Ash-ShinqitiAn‑Nur · 24:2

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:2

24:2Page 350

ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

The [unmarried] woman or [unmarried] man found guilty of sexual intercourse1 - lash each one of them with a hundred lashes,2 and do not be taken by pity for them in the religion [i.e., law] of Allāh,3 if you should believe in Allāh and the Last Day. And let a group of the believers witness their punishment.

(p-٣٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ النُّورِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كُلَّ زانِيَةٍ وكُلَّ زانٍ يَجِبُ جَلْدُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾، إنْ قُلْنا: إنَّهُما مَوْصُولٌ وصِلَتُهُما الوَصْفُ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ الَّذِي هو ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾، فالمَوْصُولاتُ مِن صِيَغِ العُمُومِ.

وَإنْ قُلْنا: إنَّهُما لِلتَّعْرِيفِ لِتَناسِي الوَصْفِيَّةِ، وأنَّ مُرْتَكِبَ تِلْكَ الفاحِشَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الزّانِي، كَإطْلاقِ أسْماءِ الأجْناسِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، فالعُمُومُ الشّامِلُ لِكُلِّ زانِيَةٍ وكُلِّ زانٍ، هو ظاهِرُ الآيَةِ، عَلى جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ.

وَظاهِرُ هَذا العُمُومِ شُمُولُهُ لِلْعَبْدِ، والحُرِّ، والأمَةِ، والحُرَّةِ، والبِكْرِ، والمُحْصَنِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ.

وَظاهِرُهُ أيْضًا: أنَّهُ لا تُغَرَّبُ الزّانِيَةُ، ولا الزّانِي عامًا مَعَ الجَلْدِ، ولَكِنَّ بَعْضَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ دَلَّ عَلى أنَّ عُمُومَ الزّانِيَةِ يُخَصَّصُ مَرَّتَيْنِ.

إحْداهُما: تَخْصِيصُ حُكْمِ جَلْدِها مِائَةً بِكَوْنِها حُرَّةً، أمّا إنْ كانَتْ أمَةً، فَإنَّها تُجْلَدُ نِصْفَ المِائَةِ وهو خَمْسُونَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في الإماءِ: ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والمُرادُ بِالمُحْصَناتِ هُنا: الحَرائِرُ والعَذابُ الجَلْدُ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى الحُرَّةِ الزّانِيَةِ: مِائَةُ جَلْدَةٍ والأمَةُ عَلَيْها نِصْفُهُ بِنَصِّ آيَةِ ”النِّساءِ“ هَذِهِ، وهو خَمْسُونَ؛ فَآيَةُ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾، بِالنِّسْبَةِ إلى الزّانِيَةِ الأُنْثى.

وَأمّا التَّخْصِيصُ المَرَّةَ الثّانِيَةَ لِعُمُومِ الزّانِيَةِ في آيَةِ ”النُّورِ“ هَذِهِ فَهو بِآيَةٍ مَنسُوخَةِ التِّلاوَةِ، باقِيَةِ الحُكْمِ، تَقْتَضِي أنَّ عُمُومَ الزّانِيَةِ هُنا مُخَصَّصٌ بِكَوْنِها بِكْرًا.

(p-٣٦٧)أمّا إنْ كانَتْ مُحْصَنَةً، بِمَعْنى أنَّها قَدْ تَزَوَّجَتْ مِن قَبْلِ الزِّنى، وجامَعَها زَوْجُها في نِكاحٍ صَحِيحٍ فَإنَّها تُرْجَمُ.

والآيَةُ الَّتِي خَصَصَتْها بِهَذا الحُكْمِ الَّذِي ذَكَرْنا أنَّها مَنسُوخَةُ التِّلاوَةِ باقِيَةُ الحُكْمِ، هي قَوْلُهُ تَعالى: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ، واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .

وَهَذا التَّخْصِيصُ إنَّما هو عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: لا يُجْمَعُ لِلزّانِي المُحْصَنِ، بَيْنَ الجَلْدِ والرَّجْمِ، وإنَّما يُرْجَمُ فَقَطْ بِدُونِ جَلْدٍ.

أمّا عَلى قَوْلِ مَن يَرى الجَمْعَ بَيْنَهُما فَلا تَخْصِيصَ، وإنَّما في آيَةِ الرَّجْمِ زِيادَتُهُ عَلى الجَلْدِ، فَكِلْتا الآيَتَيْنِ أثْبَتَتْ حُكْمًا لَمْ تُثْبِتْهُ الأُخْرى، وسَيَأْتِي إيضاحُ هَذا إنْ شاءَ اللَّهُ غَيْرَ بَعِيدٍ وأقْوالُ أهْلِ العِلْمِ فِيهِ ومُناقَشَةُ أدِلَّتِهِمْ.

أمّا الزّانِي الذَّكَرُ فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ الَّتِي ذَكَرْنا، أنَّها مَنسُوخَةُ التِّلاوَةِ باقِيَةُ الحُكْمِ عَلى تَخْصِيصِ عُمُومِهِ، وأنَّ الَّذِي يُجْلَدُ المِائَةَ مِنَ الذُّكُورِ، إنَّما هو الزّانِي البِكْرُ، وأمّا المُحْصَنُ فَإنَّهُ يُرْجَمُ، وهَذا التَّخْصِيصُ في الذَّكَرِ أيْضًا إنَّما هو عَلى قَوْلِ مَن لا يَرى الجَمْعَ بَيْنَ الجَلْدِ والرَّجْمِ؛ كَما أوْضَحْناهُ قَرِيبًا في الأُنْثى.

وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن يَرى الجَمْعَ بَيْنَهُما فَلا تَخْصِيصَ، بَلْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الآيَتَيْنِ أثْبَتَتْ حُكْمًا لَمْ تُثْبِتْهُ الأُخْرى.

وَعُمُومُ الزّانِي في آيَةِ ”النُّورِ“ هَذِهِ، مُخَصَّصٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ أيْضًا مَرَّةً أُخْرى، بِكَوْنِ جَلْدِ المِائَةِ خاصًّا بِالزّانِي الحُرِّ، أمّا الزّانِي الذَّكَرُ العَبْدُ فَإنَّهُ يُجْلَدُ نِصْفَ المِائَةِ، وهو الخَمْسُونَ.

وَوَجْهُ هَذا التَّخْصِيصِ: إلْحاقُ العَبْدِ بِالأمَةِ في تَشْطِيرِ حَدِّ الزِّنى بِالرِّقِّ؛ لِأنَّ مَناطَ التَّشْطِيرِ الرِّقُّ بِلا شَكٍّ؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ والأُنُوثَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الحُدُودِ وصْفانِ طَرْدِيّانِ، لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما حُكْمٌ، فَدَلَّ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ ”النِّساءِ“ في الإماءِ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، أنَّ الرِّقَّ مَناطُ تَشْطِيرِ حَدِّ الزِّنى، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى في الحُدُودِ، فالمُخَصِّصُ لِعُمُومِ الزّانِي في الحَقِيقَةِ، هو ما أفادَتْهُ آيَةُ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾، وإنْ سَمّاهُ الأُصُولِيُّونَ تَخْصِيصًا بِالقِياسِ، فَهو في الحَقِيقَةِ تَخْصِيصُ آيَةٍ بِما فُهِمَ مِن آيَةٍ أُخْرى.

* *

(p-٣٦٨)مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ رَجْمَ الزّانِيَيْنِ المُحْصَنَيْنِ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَتانِ مِن كِتابِ اللَّهِ، إحْداهُما نُسِخَتْ تِلاوَتُها، وبَقِيَ حُكْمُها، والثّانِيَةُ: باقِيَةُ التِّلاوَةِ والحُكْمِ، أمّا الَّتِي نُسِخَتْ تِلاوَتُها، وبَقِيَ حُكْمُها فَهي قَوْلُهُ تَعالى: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ) إلى آخِرِها؛ كَما سَيَأْتِي، وكَوْنُ الرَّجْمِ ثابِتًا بِالقُرْآنِ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ.

قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: في بابِ رَجْمِ الحُبْلى مِنَ الزِّنى إذا أحْصَنَتْ:

حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ رِجالًا مِنَ المُهاجِرِينَ مِنهم: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَما أنا في مَنزِلِهِ بِمِنًى، وهو عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها، إذْ رَجَعَ إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: لَوْ رَأيْتَ رَجُلًا أتى أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اليَوْمَ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ في فُلانٍ يَقُولُ: لَوْ قَدْ ماتَ عُمَرُ لَقَدْ بايَعْتُ فُلانًا فَواللَّهِ ما كانَتْ بَيْعَةُ أبِي بَكْرٍ إلّا فَلْتَةً فَتَمَّتْ، فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قالَ: إنِّي إنْ شاءَ اللَّهُ لَقائِمٌ العَشِيَّةَ في النّاسِ فَمُحَذِّرُهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَغْصِبُوهم أُمُورَهم، الحَدِيثَ بِطُولِهِ.

وَفِيهِ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، فَكانَ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَقَرَأْناها، وعَقَلْناها، ووَعَيْناها، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَأخْشى إنْ طالَ بِالنّاسِ زَمانٌ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: واللَّهِ ما نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ، والرَّجْمُ في كِتابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلى مَن زَنى، إذا أحْصَنَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ أوْ كانَ الحَبَلُ أوْ الِاعْتِرافُ،» انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.

وَفِيهِ: أنَّ الرَّجْمَ نَزَلَ في القُرْآنِ في آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، وكَوْنُها لَمْ تُقْرَأْ في الصُّحُفِ، يَدُلُّ عَلى نَسْخِ تِلاوَتِها، مَعَ بَقاءِ حُكْمِها؛ كَما هو ثابِتٌ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ.

وَفِي رِوايَةٍ في البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ حَتّى يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ، ألا وإنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلى مَن زَنى، وقَدْ أحْصَنَ إذا قامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كانَ الحَمْلُ، أوْ الِاعْتِرافُ» .

قالَ سُفْيانُ: كَذا حَفِظْتُ: ألا وقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا بَعْدَهُ.

(p-٣٦٩)وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“، في شَرْحِهِ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ، وقَدْ أخْرَجَهُ الإسْماعِيلِيُّ مِن رِوايَةِ جَعْفَرٍ الفِرْيابِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ شَيْخِ البُخارِيِّ فِيهِ، فَقالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: أوْ الِاعْتِرافُ، وقَدْ قَرَأْناها: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ)، وقَدْ رَجَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَسَقَطَ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ: وقَدْ قَرَأْناها إلى قَوْلِهِ: البَتَّةَ، ولَعَلَّ البُخارِيَّ هو الَّذِي حَذَفَ ذَلِكَ عَمْدًا، فَقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنصُورٍ، عَنْ سُفْيانَ كَرِوايَةِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ قالَ: لا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ. . .) غَيْرَ سُفْيانَ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وهِمَ في ذَلِكَ.

قُلْتُ: وقَدْ أخْرَجَ الأئِمَّةُ هَذا الحَدِيثَ مِن رِوايَةِ مالِكٍ، ويُونُسَ، ومَعْمَرٍ، وصالِحِ بْنِ كَيْسانَ، وعَقِيلٍ، وغَيْرُهم مِنَ الحُفّاظِ عَنِ الزُّهْرِيِّ.

وَقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ في هَذا الحَدِيثِ مِن رِوايَةِ المُوَطَّأِ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، قالَ: «لَمّا صَدَرَ عُمَرُ مِنَ الحَجِّ، وقَدِمَ المَدِينَةَ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: أيُّها النّاسُ، قَدْ سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ، وفُرِضَتْ لَكُمُ الفَرائِضُ، وتُرِكْتُمْ عَلى الواضِحَةِ، ثُمَّ قالَ: إيّاكم أنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، أنْ يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ حَدَّيْنِ في كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا أنْ يَقُولَ النّاسُ زادَ عُمَرُ في كِتابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُها بِيَدِي: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ)»، قالَ مالِكٌ: الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ: الثَّيِّبُ والثَّيِّبَةُ.

وَوَقَعَ في الحِلْيَةِ في تَرْجَمَةِ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ عُمَرَ: لَكَتَبْتُها في آخِرِ القُرْآنِ.

وَوَقَعَتْ أيْضًا في هَذا الحَدِيثِ في رِوايَةِ أبِي مَعْشَرٍ الآتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْها، في البابِ الَّذِي يَلِيهِ فَقالَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: «قَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا بَعْدَهُ، ولَوْلا أنْ يَقُولُوا: كَتَبَ عُمَرُ ما لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ، لَكَتَبْتُهُ قَدْ قَرَأْنا: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)» .

وَأخْرَجَ هَذِهِ الجُمْلَةَ النَّسائِيُّ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: ولَقَدْ كانَ فِيها، أيْ سُورَةِ ”الأحْزابِ“، آيَةُ الرَّجْمِ: (الشَّيْخُ)، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.

(p-٣٧٠)وَمِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ“» مِثْلَهُ، إلى قَوْلِهِ: ”البَتَّةَ“ .

وَمِن رِوايَةِ أُسامَةَ بْنِ سَهْلٍ أنَّ خالَتَهُ أخْبَرَتْهُ، قالَتْ: لَقَدْ أقْرَأنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَةَ الرَّجْمِ، فَذَكَرَهُ إلى قَوْلِهِ: ”البَتَّةَ“، وزادَ ”بِما قَضَيا مِنَ اللَّذَّةِ“ .

وَأخْرَجَ النَّسائِيُّ أيْضًا «أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ قالَ لِزَيْدٍ: ألا تَكْتُبْها في المُصْحَفِ ؟ قالَ: لا ألا تَرى أنَّ الشّابَّيْنِ الثَّيِّبَيْنِ يُرْجَمانِ ولَقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ، فَقالَ عُمَرُ: أنا أكْفِيكم، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) أكْتِبْنِي آيَةَ الرَّجْمِ، فَقالَ: ”لا أسْتَطِيعُ“» .

وَرُوِّينا في فَضائِلِ القُرْآنِ لِابْنِ الضُّرَيْسِ مِن طَرِيقِ يَعْلى وهو ابْنُ حَكِيمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ «أنَّ عُمَرَ خَطَبَ النّاسَ، فَقالَ: لا تَشُكُّوا في الرَّجْمِ فَإنَّهُ حَقٌّ، ولَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أكْتُبَهُ في المُصْحَفِ، فَسَألْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقالَ: ألَيْسَ أتَيْتَنِي، وأنا أسْتَقْرِئُها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَدَفَعْتَ في صَدْرِي، وقُلْتَ: اسْتَقْرِئْهُ آيَةَ الرَّجْمِ، وهم يَتَسافَدُونَ تَسافُدَ الحُمُرِ»، ورِجالُهُ ثِقاتٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى بَيانِ السَّبَبِ في رَفْعِ تِلاوَتِها، وهو الِاخْتِلافُ.

وَأخْرَجَ الحاكِمُ مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، قالَ: «كانَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وسَعِيدُ بْنُ العاصِ يَكْتُبانِ في المُصْحَفِ، فَمَرّا عَلى هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ زَيْدٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ فارْجُمُوهُما البَتَّةَ“، فَقالَ عُمَرُ: لَمّا نَزَلَتْ أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: أكْتُبُها ؟ فَكَأنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقالَ عُمَرُ: ألا تَرى أنَّ الشَّيْخَ إذا زَنى، ولَمْ يُحْصِنْ جُلِدَ، وأنَّ الشّابَّ إذا زَنى وقَدْ أحْصَنَ رُجِمَ» .

فَيُسْتَفادُ مِن هَذا الحَدِيثِ السَّبَبُ في نَسْخِ تِلاوَتِها لِكَوْنِ العَمَلِ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ مِن عُمُومِها، انْتَهى بِطُولِهِ مِن فَتْحِ البارِي.

وَفِيهِ الدَّلالَةُ الظّاهِرَةُ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ آيَةَ الرَّجْمِ مَنسُوخَةُ التِّلاوَةِ، باقِيَةُ الحُكْمِ، وأنَّها مُخَصِّصَةٌ لِآيَةِ الجَلْدِ، عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ الجَمْعِ بَيْنَ الرَّجْمِ والجَلَدِ، كَما تَقَدَّمَ.

وَلَكِنْ ما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ مِنَ اسْتِفادَةِ سَبَبِ نَسْخِ تِلاوَتِها مِن بَعْضِ الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ غَيْرُ ظاهِرٍ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ يُبَيِّنُ النَّبِيُّ ﷺ تَخْصِيصَ عُمُومِهِ، ويُوَضِّحُ المَقْصُودَ بِهِ وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ المُتَبادَرِ مِنهُ، ولَمْ يُؤَدِّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلى نَسْخِ تِلاوَتِهِ كَما هو مَعْلُومٌ، والآيَةُ القُرْآنِيَّةُ عِنْدَ نُزُولِها تَكُونُ لَها أحْكامٌ مُتَعَدِّدَةٌ، كالتَّعَبُّدِ بِتِلاوَتِها، (p-٣٧١)وَكالعَمَلِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والقِراءَةِ بِها في الصَّلاةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ، وإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَها بِحِكْمَتِهِ فَتارَةً يَنْسَخُ جَمِيعَ أحْكامِها مِن تِلاوَةٍ، وتَعَبُّدٍ، وعَمَلٍ بِما فِيها مِنَ الأحْكامِ كَآيَةِ عَشْرِ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ، وتارَةً يَنْسَخُ بَعْضَ أحْكامِها دُونَ بَعْضٍ، كَنَسْخِ حُكْمِ تِلاوَتِها والتَّعَبُّدِ بِها مَعَ بَقاءِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وكَنَسْخِ حُكْمِها دُونَ تِلاوَتِها، والتَّعَبُّدِ بِها كَما هو غالِبُ ما في القُرْآنِ مِنَ النَّسْخِ.

وَقَدْ أوْضَحْنا جَمِيعَ ذَلِكَ بِأمْثِلَتِهِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠١]، ولَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ في جَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ مِن ذَلِكَ.

فَآيَةُ الرَّجْمِ المَقْصُودُ مِنها إثْباتُ حُكْمِها، لا التَّعَبُّدُ بِها، ولا تِلاوَتُها، فَأُنْزِلَتْ وقَرَأها النّاسُ، وفَهِمُوا مِنها حُكْمَ الرَّجْمِ، فَلَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ نَسَخَ اللَّهُ تِلاوَتَها، والتَّعَبُّدَ بِها، وأبْقى حُكْمَها الَّذِي هو المَقْصُودُ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أعْلَمُ.

فالرَّجْمُ ثابِتٌ في القُرْآنِ، وما سَيَأْتِي عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: جَلَدْتُها بِكِتابِ اللَّهِ، ورَجَمْتُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لا يُنافِي ذَلِكَ؛ لِأنَّ السُّنَّةَ هي الَّتِي بَيَّنَتْ أنَّ حُكْمَ آيَةِ الرَّجْمِ باقٍ بَعْدِ نَسْخِ تِلاوَتِها فَصارَ حُكْمُها مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فَإنَّهُ ثابِتٌ بِالسُّنَّةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي أبُو الطّاهِرِ، وحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيى قالا: حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ، أخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخُطّابِ، وهو جالِسٌ عَلى مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، فَكانَ مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْناها ووَعَيْناها وعَقَلْناها، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَأخْشى إنْ طالَ بِالنّاسِ زَمانٌ، أنْ يَقُولَ قائِلٌ: ما نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ، وإنَّ الرَّجْمَ في كِتابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلى مَن زَنى إذا أحْصَنَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كانَ الحَبَلُ، أوْ الِاعْتِرافُ»، اهـ مِنهُ.

فَهَذا الحَدِيثُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخانِ، عَنْ هَذا الخَلِيفَةِ الرّاشِدِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، دَلِيلٌ صَرِيحٌ صَحِيحٌ عَلى أنَّ الرَّجْمَ ثابِتٌ بِآيَةٍ مِن كِتابِ (p-٣٧٢)اللَّهِ، أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَرَأها الصَّحابَةُ، ووَعَوْها، وعَقَلُوها وأنَّ حُكْمَها باقٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ والصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَعَلُوهُ بَعْدَهُ.

فَتَحَقَّقْنا بِذَلِكَ بَقاءَ حُكْمِها مَعَ أنَّها لا شَكَّ في نَسْخِ تِلاوَتِها مَعَ الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْنا في كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ، ومِن جُمْلَةِ ما فِيها لَفْظُ آيَةِ الرَّجْمِ المَذْكُورَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَأمّا الآيَةُ الَّتِي هي باقِيَةُ التِّلاوَةِ والحُكْمِ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣]، عَلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ الزّانِيَيْنِ بَعْدَ الإحْصانِ، وقَدْ رَجَمَهُما النَّبِيُّ ﷺ، وقِصَّةُ رَجْمِهِ لَهُما مَشْهُورَةٌ، ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾، أيْ: عَمّا في التَّوْراةِ مِن حُكْمِ الرَّجْمِ، وذَمُّ المُعْرِضِ عَنِ الرَّجْمِ في هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ في شَرْعِنا، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ الرَّجْمَ ثابِتٌ في شَرْعِنا، وهي باقِيَةُ التِّلاوَةِ.

* *

فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ

الفَرْعُ الأوَّلُ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الرَّجْمَ لا يَكُونُ إلّا عَلى مَن زَنى، وهو مُحْصَنٌ.

وَمَعْنى الإحْصانِ: أنْ يَكُونَ قَدْ جامَعَ في عُمْرِهِ، ولَوْ مَرَّةً واحِدَةً في نِكاحٍ صَحِيحٍ، وهو بالِغٌ عاقِلٌ حُرٌّ، والرَّجُلُ والمَرْأةُ في هَذا سَواءٌ، وكَذَلِكَ المُسْلِمُ، والكافِرُ، والرَّشِيدُ، والمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الكافِرَ إذا كانَ مُحْصَنًا يُرْجَمُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيا بَعْدَ الإحْصانِ، وقِصَّةُ رَجْمِهِما مَشْهُورَةٌ مَعَ صِحَّتِها؛ كَما هو مَعْلُومٌ.

* *

الفَرْعُ الثّانِي: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مَن زَنى، وهو مُحْصَنٌ يُرْجَمُ، ولَمْ نَعْلَمْ بِأحَدٍ مِن أهْلِ القِبْلَةِ خالَفَ في رَجْمِ الزّانِي المُحْصَنِ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى إلّا ما حَكاهُ القاضِي عِياضٌ وغَيْرُهُ عَنِ الخَوارِجِ، وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ كالنَّظّامِ وأصْحابِهِ، فَإنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالرَّجْمِ، وبُطْلانُ مَذْهَبِ مَن ذُكِرَ مِنَ الخَوارِجِ، وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ واضِحٌ مِنَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الثّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ بَعْدَهُ كَما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ عُمَرَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وكَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.

* *

الفَرْعُ الثّالِثُ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الزّانِيَ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، إذا قامَتْ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ (p-٣٧٣)أنَّهم رَأوْهُ أدْخَلَ فَرْجَهُ في فَرْجِها كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ، أنَّهُ يَجِبُ رَجْمُهُ إذا كانَ مُحْصَنًا، وأجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ بَيِّنَةَ الزِّنى، لا يُقْبَلُ فِيها أقَلُّ مِن أرْبَعَةِ عُدُولٍ ذُكُورٍ، فَإنْ شَهِدَ ثَلاثَةُ عُدُولٍ، لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم وحُدُّوا؛ لِأنَّهم قَذَفَةٌ كاذِبُونَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، ويَقُولُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥]، وكِلْتا الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ صَرِيحَةٌ في أنَّ الشُّهُودَ في الزِّنى، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أقَلَّ مِن أرْبَعَةٍ، وقَدْ قالَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتِراطَ الأرْبَعَةِ كَما في الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها، وزادَتْ أنَّ القاذِفِينَ إذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ الأرْبَعَةِ هُمُ الكاذِبُونَ عِنْدَ اللَّهِ.

وَمَن كَذَبَ في دَعْواهُ الزِّنى عَلى مُحْصَنٍ أوْ مُحْصَنَةٍ وجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ القَذْفِ؛ كَما سَيَأْتِي إيضاحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.

وَما ذَكَرَهُ أبُو الخَطّابِ مِنَ الحَنابِلَةِ عَنْ أحْمَدَ والشّافِعِيِّ مِن أنَّ شُهُودَ الزِّنى، إذا لَمْ يَكْمُلُوا لا حَدَّ قَذْفٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم شُهُودٌ لا قَذَفَةٌ، لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا.

وَمِمّا يُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَإنَّ رابِعَهم لَمّا لَمْ يُصَرِّحْ بِالشَّهادَةِ عَلى المُغِيرَةِ بِالزِّنى، جَلَدَ عُمَرُ الشُّهُودَ الثَّلاثَةَ جَلْدَ القَذْفِ ثَمانِينَ، وفِيهِمْ أبُو بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ، وقَدْ أوْضَحْناها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وَجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ العَبِيدَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم في الزِّنى، ولا نَعْلَمُ خِلافًا عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، في عَدَمِ قَبُولِ شَهادَةِ العَبِيدِ في الزِّنى، إلّا رِوايَةً عَنْ أحْمَدَ لَيْسَتْ هي مَذْهَبُهُ وإلّا قَوْلَ أبِي ثَوْرٍ.

وَيُشْتَرَطُ في شُهُودِ الزِّنى أنْ يَكُونُوا ذُكُورًا ولا تَصِحُّ فِيهِ شَهادَةُ النِّساءِ بِحالٍ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ خالَفَ في ذَلِكَ، إلّا شَيْئًا يُرْوى عَنْ عَطاءٍ، وحَمّادٍ أنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ ثَلاثَةُ رِجالٍ وامْرَأتانِ.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وهو شُذُوذٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الأرْبَعَةِ اسْمٌ لِعَدَدِ (p-٣٧٤)المَذْكُورِينَ، ويَقْتَضِي أنْ يُكْتَفى فِيهِ بِأرْبَعَةٍ، ولا خِلافَ أنَّ الأرْبَعَةَ إذا كانَ بَعْضُهم نِساءً لا يُكْتَفى بِهِمْ، وأنَّ أقَلَّ ما يُجْزِئُ خَمْسَةٌ، وهَذا خِلافُ النَّصِّ؛ ولِأنَّ في شَهادَتِهِنَّ شُبْهَةً لِتَطَرُّقِ الضَّلالِ إلَيْهِنَّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ، انْتَهى مِنهُ.

وَلا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ شَهادَةَ الكُفّارِ كالذِّمِّيِّينَ لا تُقْبَلُ عَلى المُسْلِمِ بِالزِّنى.

واخْتُلِفَ هَلْ تُقْبَلُ عَلى كافِرٍ مِثْلِهِ ؟ فَقِيلَ: لا، والنَّبِيُّ ﷺ إنَّما رَجَمَ اليَهُودِيِّينَ بِاعْتِرافِهِما بِالزِّنى، لا بِشَهادَةِ شُهُودٍ مِنَ اليَهُودِ عَلَيْهِمْ بِالزِّنى، والَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ زَعَمُوا أنَّ شَهادَةَ الشُّهُودِ في حَدِيثِ جابِرٍ أنَّها شَهادَةُ شُهُودٍ مُسْلِمِينَ، يَشْهَدُونَ عَلى اعْتِرافِ اليَهُودِيَّيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِالزِّنى، ومِمَّنْ قالَ هَذا القَوْلَ: ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ.

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: تُقْبَلُ شَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ إنْ تَحاكَمُوا إلَيْنا.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الكافِرَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ عَلى مُسْلِمٍ، ولا عَلى كافِرٍ لا في حَدٍّ ولا في غَيْرِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ السَّفَرِ والحَضَرِ في ذَلِكَ، وقَبِلَ شَهادَتَهم جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ، وبَعْضُ الفُقَهاءِ إذا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ، واسْتَثْنى أحْمَدُ حالَةَ السَّفَرِ إذا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ.

وَأجابَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ عَنْ واقِعَةِ اليَهُودِيَّيْنِ بِأنَّهُ ﷺ نَفَّذَ عَلَيْهِمْ ما عَلِمَ أنَّهُ حُكْمُ التَّوْراةِ، وألْزَمَهُمُ العَمَلَ بِهِ ظاهِرًا لِتَحْرِيفِهِمْ كِتابَهم، وتَغْيِيرِهِمْ حُكْمَهُ أوْ كانَ ذَلِكَ خاصًّا بِهَذِهِ الواقِعَةِ.

وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلامَ القُرْطُبِيِّ المَذْكُورَ، كَذا قالَ: والثّانِي مَرْدُودٌ، ثُمَّ قالَ: وقالَ النَّوَوِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ رَجَمَهُما بِالِاعْتِرافِ، فَإنْ ثَبَتَ حَدِيثُ جابِرٍ فَلَعَلَّ الشُّهُودَ كانُوا مُسْلِمِينَ وإلّا فَلا عِبْرَةَ بِشَهادَتِهِمْ، ويَتَعَيَّنُ أنَّهُما أقَرّا بِالزِّنى.

ثُمَّ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: قُلْتُ: لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُما كانُوا مُسْلِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشُّهُودُ أخْبَرُوا بِذَلِكَ بَقِيَّةَ اليَهُودِ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ كَلامَهم، ولَمْ يَحْكم فِيهِما إلّا مُسْتَنِدًا لِما أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَحَكَمَ بِالوَحْيِ، وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ بَيْنَهم؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ [يوسف: ٢٦]، وأنَّ شُهُودَهم شَهِدُوا عَلَيْهِما عِنْدَ إخْبارِهِمْ بِما ذَكَرَ، فَلَمّا رَفَعُوا الأمْرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ اسْتَعْلَمَ القِصَّةَ عَلى وجْهِها فَذَكَرَ كُلُّ مَن حَضَرَهُ مِنَ الرُّواةِ ما حَفِظَهُ في (p-٣٧٥)ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا ما أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ .

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ، هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ مِن عَدَمِ قَبُولِ شَهادَةِ الكُفّارِ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ في المُسْلِمِينَ الفاسِقِينَ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، وإذا نَصَّ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في مُحْكَمِ كِتابِهِ عَلى عَدَمِ قَبُولِ شَهادَةِ الفاسِقِ، فالكافِرُ أوْلى بِذَلِكَ، كَما لا يَخْفى، وقَدْ قالَ - جَلَّ وعَلا - في شُهُودِ الزِّنا، أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنهُ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، فَخَصَّ الأرْبَعَةَ بِكَوْنِهِمْ مِنّا، ويُمْكِنُ أنْ يُجِيبَ المانِعَ بِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ فِيهِ ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾، فَلا نَتَناوَلُ نِساءَ أهْلِ الذِّمَّةِ ونَحْوِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وأنَّهُ لا تُقْبَلُ شَهادَةُ كافِرٍ في شَيْءٍ إلّا بِدَلِيلٍ خاصٍّ كالوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، إذا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٠٦] .

والتَّحْقِيقُ أنَّ حُكْمَها غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ لِأنَّ القُرْآنَ لا يَثْبُتُ نَسْخُ حُكْمِهِ، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والآياتُ الَّتِي زَعَمَ مَنِ ادَّعى النَّسْخَ أنَّها ناسِخَةٌ لَها؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [النساء: ٢٨٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤] .

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأعَمَّ لا يَنْسَخُ الأخَصَّ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.

أمّا حَدِيثُ جابِرٍ المُشارُ إلَيْهِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنهُ قَبُولُ شَهادَةِ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في حَدِّ الزِّنى، فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مُوسى البَلْخِيُّ، ثَنا أبُو أُسامَةَ، قالَ مُجالِدٌ: أخْبَرَنا عَنْ عامِرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «جاءَتِ اليَهُودُ بِرَجُلٍ وامْرَأةٍ مِنهم زَنَيا، فَقالَ: ”ائْتُونِي بِأعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنكم“، الحَدِيثَ، وفِيهِ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجاءُوا بِأرْبَعَةٍ فَشَهِدُوا أنَّهم رَأوْا ذَكَرَهُ في فَرْجِها مِثْلَ المَيْلِ في المُكْحُلَةِ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِما»، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.

وَظاهِرُ المُتَبادِرِ مِنهُ: أنَّ الشُّهُودَ الَّذِينَ شَهِدُوا مِنَ اليَهُودِ كَما لا يَخْفى، فَظاهِرُ الحَدِيثِ دالٌّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى قَبُولِ شَهادَةِ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، في حَدِّ الزِّنى، إنْ كانَ صَحِيحًا، والسَّنَدُ المَذْكُورُ الَّذِي أخْرَجَهُ بِهِ أبُو داوُدَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ فِيهِ مُجالِدًا وهو (p-٣٧٦)مُجالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ بِسِطامِ بْنِ ذِي مِرانِ بْنِ شُرَحْبِيلَ الهَمْدانِيُّ أبُو عَمْرٍو، ويُقالُ أبُو سَعِيدٍ الكُوفِيُّ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ضَعْفِهِ، وعَدَمِ الِاحْتِجاجِ بِهِ، والإمامُ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ، إنَّما أخْرَجَ حَدِيثَهُ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ، فَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيانَ، إنَّهُ صَدُوقٌ، ولا بِتَوْثِيقِ النَّسائِيِّ لَهُ مَرَّةً؛ لِأنَّهُ ضَعَّفَهُ مَرَّةً أُخْرى، ولا بِقَوْلِ ابْنِ عَدِيٍّ: أنَّ لَهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جابِرٍ أحادِيثَ صالِحَةً؛ لِأنَّ أكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ بِالرِّجالِ عَلى تَضْعِيفِهِ، وعَدَمِ الِاحْتِجاجِ بِهِ، أمّا غَيْرُ مُجالِدٍ مِن رِجالِ سَنَدِ أبِي داوُدَ فَهم ثِقاتٌ مَعْرُوفُونَ؛ لِأنَّ يَحْيى بْنَ مُوسى البَلْخِيَّ ثِقَةٌ، وأبُو أُسامَةَ المَذْكُورُ فِيهِ هو حَمّادُ بْنُ أُسامَةَ القُرَشِيُّ مَوْلاهم، وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ، رُبَّما دَلَّسَ وكانَ بِآخِرَةٍ يُحَدِّثُ مِن كُتُبِ غَيْرِهِ، وعامِرٌ الَّذِي رَوى عَنْ مُجالِدٍ هو الإمامُ الشَّعْبِيُّ، وجَلالَتُهُ مَعْرُوفَةٌ.

والحاصِلُ: أنَّ مِثْلَ هَذا السَّنَدِ الَّذِي فِيهِ مُجالِدٌ المَذْكُورُ، لا يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ عَنْ عُمُومِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ المُقْتَضِيَةِ، أنَّ الكُفّارَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم مُطْلَقًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* *

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском