Ash-ShinqitiAl‑Mu'minun · 23:48–70

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:48–70

23:48Page 345

فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ ٤٨

So they denied them and were of those destroyed.

No commentary for this ayah

23:49Page 345

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩

And We certainly gave Moses the Scripture that perhaps they1 would be guided.

No commentary for this ayah

23:50Page 345

وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ ٥٠

And We made the son of Mary and his mother a sign and sheltered them within a high ground having level [areas] and flowing water.

No commentary for this ayah

23:51Page 345

يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١

[Allāh said], "O messengers, eat from the good foods and work righteousness. Indeed I, of what you do, am Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، أمَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ رُسُلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّ المَوْجُودَ مِنهم، وقْتَ نُزُولِها واحِدٌ، وهو نَبِيُّنا ﷺ، بِالأكْلِ مِنَ الطَّيِّباتِ: وهي الحَلالُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ عَلى التَّحْقِيقِ، وأنْ يَعْمَلُوا العَمَلَ الصّالِحَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأكْلَ مِنَ الحَلالِ لَهُ أثَرٌ في العَمَلِ الصّالِحِ، وهو كَذَلِكَ، وهَذا الَّذِي أمَرَ بِهِ الرُّسُلَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أمَرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هي خَيْرُ الأُمَمِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ رَسُولٍ أمَرَ في زَمَنِهِ بِالأكْلِ مِنَ الحَلالِ، والعَمَلِ الصّالِحِ، وتَأْثِيرُ الأكْلِ مِنَ الحَلالِ في الأعْمالِ مَعْرُوفٌ، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا وأنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] (p-٣٣٥)وَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِّيَ بِالحَرامِ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ يا رَبِّ فَأنّى يُسْتَجابُ لَهُ» وهو يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً أنَّ دُعاءَهُ الَّذِي هو أعْظَمُ القُرَبِ لَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنَ الحَلالِ ولَمْ يَشْرَبْ مِنهُ، ولَمْ يَرْكَبْ مِنهُ.

23:52Page 345

وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢

And indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so fear Me."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، قَدْ أوْضَحْنا مَعْنى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، وفَسَّرْنا ما يَحْتاجُ مِنهُما إلى تَفْسِيرٍ وبَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِمَعْناهُما في سُورَةِ الأنْبِياءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ ﴿وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٢ - ٩٣] وبَيَّنّا المُرادَ بِالأُمَّةِ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ، وبَيَّنّا جَمْعَ مَعانِي الأُمَّةِ في القُرْآنِ في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٨] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

23:53Page 345

فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٥٣

But they [i.e., the people] divided their religion among them into portions [i.e., sects] - each faction, in what it has,1 rejoicing.

No commentary for this ayah

23:54Page 345

فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤

So leave them in their confusion for a time.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾، أمَرَ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَذَرَ الكُفّارَ أيْ: يَتْرُكَهم في غَمْرَتِهِمْ إلى حِينٍ، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ وقْتُ انْقِضاءِ آجالِهِمْ بِقَتْلٍ أوْ مَوْتٍ، وصَيْرُورَتُهم إلى ما هم صائِرُونَ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ مِنَ العَذابِ البَرْزَخِيِّ، والأُخْرَوِيِّ، وكَوْنُ المُرادِ بِالحِينِ المَذْكُورِ: وقْتَ قَتْلِهِمْ، أوْ مَوْتِهِمْ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، بِغَيْرِ سَنَدٍ.

وَأقْوالُ أهْلِ العِلْمِ في مَعْنى غَمْرَتِهِمْ راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ كَقَوْلِ الكَلْبِيِّ في غَمْرَتِهِمْ أيْ: جَهالَتِهِمْ. وقَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ: في حَيْرَتِهِمْ. وقَوْلُ ابْنِ سَلامٍ: في غَفْلَتِهِمْ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: في ضَلالَتِهِمْ فَمَعْنى كُلِّ هَذِهِ الأقْوالِ واحِدٌ، وهو أنَّهُ، أمَرَهُ أنْ يَتْرُكَهم فِيما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ، والغَيِّ والمَعاصِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَمْرَةُ: الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ فَضُرِبَتْ مَثَلًا لِما هم مَغْمُورُونَ فِيهِ مِن جَهْلِهِمْ، وعَمايَتِهِمْ أوْ شُبِّهُوا بِاللّاعِبِينَ في غَمْرَةِ الماءِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

؎لَيالِي اللَّهْوِ يُطْبِينِي فَأتْبَعَهُ كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبِ

وَصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] لِلتَّهْدِيدِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في (p-٣٣٦)فَنِّ الأُصُولِ في مَبْحَثِ الأمْرِ وفي فَنِّ المَعانِي في مَبْحَثِ الإنْشاءِ، أنَّ مِنَ المَعانِي الَّتِي تَأْتِي لَها صِيغَةُ أفْعَلَ التَّهْدِيدُ وهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن تَهْدِيدِ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّنا ﷺ، جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]

• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [ ١٤ ]

• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] .

وَقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا المَعْنى في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾، الآيَةَ [الحجر: ٣] وتَكَلَّمْنا هُناكَ عَلى لَفْظِ ذَرْهم.

23:55Page 345

أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ ٥٥

Do they think that what We extend to them of wealth and children

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾، قَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ عَلى الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ الكَهْفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

23:56Page 345

نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ ٥٦

Is [because] We hasten for them good things? Rather, they do not perceive.1

No commentary for this ayah

23:57Page 345

إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧

Indeed, they who are apprehensive from fear of their Lord

No commentary for this ayah

23:58Page 345

وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨

And they who believe in the signs of their Lord

No commentary for this ayah

23:59Page 345

وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩

And they who do not associate anything with their Lord

No commentary for this ayah

23:60Page 346

وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠

And they who give what they give while their hearts are fearful1 because they will be returning to their Lord -

No commentary for this ayah

23:61Page 346

أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١

It is those who hasten to good deeds, and they outstrip [others] therein.

No commentary for this ayah

23:62Page 346

وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢

And We charge no soul except [with that within] its capacity, and with Us is a record which speaks with truth; and they will not be wronged.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾، ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ التَّخْفِيفِ في هَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، الَّتِي جاءَ بِها نَبِيُّنا ﷺ قَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾، الحَقُّ أنَّ المُرادَ بِهَذا الكِتابِ: كِتابُ الأعْمالِ الَّذِي يُحْصِيها اللَّهُ فِيهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا المَعْنى في الكَهْفِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾، الآيَةَ [الكهف: ٤٩] وفي سُورَةِ الإسْراءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] .

والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى نُطْقِ الكِتابِ بِالحَقِّ: أنَّ جَمِيعَ المَكْتُوبِ فِيهِ حَقٌّ، فَمَن قَرَأ المَكْتُوبَ فِيهِ، كَأنَّهُ لا يَنْطِقُ في قِراءَتِهِ لَهُ إلّا بِالحَقِّ، ورُبَّما أطْلَقَتِ العَرَبُ اسْمَ الكَلامِ عَلى (p-٣٣٧)الخَطِّ، كَما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما بَيْنَ دَفَّتَيِ المُصْحَفِ كَلامُ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

23:63Page 346

بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣

But their hearts are covered with confusion over this, and they have [evil] deeds besides that [i.e., disbelief] which they are doing,

No commentary for this ayah

23:64Page 346

حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤

Until when We seize their affluent ones with punishment,1 at once they are crying [to Allāh] for help.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾، حَتّى هُنا في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، والعَذابُ الَّذِي أخَذَهم رَبُّهم بِهِ، قِيلَ: هو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ بِالقَتْلِ والأسْرِ، وقِيلَ: الجُوعُ والقَحْطُ الشَّدِيدُ الَّذِي أصابَهم، لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ ”«اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ“» فَأصابَهم بِسَبَبِ دَعْوَتِهِ ﷺ مِنَ الجُوعِ الشَّدِيدِ، عَذابٌ ألِيمٌ، وأظْهَرُها عِنْدِي أنَّهُ أخَذَهم بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّهُ أخَذَ مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ، والمُتْرَفُونَ هم أصْحابُ النِّعْمَةِ والرَّفاهِيَةِ في دارِ الدُّنْيا، وهَذا المَعْنى أشارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١١ - ١٣] فَقَوْلُهُ: أُولِي النَّعْمَةِ يُرِيدُ بِهِمُ: المُتْرَفِينَ في الدُّنْيا، وبَيَّنَ أنَّهُ سَيُعَذِّبُهم بَعْدَ التَّهْدِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: يَجْأرُونَ، الجُؤارُ: الصُّراخُ بِاسْتِغاثَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: جَأرَ الثَّوْرُ يَجْأرُ: صاحَ، فالجُؤارُ كالخُوارِ وفي بَعْضِ القِراءاتِ ”عِجْلًا جَسَدًا لَهُ جُؤارٌ“ [الأعراف: ١٤٨ ]، [ ٢٠ \ ٨٨] بِالجِيمِ والهَمْزَةِ، أيْ: خُوارٌ، وجَأرَ الرَّجُلُ إلى اللَّهِ: تَضَرَّعَ بِالدُّعاءِ.

فَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُنَعَّمِينَ في الدُّنْيا مِنَ الكُفّارِ، إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، صاحُوا مُسْتَصْرِخِينَ مُسْتَغِيثِينَ، يَطْلُبُونَ الخَلاصَ مِمّا هم فِيهِ، وصُراخُهم واسْتِغاثَتُهُمُ المُشارُ لَهُ هُنا، جاءَ في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٦ - ٣٧] فَقَوْلُهُ: يَصْطَرِخُونَ: يَفْتَعِلُونَ مِنَ الصُّراخِ، مُسْتَغِيثِينَ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مِمّا هم فِيهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ فَهَذا الصُّراخُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ العامُّ لِلْمُتْرَفِينَ وغَيْرِهِمْ، هو الجُؤارُ المَذْكُورُ عَنِ المُتْرَفِينَ هُنا، ومِن إطْلاقِ العَرَبِ الجُؤارُ عَلى الصُّراخِ والدُّعاءِ لِلِاسْتِغاثَةِ قَوْلُ الأعْشى:(p-٣٣٨)

؎يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيكِ فَطَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا

والجُؤارُ المَذْكُورُ: هو النِّداءُ في قَوْلِهِ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص: ٣]؛ لِأنَّ نِداءَهم نِداءُ اسْتِغاثَةٍ واسْتِصْراخٍ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٧٧]؛ لِأنَّ القَضاءَ عَلَيْهِمْ مِن أعْظَمِ الأُمُورِ الَّتِي يَطْلُبُونَها، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالمَوْتِ مِن دَوامِ ذَلِكَ العَذابِ الشَّدِيدِ، أجارَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنهُ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٣ - ١٤] وذَلِكَ الدُّعاءُ بِالثُّبُورِ الَّذِي هو أعْظَمُ الهَلاكِ، والوَيْلُ عَنْ أنْواعِ جُؤارِهِمْ والعِياذُ بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنِ اسْتَغاثُوا لَمْ يُغاثُوا، وإنِ اسْتَرْحَمُوا لَمْ يُرْحَمُوا، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] .

23:65Page 346

لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥

Do not cry out today. Indeed, by Us you will not be helped.

No commentary for this ayah

23:66Page 346

قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦

My verses had already been recited to you, but you were turning back on your heels

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾، لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُتْرَفِينَ مِنَ الكُفّارِ إذا أخَذَهم رَبُّهم بِالعَذابِ، ضَجُّوا وصاحُوا واسْتَغاثُوا، وبَيَّنَ أنَّهم لا يُغاثُونَ كَما أوْضَحْناهُ آنِفًا بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: قَدْ كانَتْ آياتِي، أيِ: الَّتِي أرْسَلْتُ بِها رُسُلِي تُتْلى عَلَيْكم: تُقْرَأُ عَلَيْكم واضِحَةً مُفَصَّلَةً، ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾: تَرْجِعُونَ عَنْها القَهْقَرى، والعَقِبُ: مُؤَخَّرُ القَدَمِ، والنُّكُوصُ: الرُّجُوعُ عَنِ الأمْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎زَعَمُوا بِأنَّهم عَلى سُبُلِ النَّجاةِ وإنَّما نَكَصَ عَلى الأعْقابِ

وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا: أشارَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١١ - ١٢] فَكُفْرُهم عِنْدَ اللَّهِ ذِكْرُ اللَّهِ وحْدَهُ، مِن نُكُوصِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُهُ، لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى النُّكُوصِ عَنْها، عَلى أعْقابِهِمْ، بَلْ يَكادُونَ يَبْطِشُونَ بِالَّذِي يَتْلُوها عَلَيْهِمْ، لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لَها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢] (p-٣٣٩)وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا أنَّ العَذابَ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، أظْهَرُ عِنْدَنا مِن قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ أوِ الجُوعُ، ومِن قَوْلِ مَن زَعَمَ: أنَّ الَّذِينَ يَجْأرُونَ: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وأنَّ جُؤارَهم مِن قِبَلِ إخْوانِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ قالَهُ مَن قالَهُ:

23:67Page 346

مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧

In arrogance regarding it,1 conversing by night, speaking evil.

No commentary for this ayah

23:68Page 346

أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨

Then have they not reflected over the word [i.e., the Qur’ān], or has there come to them that which had not come to their forefathers?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾، يَتَضَمَّنُ حَضَّهم، عَلى تَدَبُّرِ هَذا القَوْلِ الَّذِي هو القُرْآنُ العَظِيمُ؛ لِأنَّهم إنْ تَدَبَّرُوهُ تَدَبُّرًا صادِقًا، عَلِمُوا أنَّهُ حَقٌّ، وأنَّ اتِّباعَهُ واجِبٌ وتَصْدِيقُ مَن جاءَ بِهِ لازِمٌ، وقَدْ أشارَ لِهَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] قالَ القُرْطُبِيُّ:

فَأنْكَرُوهُ، وأعْرَضُوا عَنْهُ، وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى: بَلْ جاءَهم ما لا عَهْدَ لِآبائِهِمْ بِهِ، فَلِذَلِكَ أنْكَرُوهُ، وتَرَكُوا التَّدَبُّرَ لَهُ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقِيلَ المَعْنى: أمْ جاءَهم أمانٌ مِنَ العَذابِ، وهو شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، قالَ أبُو حَيّانَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ، ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ: إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا، ولا مُسْتَغْرَبًا، بَلْ أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ لِلْأُمَمِ قَبْلَهم، وعَرِفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ، واسْتِئْصالِ مَن كَذَبَ وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ إلى آخِرِ كَلامِهِ، وهَذا الوَجْهُ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ وعَلَيْهِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٩] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.

23:69Page 346

أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩

Or did they not know their Messenger, so they are toward him disacknowledging?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ يُونُسَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٦] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

23:70Page 346

أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠

Or do they say, "In him is madness"? Rather, he brought them the truth, but most of them, to the truth, are averse.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، أمِ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ بِأمِ المُنْقَطِعَةِ، وضابِطُها ألّا تَتَقَدَّمَ عَلَيْها هَمْزَةُ تَسْوِيَةٍ نَحْوَ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٦] أوْ هَمْزَةٌ مُغْنِيَةٌ، عَنْ لَفْظَةٍ، أيْ: كَقَوْلِكَ أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو ؟ أيْ: أيُّهُما عِنْدَكَ فالمَسْبُوقَةُ (p-٣٤٠)بِإحْدى الهَمْزَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَهم بِأمِ المُتَّصِلَةِ، والَّتِي لَمْ تُسْبَقْ بِواحِدَةٍ مِنهُما هي المَعْرُوفَةُ بِالمُنْقَطِعَةِ كَما هُنا، وأمِ المُنْقَطِعَةُ تَأْتِي لِثَلاثَةِ مَعانٍ.

الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: بَلِ الإضْرابِيَّةِ.

الثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى هَمْزَةِ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ.

الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ بِمَعْناهُما مَعًا فَتَكُونُ جامِعَةً بَيْنَ الإضْرابِ والإنْكارِ، وهَذا الأخِيرُ هو الأكْثَرُ في مَعْناها، خِلافًا لِابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ في اقْتِصارِهِ عَلى أنَّها بِمَعْنى: بَلْ في قَوْلِهِ:

؎وَبِانْقِطاعٍ وبِمَعْنى بَلْ وفَتْ إنْ تَكُ مِمّا قُيِّدَتْ بِهِ خَلَتْ

وَمُرادُهُ بِخُلُوِّها مِمّا قُيِّدَتْ بِهِ: ألّا تَسْبِقَها إحْدى الهَمْزَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَإنْ سَبَقَتْها إحْداهُما، فَهي المُتَّصِلَةُ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وعَلى ما ذَكَرْنا فَيَكُونُ المَعْنى مُتَضَمِّنًا لِلْإضْرابِ عَمّا قَبْلَهُ إضْرابًا انْتِقالِيًّا، مَعَ مَعْنى اسْتِفْهامِ الإنْكارِ، فَتَضَمُّنُ الآيَةِ الإنْكارَ عَلى الكُفّارِ في دَعْواهم: أنَّ نَبِيَّنا ﷺ بِهِ جِنَّةٌ أيْ: جُنُونٌ يَعْنُونَ: أنَّ هَذا الحَقَّ الَّذِي جاءَهم بِهِ هَذَيانُ مَجْنُونٍ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ ما أجْحَدَهم لِلْحَقِّ ! وما أكْفَرَهم ! ودَعْواهم عَلَيْهِ هَذِهِ أنَّهُ مَجْنُونٌ كَذَّبَها اللَّهُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠] فالإضْرابُ بِبَلْ إبْطالِيٌّ.

والمَعْنى: لَيْسَ بِمَجْنُونٍ بَلْ هو رَسُولٌ كَرِيمٌ جاءَكم بِالحَقِّ الواضِحِ، المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ الَّذِي يَعْرِفُ كُلُّ عاقِلٍ، أنَّهُ حَقٌّ، ولَكِنْ عانَدْتُمْ وكَفَرْتُمْ لِشِدَّةِ كَراهِيَتِكم لِلْحَقِّ، وما نَفَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن دَعْواهم عَلَيْهِ الجُنُونَ صَرَّحَ اللَّهُ بِنَفْيِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] وهَذا الجُنُونُ الَّذِي افْتُرِيَ عَلى آخِرِ الأنْبِياءِ، افْتُرِيَ أيْضًا عَلى أوَّلِهِمْ، كَما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ أنَّهم قالُوا فِيهِ: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] وقَدْ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا إلّا قالَ قَوْمُهُ: إنَّهُ ساحِرٌ، أوْ مَجْنُونٌ، كَأنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فَتَواصَوْا عَلى ذَلِكَ لِتَواطُؤِ أقْوالِهِمْ لِرُسُلِهِمْ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] فَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ تَواطُئِهِمْ عَلى ذَلِكَ لَيْسَ التَّواصِي بِهِ؛ لِاخْتِلافِ أزْمِنَتِهِمْ، وأمْكِنَتِهِمْ، ولَكِنَّ الَّذِي جَمَعَهم عَلى ذَلِكَ هو مُشابَهَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في الطُّغْيانِ، وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ (p-٣٤١)البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] فَهَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ تَشابُهِ مَقالاتِهِمْ لِرُسُلِهِمْ، هو تَشابُهُ قُلُوبِهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وكَراهِيَةِ الحَقِّ وقَوْلُهُ: ﴿وَأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] ذَكَرَ نَحْوَ مَعْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ الآيَةَ [الحج: ٧٢] وذَلِكَ المُنْكَرُ الَّذِي تَعْرِفُهُ في وُجُوهِهِمْ، إنَّما هو لِشِدَّةِ كَراهِيَتِهِمْ لِلْحَقِّ، ومِنَ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِكَراهِيَتِهِمْ لِلْحَقِّ، أنَّهم يَمْتَنِعُونَ مِن سَماعِهِ، ويَسْتَعْمِلُونَ الوَسائِلَ الَّتِي تَمْنَعُهم مِن أنْ يَسْمَعُوهُ، كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ أوَّلِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أرْسَلَهم بِتَوْحِيدِهِ والنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ بِهِ، وهو نُوحٌ: ﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧] وإنَّما جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ، واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم خَوْفَ أنْ يَسْمَعُوا ما يَقُولُهُ لَهم نَبِيُّهم نُوحٌ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، مِنَ الحَقِّ، والدَّعْوَةِ إلَيْهِ، وقالَ تَعالى في أُمَّةِ آخِرِ الأنْبِياءِ ﷺ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٦] فَتَرى بَعْضَهم يَنْهى بَعْضًا عَنْ سَماعِهِ، ويَأْمُرُهم بِاللَّغْوِ فِيهِ، كالصِّياحِ والتَّصْفِيقِ المانِعِ مِنَ السَّماعِ لِكَراهَتِهِمْ لِلْحَقِّ، ومُحاوَلَتِهِمْ أنْ يَغْلِبُوا الحَقَّ بِالباطِلِ.

وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ سُؤالُ مَعْرُوفٍ وهو أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿وَأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَتِهِ، أنَّ قَلِيلًا مِنَ الكُفّارِ، لَيْسُوا كارِهِينَ لِلْحَقِّ، وهَذا السُّؤالُ وارِدٌ أيْضًا عَلى آيَةِ الزُّخْرُفِ الَّتِي ذَكَرْنا آنِفًا، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] .

والجَوابُ عَنْ هَذا السُّؤالِ: هو ما أجابَ بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِأنَّ قَلِيلًا مِنَ الكُفّارِ، كانُوا لا يَكْرَهُونَ الحَقَّ، وسَبَبُ امْتِناعِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ لَيْسَ هو كَراهِيَتُهم لِلْحَقِّ، ولَكِنَّ سَبَبَهُ الأنَفَةُ والِاسْتِنْكافُ مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِمْ، وأنْ يَقُولُوا صَبَؤُوا وفارَقُوا دِينَ آبائِهِمْ، ومِن أمْثِلَةِ مَن وقَعَ لَهُ هَذا أبُو طالِبٍ فَإنَّهُ لا يَكْرَهُ الحَقَّ، الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وقَدْ كانَ يَشُدُّ عَضُدَهُ في تَبْلِيغِهِ رِسالَتَهُ كَما قَدَّمْنا في شِعْرِهِ في قَوْلِهِ:

؎اصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ

الأبْياتِ وقالَ فِيها: (p-٣٤٢)

؎وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا

وَقالَ فِيهِ ﷺ أيْضًا:

؎لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنا لا مُكَذَّبَ ∗∗∗ لَدَيْنا ولا يَعْنِي بِقَوْلِ الأباطِلِ

وَقَدْ بَيَّنَ أبُو طالِبٍ في شِعْرِهِ: أنَّ السَّبَبَ المانِعَ لَهُ مِنَ اعْتِناقِ الإسْلامِ لَيْسَ كَراهِيَةَ الحَقِّ، ولَكِنَّهُ الأنَفَةُ والخَوْفُ مِن مَلامَةِ قَوْمِهِ أوْ سَبِّهِمْ لَهُ كَما في قَوْلِهِ:

؎لَوْلا المَلامَةُ أوْ حَذارِ مَسَبَّةٍ ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ يَقِينًا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском