Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:8–26, continued
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ والعِشْرُونَ: في حُكْمِ مَن قَذَفَ امْرَأتَهُ بِاللِّواطِ، وقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في عُقُوبَةِ اللّائِطِ وبَيَّنّا أنَّ أقْواها دَلِيلًا قَتْلُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ، وعَلَيْهِ فَلا حَدَّ بِالقَذْفِ بِاللِّواطِ وإنَّما فِيهِ التَّعْزِيرُ، وذَكَرْنا قَوْلَ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللِّواطَ حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنى وعَلى هَذا القَوْلِ يُلاعِنُ القاذِفُ بِاللِّواطِ، وإنِ امْتَنَعَ مِنَ اللِّعانِ حُدَّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ: في حُكْمِ مَن ولَدَتِ امْرَأتُهُ ولَدًا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، فَإنَّ الوَلَدَ لا يَلْحَقُهُ ولا يُحْتاجُ إلى نَفْيِهِ بِلِعانٍ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ كَما لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأةً (p-٤٨٣)فَجاءَتْ بِوَلَدٍ كامِلٍ لِأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ أقَلَّ أمَدِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، وكَكَوْنِ الزَّوْجِ صَبِيًّا لا يُولَدُ لِمِثْلِهِ عادَةً لِصِغَرِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ هو الصَّوابُ أنَّ كُلَّ ولَدٍ جاءَتْ بِهِ امْرَأةُ الصَّغِيرِ قَبْلَ بُلُوغِهِ أنَّهُ لا يُلْحَقُ بِهِ، ولا يُحْتاجُ إلى لِعانٍ، وبِهِ تَعْل مُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ مِنَ الحَنابِلَةِ، ومَن وافَقَهم: إنَّ الزَّوْجَ إنْ كانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ لَحِقَهُ الوَلَدُ وكَذَلِكَ تِسْعِ سِنِينَ ونِصْفٍ، كَما قالَهُ القاضِي مِنَ الحَنابِلَةِ أنَّهُ خِلافُ التَّحْقِيقِ، واسْتِدْلالُهم عَلى لُحُوقِ الوَلَدِ بِالزَّوْجِ الَّذِي هو ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ بِحَدِيثِ ”: «واضْرِبُوهم عَلى الصَّلاةِ لِعَشَرٍ، وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ»“ ظاهِرُ السُّقُوطِ، وإنِ اعْتَمَدَهُ ابْنُ قُدامَةَ مَعَ عِلْمِهِ، وغَيْرُهُ مِنَ الحَنابِلَةِ.
فالتَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هو ما قالَهُ أبُو بَكْرٍ مِنَ الحَنابِلَةِ مِن أنَّهُ لا يُلْحَقُ بِهِ الوَلَدُ حَتّى يَبْلُغَ وهو ظاهِرٌ لا يَخْفى، وكَما لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأةً في مَجْلِسٍ، ثُمَّ طَلَّقَها فِيهِ قَبْلَ غَيْبَتِهِ عَنْهم، ثُمَّ أتَتِ امْرَأتُهُ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حِينِ العَقْدِ، أوْ تَزَوَّجَ مَشْرِقِيٌّ مَغْرِبِيَّةً، أوْ عَكْسُهُ، ثُمَّ مَضَتْ سِتَّةُ أشْهُرٍ وأتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وبِذَلِكَ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ لِأنَّ الوَلَدَ إنَّما يَلْحَقُهُ بِالعَقْدِ ومُدَّةِ الحَمْلِ ألا تَرى أنَّكم قُلْتُمْ إذا مَضى زَمانُ الإمْكانِ لَحِقَ الوَلَدُ، وإنْ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ الوَطْءُ، انْتَهى مِنهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ عَدَمُ لُحُوقِ الوَلَدِ فِيما ذُكِرَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنهُ ولا حاجَةَ لِنَفْيِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ والعِشْرُونَ: اعْلَمْ أنَّ أظْهَرَ الأقْوالِ وأقْواها دَلِيلًا، أنَّ المُتَلاعِنَيْنِ يَتَأبَّدُ التَّحْرِيمُ بَيْنَهُما، فَلا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، وقَدْ جاءَتْ بِذَلِكَ أحادِيثُ مِنها ما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وفِيهِ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما، ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، انْتَهى.
وَقالَ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ في هَذا الحَدِيثِ: سَكَتَ عَنْهُ أبُو داوُدَ، والمُنْذِرِيُّ، ورِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ، ومِنها ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَهْلٍ أيْضًا، وفِيهِ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وقالَ ”: لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا“، انْتَهى مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ المَجْدِ في ”المُنْتَقى“، وقالَ فِيهِ (p-٤٨٤)صاحِبُ ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وفي إسْنادِهِ عِياضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ في ”التَّقْرِيبِ“: فِيهِ لِينٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ أخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ، اهـ.
وَمِنها ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «: المُتَلاعِنانِ إذا تَفَرَّقا لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا»، انْتَهى مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ المَجْدِ أيْضًا.
وَمِنها ما رَواهُ الدَّراقُطْنِيُّ أيْضًا، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ لا يَجْتَمِعا أبَدًا، وما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ أيْضًا، عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، قالا: مَضَتِ السُّنَّةُ أنْ لا يَجْتَمِعَ المُتَلاعِنانِ، وقالَ صاحِبُ ”نَيْلِ الأوْطارِ“ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: أخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو داوُدَ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وفي إسْنادِها عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ وفِيهِ مَقالٌ، وقالَ في حَدِيثِ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: أخْرَجَهُما أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، انْتَهى مِنهُ.
وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ أصْوَبُ مِن قَوْلِ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ إنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ حُدَّ، ولا يَتَأبَّدُ تَحْرِيمُها عَلَيْهِ، ويَكُونُ خاطِبًا مِنَ الخُطّابِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ، والأظْهَرُ أنَّهُ إنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ لَحِقَ بِهِ الوَلَدُ وحُدَّ خِلافًا لِعَطاءٍ القائِلِ: إنَّهُ لا يُحَدُّ.
تَنْبِيهٌ.
اعْلَمْ أنَّ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في فُرْقَةِ اللِّعانِ قَدَّمْناها مُسْتَوْفاةً في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ .
فِي كَلامِنا الطَّوِيلِ عَلى آيَةِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٩]، وقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ واخْتِلافَهم في لِعانِ الأخْرَسِ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، ولْنَكْتَفِ بِما ذَكَرْنا مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ومَن أرادَ اسْتِقْصاءَ مَسائِلِ اللِّعانِ فَلْيَنْظُرْ كُتُبَ فُرُوعِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ،
24:9Page 350
وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٩
And the fifth [oath will be] that the wrath of Allāh be upon her if he was of the truthful.
No commentary for this ayah
24:10Page 350
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ١٠
And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Accepting of Repentance and Wise.
No commentary for this ayah
24:11Page 351
إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١
Indeed, those who came with falsehood1 are a group among you. Do not think it bad for you; rather, it is good for you. For every person among them is what [punishment] he has earned from the sin, and he who took upon himself the greater portion thereof2 - for him is a great punishment [i.e., Hellfire].
No commentary for this ayah
24:12Page 351
لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢
Why, when you heard it, did not the believing men and believing women think good of themselves [i.e., one another] and say, "This is an obvious falsehood"?
No commentary for this ayah
24:13Page 351
لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣
Why did they [who slandered] not produce for it four witnesses? And when they do not produce the witnesses, then it is they, in the sight of Allāh, who are the liars.
No commentary for this ayah
24:14Page 351
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy in this world and the Hereafter, you would have been touched for that [lie] in which you were involved by a great punishment
No commentary for this ayah
24:15Page 351
إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥
When you received it with your tongues1 and said with your mouths that of which you had no knowledge and thought it was insignificant while it was, in the sight of Allāh, tremendous.
No commentary for this ayah
24:16Page 351
وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦
And why, when you heard it, did you not say, "It is not for us to speak of this. Exalted are You, [O Allāh]; this is a great slander"?
No commentary for this ayah
24:17Page 351
يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧
Allāh warns you against returning to the likes of this [conduct], ever, if you should be believers.
No commentary for this ayah
24:18Page 351
وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨
And Allāh makes clear to you the verses [i.e., His rulings], and Allāh is Knowing and Wise.
No commentary for this ayah
24:19Page 351
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩
Indeed, those who like that immorality1 should be spread [or publicized] among those who have believed will have a painful punishment in this world and the Hereafter. And Allāh knows2 and you do not know.
No commentary for this ayah
24:20Page 351
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.
No commentary for this ayah
24:21Page 352
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١
O you who have believed, do not follow the footsteps of Satan. And whoever follows the footsteps of Satan - indeed, he enjoins immorality and wrongdoing. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, not one of you would have been pure, ever, but Allāh purifies whom He wills, and Allāh is Hearing and Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
بَيِّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ لَوْلا فَضْلُهُ ورَحْمَتُهُ، ما زَكا أحَدٌ مِن خَلْقِهِ ولَكِنَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ يُزَكِّي مَن يَشاءُ تَزْكِيَتَهُ مِن خَلَقَهُ.
وَيُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يُمَكِّنُ أحَدًا أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُبَيَّنًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٨٥)﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] .
والزَّكاةُ في هَذِهِ الآيَةِ: هي الطَّهارَةُ مِن أنْجاسِ الشِّرْكِ، والمَعاصِي.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٢١] أيْ يُطَهِّرُهُ مِن أدْناسِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِتَوْفِيقِهِ وهِدايَتِهِ إلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ النَّصُوحِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وَهَذا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ لا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ولا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَعْنى تَزَكّى تَطَهَّرَ مِن أدْناسِ الكُفْرِ والمَعاصِي، لا عَلى أنَّ المُرادَ بِها خُصُوصُ زَكاةِ الفِطْرِ، ووَجْهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: مَن زَكّاها أنَّهُ لا يُزَكِّيها إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وهِدايَتِهِ إيّاهُ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ، وقَبُولِهِ مِنهُ.
وَكَذَلِكَ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ كَما لا يَخْفى.
والأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ﴾ الآيَةَ [النور: ٢١]: جَوابُ لَوْلا الَّتِي تَلِيهِ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ جَوابُ لَوْلا في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الآيَةَ [النور: ٢٠] وقَدْ تَكَرَّرَ في الآياتِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ حَذْفُ جَوابِ لَوْلا، لِدَلالَةِ القَرائِنِ عَلَيْهِ،
24:22Page 352
وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢
And let not those of virtue among you and wealth swear not to give [aid] to their relatives and the needy and the emigrants for the cause of Allāh, and let them pardon and overlook. Would you not like that Allāh should forgive you? And Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ بْنِ عَبّادِ بْنِ المُطَّلِبِ، وكانَ مِسْطَحٌ المَذْكُورُ مِنَ المُهاجِرِينَ وهو فَقِيرٌ، وكانَتْ أُمُّهُ ابْنَةَ خالَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانَ أبُو بَكْرٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ وقَرابَتِهِ وهِجْرَتِهِ، وكانَ مِمَّنْ تَكَلَّمَ في أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بِالإفْكِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [النور: ١١]، وهو ما رَمَوْها بِهِ مِن أنَّها فَجَرَتْ مَعَ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ السُّلَمِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
(p-٤٨٦)وَقِصَّةُ الإفْكِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ ثابِتَةٌ في عَشْرِ آياتٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وفي الأحادِيثِ الصِّحاحِ، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - في الآياتِ المَذْكُورَةِ، حَلَفَ أبُو بَكْرٍ ألّا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ، ولا يَنْفَعَهُ بِنافِعَةٍ بَعْدَ ما رَمى عائِشَةَ بِالإفْكِ ظُلْمًا وافْتِراءً، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ أيْ: لا يَحْلِفْ، فَقَوْلُهُ: ”يَأْتَلِ“ وزْنُهُ يَفْتَعِلُ مِنَ الألِيَّةِ وهي اليَمِينُ، تَقُولُ العَرَبُ آلى يُؤْلِي وائْتَلى يَأْتَلِي إذا حَلَفَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أيْ: يَحْلِفُونَ مُضارِعُ آلى يُؤْلِي إذا حَلَفَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وَيَوْمًا عَلى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تَحَلَّلْ
أيْ حَلَفَتْ حَلْفَةً، وقَوْلُ عاتِكَةَ بِنْتِ زَيْدٍ العَدَوِيَّةِ تَرْثِي زَوْجَها عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -:
؎فَآلَيْتُ لا تَنْفَكُّ عَيْنِي حَزِينَةً ∗∗∗ عَلَيْكَ ولا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أغْبَرا
والألِيَّةُ اليَمِينُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ:
؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ
أيْ: لا يَحْلِفُ أصْحابُ الفَضْلِ والسِّعَةِ، أيِ: الغِنى كَأبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَمِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ، وقَوْلُهُ: أنْ يُؤْتُوا، أيْ: لا يَحْلِفُوا عَنْ أنْ يُؤْتُوا، أوْ لا يَحْلِفُوا ألّا يُؤْتُوا وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ قَبْلَ المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ وصْلَتِهِما مُطَّرِدٌ. وكَذَلِكَ حَذْفُ لا النّافِيَةِ قَبْلَ المُضارِعِ بَعْدَ القَسَمِ، ولا يُؤَثِّرُ في ذَلِكَ هُنا كَوْنُ القَسَمِ مَنهِيًّا عَنْهُ، ومَفْعُولُ يُؤْتُوا الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى النَّفَقَةَ والإحْسانَ، كَما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: قَوْلُهُ: ولا يَأْتِلِ، أيْ: لا يُقَصِّرُ أصْحابُ الفَضْلِ، والسِّعَةِ كَأبِي بَكْرٍ في إيتاءِ أُولى القُرْبى كَمِسْطَحٍ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ يَأْتَلِ يَفْتَعِلُ مِن ألا يَأْلُو في الأمْرِ إذا قَصَّرَ فِيهِ وأبْطَأ.
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ (p-٤٨٧)[آل عمران: ١١٨]، أيْ لا: يُقَصِّرُونَ في مَضَرَّتِكم، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُ الجَعْدِيِّ:
؎وَأشْمَطَ عُرْيانًا يَشُدُّ كِتافَهُ ∗∗∗ يُلامُ عَلى جَهْدِ القِتالِ وما ائْتَلا
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎وَإنَّ كَنائِنِي لَنِساءُ صِدْقٍ ∗∗∗ فَما آلى بَنِيَّ ولا أساءُوا
فَقَوْلُهُ: فَما آلى بَنِيَّ: يَعْنِي ما قَصَّرُوا، ولا أبَطئُوا والأوَّلُ هو الأصَحُّ، لِأنَّ حَلِفَ أبِي بَكْرٍ ألّا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنافِعَةٍ، ونُزُولَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في ذَلِكَ الحَلِفِ مَعْرُوفٌ. وهَذا الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الحَلِفِ عَنْ فِعْلِ البِرِّ مِن إيتاءِ أُولى القُرْبى والمَساكِينِ والمُهاجِرِينَ، جاءَ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، أيْ: لا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ عَنْ فِعْلِ الخَيْرِ، فَإذا قِيلَ لَكُمُ: اتَّقُوا وبَرُّوا، وأصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ قُلْتُمْ: حَلَفْنا بِاللَّهِ لا نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَتَجْعَلُوا الحَلِفَ بِاللَّهِ سَبَبًا لِلِامْتِناعِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ عَلى الأصَحِّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا دَلالَةَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ، وذَكَرْنا ما يُوَضِّحُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ في سُورَةِ المائِدَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٩] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَلْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا﴾ فِيهِ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا أساءَ إلَيْهِمْ بَعْضُ إخْوانِهِمُ المُسْلِمِينَ أنْ يَعْفُوا عَنْ إساءَتِهِمْ ويَصْفَحُوا وأصْلُ العَفْوِ: مِن عَفَتِ الرِّيحُ الأثَرَ إذا طَمَسَتْهُ.
والمَعْنى: فَلْيَطْمِسُوا آثارَ الإساءَةِ بِحِلْمِهِمْ وتَجاوُزِهِمْ، والصَّفْحُ: قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مُشْتَقٌّ مِن صَفْحَةِ العُنُقِ، أيْ: أعْرِضُوا عَنْ مُكافَأةِ إساءَتِهِمْ حَتّى كَأنَّكم تَوَلَّوْنَها بِصَفْحَةِ العُنُقِ، مُعْرِضِينَ عَنْها. وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ العَفْوِ والصَّفْحِ جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤] وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كَظْمَ الغَيْطِ والعَفْوَ عَنِ النّاسِ مِن صِفاتِ أهْلِ الجَنَّةِ، وكَفى بِذَلِكَ حَثًّا عَلى ذَلِكَ، ودَلَّتْ أيْضًا: عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ المُتَّصِفِينَ بِهِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى (p-٤٨٨)﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في هَذا الآيَةِ أنَّ العَفْوَ مَعَ القُدْرَةِ مِن صِفاتِهِ تَعالى، وكَفى بِذَلِكَ حَثًّا عَلَيْهِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَفْوَ والصَّفْحَ عَلى المُسِيءِ المُسْلِمِ مِن مُوجِباتِ غُفْرانِ الذُّنُوبِ، والجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ، ولِذا لَمّا نَزَلَتْ قالَ أبُو بَكْرٍ: بَلى واللَّهِ نُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا، ورَجَعَ لِلْإنْفاقِ في مِسْطَحٍ، ومَفْعُولُ ”أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ“ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ: أيْ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أُولِي القُرْبى﴾ أيْ: أصْحابُ القَرابَةِ، ولَفْظَةُ أُولى اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ يُعْرَبُ إعْرابَ الجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ.
* *
فائِدَةٌ
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَبائِرَ الذُّنُوبِ لا تُحْبِطُ العَمَلَ الصّالِحَ؛ لِأنَّ هِجْرَةَ مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، وقَذْفَهُ لِعائِشَةَ مِنَ الكَبائِرِ ولَمْ يُبْطِلْ هِجْرَتَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ فِيهِ بَعْدَ قَذْفِهِ لَها ﴿والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هِجْرَتَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، لَمْ يُحْبِطْها قَذْفُهُ لِعائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - .
قالَ القُرْطُبِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَذْفَ وإنْ كانَ كَبِيرًا لا يُحْبِطُ الأعْمالَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ مِسْطَحًا بَعْدَ قَوْلِهِ بِالهِجْرَةِ والإيمانِ، وكَذَلِكَ سائِرُ الكَبائِرِ، ولا يُحْبِطُ الأعْمالَ غَيْرُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] اهـ.
وَما ذُكِرَ مِن أنَّ في الآيَةِ وصْفَ مِسْطَحٍ بِالإيمانِ لَمْ يَظْهَرْ مِنَ الآيَةِ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ، هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ لُطْفِ اللَّهِ بِالقَذَفَةِ العُصاةِ بِهَذا اللَّفْظِ. وقِيلَ: أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] وقَدْ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ (p-٤٨٩)[الشورى: ٢٢] فَشَرَحَ الفَضْلَ الكَبِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَشَّرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ في تِلْكَ.
وَمِن آياتِ الرَّجاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [الزمر: ٥٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] . وقالَ بَعْضُهم: أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَرْضى بِبَقاءِ أحَدٍ مِن أُمَّتِهِ في النّارِ، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - آيَةُ الدَّيْنِ: وهي أطْوَلُ آيَةٍ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وقَدْ أوْضَحَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى فِيها الطُّرُقَ الكَفِيلَةَ بِصِيانَةِ الدَّيْنِ مِنَ الضَّياعِ، ولَوْ كانَ الدَّيْنُ حَقِيرًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيها: ﴿وَلا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٢]، قالُوا: هَذا مِنَ المُحافَظَةِ في آيَةِ الدَّيْنِ عَلى صِيانَةِ مالِ المُسْلِمِ، وعَدَمِ ضَياعِهِ، ولَوْ قَلِيلًا يَدُلُّ عَلى العِنايَةِ التّامَّةِ بِمَصالِحِ المُسْلِمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ لا يُضَيِّعُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ اشْتِدادِ الهَوْلِ، وشِدَّةِ حاجَتِهِ إلى رَبِّهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ وغَفَرَ لَهُ: مِن أرْجى آياتِ القُرْآنِ العَظِيمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٥] .
فَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إيراثَ هَذِهِ الأُمَّةِ لِهَذا الكِتابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ اصْطَفاها في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ وبَيَّنَ أنَّهم ثَلاثَةُ أقْسامٍ:
الأوَّلُ: الظّالِمُ لِنَفْسِهِ وهو الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ، ولَكِنَّهُ يَعْصِيهِ أيْضًا فَهو الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] .
(p-٤٩٠)والثّانِي: المُقْتَصِدُ وهو الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ، ولا يَعْصِيهِ، ولَكِنَّهُ لا يَتَقَرَّبُ بِالنَّوافِلِ مِنَ الطّاعاتِ.
والثّالِثُ: السّابِقُ بِالخَيْراتِ: وهو الَّذِي يَأْتِي بِالواجِباتِ ويَجْتَنِبُ المُحَرَّماتِ ويَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ بِالطّاعاتِ والقُرُباتِ الَّتِي هي غَيْرُ واجِبَةٍ، وهَذا عَلى أصَحِّ الأقْوالِ في تَفْسِيرِ الظّالِمِ لِنَفْسِهِ، والمُقْتَصِدِ والسّابِقِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إيراثَهُمُ الكِتابَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ مِنهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وعَدَ الجَمِيعَ بِجَنّاتِ عَدْنٍ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ والواوُ في يَدْخُلُونَها شامِلَةٌ لِلظّالِمِ، والمُقْتَصِدِ والسّابِقِ عَلى التَّحْقِيقِ، ولِذا قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: حُقَّ لِهَذِهِ الواوِ أنَّ تُكْتَبَ بِماءِ العَيْنَيْنِ، فَوَعْدُهُ الصّادِقُ بِجَنّاتِ عَدْنٍ لِجَمِيعِ أقْسامِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وأوَّلُهُمُ الظّالِمُ لِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أرْجى آياتِ القُرْآنِ، ولَمْ يَبْقَ مِنَ المُسْلِمِينَ أحَدٌ خارِجٌ عَنِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، فالوَعْدُ الصّادِقُ بِالجَنَّةِ في الآيَةِ شامِلٌ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ؛ ولِذا قالَ بَعْدَها مُتَّصِلًا بِها ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦ - ٣٧] .
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في سَبَبِ تَقْدِيمِ الظّالِمِ في الوَعْدِ بِالجَنَّةِ عَلى المُقْتَصِدِ والسّابِقِ، فَقالَ بَعْضُهم: قَدَّمَ الظّالِمَ لِئَلّا يَقْنُطَ، وأخَّرَ السّابِقَ بِالخَيْرِ لِئَلّا يُعْجَبَ بِعَمَلِهِ فَيَحْبَطَ، وقالَ بَعْضُهم: قَدَّمَ الظّالِمَ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ أهْلِ الجَنَّةِ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ، لِأنَّ الَّذِينَ لَمْ تَقَعْ مِنهم مَعْصِيَةٌ أقَلُّ مِن غَيْرِهِمْ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] .
24:23Page 352
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣
Indeed, those who [falsely] accuse chaste, unaware and believing women are cursed in this world and the Hereafter; and they will have a great punishment
No commentary for this ayah
24:24Page 352
يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
On a Day when their tongues, their hands and their feet will bear witness against them as to what they used to do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ، أنَّهم مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم، وأيْدِيهِمْ، وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، وبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ بَعْضَ أجْزاءِ الكافِرِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ غَيْرَ اللِّسانِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (p-٤٩١)إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٠ - ٢٣] .
24:25Page 352
يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥
That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ المُرادُ بِالدِّينِ هُنا الجَزاءُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: يُوَفِّيهِمْ؛ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَدُلُّ عَلى الجَزاءِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]
• وقَوْلِهِ، ﴿تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ١٦١]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ: ”دِينَهُمُ“، أيْ: جَزاءَهُمُ الَّذِي هو في غايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دِينَهُمُ الحَقَّ، أيْ: جَزاءَهُمُ الواجِبَ الَّذِي هم أهْلُهُ، والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُجازِي عِبادَهُ بِإنْصافٍ تامٍّ، وعَدْلٍ كامِلٍ، والآياتُ القُرْآنِيَّةُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠]
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، ومِن إتْيانِ الدِّينِ بِمَعْنى الجَزاءِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] .
24:26Page 352
ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦
Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences