّورِ، وهو الكَذِبُ والباطِلُ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وكادِّعائِهِمْ لَهُ الأوْلادَ والشُّرَكاءَ، وكُلُّ قَوْلٍ مائِلٍ عَنِ الحَقِّ فَهو زُورٌ، لِأنَّ أصْلَ المادَّةِ الَّتِي هي الزُّورُ مِنَ الِازْوِرارِ بِمَعْنى المَيْلِ، والِاعْوِجاجِ، كَما أوْضَحْناهُ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٧] .
واعْلَمْ أنّا قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها، أنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ عامٌّ، ثُمَّ يُصَرَّحُ في بَعْضِ المَواضِعِ بِدُخُولِ بَعْضِ أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ فِيهِ، وتَقَدَّمَتْ لِذَلِكَ أمْثِلَةٌ، وسَيَأْتِي بَعْضُ أمْثِلَتِهِ في الآياتِ القَرِيبَةِ مِن سُورَةِ الحَجِّ هَذِهِ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ هُنا قالَ: واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ بِصِيغَةٍ عامَّةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ في بَعْضِ المَواضِعِ بَعْضَ أفْرادِ قَوْلِ الزُّورِ المَنهِيِّ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى في الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ ﷺ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ [الفرقان: ٤] فَصَرَّحَ بِأنَّ قَوْلَهم هَذا مِنَ الظُّلْمِ والزُّورِ، وقالَ في الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ، ويَقُولُ الواحِدُ مِنهم لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] فَصَرَّحَ بِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ، مُنْكَرٌ وزُورٌ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ ”وَكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ (p-٢٥٦)فَقالَ:“ ألا وقَوْلُ الزُّورِ ألا وشَهادَةُ الزُّورِ فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ» اهـ وقَدْ جَمَعَ تَعالى هُنا بَيْنَ قَوْلِ الزُّورِ والإشْراكِ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ:
﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: - ٣١] وكَما أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُما هُنا، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُما أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هو قَوْلُ الزُّورِ، وقَدْ أتى مَقْرُونًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ قَوْلِ الزُّورِ؛ لِأنَّ الإشْراكَ بِاللَّهِ قَدْ يَدْخُلُ في قَوْلِ الزُّورِ، كادِّعائِهِمُ الشُّرَكاءَ، والأوْلادَ لِلَّهِ، وكَتَكْذِيبِهِ ﷺ فَكُلُّ ذَلِكَ الزُّورُ فِيهِ أعْظَمُ الكُفْرِ والإشْراكِ بِاللَّهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن كُلِّ سُوءٍ.
وَمَعْنى حُنَفاءَ: قَدْ قَدَّمْناهُ مِرارًا مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
22:31Page 336
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١
Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ أيْ وماتَ ولَمْ يَتُبْ مِن ذَلِكَ فَقَدْ وقَعَ في هَلاكٍ، لا خَلاصَ مِنهُ بِوَجْهٍ ولا نَجاةَ مَعَهُ بِحالٍ، لِأنَّهُ شَبَّهَهُ بِالَّذِي خَرَّ: أيْ سَقَطَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، فَتَمَزَّقَتْ أوْصالُهُ، وصارَتِ الطَّيْرُ تَتَخَطَّفُها وتَهْوِي بِها الرِّيحُ فَتُلْقِيها في مَكانٍ سَحِيقٍ: أيْ مَحَلٍّ بَعِيدٍ لِشِدَّةِ هُبُوبِها بِأوْصالِهِ المُتَمَزِّقَةِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَإنَّهُ لا يُرْجى لَهُ خَلاصٌ ولا يُطْمَعُ لَهُ في نَجاةٍ، فَهو هالِكٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لا يَصِلُ الأرْضَ عادَةً إلّا مُتَمَزِّقَ الأوْصالِ، فَإذا خَطَفَتِ الطَّيْرُ أوْصالَهُ وتَفَرَّقَ في حَواصِلِها، أوْ ألْقَتْهُ الرِّيحُ في مَكانٍ بَعِيدٍ فَهَذا هَلاكٌ مُحَقَّقٌ لا مَحِيدَ عَنْهُ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن هَلاكِ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وأنَّهُ لا يُرْجى لَهُ خَلاصٌ، جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٧٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٨] في المَوْضِعَيْنِ مِن سُورَةِ النِّساءِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ والسَّحِيقُ: البَعِيدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١ ] [ ٦٧ \ ١١] أيْ بُعْدًا لَهم.
وَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ مَحَلَّ هَذا الهَلاكِ الَّذِي لا خَلاصَ مِنهُ بِحالِ الواقِعِ بِمَن (p-٢٥٧)يُشْرِكُ بِاللَّهِ، إنَّما هو في حَقِّ مَن ماتَ عَلى ذَلِكَ الإشْراكِ، ولَمْ يَتُبْ مِنهُ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ، أمّا مَن تابَ مِن شِرْكِهِ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.
والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]
• وقَوْلِهِ في: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ الآيَةَ [طه: ٢ ٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وأمّا إنْ كانَتْ تَوْبَتُهُ مِن شِرْكِهِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، فَإنَّها لا تَنْفَعُهُ.
وَقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨] فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ والتَّوْبَةِ مِنهُ، عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] وكَقَوْلِهِ في فِرْعَوْنَ: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١] وقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ فَتَخَطَّفُهُ بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ أصْلُهُ: فَتَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما وقَرَأهُ غَيْرُهُ مِنَ السَّبْعَةِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ بِإسْكانِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الطّاءِ مُضارِعُ خَطِفَهُ بِالكَسْرِ.
22:32Page 336
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢
That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾، قَدْ ذَكَرْنا قَرِيبًا أنّا ذَكَرْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ عامٌّ، ثُمَّ يُصَرَّحُ في بَعْضِ المَواضِعِ بِدُخُولِ بَعْضِ أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الفَرْدُ قَطْعِيَّ الدُّخُولِ لا يُمْكِنُ إخْراجُهُ بِمُخَصَّصٍ، وواعَدْنا بِذِكْرِ بَعْضِ أمْثِلَتِهِ في هَذِهِ الآياتِ، ومُرادُنا بِذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] عامٌّ في جَمِيعِ شَعائِرِ اللَّهِ، وقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى أنَّ البُدْنَ فَرْدٌ مِن (p-٢٥٨)أفْرادِ هَذا العُمُومِ، داخِلٌ فِيهِ قَطْعًا وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] فَيَدْخُلُ في الآيَةِ تَعْظِيمُ البُدْنِ واسْتِسْمانُها واسْتِحْسانُها كَما قَدَّمْنا عَنِ البُخارِيِّ: أنَّهم كانُوا يُسَمِّنُونَ الأضاحِي، وكانُوا يَرَوْنَ أنَّ ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ شَعائِرِ اللَّهِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ داخِلانِ في هَذا العُمُومِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٨] وأنَّ تَعْظِيمَها المَنصُوصَ في هَذِهِ الآيَةِ: يَدُلُّ عَلى عَدَمِ التَّهاوُنِ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في مَبْحَثِ السَّعْيِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ ذَلِكَ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ مِنَ الإعْرابِ.
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ: أيْ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ وأمْرُهُ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ اللّازِمُ ذَلِكَ أوِ الواجِبُ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اتَّبِعُوا ذَلِكَ أوِ امْتَثِلُوا ذَلِكَ، ومِمّا يُشْبِهُ هَذِهِ الإشارَةَ في كَلامِ العَرَبِ قالَ زُهَيْرٌ:
؎هَذا ولَيْسَ كَمَن يَعِي بِخُطَّتِهِ وسَطَ النَّدى إذا ما قائِلٌ نَطَقا
قالَهُ القُرْطُبِيُّ وأبُو حَيّانَ والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: هو عائِدٌ إلى الفِعْلَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها الكَلامُ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ إنَّهُ راجِعٌ إلى الشَّعائِرِ بِحَذْفِ مُضافٍ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها أيِ الشَّعائِرَ فَحَذَفَ المُضافَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلى الشَّعائِرِ، اهـ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن أفْعالِ ذَوِي تَقْوى القُلُوبِ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ المُضافاتُ ولا يَسْتَقِيمُ المَعْنى إلّا بِتَقْدِيرِها، لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن راجِعٍ مِنَ الجَزاءِ إلى " مِن لِيَرْتَبِطَ بِهِ، اهـ مِنهُ.
22:33Page 336
لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣
For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهُمْ﴾، أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - - نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُبَشِّرَ المُخْبِتِينَ: أيِ المُتَواضِعِينَ لِلَّهِ المُطْمَئِنِّينَ الَّذِينَ مِن صِفَتِهِمْ: أنَّهم إذا سَمِعُوا ذِكْرَ اللَّهِ، وجِلَتْ قُلُوبُهم أيْ: خافَتْ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - وأنْ يُبَشِّرَ الصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم مِنَ الأذى، ومُتَعَلِّقُ التَّبْشِيرِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ أيْ بَشِّرْهم بِثَوابِ اللَّهِ وجَنَّتِهِ، وقَدْ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم: هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا وكَوْنُهم هُمُ المُؤْمِنِينَ حَقًّا، يَجْعَلُهم جَدِيرِينَ بِالبِشارَةِ (p-٢٥٩)المَذْكُورَةِ هُنا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢] وأمَرَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنْ يُبَشِّرَ الصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم مَعَ بَيانِ بَعْضِ ما بُشِّرُوا بِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] .
واعْلَمْ: أنَّ وجَلَ القُلُوبِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ أيْ: خَوْفَها مِنَ اللَّهِ عِنْدَ سَماعِ ذِكْرِهِ لا يُنافِي ما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا -، مِن أنَّ المُؤْمِنِينَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالوَجَلِ الَّذِي هو الخَوْفُ عِنْدَ ذِكْرِهِ - جَلَّ وعَلا -، مَعَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالطُّمَأْنِينَةِ بِذِكْرِهِ، والخَوْفُ والطُّمَأْنِينَةُ مُتَنافِيانِ هو ما أوْضَحْناهُ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، وهو أنَّ الطُّمَأْنِينَةَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَكُونُ بِانْشِراحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وصِدْقِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَطُمَأْنِينَتُهم بِذَلِكَ قَوِيَّةٌ؛ لِأنَّها لَمْ تَتَطَرَّقْها الشُّكُوكُ، ولا الشُّبَهُ، والوَجَلُ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى يَكُونُ بِسَبَبِ خَوْفِ الزَّيْغِ عَنِ الهُدى، وعَدَمِ تَقَبُّلِ الأعْمالِ؛ كَما قالَ تَعالى عَنِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وقالَ تَعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] ولِهَذا «كانَ ﷺ يَقُولُ في دُعائِهِ: ”يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ»“ .
22:34Page 336
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٣٤
And for every [religious] community We have appointed a rite [of sacrifice]1 that they may mention the name of Allāh over what He has provided for them of [sacrificial] animals. For your god is one God, so to Him submit. And, [O Muḥammad], give good tidings to the humble [before their Lord]
No commentary for this ayah
22:35Page 336
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥
Who, when Allāh is mentioned, their hearts are fearful, and [to] the patient over what has afflicted them, and the establishers of prayer and those who spend from what We have provided them.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences