Ash-ShinqitiAl‑Mu'minun · 23:5–16

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:5–16, continued

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنّا قَدَّمْنا في سُورَةِ النِّساءِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى مَنعِ نِكاحِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - صَرَّحَ فِيها بِما يُعْلَمُ مِنهُ، وُجُوبُ حِفْظِ الفَرْجِ عَنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ والسُّرِّيَّةِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأنَّ المُبْتَغِيَ وراءَ ذَلِكَ مِنَ العادِينَ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ وأنَّ المَرْأةَ المُسْتَمْتَعَ بِها في نِكاحِ المُتْعَةِ، لَيْسَتْ زَوْجَةً، ولا مَمْلُوكَةً. أمّا كَوْنُها غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ فَواضِحٌ، وأمّا الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِها غَيْرَ زَوْجَةٍ، فَهو انْتِفاءُ لَوازِمِ الزَّوْجِيَّةِ عَنْها كالمِيراثِ والعِدَّةِ والطَّلاقِ والنَّفَقَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَلَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَوَرِثَتْ واعْتَدَّتْ ووَقَعَ عَلَيْها الطَّلاقُ، ووَجَبَتْ لَها النَّفَقَةُ، فَلَمّا انْتَفَتْ عَنْها لَوازِمُ الزَّوْجِيَّةِ عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ اللّازِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ المَلْزُومِ بِإجْماعِ العُقَلاءِ.

فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ مُبْتَغِيَ نِكاحِ المُتْعَةِ مِنَ العادِينَ المُجاوِزِينَ ما أحَلَّ اللَّهُ إلى ما حَرَّمَ، وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ بِأدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وأنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ مَمْنُوعٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَدْ يَخْفى عَلى طالِبِ العِلْمِ مَعْنى لَفْظَةِ عَلى في هَذِهِ الآيَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ مادَّةَ الحِفْظِ، لا تَتَعَدّى إلى المَعْمُولِ الثّانِي في هَذا المَوْضُوعِ بِعَلى فَقِيلَ: إنَّ عَلى بِمَعْنى: عَنْ.

والمَعْنى: أنَّهم حافِظُونَ فُرُوجَهم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ، وحَفِظَ قَدْ تَتَعَدّى بِعْنَ.

وَحاوَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الجَوابَ عَنِ الإتْيانِ بِعَلى هُنا فَقالَ ما نَصُّهُ (p-٣١٩)”عَلى أزْواجِهِمْ“ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: إلّا والِينَ، عَلى أزْواجِهِمْ، أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةَ، فَماتَ عَنْها، فَخَلَفَ عَلَيْها فُلانٌ، ونَظِيرُهُ: كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ أيْ: والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّةَ سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا.

والمَعْنى: أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ، إلّا في تَزَوُّجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ، أوْ تَعَلُّقِ عَلى بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ غَيْرُ مَلُومِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم، فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، أوْ تَجْعَلُهُ صِلَةً لِحافِظِينَ مِن قَوْلِكَ: احْفَظْ عَلَيَّ عِنانَ فَرَسِي عَلى تَضْمِينِهِ، مَعْنى النَّفْيِ كَما ضُمِّنَ قَوْلُهم: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ إلّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: ما طَلَبْتُ مِنكَ إلّا فِعْلَكَ. اهـ مِنهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن عَدَمِ الظُّهُورِ.

قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي تَكَلَّفَها الزَّمَخْشَرِيُّ ظاهِرٌ فِيها العُجْمَةُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ حافِظُونَ مَعْنى: مُمْسِكُونَ أوْ قاصِرُونَ، وكِلاهُما يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ هُنا ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مَعَ أنَّ المَمْلُوكاتِ مِن جُمْلَةِ العُقَلاءِ، والعُقَلاءُ يُعَبَّرُ عَنْهم بِمَن لا بِما هو أنَّ الإماءَ لَمّا كُنَّ يَتَّصِفْنَ بِبَعْضِ صِفاتِ غَيْرِ العُقَلاءِ كَبَيْعِهِنَّ وشِرائِهِنَّ، ونَحْوِ ذَلِكَ، كانَ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِإطْلاقِ لَفْظَةِ ما عَلَيْهِنَّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ وراءَ ذَلِكَ، هو مَفْعُولُ ابْتَغى أيْ: ابْتَغى سِوى ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَفْعُولَ بِهِ مَحْذُوفٌ، ووَراءَ ظَرْفٌ، أيْ: فَمَنِ ابْتَغى مُسْتَمْتِعًا لِفَرْجِهِ، وراءَ ذَلِكَ.

23:6Page 342

إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦

Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they will not be blamed -

No commentary for this ayah

23:7Page 342

فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧

But whoever seeks beyond that, then those are the transgressors -

No commentary for this ayah

23:8Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨

And they who are to their trusts and their promises attentive

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ الوارِثِينَ الفِرْدَوْسَ: أنَّهم راعُونَ لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ، أيْ: مُحافِظُونَ عَلى الأماناتِ، والعُهُودِ، والأمانَةُ تَشْمَلُ: كُلَّ ما اسْتَوْدَعَكَ اللَّهُ، وأمَرَكَ بِحِفْظِهِ، فَيَدْخُلُ فِيها حِفْظُ جَوارِحِكَ مِن كُلِّ ما لا يُرْضِي اللَّهَ، وحِفْظُ ما ائْتُمِنتَ عَلَيْهِ مِن حُقُوقِ النّاسِ، والعُهُودُ أيْضًا تَشْمَلُ: كُلَّ ما أُخِذَ عَلَيْكَ العَهْدُ بِحِفْظِهِ، مِن حُقُوقِ اللَّهِ، وحُقُوقِ النّاسِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن حِفْظِ الأماناتِ والعُهُودِ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ (p-٣٢٠)

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى في سَألَ سائِلٌ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المعارج: ٣٢]

• وقَوْلِهِ في العَهْدِ ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في سُورَةِ الأنْبِياءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٧٨]،

وقَوْلِهِ: راعُونَ: جَمْعُ تَصْحِيحٍ لِلرّاعِي، وهو القائِمُ عَلى الشَّيْءِ، بِحِفْظٍ أوْ إصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، وفي الحَدِيثِ «كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» الحَدِيثَ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: لِأمانَتِهِمْ بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ النُّونِ، عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ والباقُونَ بِألِفٍ بَعْدَ النُّونِ، عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ.

23:9Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩

And they who carefully maintain their prayers -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ الوارِثِينَ الفِرْدَوْسَ: أنَّهم يُحافِظُونَ عَلى صَلَواتِهِمْ والمُحافَظَةُ عَلَيْها تَشْمَلُ إتْمامَ أرْكانِها، وشُرُوطِها، وسُنَنِها، وفِعْلِها في أوْقاتِها في الجَماعاتِ في المَساجِدِ، ولِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ مِن أسْبابِ نَيْلِ الفِرْدَوْسِ أمَرَ تَعالى بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٨]، وقالَ تَعالى في سُورَةِ المَعارِجِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] وقالَ فِيها أيْضًا ﴿إلّا المُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٢٣] وذَمَّ وتَوَعَّدَ مَن لَمْ يُحافِظْ عَلَيْها في قَوْلِهِ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] .

وَقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ الآيَةَ [الماعون: ٥٤]، وقالَ تَعالى في ذَمِّ المُنافِقِينَ ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٤٢]، وفي الصَّحِيحِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ ”الصَّلاةُ عَلى وقْتِها“» (p-٣٢١)الحَدِيثَ، وقَدْ قَدَّمْناهُ والأحادِيثُ في فَضْلِ الصَّلاةِ والمُحافَظَةِ عَلَيْها كَثِيرَةٌ جِدًّا، ولَكِنَّ مَوْضُوعَ كِتابِنا بَيانُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، ولا نَذْكُرُ غالِبًا البَيانَ مِنَ السُّنَّةِ، إلّا إذا كانَ في القُرْآنِ بَيانٌ غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ، فَنُتَمِّمُ البَيانَ مِنَ السُّنَّةِ كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا، وذَكَرْناهُ في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.

23:10Page 342

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ١٠

Those are the inheritors

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ، الَّتِي قَدَّمْنا هُمُ الوارِثُونَ، وحَذَفَ مَفْعُولَ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو الوارِثُونَ؛ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١١] عَلَيْهِ. والفِرْدَوْسُ: أعْلى الجَنَّةِ، وأوْسَطُها، ومِنهُ تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ - جَلَّ وعَلا -، وعَبَّرَ تَعالى عَنْ نَيْلِ الفِرْدَوْسِ هُنا باسِمِ الوِراثَةِ.

وَقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى الوِراثَةِ والآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ المَعْنى؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]

• وقَوْلِهِ: ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٧٤] في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ: حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: عَلى صَلاتِهِمْ بِغَيْرِ واوٍ، بِصِيغَةِ الإفْرادِ وقَرَأ الباقُونَ: عَلى صَلَواتِهِمْ [المؤمنون: ٩] بِالواوِ المَفْتُوحَةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ المُفْرَدَ الَّذِي هو اسْمُ جِنْسٍ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، كانَ صِيغَةَ عُمُومٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾، أيْ: بِلا انْقِطاعٍ أبَدًا، كَما قالَ تَعالى ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] وقالَ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦]

كَما قَدَّمْناهُ مُسْتَوْفًى.

23:11Page 342

ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١

Who will inherit al-Firdaus.1 They will abide therein eternally.

No commentary for this ayah

23:12Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢

And certainly did We create man from an extract of clay.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أطْوارَ خَلْقِهِ الإنْسانَ ونَقْلِهِ لَهُ، مِن حالٍ إلى حالٍ، لِيَدُلَّ خَلْقُهُ بِذَلِكَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ - جَلَّ وعَلا -، وقَدْ أوْضَحْنا في (p-٣٢٢)أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ مَعْنى النذُّطْفَةِ، والعَلَقَةِ، والمُضْغَةِ، وبَيَّنّا أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في المُخَلَّقَةِ، وغَيْرِ المُخَلَّقَةِ، والصَّحِيحِ مِن ذَلِكَ وأوْضَحْنا أحْكامَ الحَمْلِ إذا سَقَطَ عَلَقَةً أوْ مُضْغَةً هَلْ تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الحامِلِ أوْ لا ؟

وَهَلْ تَكُونُ الأمَةُ بِهِ أُمَّ ولَدٍ إنْ كانَ مِن سَيِّدِها أوْ لا ؟ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الحَمْلِ السّاقِطِ، ومَتى يَرِثُ، ويُوَرَّثُ، ومَتى يُصَلّى عَلَيْهِ، وأقْوالُ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآياتِ [الحج: ٥]، وسَنَذْكُرُ هُنا ما لَمْ نُبَيِّنْهُ هُنالِكَ مَعَ ذِكْرِ الآياتِ الَّتِي لَها تَعَلُّقٌ بِهَذا المَعْنى، أمّا مَعْنى السُّلالَةِ: فَهي فُعالَةٌ مِن سَلَلْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ، إذا اسْتَخْرَجْتَهُ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:

؎خَلَقَ البَرِيَّةَ مِن سُلالَةِ مُنْتِنٍ وإلى السُّلالَةِ كُلِّها سَتَعُودُ

والوَلَدُ سُلالَةُ أبِيهِ كَأنَّهُ انْسَلَّ مِن ظَهْرِ أبِيهِ.

وَمِنهُ قَوْلُ حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

؎فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ سُلالَةُ فَرْجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ

وَبِناءُ الِاسْمِ عَلى الفُعالَةِ، يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كَقُلامَةِ الظُّفْرِ، ونُحاتَةِ الشَّيْءِ المَنحُوتِ، وهي ما يَتَساقَطُ مِنهُ عِنْدَ النَّحْتِ، والمُرادُ بِخَلْقِ الإنْسانِ مِن سُلالَةِ الطِّينِ: خَلْقُ أبِيهِمْ آدَمَ مِنهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] .

وَقَدْ أوْضَحْنا فِيما مَضى أطْوارَ ذَلِكَ التُّرابِ، وأنَّهُ لَمّا بُلَّ بِالماءِ صارَ طِيبًا ولَمّا خُمِّرَ صارَ طِينًا لازِبًا يُلْصَقُ بِاليَدِ، وصارَ حَمَأً مَسْنُونًا، قالَ بَعْضُهم: طِينًا أسْوَدَ مُنْتِنًا، وقالَ بَعْضُهم: المَسْنُونُ: المُصَوَّرُ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ الحِجْرِ، ثُمَّ لَمّا خَلَقَهُ مِن طِينٍ خَلَقَ مِنهُ زَوْجَهُ حَوّاءَ، كَما قالَ في أوَّلِ النِّساءِ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١] وقالَ في الأعْرافِ ﴿وَجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الأعراف: ١٨٩] وقالَ في الزُّمَرِ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الزمر: ٦] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُ ذَلِكَ كُلِّهِ، ثُمَّ لَمّا خَلَقَ الرَّجُلَ والمَرْأةَ، كانَ وُجُودُ جِنْسِ الإنْسانِ مِنهُما عَنْ طَرِيقِ التَّناسُلِ، فَأوَّلُ أطْوارِهِ: النُّطْفَةُ، ثُمَّ العَلَقَةُ، إلَخْ.

وَقَدْ بَيَّنّا أغْلَبَ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] يَعْنِي: بَدْأهُ خَلْقَ نَوْعِ الإنْسانِ بِخَلْقِ آدَمَ، وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون: ١٣]، أيْ: بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ وحَوّاءَ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ثُمَّ جَعَلْناهُ (p-٣٢٣)لِنَوْعِ الإنْسانِ، الَّذِي هو النَّسْلُ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ أيْ: ونِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرُ، كَما أوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في سُورَةِ السَّجْدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٦ - ٩] وأشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] وما ذَكَرَهُ هُنا مِن أطْوارِ خَلْقِهِ الإنْسانَ، أمَرَ كُلَّ مُكَلَّفٍ أنْ يَنْظُرَ فِيهِ، والأمْرُ المُطْلَقُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ إلّا لِدَلِيلٍ صارِفٍ عَنْهُ، كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ الآيَةَ [الطارق: ٥ - ٦]، وقَدْ أشارَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ بِنَقْلِهِ الإنْسانَ في خَلْقِهِ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، كَما أوْضَحَهُ هُنا؛ وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ ﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ [نوح: ١٣ - ١٤] وبَيَّنَ أنَّ انْصِرافَ خَلْقِهِ عَنِ التَّفَكُّرِ في هَذا والِاعْتِبارِ بِهِ مِمّا يَسْتَوْجِبُ التَّساؤُلَ والعَجَبَ، وأنَّ مِن غَرائِبِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ قُدْرَتِهِ نَقْلَهُ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، إلى العَلَقَةِ، ومِنَ العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ إلَخْ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَشُقَّ بَطْنَ أُمِّهِ بَلْ هو مُسْتَتِرٌ بِثَلاثِ ظُلُماتٍ: وهي ظُلْمَةُ البَطْنِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ المَشِيمَةِ المُنْطَوِيَةِ عَلى الجَنِينِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] فَتَأمَّلْ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾، أيْ: عَنْ هَذِهِ العَجائِبِ والغَرائِبِ، الَّتِي فَعَلَها فِيكم رَبُّكم ومَعْبُودُكم. وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] ثُمَّ ذَكَرَ الحِكْمَةَ فَقالَ ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج: ٥] أيْ: لِنُظْهِرَ لَكم بِذَلِكَ عَظَمَتَنا، وكَمالَ قُدْرَتِنا، وانْفِرادَنا بِالإلَهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وقالَ في سُورَةِ المُؤْمِنِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧] وقالَ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠] والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ، وقَدْ أبْهَمَ هَذِهِ الأطْوارَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ (p-٣٢٤)﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩] وذَلِكَ الإبْهامُ يَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِمْ وعَظَمَةِ خالِقِهِمْ - جَلَّ وعَلا -، فَسُبْحانَهُ - جَلَّ وعَلا - ما أعْظَمَ شَأْنَهُ وما أكْمَلَ قُدْرَتَهُ، وما أظْهَرَ بَراهِينَ تَوْحِيدِهِ، وقَدْ بَيَّنَ في آيَةِ المُؤْمِنُونَ هَذِهِ: أنَّهُ يَخْلُقُ المُضْغَةَ عِظامًا، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهُ يُرَكِّبُ بَعْضَ تِلْكَ العِظامِ مَعَ بَعْضٍ، تَرْكِيبًا قَوِيًّا، ويَشُدُّ بَعْضَها مَعَ بَعْضٍ، عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأبْدَعِها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الآيَةَ [الإنسان: ٢٨]، والأسْرُ: شَدُّ العِظامِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ، وتَآسِيرُ السَّرْجِ ومَرْكَبُ المَرْأةِ السُّيُورُ الَّتِي يُشَدُّ بِها، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:

؎وَما دَخَلَتْ في الخَدْبِ حَتّى تَنَقَّضَتْ ∗∗∗ تَآسِيرُ أعْلى قَدِّهِ وتَحَطَّما

وَفِي صِحاحِ الجَوْهَرِيِّ: أسَرَ قَتَبَهُ يَأْسِرُهُ أسْرًا شَدَّهُ بِالأسارِ وهو القَدُّ، ومِنهُ سُمِّيَ الأسِيرُ، وكانُوا يَشُدُّونَهُ بِالقَدِّ، فَقَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ: أسْرَهم أيْ: خَلْقَهم فِيهِ قُصُورٌ في التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ الأسْرَ هو الشَّدُّ القَوِيُّ بِالأسارِ الَّذِي هو القَدُّ، وهو السَّيْرُ المَقْطُوعُ مِن جِلْدِ البَعِيرِ ونَحْوِهِ، الَّذِي لَمْ يُدْبَغْ واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَشُدُّ بَعْضَ العِظامِ بِبَعْضٍ، شَدًّا مُحْكَمًا مُتَماسِكًا كَما يَشُدُّ الشَّيْءَ بِالقَدِّ، والشَّدُّ بِهِ قَوِيٌّ جِدًّا، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] القَرارُ هُنا: مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، والمَكِينُ: المُتَمَكِّنُ، وصَفَ القَرارَ بِهِ لِتَمَكُّنِهِ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ لا يُعْرَضُ لَهُ اخْتِلالٌ، أوْ لِتَمَكُّنِ مَن يَحِلُّ فِيهِ، قالَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: القَرارُ: المُسْتَقِرُّ، والمُرادُ بِهِ: الرَّحِمُ وُصِفَتْ بِالمَكانَةِ الَّتِي هي صِفَةُ المُسْتَقِرِّ فِيها، أوْ بِمَكانَتِها في نَفْسِها؛ لِأنَّها مُكِّنَتْ بِحَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: خَلْقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا، وناطِقًا وكانَ أبْكَمَ، وسَمِيعًا وكانَ أصَمَّ، وبَصِيرًا وكانَ أكْمَهَ وأوْدَعَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ، بَلْ كُلُّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وجُزْءٍ مِن أجْزائِهِ عَجائِبُ فِطْرَةٍ، وغَرائِبُ حِكْمَةٍ، لا تُدْرَكُ بِوَصْفِ الواصِفِ، ولا بِشَرْحِ الشّارِحِ، انْتَهى مِنهُ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ: اخْتُلِفَ في الخَلْقِ الآخَرِ المَذْكُورِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: ”هو نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ بَعْدَ أنْ كانَ جَمادًا“ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”خُرُوجُهُ إلى الدُّنْيا“، وقالَ قَتادَةُ: عَنْ فُرْقَةِ نَباتِ شَعْرِهِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خُرُوجُ الأسْنانِ، ونَباتُ الشَّعْرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كَمالُ شَبابِهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ والصَّحِيحُ، أنَّهُ عامٌّ في هَذا وفي غَيْرِهِ مِنَ النُّطْقِ والإدْراكِ، وتَحْصِيلِ المَعْقُولاتِ إلى أنْ يَمُوتَ، اهـ مِنهُ.

(p-٣٢٥)والظّاهِرُ أنَّ جَمِيعَ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أنَّهُ صارَ بَشَرًا سَوِيًّا بَعْدَ أنْ كانَ نُطْفَةً، ومُضْغَةً، وعَلَقَةً، وعِظامًا كَما هو واضِحٌ.

* *

مَسْألَةٌ

وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عَلى أنَّ مَن غَصَبَ بَيْضَةً، فَأفْرَخَتْ عِنْدَهُ أنَّهُ يَضْمَنُ البَيْضَةَ، ولا يَرُدُّ الفَرْخَ؛ لِأنَّ الفَرْخَ خَلْقٌ آخَرُ سِوى البَيْضَةِ، فَهو غَيْرُ ما غَصَبَ، وإنَّما يَرُدُّ الغاصِبُ ما غَصَبَ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وقَوْلُهُ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ: تَبارَكَ: فِعْلٌ ماضٍ لا يَنْصَرِفُ، ومَعْناهُ: تَعالى وتَقَدَّسَ. اهـ مِنهُ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيِ: المُقَدِّرِينَ والعَرَبُ تُطْلِقُ الخَلْقَ وتُرِيدُ التَّقْدِيرَ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎وَلَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

فَقَوْلُهُ: يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي، أيْ: يُقَدِّرُ الأمْرَ، ثُمَّ لا يُنَفِّذُهُ لِعَجْزِهِ عَنْهُ كَما هو مَعْلُومٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ النَّحْوِيِّينَ مُخْتَلِفُونَ في صِيغَةِ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ، هَلْ إضافَتُها إضافَةٌ مَحْضَةٌ، أوْ لَفْظِيَّةٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ، كَما هو مَعْرُوفٌ في مَحَلِّهِ ؟ فَمَن قالَ: هي مَحْضَةٌ أعْرَبَ قَوْلَهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ نَعْتًا لِلَفْظِ الجَلالَةِ، ومَن قالَ: هي غَيْرُ مَحْضَةٍ أعْرَبَهُ بَدَلًا، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هو أحْسَنُ الخالِقِينَ، وقَرَأ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ [المؤمنون: ١٣] وقَوْلُهُ ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ ابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ عَظْمًا: بِفَتْحِ العَيْنِ، وإسْكانِ الظّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ فِيهِما، وقَرَأهُ الباقُونَ: عِظامًا بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الظّاءِ، وألِفٍ بَعْدَها بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وشُعْبَةَ، فالمُرادُ بِالعَظْمِ: العِظامُ.

وَقَدْ قَدَّمْنا بِإيضاحٍ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ وغَيْرِها أنَّ المُفْرَدَ إنْ كانَ اسْمَ جِنْسٍ، قَدْ تُطْلِقُهُ العَرَبُ، وتُرِيدُ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ، وأكْثَرْنا مِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ، وكَلامِ العَرَبِ مَعَ تَعْرِيفِهِ وتَنْكِيرِهِ وإضافَتِهِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

23:13Page 342

ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣

Then We placed him as a sperm-drop1 in a firm lodging [i.e., the womb].

No commentary for this ayah

23:14Page 342

ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤

Then We made the sperm-drop into a clinging clot, and We made the clot into a lump [of flesh], and We made [from] the lump, bones, and We covered the bones with flesh; then We developed him into another creation. So blessed is Allāh, the best of creators.1

No commentary for this ayah

23:15Page 342

ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥

Then indeed, after that you are to die.

(p-٣٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهم بَعْدَ أنْ أنْشَأهم خَلْقًا آخَرَ، فَأخْرَجَ الواحِدَ مِنهم مِن بَطْنِ أُمِّهِ صَغِيرًا، ثُمَّ يَكُونُ مُحْتَلِمًا، ثُمَّ يَكُونُ شابًّا، ثُمَّ يَكُونُ كَهْلًا، ثُمَّ يَكُونُ شَيْخًا، ثُمَّ هَرَمًا أنَّهم كُلَّهم صائِرُونَ إلى المَوْتِ مَن عُمِّرَ مِنهم ومَن لَمْ يُعَمَّرْ، ثُمَّ هم بَعْدَ المَوْتِ يُبْعَثُونَ أحْياءً، يَوْمَ القِيامَةِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وهَذا المَوْتُ والحَياةُ المَذْكُورانِ هُنا كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لَهُ نَظِيرٌ آخَرُ؛ لِأنَّهُما إماتَتانِ وإحْياءَتانِ ذُكِرَ مِن كُلٍّ مِنهُما واحِدَةٌ هُنا، وذُكِرَ الجَمِيعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ الحَجِّ والبَقَرَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ولُزُومِ الإيمانِ بِهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.

23:16Page 342

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦

Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском