Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:17–47
23:17Page 342
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧
And We have created above you seven layered heavens, and never have We been of [Our] creation unaware.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ (١٧)، في قَوْلِهِ تَعالى: ”طَرائِقَ“ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ:
أحَدُهُما: أنَّها قِيلَ لَها طَرائِقُ؛ لِأنَّ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ مِن قَوْلِهِمْ: طارَقَ النَّعْلَ إذا صَيَّرَها طاقًا فَوْقَ طاقٍ، ورَكَّبَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «كَأنَّ وُجُوهَهُمُ المَجانُّ المُطْرَقَةُ» أيِ: التِّراسُ الَّتِي جُعِلَتْ لَها طَبَقاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ نَعْلًا لَهُ مُطارَقَةٌ:
؎وَطِراقٌ مِن خَلْفِهِنَّ طِراقٌ ساقِطاتٌ تَلْوِي بِها الصَّحْراءُ
يَعْنِي: نِعالَ الإبِلِ، ومِنهُ قَوْلُهم: طائِرٌ طَرّاقُ الرِّيشِ، ومَطْرَقَةٌ إذا رَكِبَ بَعْضُ رِيشِهِ بَعْضًا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ يَصِفُ بازِيًا:
؎أهْوى لَها أسْفَعُ الخَدَّيْنِ مُطْرِقٌ ∗∗∗ رِيشَ القَوادِمِ لَمْ تُنْصَبْ لَهُ الشَّبَكُ
وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُ بازِيًا أيْضًا:
؎طِراقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ رِيعِهِ ∗∗∗ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وَقَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ قَطاةً:
؎سَكّاءُ مَخْطُومَةٌ في رِيشِها طَرْقٌ ∗∗∗ سُودٌ قَوادِمُها كَدَّرَ خَوافِيَها
فَعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ يُوَضِّحُ مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى (p-٣٢٧)﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ الآيَةَ [نوح: ١٥] وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّها قِيلَ لَها طَرائِقُ؛ لِأنَّها طُرُقُ المَلائِكَةِ في النُّزُولِ والعُرُوجِ، وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ الكَواكِبِ في مَسِيرِها، وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: قِيلَ لَها طَرائِقُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقَةٌ وهَيْئَةٌ غَيْرُ هَيْئَةِ الأُخْرى، وقَوْلُ مَن قالَ: طَرائِقُ ؟ أيْ مَبْسُوطاتٌ فَكِلاهُما ظاهِرُ البُعْدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] قَدْ قَدَّمْنا أنَّ مَعْناهُ كَقَوْلِهِ ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥]؛ لِأنَّ مَن يُمْسِكُ السَّماءَ لَوْ كانَ يَغْفُلُ لَسَقَطَتْ فَأهْلَكَتِ الخَلْقَ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وقالَ بَعْضُهم ﴿وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] بَلْ نَحْنُ القائِمُونَ بِإصْلاحِ جَمِيعِ شُئُونِهِمْ، وتَيْسِيرِ كُلِّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ يَعْنِي: السَّماواتُ بُرْهانٌ عَلى قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦]؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ، مَعَ عِظَمِها فَلا شَكَّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ الآيَةَ [النازعات: ٢٧] .
وَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] والآياتُ بِمِثْلِ هَذا مُتَعَدِّدَةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنا بَراهِينَ البَعْثِ الَّتِي هَذا البُرْهانُ مِن جُمْلَتِها، وأكْثَرْنا مِن أمْثِلَتِها وهي مَذْكُورَةٌ هُنا، ولَمْ نُوَضِّحْها هُنا لِأنّا أوْضَحْناها فِيما سَبَقَ في النَّحْلِ والبَقَرَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
23:18Page 343
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨
And We have sent down rain from the sky in a measured amount and settled it in the earth. And indeed, We are Able to take it away.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً مُعَظِّمًا نَفْسَهُ - جَلَّ وعَلا - بِصِيغَةِ الجَمْعِ المُرادِ بِها التَّعْظِيمُ وأنَّ ذَلِكَ الماءَ الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماءِ أسْكَنَهُ في الأرْضِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ النّاسُ في الآبارِ، والعُيُونِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - قادِرٌ عَلى إذْهابِهِ لَوْ شاءَ أنْ يُذْهِبَهُ فَيَهْلِكُ جَمِيعُ الخَلْقِ بِسَبَبِ ذَهابِ الماءِ مِن أصْلِهِ جُوعًا وعَطَشًا وبَيَّنَ أنَّهُ أنْزَلَهُ ”بِقَدَرٍ“ أيْ: بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَهُ يَحْصُلُ بِهِ نَفْعُ الخَلْقِ ولا يُكَثِّرُهُ عَلَيْهِمْ، حَتّى يَكُونَ كَطُوفانِ نُوحٍ لِئَلّا يُهْلِكَهم، فَهو يُنْزِلُهُ بِالقَدْرِ الَّذِي فِيهِ المَصْلَحَةُ، دُونَ المَفْسَدَةِ سُبْحانَهُ - جَلَّ وعَلا - ما أعْظَمَهُ وما أعْظَمَ لُطْفَهُ بِخَلْقِهِ، وهَذِهِ المَسائِلُ الثَّلاثُ الَّتِي ذَكَرَها في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جاءَتْ مُبَيَّنَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
(p-٣٢٨)الأُولى: الَّتِي هي كَوْنُهُ: أنْزَلَهُ بِقَدَرٍ أشارَ إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .
والثّانِيَةُ: الَّتِي هي إسْكانُهُ الماءَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ في الأرْضِ بَيَّنَها في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] واليَنْبُوعُ: الماءُ الكَثِيرُ وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] عَلى ما قَدَّمْنا في الحِجْرِ.
والثّالِثَةُ: الَّتِي هي قُدْرَتُهُ عَلى إذْهابِهِ أشارَ لَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [ ٦٧ ] ويُشْبِهُ مَعْناها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]؛ لِأنَّهُ إذا صارَ مِلْحًا أُجاجًا لا يُمْكِنُ الشُّرْبُ مِنهُ، ولا الِانْتِفاعُ بِهِ صارَ في حُكْمِ المَعْدُومِ، وقَدْ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إنْزالِهِ الماءَ مِنَ السَّماءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] فَصَرَّحَ بِأنَّ الوَدْقَ الَّذِي هو المَطَرُ يَخْرُجُ مِن خِلالِ السَّحابِ الَّذِي هو المُزْنُ، وهو الوِعاءُ الَّذِي فِيهِ الماءُ وبَيَّنَ أنَّ السَّحابَةَ تَمْتَلِئُ مِنَ الماءِ حَتّى تَكُونَ ثَقِيلَةً لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الماءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٧] فَقَوْلُهُ: ثِقالًا جَمْعُ ثَقِيلَةٍ، وثِقَلُها إنَّما هو بِالماءِ الَّذِي فِيها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرعد: ١٢] جَمْعُ سَحابَةٍ ثَقِيلَةٍ.
وَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الماءَ في المُزْنِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ مِن خِلالِ السَّحابِ، وخِلالُ الشَّيْءِ ثُقُوبُهُ وفُرُوجُهُ الَّتِي هي غَيْرُ مَسْدُودَةٍ، وبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّهُ هو الَّذِي يُنَزِّلُهُ ويُصَرِّفُهُ بَيْنَ خَلْقِهِ كَيْفَ يَشاءُ، فَيُكْثِرُ المَطَرَ في بِلادِ قَوْمٍ سَنَةً، حَتّى يَكْثُرَ فِيها الخِصْبُ وتَتَزايَدَ فِيها النِّعَمُ، لِيَبْتَلِيَ أهْلَها في شُكْرِ النِّعْمَةِ، وهَلْ يَعْتَبِرُونَ بِعِظَمِ الآيَةِ في إنْزالِ الماءِ، ويُقِلُّ المَطَرَ عَلَيْهِمْ في بَعْضِ السِّنِينَ، فَتَهْلِكُ مَواشِيهِمْ مِنَ الجَدْبِ ولا تَنْبُتُ زُرُوعُهم، ولا تُثْمِرُ أشْجارُهم، لِيَبْتَلِيَهم بِذَلِكَ، هَلْ يَتُوبُونَ إلَيْهِ، ويَرْجِعُونَ إلى ما يُرْضِيهِ.
وَبَيَّنَ أنَّهُ مَعَ الإنْعامِ العامِّ عَلى الخَلْقِ بِإنْزالِ المَطَرِ بِالقَدْرِ المُصْلِحِ وإسْكانِ مائِهِ في الأرْضِ لِيَشْرَبُوا مِنهُ هم، وأنْعامُهم، ويَنْتَفِعُوا بِهِ أبى أكْثَرُهم إلّا الكُفْرَ بِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٥٠] .
(p-٣٢٩)وَلا شَكَّ أنَّ مِن جُمْلَةِ مَن أبى مِنهم إلّا كُفُورًا الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ المَطَرَ لَمْ يُنَزِّلْهُ مُنَزِّلٌ هو فاعِلٌ مُخْتارٌ، وإنَّما نَزَلَ بِطَبِيعَتِهِ، فالمُنَزِّلُ لَهُ عِنْدَهم: هو الطَّبِيعَةُ، وأنَّ طَبِيعَةَ الماءِ التَّبَخُّرُ، إذا تَكاثَرَتْ عَلَيْهِ دَرَجاتُ الحَرارَةِ مِنَ الشَّمْسِ أوْ الِاحْتِكاكِ بِالرِّيحِ، وأنَّ ذَلِكَ البُخارَ يَرْتَفِعُ بِطَبِيعَتِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ، ثُمَّ يَتَقاطَرُ، وأنَّ تَقاطُرَهُ ذَلِكَ أمْرٌ طَبِيعِيٌّ لا فاعِلَ لَهُ، وأنَّهُ هو المَطَرُ. فَيُنْكِرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ في إنْزالِهِ المَطَرَ ويُنْكِرُونَ دَلالَةَ إنْزالِهِ عَلى قُدْرَةِ مُنَزِّلِهِ، ووُجُوبِ الإيمانِ بِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ، فَمِثْلُ هَؤُلاءِ داخِلُونَ في قَوْلِهِ ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ .
وَقَدْ صَرَّحَ في قَوْلِهِ: ولَقَدْ صَرَّفْناهُ أنَّهُ تَعالى، هو مُصَرِّفُ الماءِ، ومُنَزِّلُهُ حَيْثُ شاءَ كَيْفَ شاءَ. ومِن قَبِيلِ هَذا المَعْنى: ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ بِالحُدَيْبِيَةِ في أثَرِ السَّماءِ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلى النّاسِ فَقالَ: ”هَلْ تَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكم ؟“ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: " قالَ أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي، وكافِرٌ بِي: فَأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» . هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن قالَ: مُطِرْنا بِبُخارِ كَذا مُسْنِدًا ذَلِكَ لِلطَّبِيعَةِ، أنَّهُ كافِرٌ بِاللَّهِ مُؤْمِنٌ بِالطَّبِيعَةِ والبُخارِ، والعَرَبُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ بَعْضَ المَطَرِ أصْلُهُ مِنَ البَحْرِ، إلّا أنَّهم يُسْنِدُونَ فِعْلَ ذَلِكَ لِلْفاعِلِ المُخْتارِ - جَلَّ وعَلا -، ومِن أشْعارِهِمْ في ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
؎لا تَلُمْنِي إنَّها مِن نِسْوَةٍ رُقَّدِ الصَّيْفِ مَقالِيتٍ نُزُرْ
؎كَبَناتِ البَحْرِ يَمْأدْنَ إذا ∗∗∗ أنْبَتَ الصَّيْفُ عَسالِيجَ الخُضَرْ.
فَقَوْلُهُ: بَناتُ البَحْرِ يَعْنِي: المُزْنَ الَّتِي أصْلُ مائِها مِنَ البَحْرِ.
وَقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎سَقى أُمَّ عَمْرٍو كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ
؎حَناتِمُ غُرٌّ ماؤُهُنَّ ثَجِيجُ ∗∗∗ شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ
؎مَتى لُجَجٌ خُضْرٌ لَهُنَّ نَئِيجُ ∗∗∗ .
وَلا شَكَّ أنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ - جَلَّ وعَلا -، هو مُنَزِّلُ المَطَرِ عَلى القَدْرِ الَّذِي يَشاءُ كَيْفَ يَشاءُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
23:19Page 343
فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩
And We brought forth for you thereby gardens of palm trees and grapevines in which for you are abundant fruits and from which you eat.
(p-٣٣٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضَّحَةَ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في سُورَةِ النَّحْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١] وغَيْرَها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
23:20Page 343
وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠
And [We brought forth] a tree issuing from Mount Sinai which produces oil and food [i.e., olives] for those who eat.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾، قَوْلُهُ: شَجَرَةً: مَعْطُوفٌ عَلى: جَنّاتٍ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقَدْ قَدَّمْنا مُسَوِّغَهُ مِرارًا أيْ: فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ، وأنْشَأْنا لَكم بِهِ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، كَما أشارَ لَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٥]، والدُّهْنُ الَّذِي تَنْبُتُ بِهِ: هو زَيْتُها المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] ومَعَ الِاسْتِضاءَةِ مِنها، فَهي صِبْغٌ لِلْآكِلِينَ أيْ: إدامٌ يَأْتَدِمُونَ بِهِ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ: نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: سِيناءُ بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: تُنْبِتُ بِضَمِّ التّاءِ، وكَسْرِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مُضارِعُ أنْبَتَ الرُّباعِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ: تَنْبُتُ بِفَتْحِ التّاءِ، وضَمِّ الباءِ مُضارِعُ: نَبَتَ الثُّلاثِيِّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَلا إشْكالَ في حَرْفِ الباءِ في قَوْلِهِ: بِالدُّهْنِ أيْ: تَنْبُتُ مَصْحُوبَةً بِالدُّهْنِ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِن زَيْتُونِها، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو، فَفي الباءِ إشْكالٌ، وهو: أنَّ أنْبَتَ الرُّباعِيَّ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، ولا يَحْتاجُ إلى الباءِ وقَدْ قَدَّمْنا النُّكْتَةَ في الإتْيانِ بِمِثْلِ هَذِهِ الباءِ في القُرْآنِ، وأكْثَرْنا مِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآيَةَ [مريم: ٢٥]، ولا يَخْفى أنَّ أنْبَتَ الرُّباعِيَّ، عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو هُنا: لازِمَةٌ لا مُتَعَدِّيَةُ المَفْعُولِ، وأنْبَتَ تَتَعَدّى، وتَلْزَمُ فَمِن تَعَدِّيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] ومِن لُزُومِها قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو المَذْكُورَةُ، ونَظِيرُها مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎رَأيْتُ ذَوِي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
فَقَوْلُهُ: أنْبَتَ البَقْلُ لازِمٌ بِمَعْنى: نَبَتَ، وهَذا هو الصَّوابُ في قِراءَةِ: (تُنْبِتُ) بِضَمِّ التّاءِ، خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّها مُضارِعُ أنْبَتَ المُتَعَدِّي: وأنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ أيْ: تُنْبِتُ (p-٣٣١)زَيْتُونَها، وفِيهِ الزَّيْتُ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الطُّورُ: هو الجَبَلُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّما يُسَمّى طُورًا إذا كانَ فِيهِ شَجَرٌ، فَإنْ عُرِّيَ عَنِ الشَّجَرِ، سُمِّيَ جَبَلًا لا طُورًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وطُورُ سَيْناءَ: هو طُورُ سِنِينَ، وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى بْنَ عِمْرانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وما حَوْلَهُ مِنَ الجِبالِ، الَّتِي فِيها شَجَرُ الزَّيْتُونِ. اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَفِي حَدِيثِ أبِي أُسَيْدٍ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السّاعِدِيِّ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ» رَواهُ أحْمَدُ ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن مَقالٍ، وقالَ فِيهِ العَجْلُونِيُّ في كَشْفِ الخَفاءِ ومُزِيلِ الإلْباسِ رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عُمَرَ وابْنُ ماجَهْ فَقَطْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَلى شَرْطِهِما ثُمَّ قالَ: وفي البابِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - . اهـ مِنهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
23:21Page 343
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١
And indeed, for you in livestock is a lesson. We give you drink from that which is in their bellies, and for you in them are numerous benefits, and from them you eat.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، وما يُسْتَفادُ مِنها مِنَ الأحْكامِ الفِقْهِيَّةِ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٦] مَعَ بَيانِ أوْجُهِ القِراءَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
23:22Page 343
وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٢٢
And upon them and on ships you are carried.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”عَلَيْها“ راجِعٌ إلى الأنْعامِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ﴾ [المؤمنون: ٢١] وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ يَحْمِلُ خَلْقَهُ عَلى الأنْعامِ، والمُرادُ بِها هُنا الإبِلُ؛ لِأنَّ الحَمْلَ عَلَيْها هو الأغْلَبُ، وعَلى الفُلْكِ: وهي السُّفُنُ ولَفْظُ الفُلْكِ، يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ مِنَ السُّفُنِ، وما ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الِامْتِنانِ عَلى خَلْقِهِ بِما يَسَّرَ لَهم مِنَ الرُّكُوبِ والحَمْلِ، عَلى الأنْعامِ والسُّفُنِ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨٠]
• وقَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٢]
• وقَوْلِهِ فِيها ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]
• وقَوْلِهِ في (p-٣٣٢)الفُلْكِ والأنْعامِ مَعًا: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]
• وقَوْلِهِ في السُّفُنِ: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١ - ٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤]
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ، وهَذا مِن نِعَمِهِ وآياتِهِ، وقَرَنَ الأنْعامَ بِالفُلْكِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ الإبِلَ سَفائِنُ البَرِّ، كَما قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎ألا خُيِّلَتْ مِنِّي وقَدْ نامَ صُحْبَتِي فَما نَفَرَ التَّهْوِيمَ إلّا سَلامُها طَرُوقًا
؎وَجُلَبُ الرَّحْلِ مَشْدُودَةٌ بِها ∗∗∗ سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها
فَتَراهُ سَمّى ناقَتَهُ سَفِينَةَ بَرٍّ وجُلَبُ الرَّحْلِ بِالضَّمِّ والكَسْرِ عِيدانُهُ أوِ الرَّحْلُ بِما فِيهِ:
23:23Page 343
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣
And We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾، قَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى ما فِيهِ مِنَ الآياتِ، الَّتِي لَها بَيانٌ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
23:24Page 343
فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allāh had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.
No commentary for this ayah
23:25Page 343
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥
He is not but a man possessed with madness, so wait concerning him for a time."
No commentary for this ayah
23:26Page 343
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦
[Noah] said, "My Lord, support me because they have denied me."
No commentary for this ayah
23:27Page 343
فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧
So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.
No commentary for this ayah
23:28Page 344
فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨
And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'
No commentary for this ayah
23:29Page 344
وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩
And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"
No commentary for this ayah
23:30Page 344
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠
Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].
No commentary for this ayah
23:31Page 344
ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١
Then We produced after them a generation of others.
No commentary for this ayah
23:32Page 344
فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢
And We sent among them a messenger1 from themselves, [saying], "Worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
No commentary for this ayah
23:33Page 344
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ ٣٣
And the eminent among his people who disbelieved and denied the meeting of the Hereafter while We had given them luxury in the worldly life said, "This is not but a man like yourselves. He eats of that from which you eat and drinks of what you drink.
No commentary for this ayah
23:34Page 344
وَلَئِنۡ أَطَعۡتُم بَشَرٗا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٣٤
And if you should obey a man like yourselves, indeed, you would then be losers.
No commentary for this ayah
23:35Page 344
أَيَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ ٣٥
Does he promise you that when you have died and become dust and bones that you will be brought forth [once more]?
No commentary for this ayah
23:36Page 344
۞ هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦
How far, how far, is that which you are promised.1
No commentary for this ayah
23:37Page 344
إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٣٧
It [i.e., life] is not but our worldly life - we die and live, but we will not be resurrected.
No commentary for this ayah
23:38Page 344
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا وَمَا نَحۡنُ لَهُۥ بِمُؤۡمِنِينَ ٣٨
He is not but a man who has invented a lie about Allāh, and we will not believe him."
No commentary for this ayah
23:39Page 344
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٣٩
He said, "My Lord, support me because they have denied me."
No commentary for this ayah
23:40Page 344
قَالَ عَمَّا قَلِيلٖ لَّيُصۡبِحُنَّ نَٰدِمِينَ ٤٠
[Allāh] said, "After a little, they will surely become regretful."
No commentary for this ayah
23:41Page 344
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١
So the shriek1 seized them in truth,2 and We made them as [plant] stubble. Then away with the wrongdoing people.
No commentary for this ayah
23:42Page 344
ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢
Then We produced after them other generations.
No commentary for this ayah
23:43Page 345
مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣
No nation will precede its time [of termination], nor will they remain [thereafter].
No commentary for this ayah
23:44Page 345
ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤
Then We sent Our messengers in succession. Every time there came to a nation its messenger, they denied him, so We made them follow one another [to destruction], and We made them narrations.1 So away with a people who do not believe.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ بَعْدَ إرْسالِ نُوحٍ والرَّسُولِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ أرْسَلَ رُسُلَهُ تَتْرى أيْ: مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وكُلُّ مُتَتابِعٍ مُتَتالٍ تُسَمِّيهِ العَرَبُ مُتَواتِرًا، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِها مُتَواتِرٌ في لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها
يَعْنِي: مَطَرًا مُتَتابِعًا، أوْ غُبارَ رِيحٍ مُتَتابِعًا، وتاءُ تَتْرى مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ، وأنَّهُ كُلَّ ما أرْسَلَ رَسُولًا إلى أُمَّةٍ كَذَّبُوهُ فَأهْلَكَهم، وأتْبَعَ بَعْضَهم بَعْضًا في الإهْلاكِ المُتْسَأْصِلِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَذا المَعْنى المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ بُيِّنَتْ آيَةُ اسْتِثْناءِ أُمَّةٍ واحِدَةٍ مِن هَذا الإهْلاكِ المَذْكُورِ.
أمّا الآياتُ المُوَضِّحَةُ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ فَهي كَثِيرَةٌ جِدًّا؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٣٣)﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [سبإ: ٣٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥]
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
أمّا الآيَةُ الَّتِي بَيَّنَتِ اسْتِثْناءَ أُمَّةٍ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٨]، وظاهِرُ آيَةِ الصّافّاتِ أنَّهم آمَنُوا إيمانًا حَقًّا، وأنَّ اللَّهَ عامَلَهم بِهِ مُعامَلَةَ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ في الصِّفاتِ ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٧ - ١٤٨] لِأنَّ ظاهِرَ إطْلاقِ قَوْلِهِ: فَآمَنُوا، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَمِنَ الأُمَمِ الَّتِي نَصَّ عَلى أنَّهُ أهْلَكَها وجَعَلَها أحادِيثَ سَبَأٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ فِيهِمْ: ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ الآيَةَ [سبإ: ١٩]، وقَوْلُهُ ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ أيْ: أخْبارًا وقِصَصًا يُسْمَرُ بِها، ويُتَعَجَّبُ مِنها، كَما قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ في مَقْصُورَتِهِ:
؎وَإنَّما المَرْءُ حَدِيثُ بَعْدِهِ ∗∗∗ فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَن وعى
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: تَتْرًا بِالتَّنْوِينِ: وهي لُغَةُ كِنانَةَ، والباقُونَ بِألِفِ التَّأْنِيثِ المَقْصُورَةِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ: وهي لُغَةُ أكْثَرِ العَرَبِ، وسَهَّلَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الهَمْزَةَ الثّانِيَةَ مِن قَوْلِهِ: جَآءَ أُمَّةٍ، وقَرَأها الباقُونَ بِالتَّحْقِيقِ، كَما هو مَعْلُومٌ. وقَوْلُهُ ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] مَصْدَرٌ لا يَظْهَرُ عامِلُهُ، وقَدْ بَعُدَ بَعَدًا بِفَتْحَتَيْنِ، وبُعْدًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أيْ: هَلَكَ فَقَوْلُهُ: بُعْدًا أيْ: هَلاكًا مُسْتَأْصِلًا، كَما قالَ تَعالى ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] قالَ الشّاعِرُ:
؎قَلَّ الغَناءُ إذا لاقى الفَتى تَلَفًا ∗∗∗ قَوْلُ الأحِبَّةِ لا تَبْعُدْ وقَدْ بَعُدا
وَقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ بُعْدًا وسُحْقًا ودَفْرًا أيْ: نَتِنًا مِنَ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ لا تَظْهَرُ. اهـ ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهم: سَقْيًا ورَعْيًا، كَقَوْلِ نابِغَةِ ذُبْيانَ: (p-٣٣٤)
؎نُبِّئْتُ نِعَمًا عَلى الهِجْرانِ عاتِيَةً ∗∗∗ سَقْيًا ورَعْيًا لِذاكَ العاتِبِ الزّارِي
والأحادِيثُ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ في مُفْرَدِهِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ حَدِيثٍ كَما تَقُولُ: هَذِهِ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، تُرِيدُ بِالأحادِيثِ جَمْعَ حَدِيثٍ، وعَلى هَذا فَهو مِنَ الجُمُوعِ الجارِيَةِ عَلى غَيْرِ القِياسِ المُشارِ لَها بِقَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:
؎وَحائِدٍ عَنِ القِياسِ كُلَّ ما ∗∗∗ خالَفَ في البابَيْنِ حُكْمًا رَسْما
يَعْنِي بِالبابَيْنِ: التَّكْسِيرَ والتَّصْغِيرَ، كَتَكْسِيرِ حَدِيثٍ عَلى أحادِيثَ وباطِلٍ عَلى أباطِيلَ، وكَتَصْغِيرِ مَغْرِبٍ، عَلى مُغَيْرِبانِ، وعَشِيَّةً عَلى عُشَيْشِيَّةٍ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأحادِيثَ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ الَّتِي هي مِثْلُ: أُضْحُوكَةٍ، وأُلْعُوبَةٍ، وأُعْجُوبَةٍ بِضَمِّ الأوَّلِ، وإسْكانِ الثّانِي: وهي ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النّاسُ تَلَهِيًّا وتَعَجُّبًا. ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيْرِ
؎: مِنَ الخَفِراتِ البِيْضِ ودَّ جَلِيسُها ∗∗∗ إذا ما انْقَضَتْ أُحْدُوثَةٌ لَوْ تُعِيدُها
وَهَذا الوَجْهُ أنْسَبُ هُنا لِجَرَيانِ الجَمْعِ فِيهِ عَلى القِياسِ، وجَزَمَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
23:45Page 345
ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥
Then We sent Moses and his brother Aaron with Our signs and a clear authority1
No commentary for this ayah
23:46Page 345
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦
To Pharaoh and his establishment, but they were arrogant and were a haughty people.
No commentary for this ayah
23:47Page 345
فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧
They said, "Should we believe two men like ourselves while their people are for us in servitude?"
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences