Ash-ShinqitiAl‑Hajj · 22:36–41

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:36–41

22:36Page 336

وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٣٦

And the camels and cattle We have appointed for you as among the symbols [i.e., rites] of Allāh; for you therein is good. So mention the name of Allāh upon them when lined up [for sacrifice]; and when they are [lifeless] on their sides, then eat from them and feed the needy [who does not seek aid] and the beggar. Thus have We subjected them to you that you may be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾، قَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالأكْلِ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ وهي: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ بِأنْواعِها الثَّمانِيَةِ، وأمَرَ بِإطْعامِ البائِسِ الفَقِيرِ مِنها، وأمَرَ بِالأكْلِ مِنَ البُدْنِ وإطْعامِ القانِعِ والمُعْتَرِّ مِنها، وما كانَ مِنَ الإبِلِ، فَهو مِنَ البُدْنِ بِلا خِلافٍ.

واخْتَلَفُوا في البَقَرَةِ، هَلْ هي بَدَنَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا الحَدِيثَ الصَّحِيحَ: أنَّ البَقَرَةَ مِنَ البُدْنِ، وقَدَّمْنا أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى أنَّها غَيْرُ بَدَنَةٍ، وأظْهَرُهُما أنَّها مِنَ البُدْنِ، ولِلْعُلَماءِ في تَفْسِيرِ القانِعِ والمُعْتَرِّ أقْوالٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَقارِبَةٌ أظْهَرُها عِنْدِي: أنَّ القانِعَ هو الطّامِعُ الَّذِي يَسْألُ أنْ يُعْطى مِنَ اللَّحْمِ ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:

؎لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ

(p-٢٦٠)يَعْنِي أعَفُّ مِن سُؤالِ النّاسِ، والطَّمَعِ فِيهِمْ، وأنَّ المُعْتَرَّ هو الَّذِي يَعْتَرِي مُتَعَرِّضًا لِلْإعْطاءِ مِن غَيْرِ سُؤالٍ وطَلَبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. وقَدْ قَدَّمْنا حُكْمَ الأكْلِ مِن أنْواعِ الهَدايا والضَّحايا، وأقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، قَوْلُهُ كَذَلِكَ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ أيِ: البُدْنَ لَكم تَسْخِيرًا كَذَلِكَ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ الَّذِي تُشاهِدُونَ أيْ: ذَلَّلْناها لَكم، وجَعَلْناها مُنْقادَةً لَكم تَفْعَلُونَ بِها ما شِئْتُمْ مِن نَحْرٍ ورُكُوبٍ، وحَلْبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ ذَلَّلَها لَكم لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها؛ لِأنَّها أقْوى مِنكم ألا تَرى البَعِيرَ، إذا تَوَحَّشَ صارَ صاحِبُهُ غَيْرَ قادِرٍ عَلَيْهِ، ولا مُتَمَكِّنٍ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ قَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ لَعَلَّ تَأْتِي في القُرْآنِ لِمَعانٍ أقْرَبُها، اثْنانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْناها الأصْلِيِّ، الَّذِي هو التَّرَجِّي والتَّوَقُّعُ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِذَلِكَ خُصُوصُ الخَلْقِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُتَرَجّى مِنهم شُكْرُ النِّعَمَ مِن غَيْرِ قَطْعٍ، بِأنَّهم يَشْكُرُونَها أوْ لا يُنْكِرُونَها لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِما تَؤُولُ إلَيْهِ الأُمُورُ، ولَيْسَ هَذا المَعْنى في حَقِّ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما سَيَكُونُ فَلا يَجُوزُ في حَقِّهِ - جَلَّ وعَلا - إطْلاقُ التَّرَجِّي والتَّوَقُّعِ لِتَنْزِيهِهِ عَنْ ذَلِكَ، وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِما يَنْكَشِفُ عَنْهُ الغَيْبُ، وقَدْ قالَ تَعالى لِمُوسى وهارُونَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] أيْ عَلى رَجائِكُما وتَوَقُّعِكُما أنَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى، مَعَ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ في سابِقِ أزَلِهِ أنَّ فِرْعَوْنَ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى، فَمَعْنى لَعَلَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ، لا إلى الخالِقِ - جَلَّ وعَلا -، المَعْنى الثّانِي: هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ، قالَ: كُلُّ لَعَلَّ في القُرْآنِ فَهي لِلتَّعْلِيلِ إلّا الَّتِي في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] قالَ: فَهي بِمَعْنى: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ، وإتْيانُ لَفْظَةِ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ قَدَّمْناهُ مُوَضَّحًا مِرارًا وقَدْ قَدَّمْنا مِن شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎فَقُلْتُمْ لَنا كَفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا نَكُفُّ ووَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مَوْثِقِ

يَعْنِي كَفُّوا الحُرُوبَ لِأجْلِ أنْ نَكُفَّ، وإذا عَلِمْتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ بَيَّنَ اللَّهُ فِيها أنَّ تَسْخِيرَهُ الأنْعامَ لِبَنِي آدَمَ نِعْمَةٌ مِن إنْعامِهِ، تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ لِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ .

فاعْلَمْ: أنَّهُ بَيَّنَ هَذا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى (p-٢٦١)﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] وقَوْلِهِ في آيَةِ ”يس“: هَذِهِ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ كَقَوْلِهِ في آيَةِ ”الحَجِّ“: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ويُشِيرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى قَرِيبًا: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ٣٧]، وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى شُكْرِ العَبْدِ لِرَبِّهِ وشُكْرِ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ، مِرارًا بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا والتَّسْخِيرُ: التَّذْلِيلُ.

22:37Page 336

لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧

Their meat will not reach Allāh, nor will their blood, but what reaches Him is piety from you. Thus have We subjected them to you that you may glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and give good tidings to the doers of good.

No commentary for this ayah

22:38Page 336

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨

Indeed, Allāh defends those who have believed. Indeed, Allāh does not like everyone treacherous and ungrateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يَدْفَعُ السُّوءَ عَنْ عِبادِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ إيمانًا حَقًّا، ويَكْفِيهِمْ شَرَّ أهْلِ السُّوءِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [غافر: ٥١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]

• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِفَتْحِ الياءِ والفاءِ بَيْنَهُما دالٌ ساكِنَةٌ مُضارِعُ دَفَعَ المُجَرَّدِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا الشَّرَّ والسُّوءَ،؛ لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ هو أعْظَمُ أسْبابِ دَفْعِ المَكارِهِ، وقَرَأ الباقُونَ: يُدافِعُ بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ الدّالِ بَعْدَها ألِفٌ، وكَسْرِ الفاءِ مُضارِعُ دافَعَ المَزِيدِ فِيهِ ألِفٌ بَيْنَ الفاءِ والعَيْنِ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ هَذِهِ إشْكالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنَّ المُفاعَلَةَ تَقْتَضِي بِحَسَبِ الوَضْعِ العَرَبِيِّ اشْتِراكَ فاعِلَيْنِ في المَصْدَرِ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَدْفَعُ كُلَّ ما شاءَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مُدافِعٌ يَدْفَعُ شَيْئًا.

والجَوابُ: هو ما عُرِفَ مِن أنَّ المُفاعَلَةَ قَدْ تَرِدُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ، نَحْوَ: جاوَزْتُ المَكانَ بِمَعْنى جُزْتُهُ، وعاقَبْتُ اللِّصَّ، وسافَرْتُ، وعافاكَ اللَّهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنَّ فاعَلَ في جَمِيعِ ذَلِكَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: يُدافِعُ بِمَعْنى: يَدْفَعُ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ يُدافِعُ فَمَعْناهُ: يُبالِغُ في الدَّفْعِ عَنْهم كَما يُبالِغُ مَن يُغالِبُ فِيهِ؛ لِأنَّ فِعْلَ المُغالِبِ يَجِيءُ أقْوى وأبْلَغَ اهـ مِنهُ، ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (p-٢٦٢)وَجْهُ المُفاعَلَةِ أنَّ الكُفّارَ يَسْتَعْمِلُونَ كُلَّ ما في إمْكانِهِمْ لِإضْرارِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، وإيذائِهِمْ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَدْفَعُ كَيْدَهم عَنِ المُؤْمِنِينَ، فَكانَ دَفْعُهُ - جَلَّ وعَلا - لِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ أهْلُها في طُغْيانٍ شَدِيدٍ، يُحاوِلُونَ إلْحاقَ الضَّرَرِ بِالمُؤْمِنِينَ وبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَ التَّعْبِيرُ بِالمُفاعَلَةِ، في قَوْلِهِ: يُدافِعُ، وإنْ كانَ - جَلَّ وعَلا - قادِرًا عَلى إهْلاكِهِمْ، ودَفْعِ شَرِّهِمْ عَنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ومِمّا يُوَضِّحُ هَذا المَعْنى الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

؎زَعَمَتْ سَخِينَةُ أنْ سَتَغْلِبُ رَبَّها ∗∗∗ وَلَيَغْلِبَنَّ مُغالِبُ الغُلّابِ

والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ومَفْعُولُ يُدافِعُ: مَحْذُوفٌ فَعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ بِمَعْنى: يَدْفَعُ فَقَدْ ذَكَرْنا تَقْدِيرَهُ، وعَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ أخِيرًا فَتَقْدِيرُ المَفْعُولِ: يُدافِعُ عَنْهم أعْداءَهم، وخُصُومَهم فَيَرُدُّ كَيْدَهم في نُحُورِهِمْ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾، صَرَّحَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: بِأنَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ، والخَوّانُ والكَفُورُ كِلاهُما صِيغَةُ مُبالَغَةٍ؛ لِأنَّ الفَعّالَ بِالتَّضْعِيفِ والفَعُولَ بِفَتْحِ الفاءِ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، والمُقَرَّرُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ نَفْيَ المُبالَغَةِ في الفِعْلِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ أصْلِ الفِعْلِ، فَلَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ لَيْسَ بِقَتّالٍ لِلرِّجالِ فَقَدْ نَفَيْتَ مُبالَغَتَهُ، في قَتْلِهِمْ، ولَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ قَتْلٌ لِبَعْضِهِمْ ولَكِنَّهُ لَمْ يُبالِغْ في القَتْلِ، وعَلى هَذِهِ القاعِدَةِ العَرَبِيَّةِ المَعْرُوفَةِ، فَإنَّ الآيَةَ قَدْ صَرَّحَتْ بِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُبالِغِينَ في الكُفْرِ والمُبالِغِينَ في الخِيانَةِ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ لِمَن يَتَّصِفُ بِمُطْلَقِ الخِيانَةِ ومُطْلَقِ الكُفْرِ مِن غَيْرِ مُبالَغَةً فِيهِما، ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الخائِنَ مُطْلَقًا، والكافِرَ مُطْلَقًا، وقَدْ أوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - ذَلِكَ في بَعْضِ المَواضِعِ، فَقالَ في الخائِنِ: ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] وقالَ في الكافِرِ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] .

22:39Page 337

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩

Permission [to fight] has been given to those who are being fought,1 because they were wronged. And indeed, Allāh is competent to give them victory.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، مُتَعَلِّقُ أُذِنَ مَحْذُوفٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أيْ: أُذِنَ لَهم في القِتالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: يُقاتَلُونَ، وقَدْ صَرَّحَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أُذِنَ لِلَّذِينِ يُقاتَلُونَ وهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ ودَلَّ قَوْلُهُ: يُقاتَلُونَ: عَلى أنَّ المُرادَ مَن يَصْلُحُ لِلْقِتالِ مِنهم دُونَ مَن لا يَصْلُحُ لَهُ، كالأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ والضَّعِيفِ والعاجِزِ عَنِ السَّفَرِ لِلْجِهادِ لِفَقْرِهِ (p-٢٦٣)بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ﴾ الآيَةَ [النور: ٦١]،

• وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]

• وقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ الباءُ فِيهِ سَبَبِيَّةٌ وهي مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، كَما تَقَرَّرَ في مَسْلَكِ النَّصِّ الظّاهِرِ مِن مَسالِكِ العِلَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الجِهادِ كَما قالَ بِهِ جَماعاتٌ مِنَ العُلَماءِ، ولَيْسَ فِيها مِن أحْكامِ الجِهادِ إلّا مُجَرَّدُ الإذْنِ لَهم فِيهِ، ولَكِنْ قَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ دالَّةٌ عَلى أحْكامٍ أُخَرَ زائِدَةٍ عَلى مُطْلَقِ الإذْنِ فَهي مُبَيِّنَةٌ عَدَمَ الِاقْتِصارِ، عَلى الإذْنِ كَما هو ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى لِعِظَمِ حِكْمَتِهِ في التَّشْرِيعِ، إذا أرادَ أنْ يُشَرِّعَ أمْرًا شاقًّا عَلى النُّفُوسِ كانَ تَشْرِيعُهُ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ؛ لِأنَّ إلْزامَهُ بَغْتَةً في وقْتٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ تَدْرِيجٍ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، عَلى الَّذِينَ كُلِّفُوا بِهِ قالُوا فَمِن ذَلِكَ الجِهادُ، فَإنَّهُ أمْرٌ شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ لِما فِيهِ مِن تَعْرِيضِها لِأسْبابِ المَوْتِ؛ لِأنَّ القِتالَ مَعَ العَدُوِّ الكافِرِ القَوِيِّ مِن أعْظَمِ أسْبابِ المَوْتِ عادَةً، وإنْ كانَ الأجَلُ مَحْدُودًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقَدْ بَيَّنَ تَعالى مَشَقَّةَ إيجابِ الجِهادِ عَلَيْهِمْ،

• بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧] ومَعَ تَعْرِيضِ النُّفُوسِ فِيهِ لِأعْظَمِ أسْبابِ المَوْتِ، فَإنَّهُ يُنْفَقُ فِيهِ المالُ أيْضًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] قالُوا: ولَمّا كانَ الجِهادُ فِيهِ هَذا مِنَ المَشَقَّةِ، وأرادَ اللَّهُ تَشْرِيعَهُ شَرَّعَهُ تَدْرِيجًا، فَأذِنَ فِيهِ أوَّلًا مِن غَيْرِ إيجابٍ

• بِقَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ الآيَةَ [الحج: ٣٩]، ثُمَّ لَمّا اسْتَأْنَسَتْ بِهِ نُفُوسُهم بِسَبَبِ الإذْنِ فِيهِ، أوْجَبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: مَن قاتَلَهم دُونَ مَن لَمْ يُقاتِلْهم

• بِقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٠]، وهَذا تَدْرِيجٌ مِنَ الإذْنِ إلى نَوْعٍ خاصٍّ مِنَ الإيجابِ، ثُمَّ لَمّا اسْتَأْنَسَتْ نُفُوسُهم بِإيجابِهِ في الجُمْلَةِ أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ إيجابًا عامًّا جازِمًا في آياتٍ مِن كِتابِهِ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]

• وقَوْلِهِ: (p-٢٦٤)﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

واعْلَمْ: أنَّ لِبَعْضِ أهْلِ العِلْمِ في بَعْضِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا أقْوالًا غَيْرَ ما ذَكَرْنا، ولَكِنَّ هَذا التَّدْرِيجَ الَّذِي ذَكَرْنا دَلَّ عَلَيْهِ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ في تَشْرِيعِ الأحْكامِ الشّاقَّةِ، ونَظِيرُهُ شُرْبُ الخَمْرِ فَإنَّ تَرْكَهُ شاقٌّ عَلى مَنِ اعْتادَهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يُحَرِّمَ الخَمْرَ حَرَّمَها تَدْرِيجًا، فَذَكَرَ أوَّلًا بَعْضَ مَعائِبِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] ثُمَّ لَمّا اسْتَأْنَسَتْ نُفُوسُهم بِأنَّ في الخَمْرِ إثْمًا أكْثَرَ مِمّا فِيها مِنَ النَّفْعِ، حَرَّمَها عَلَيْهِمْ في أوْقاتِ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٣]، فَكانُوا بَعْدَ نُزُولِها، لا يَشْرَبُونَها إلّا في وقْتٍ يَزُولُ فِيهِ السُّكْرُ قَبْلَ وقْتِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ وبَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ العِشاءِ والصُّبْحِ يَصْحُو فِيهِ السَّكْرانُ عادَةً، وكَذَلِكَ ما بَيْنَ الصُّبْحِ والظُّهْرِ، وهَذا تَدْرِيجٌ مِن عَيْبِها إلى تَحْرِيمِها في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَلَمّا اسْتَأْنَسَتْ نُفُوسُهم بِتَحْرِيمِها حَرَّمَها عَلَيْهِمْ تَحْرِيمًا عامًّا جازِمًا بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] وكَذَلِكَ الصَّوْمُ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الإمْساكُ عَنْ شَهْوَةِ الفَرْجِ والبَطْنِ شاقًّا عَلى النُّفُوسِ، وأرادَ تَعالى تَشْرِيعَهُ شَرَّعَهُ تَدْرِيجًا فَخَيَّرَ أوَّلًا بَيْنَ صَوْمِ اليَوْمِ وإطْعامِ المِسْكِينِ في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَلَمّا اسْتَأْنَسَتِ النُّفُوسُ بِهِ في الجُمْلَةِ، أوْجَبَهُ أيْضًا إيجابًا عامًّا جازِمًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: التَّدْرِيجُ في تَشْرِيعِ الصَّوْمِ عَلى ثَلاثَةِ مَراحِلَ كَما قَبْلَهُ قالُوا: أوْجَبَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا صَوْمًا خَفِيفًا لا مَشَقَّةَ فِيهِ وهو صَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ وثَلاثَةٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ لَمّا أرادَ فَرْضَ صَوْمِ رَمَضانَ شَرَّعَهُ تَدْرِيجًا عَلى المَرْحَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْناهُما آنِفًا، هَكَذا قالَتْهُ جَماعاتٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، ولَهُ اتِّجاهٌ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ يُشِيرُ إلى مَعْنَيَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ الإشارَةَ إلى وعْدِهِ لِلنَّبِيِّ وأصْحابِهِ، بِالنَّصْرِ عَلى أعْدائِهِمْ كَما قالَ قَبْلَهُ قَرِيبًا: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] .

والمَعْنى الثّانِي: أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَنْصُرَ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ مِن غَيْرِ قِتالٍ (p-٢٦٥)لِقُدْرَتِهِ عَلى إهْلاكِهِمْ بِما شاءَ، ونُصْرَةِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِإهْلاكِهِ إيّاهم، ولَكِنَّهُ شَرَعَ الجِهادَ لِحِكَمٍ مِنها: اخْتِبارُ الصّادِقِ في إيمانِهِ، وغَيْرِ الصّادِقِ فِيهِ، ومِنها تَسْهِيلُ نَيْلِ فَضْلِ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِقَتْلِ الكُفّارِ لِشُهَداءِ المُسْلِمِينَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَّلَ أحَدٌ فَضْلَ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، كَما أشارَ تَعالى إلى حِكْمَةِ اخْتِبارِ الصّادِقِ في إيمانِهِ وغَيْرِهِ بِالجِهادِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]

• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٧٩]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ

• وكَقَوْلِهِ تَعالى في حِكْمَةِ الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ، وتَسْهِيلِ الشَّهادَةِ في سَبِيلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤١]

وقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ: ”أُذِنَ“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الذّالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: أذِنَ اللَّهُ لِلَّذِينِ يُقاتَلُونَ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: ”يُقاتَلُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

(p-٣٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الحَجِّ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِتالَ الكُفّارِ مَأْذُونٌ فِيهِ لا واجِبٌ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥] .

وَقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّهُ أذِنَ فِيهِ أوَّلًا مِن غَيْرِ إيجابٍ، ثُمَّ أوْجَبَ بَعْدَ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، ويَدُلُّ لِهَذا ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وغَيْرُ واحِدٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ مِن أنَّ آيَةَ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الجِهادِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

22:40Page 337

ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠

[They are] those who have been evicted from their homes without right - only because they say, "Our Lord is Allāh." And were it not that Allāh checks the people, some by means of others, there would have been demolished monasteries, churches, synagogues, and mosques in which the name of Allāh is much mentioned [i.e., praised]. And Allāh will surely support those who support Him [i.e., His cause]. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾، تَقَدَّمَ ما يُوَضِّحُ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ الآياتِ في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أقْسَمَ لَيَنْصُرَنَّ مَن يَنْصُرُهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ نَصْرَ اللَّهِ إنَّما هو بِاتِّباعِ ما شَرَّعَهُ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، واجْتِنابِ نَواهِيهِ ونُصْرَةِ رُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ، ونُصْرَةِ دِينِهِ وجِهادِ أعْدائِهِ وقَهْرِهِمْ حَتّى تَكُونَ كَلِمَتُهُ - جَلَّ وعَلا - هي العُلْيا، وكَلِمَةُ أعْدائِهِ هي السُّفْلى، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - بَيَّنَ صِفاتِ الَّذِينَ وعَدَهم بِنَصْرِهِ لِتَمْيِيزِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ فَقالَ (p-٢٦٦)مُبَيِّنًا مَن أقْسَمَ أنَّهُ يَنْصُرُهُ؛ لِأنَّهُ يَنْصُرُ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤١] وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ: مِن أنَّ مَن نَصَرَ اللَّهَ نَصَرَهُ اللَّهُ جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٧ - ٨]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]

• وقَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [النور: ٥٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤١]، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا وعْدَ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ، إلّا مَعَ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فالَّذِينَ يُمَكِّنُ اللَّهُ لَهم في الأرْضِ ويَجْعَلُ الكَلِمَةَ فِيها والسُّلْطانَ لَهم، ومَعَ ذَلِكَ لا يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ولا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، ولا يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، ولا يَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ فَلَيْسَ لَهم وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مِن حِزْبِهِ، ولا مِن أوْلِيائِهِ الَّذِينَ وعَدَهم بِالنَّصْرِ، بَلْ هم حِزْبُ الشَّيْطانِ وأوْلِياؤُهُ، فَلَوْ طَلَبُوا النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ بِناءً عَلى أنَّهُ وعَدَهم إيّاهُ، فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الأجِيرِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِن عَمَلِ ما أُجِرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَطْلُبُ الأُجْرَةَ، ومَن هَذا شَأْنُهُ فَلا عَقْلَ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] العَزِيزُ الغالِبُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ نَصَرَهم عَلى أعْدائِهِمْ، لِأنَّهم نَصَرُوهُ فَأقامُوا الصَّلاةَ، وآتَوُا الزَّكاةَ، وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ، ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، وقَدْ مَكَّنَ لَهم، واسْتَخْلَفَهم في الأرْضِ كَما قالَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [النور: ٥٥]،

والحَقُّ أنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ تَشْمَلُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكُلَّ مَن قامَ بِنُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

22:41Page 337

ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١

[And they are] those who, if We give them authority in the land, establish prayer and give zakāh and enjoin what is right and forbid what is wrong. And to Allāh belongs the outcome of [all] matters.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском