Ash-ShinqitiAl‑Mu'minun · 23:71–83

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:71–83

23:71Page 346

وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١

But if the Truth [i.e., Allāh] had followed their inclinations, the heavens and the earth and whoever is in them would have been ruined. Rather, We have brought them their message,1 but they, from their message, are turning away.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾، اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالحَقِّ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: الحَقُّ: هو اللَّهُ تَعالى، ومَعْلُومٌ أنَّ الحَقَّ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ [الحج: ٦] وكَوْنُ المُرادِ بِالحَقِّ في الآيَةِ: هو اللَّهَ عَزاهُ القُرْطُبِيُّ لِلْأكْثَرِينَ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ: مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ، وأبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ.

وَعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى لَوْ أجابَهُمُ اللَّهُ إلى تَشْرِيعِ ما أحَبُّوا تَشْرِيعَهُ وإرْسالِ مَنِ اقْتَرَحُوا إرْسالَهُ، بِأنْ جَعَلَ أمْرَ التَّشْرِيعِ وإرْسالِ الرُّسُلِ ونَحْوِ ذَلِكَ تابِعًا لِأهْوائِهِمُ الفاسِدَةِ، لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ومَن فِيهِنَّ؛ لِأنَّ أهْواءَهُمُ الفاسِدَةَ وشَهَواتِهِمُ الباطِلَةَ، لا يُمْكِنُ أنْ تَقُومَ عَلَيْها السَّماءُ والأرْضُ وذَلِكَ لِفَسادِ أهْوائِهِمْ، واخْتِلافِها. فالأهْواءُ الفاسِدَةُ المُخْتَلِفَةُ لا يُمْكِنُ أنْ يَقُومَ عَلَيْها نِظامُ السَّماءِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، بَلْ لَوْ كانَتْ هي المُتَّبَعَةَ لَفَسَدَ الجَمِيعُ.

وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ أهْواءَهم لا تَصْلُحُ؛ لِأنْ تَكُونَ مُتَّبَعَةً قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]؛ لِأنَّ القُرْآنَ لَوْ أُنْزِلَ عَلى أحَدِ الرَّجُلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وهو كافِرٌ يَعْبُدُ الأوْثانَ فَلا فَسادَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٢]، وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الأعراف: ١٠٠] وقالَ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَفي هَذا كُلِّهِ تَبْيِينُ عَجْزِ العِبادِ، واخْتِلافُ آرائِهِمْ وأهْوائِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى هو (p-٣٤٣)الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ وأقْوالِهِ وأفْعالِهِ وشَرْعِهِ وقَدَرِهِ وتَدْبِيرِهِ لِخَلْقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.

وَمِمّا يُوَضِّحُ أنَّ الحَقَّ لَوِ اتَّبَعَ الأهْواءَ الفاسِدَةَ المُخْتَلِفَةَ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ في الآيَةِ: الحَقُّ الَّذِي هو ضِدُّ الباطِلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأنْكَرَ الأوَّلَ.

وَعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ فُرِضَ كَوْنَ الحَقِّ مُتَّبِعًا لِأهْوائِهِمْ، الَّتِي هي الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وادِّعاءُ الأوْلادِ، والأنْدادِ لَهُ ونَحْوُ ذَلِكَ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ هَذا الفَرْضَ يَصِيرُ بِهِ الحَقُّ، هو أبْطَلُ الباطِلِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَقُومَ نِظامُ السَّماءِ والأرْضِ عَلى شَيْءٍ، هو أبْطَلُ الباطِلِ؛ لِأنَّ اسْتِقامَةَ نِظامِ هَذا العالَمِ لا تُمْكِنُ إلّا بِقُدْرَةِ وإرادَةِ إلَهٍ هو الحَقُّ مُنْفَرِدٌ بِالتَّشْرِيعِ، والأمْرِ والنَّهْيِ كَما لا يَخْفى عَلى عاقِلٍ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾، اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الذِّكْرِ في الآيَةِ فَمِنهم مَن قالَ: ذِكْرُهم: فَخْرُهم، وشَرَفُهم؛ لِأنَّ نُزُولَ هَذا الكِتابِ عَلى رَجُلٍ مِنهم فِيهِ لَهم أكْبَرُ الفَخْرِ والشَّرَفِ، وعَلى هَذا، فالآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] عَلى تَفْسِيرِ الذِّكْرِ بِالفَخْرِ والشَّرَفِ، وقالَ بَعْضُهم: الذِّكْرُ في الآيَةِ: الوَعْظُ والتَّوْصِيَةُ، وعَلَيْهِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] وقالَ بَعْضُهم: الذِّكْرُ هو ما كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨ - ١٦٩] وعَلَيْهِ، فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤٢] كَقَوْلِهِ هُنا، فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ، وكَقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] والآياتُ بِمِثْلِ هَذا عَلى القَوْلِ الأخِيرِ كَثِيرَةٌ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

23:72Page 346

أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢

Or do you, [O Muḥammad], ask them for payment? But the reward of your Lord is best, and He is the best of providers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (p-٣٤٤)المُرادُ بِالخَرْجِ والخَراجِ هُنا: الأجْرُ والجَزاءُ.

والمَعْنى: أنَّكَ لا تَسْألُهم عَلى ما بَلَّغْتَهم مِنَ الرِّسالَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِخَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أُجْرَةً ولا جُعْلًا، وأصْلُ الخَرْجِ والخَراجِ: هو ما تُخْرِجُهُ إلى كُلِّ عامِلٍ في مُقابَلَةِ أجْرِهِ، أوْ جَعْلٍ، وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَتَضَمَّنُ أنَّهُ ﷺ، لا يَسْألُهم أجْرًا، في مُقابَلَةِ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ.

وَقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ القُرْآنِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ الرُّسُلَ لا يَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ عَلى التَّبْلِيغِ في سُورَةِ هُودٍ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [هود: ٢٩] وبَيَّنّا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الآياتِ، مَعَ آيَةِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] وبَيَّنّا هُناكَ حُكْمَ أخْذِ الأُجْرَةِ، عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقَرَأ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ ابْنُ عامِرٍ: خَرْجًا فَخَرْجُ رَبِّكَ، بِإسْكانِ الرّاءِ فِيهِما مَعًا، وحَذْفِ الألِفِ فِيهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: خَراجًا فَخَراجُ رَبِّكَ بِفَتْحِ الرّاءِ بَعْدَها ألِفٌ فِيهِما مَعًا، وقَرَأ الباقُونَ: خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ بِإسْكانِ الرّاءِ، وحَذْفِ الألِفِ في الأوَّلِ، وفَتْحِ الرّاءِ وإثْباتِ الألِفِ في الثّانِي، والتَّحْقِيقُ: أنَّ مَعْنى الخَرْجِ والخَراجِ واحِدٌ، وأنَّهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ وقِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ بَيْنَ مَعْناهُما فَرْقًا زاعِمًا أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ: ما لَزِمَكَ أداؤُهُ.

وَمَعْنى الآيَةِ: لا يُساعِدُ عَلى هَذا الفَرْقِ كَما تَرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] نَظَرًا إلى أنَّ بَعْضَ المَخْلُوقِينَ يَرْزُقُ بَعْضَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٣]، ولا شَكَّ أنَّ فَضْلَ رِزْقِ اللَّهِ خَلْقَهُ، عَلى رِزْقِ بَعْضِ خَلْقِهِ بَعْضِهِمْ كَفَضْلِ ذاتِهِ، وسائِرِ صِفاتِهِ عَلى ذَواتِ خَلْقِهِ، وصِفاتِهِمْ.

23:73Page 346

وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣

And indeed, you invite them to a straight path.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ، لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

23:74Page 346

وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤

But indeed, those who do not believe in the Hereafter are deviating from the path.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ، ناكِبُونَ عَنِ الصِّراطِ، والمُرادُ بِالصِّراطِ، الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ (p-٣٤٥)المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ومَن نَكَبَ عَنْ هَذا الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، دَخَلَ النّارَ بِلا شَكٍّ.

والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الرُّومِ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] ومَعْنى قَوْلِهِ: لَناكِبُونَ: عادِلُونَ عَنْهُ، حائِدُونَ غَيْرُ سالِكِينَ إيّاهُ وهو مَعْنًى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ نُصَيْبٍ:

؎خَلِيلِيَّ مِن كَعْبٍ ألَمًا هَدَيْتُما بِزَيْنَبَ لا تَفْقِدْكُما أبَدًا كَعْبُ

؎مِنَ اليَوْمِ زُوراها فَإنَّ رِكابَنا ∗∗∗ غَداةَ غَدٍ عَنْها وعَنْ أهْلِها نَكْبُ

جَمْعُ ناكِبَةٍ، عَنْها أيْ: عادِلَةٌ عَنْها مُتَباعِدَةٌ عَنْها، وعَنْ أهْلِها.

23:75Page 347

۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥

And even if We gave them mercy and removed what was upon them of affliction, they would persist in their transgression, wandering blindly.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ المَعْدُومَ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ لا يُوجَدُ أنْ لَوْ وُجِدَ، كَيْفَ يَكُونُ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] اللَّجاجُ هُنا: التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ، والطُّغْيانُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، وهو كُفْرُهم بِاللَّهِ، وادِّعاؤُهم لَهُ الأوْلادَ والشُّرَكاءَ، وقَوْلُهُ: يَعْمَهُونَ: يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ لا يُمَيِّزُونَ حَقًّا، مِن باطِلٍ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: العَمَهُ: عَمى القَلْبِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

23:76Page 347

وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦

And We had gripped them with suffering [as a warning], but they did not yield to their Lord, nor did they humbly supplicate, [and will continue thus]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أخَذَ الكُفّارَ بِالعَذابِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هُنا: العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ كالجُوعِ والقَحْطِ والمَصائِبِ، والأمْراضِ والشَّدائِدِ، فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ أيْ: ما خَضَعُوا لَهُ، ولا ذَلُّوا وما يَتَضَرَّعُونَ أيْ: ما يَبْتَهِلُونَ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ مُتَضَرِّعِينَ لَهُ، لِيَكْشِفَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ لِشِدَّةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، وبُعْدِهِمْ مِنَ الِاتِّعاظِ، ولَوْ كانُوا مُتَّصِفِينَ بِما يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ مِن إصابَةِ عَذابِ اللَّهِ لَهم، وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٣] وقَوْلِهِ في سُورَةِ (p-٣٤٦)الأعْرافِ: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

23:77Page 347

حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧

Until when We have opened before them a door of severe punishment, immediately they will be therein in despair.

No commentary for this ayah

23:78Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨

And it is He who produced for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾، قَدْ ذَكَرْنا الآياتِ الَّتِي فِيها إيضاحٌ لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] وبَيَّنّا هُناكَ وجْهَ إفْرادِ السَّمْعِ مَعَ الجَمْعِ لِلْأبْصارِ والأفْئِدَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

23:79Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩

And it is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ذَرَأكم مَعْناهُ: خَلَقَكم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٧٩] وقَوْلُهُ في الأرْضِ، أيْ: خَلَقَكم وبَثَّكم في الأرْضِ، عَنْ طَرِيقِ التَّناسُلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ الآيَةَ [النساء: ١] وقالَ: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: إلَيْهِ وحْدَهُ، تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أحْياءً بَعْدَ البَعْثِ لِلْجَزاءِ والحِسابِ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، مِن أنَّهُ خَلَقَهم، وبَثَّهم في الأرْضِ، وأنَّهُ سَيَحْشُرُهم إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، جاءَ مَعْناهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦] وذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - أيْضًا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ المُلْكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٣ - ٢٥] والآياتُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.

23:80Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠

And it is He who gives life and causes death, and His is the alternation of the night and the day. Then will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى الإماتَتَيْنِ والإحْياءَتَيْنِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أكْبَرِ الدَّواعِي لِلْإيمانِ بِهِ - جَلَّ وعَلا - في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الحج: ٢٦] وفي سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

* *

(p-٣٤٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ لَهُ اخْتِلافَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ هو الفاعِلُ لَهُ وهو الَّذِي يَذْهَبُ بِاللَّيْلِ، ويَأْتِي بِالنَّهارِ، ثُمَّ يَذْهَبُ بِالنَّهارِ ويَأْتِي بِاللَّيْلِ، واخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، مِن أعْظَمِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ومِن أعْظَمِ مِنَنِهِ عَلى خَلْقِهِ كَما بَيَّنَ الأمْرَيْنِ في سُورَةِ القَصَصِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٧١ - ٧٣]، أيْ: لِتَسْكُنُوا في اللَّيْلِ وتَطْلُبُوا مَعايِشَكم بِالنَّهارِ. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَن أعْظَمِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٣٧]

• وقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧]

• وقَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٤]

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ [يس: ٤٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦]

والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وقَوْلُهُ تَعالى: أفَلا تَعْقِلُونَ أيْ: تُدْرِكُونَ بِعُقُولِكم أنَّ الَّذِي يُنْشِئُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ﴿ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ ويُخالِفُ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ أنَّهُ الإلَهُ الحَقُّ المَعْبُودُ وحْدَهُ - جَلَّ وعَلا -، الَّذِي لا يَصِحُّ أنْ يُسَوّى بِهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.

23:81Page 347

بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١

Rather,1 they say like what the former peoples said.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، لَفَظَةُ بَلْ هُنا لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ.

والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّنا ﷺ، قالُوا مِثْلَ ما قالَتِ الأُمَمُ قَبْلَهم، مِن إنْكارِ البَعْثِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ في قَوْلِهِ: أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ إنْكارٌ مِنهم لِلْبَعْثِ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى إنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ كَثِيرَةٌ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]

• وكَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] (p-٣٤٨)﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥]

• وقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١١ - ١٢]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا في إنْكارِهِمُ البَعْثَ كَثِيرَةٌ: وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١]، وفي أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ، وغَيْرِهِما الآياتِ الدّالَّةَ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وأوْرَدْنا مِنها كَثِيرًا

• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [يس: ٧٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآياتِ [الحج: ٥]، وأوْضَحْنا أرْبَعَةَ بَراهِينَ قُرْآنِيَّةٍ دالَّةٍ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وأكْثَرْنا مِن ذِكْرِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنِ التَّطْوِيلِ هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أئِذا مِتْنا قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ، بِالِاسْتِفْهامِ في: أئِذا مِتْنا، وحَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، في أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ، بَلْ قَرَأ إنّا لَمَبْعُوثُونَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِدَلالَةِ الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ، عَلى الِاسْتِفْهامِ الثّانِي المَحْذُوفِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِالعَكْسِ، فَحَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، مِن أئِذا، وقَرَأ إذا بِدُونِ اسْتِفْهامٍ، وأثْبَتَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ وقَدْ دَلَّ الِاسْتِفْهامُ الثّانِي المُثْبَتُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، عَلى الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ المَحْذُوفِ فِيها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِالِاسْتِفْهامِ فِيهِما مَعًا: أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ وهم عَلى أُصُولِهِمْ في الهَمْزَتَيْنِ، فَنافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو يُسَهِّلُونَ الثّانِيَةَ، والباقُونَ يُحَقِّقُونَها، وأدْخَلَ قالُونُ، وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ألِفًا بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَصْرِ دُونَ الألِفِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: مِتْنا بِكَسْرِ المِيمِ، والباقُونَ: بِضَمِّ المِيمِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ [مريم: ٢٣]

وجْهَ كَسْرِ المِيمِ في إسْنادِ الفِعْلِ الَّذِي هو ماتَ إلى تاءِ الفاعِلِ، وبَيَّنّا أنَّهُ يَخْفى عَلى كَثِيرٍ مِن طَلَبَةِ العِلْمِ، وأوْضَحْنا وُجْهَةَ غايَةٍ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

23:82Page 347

قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢

They said, "When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?

No commentary for this ayah

23:83Page 347

لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣

We have been promised this, we and our forefathers, before; this is not but legends of the former peoples."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ قالُوا: إنَّهم وُعِدُوا بِالبَعْثِ، ووُعِدَ بِهِ آباؤُهم مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّهم يَعْنُونَ أجْدادَهم، الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ، وأخْبَرَتْهم بِأنَّهم يُبْعَثُونَ بَعْدَ المَوْتِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وقالُوا: إنَّ البَعْثَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ (p-٣٤٩)هم وآباؤُهم كَذِبٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وأنَّهُ ما هو إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ أيْ: ما سَطَّرُوهُ وكَتَبُوهُ مِنَ الأباطِيلِ والتُّرَّهاتِ، والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أُسْطارَةٍ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهم مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ ذُكِرَ مِثْلُهُ في سُورَةِ النَّمْلِ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٧ - ٦٨]، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أقامَ البُرْهانَ عَلى البَعْثِ، الَّذِي أنْكَرُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]؛ لِأنَّ مَن لَهُ الأرْضُ، ومَن فِيها، ومَن هو رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، ومَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ﴿وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾، لا شَكَّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِ النّاسِ بَعْدَ المَوْتِ، كَما أوْضَحْنا فِيما مَرَّ البَراهِينَ القُرْآنِيَّةَ القَطْعِيَّةَ، الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском