Ash-ShinqitiAn‑Nur · 24:27–29

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:27–29, continued

وَهَذِهِ الآثارُ عَنْ هَؤُلاءِ الصَّحابَةِ تُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا مِنَ الِاسْتِئْذانِ عَلى مَن ذَكَرْنا، ويُفْهَمُ مِنَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «: إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ»، فَوُقُوعُ البَصَرِ عَلى عَوْراتِ مَن ذُكِرَ لا يَحِلُّ، كَما تَرى، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِهِ لِلْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: وقالَ هُشَيْمٌ: أخْبَرَنا أشْعَثُ بْنُ سَوّارٍ، عَنْ كُرْدُوسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: عَلَيْكم أنْ تَسْتَأْذِنُوا عَلى أُمَّهاتِكم وأخَواتِكم. وقالَ أشْعَثُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ: «أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنِّي أكُونُ في مَنزِلِي عَلى الحالِ الَّتِي لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي أحَدٌ عَلَيْها لا والِدٌ ولا ولَدٌ، وإنَّهُ لا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِي، وأنا عَلى تِلْكَ الحالِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ الآيَةَ»، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ عَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: ثَلاثُ آياتٍ جَحَدَهُنَّ النّاسُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، قالَ ويَقُولُونَ: إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُكم بَيْتًا، إلى أنْ قالَ: والأدَبُ كُلُّهُ قَدْ جَحَدَهُ النّاسُ، قالَ: قُلْتُ: أسْتَأْذِنُ عَلى أخَواتِي أيْتامٍ في حِجْرِي مَعِي في بَيْتٍ واحِدٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ لِيُرَخِّصَ لِي فَأبى، فَقالَ: تُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: فاسْتَأْذِنْ، قالَ: فَراجَعْتُهُ، فَقالَ: أتُحِبُّ أنْ تُطِيعَ اللَّهَ ؟ قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فاسْتَأْذِنْ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وأخْبَرَنِي ابْنُ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ، قالَ: ما مِنِ امْرَأةٍ أكْرَهُ إلَيَّ أنْ أرى عَوْرَتَها مِن ذاتِ مَحْرَمٍ، قالَ: وكانَ يُشَدِّدُ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْتُ هُزَيْلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ الأوْدِيَّ الأعْمى أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: عَلَيْكُمُ الإذْنَ عَلى أُمَّهاتِكم، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ، وهو يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الِاسْتِئْذانِ عَلى مَن ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الرَّجُلِ في بَيْتِهِ إلّا امْرَأتُهُ أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ لا يَسْتَأْذِنُ عَلَيْها، وذَلِكَ يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ولِأنَّهُ لا حِشْمَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وامْرَأتِهِ، ويَجُوزُ بَيْنَهُما مِنَ الأحْوالِ والمُلابَساتِ ما لا يَجُوزُ لِأحَدٍ غَيْرِهِما، ولَوْ كانَ أبًّا أوْ أُمًّا أوِ ابْنًا، كَما لا يَخْفى، ويَدُلُّ لَهُ الأثَرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا عَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ: أنَّهُ دَخَلَ مَعَ أبِيهِ طَلْحَةَ عَلى أُمِّهِ فَزَجَرَهُ طَلْحَةُ عَنْ أنْ يَدْخُلَ عَلى أُمِّهِ بِغَيْرِ إذْنٍ، مَعَ أنَّ طَلْحَةَ زَوْجَها دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنٍ.

(p-٥٠٢)وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في ”تَفْسِيرِهِ“: وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلى امْرَأتِهِ ؟ قالَ: لا، ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، وإلّا فالأوْلى أنْ يُعْلِمَها بِدُخُولِهِ ولا يُفاجِئَها بِهِ؛ لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ عَلى هَيْئَةٍ لا تُحِبُّ أنْ يَراها عَلَيْها، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَتْ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ إذا جاءَ مِن حاجَةٍ، فانْتَهى إلى البابِ تَنَحْنَحَ وبَزَقَ كَراهَةَ أنْ يَهْجُمَ مِنّا عَلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ، قالَ: وإسْنادُهُ صَحِيحٌ، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. والأوَّلُ أظْهَرُ ولا سِيَّما عِنْدَ مَن يَرى إباحَةَ نَظَرِ الزَّوْجِ إلى فَرْجِ امْرَأتِهِ كَمالِكٍ وأصْحابِهِ ومَن وافَقَهم، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إذا قالَ أهْلُ المَنزِلِ لِلْمُسْتَأْذِنِ: ارْجِعْ، وجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، وكانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ يَتَمَنّى إذا اسْتَأْذَنَ عَلى بَعْضِ أصْدِقائِهِ أنْ يَقُولُوا لَهُ: ارْجِعْ، لِيَرْجِعَ، فَيَحْصُلَ لَهُ فَضْلُ الرُّجُوعِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أزْكى لَكُمْ﴾؛ لِأنَّ ما قالَ اللَّهُ إنَّهُ أزْكى لَنا لا شَكَّ أنَّ لَنا فِيهِ خَيْرًا وأجْرًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ أقْوى الأقْوالِ دَلِيلًا وأرْجَحَها فِيمَن نَظَرَ مِن كُوَّةٍ إلى داخِلِ مَنزِلِ قَوْمٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ الَّتِي نَظَرَ إلَيْهِمْ بِها، لِيَطَّلِعَ عَلى عَوْراتِهِمْ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ مِن إثْمٍ ولا غُرْمِ دِيَةِ العَيْنِ ولا قِصاصٍ، وهَذا لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ لِثُبُوتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُبُوتًا لا مَطْعَنَ فِيهِ، ولِذا لَمْ نَذْكُرْ هُنا أقْوالَ مَن خالَفَ في ذَلِكَ مِن أهْلِ العِلْمِ لِسُقُوطِها عِنْدَنا، لِمُعارَضَتِها النَّصَّ الثّابِتَ عَنْهُ ﷺ قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”صَحِيحِهِ“: بابُ مَنِ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلا دِيَةَ لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أحادِيثِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، حَدَّثَنا أبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ أبُو القاسِمِ ﷺ «: لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُناحٌ»، اهـ مِنهُ، والجُناحُ الحَرَجُ، وقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «: لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُناحٌ»، لَفْظُ جُناحٍ فِيهِ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهي تَعُمُّ رَفْعَ كُلِّ حَرَجٍ مِن إثْمٍ ودِيَةٍ وقِصاصٍ، كَما تَرى.

وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «: مَنِ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهم أنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ»، اهـ مِنهُ.

(p-٥٠٣)وَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ التَّصْرِيحُ مِنهُ ﷺ أنَّهم يَحِلُّ لَهم أنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ، وكَوْنُ ذَلِكَ حَلالًا لَهم مُسْتَلْزِمٌ أنَّهم لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهِ شَيْءٌ مِن إثْمٍ، ولا دِيَةٍ، ولا قِصاصٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ما أحَلَّهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ لا مُؤاخَذَةَ عَلى فِعْلِهِ البَتَّةَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ المُؤاخَذَةِ، كَما لا يَخْفى.

وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعالى في ”صَحِيحِهِ“ مُتَّصِلًا بِكَلامِهِ هَذا الَّذِي نَقَلْنا عَنْهُ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ أبِي الزِّنادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «: لَوْ أنَّ رجلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، ما كانَ عَلَيْكَ مِن جُناحٍ»، اهـ مِنهُ.

وَقَدْ بَيَّنّا وجْهَ دَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ في عَيْنِ المَذْكُورِ، وثُبُوتُ هَذا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَما رَأيْتَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا تَعَدّى وانْتَهَكَ الحُرْمَةَ، ونَظَرَ إلى بَيْتِ غَيْرِهِ دُونَ اسْتِئْذانٍ، أنَّ اللَّهَ أذِنَ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ في أخْذِ عَيْنِهِ الخائِنَةِ، وأنَّها هَدْرٌ لا عَقْلَ فِيها، ولا قَوَدَ، ولا إثْمَ، ويَزِيدُ ما ذَكَرْنا تَوْكِيدًا وإيضاحًا ما جاءَ عَنْهُ ﷺ مِنهُ أنَّهُ هَمَّ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.

قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا، وهي قَوْلُهُ: بابُ مَنِ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلا دِيَةَ لَهُ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ في بَعْضِ جُحَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقامَ إلَيْهِ بِمِشْقَصٍ أوْ مَشاقِصَ، وجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ» .

حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، أنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السّاعِدِيَّ أخْبَرَهُ «أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ في جُحَرٍ في بابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ ”: لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْتَظِرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ في عَيْنَيْكَ“، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: إنَّما جُعِلَ الإذْنُ مِن قِبَلِ البَصَرِ“»، اهـ مِنهُ، وقَدْ ذَكَرَ البُخارِيُّ هَذِهِ الأحادِيثَ الَّتِي ذَكَرْناها عَنْهُ هُنا في كِتابِ الدِّياتِ.

وَقَدْ قالَ في كِتابِ الِاسْتِئْذانِ: بابُ الِاسْتِئْذانِ مِن أجْلِ البَصَرِ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، قالَ الزُّهْرِيُّ: حَفِظْتُهُ كَما أنَّكَ هاهُنا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قالَ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِن جُحْرٍ في حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِها رَأْسَهُ، فَقالَ ”: لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ في عَيْنِكَ، إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ“» .

(p-٥٠٤)حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِن بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِمِشْقَصٍ أوْ بِمَشاقِصَ، فَكَأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعَنَهُ»، وهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ تُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا، فَلا التِفاتَ لِمَن خالَفَها مِن أهْلِ العِلْمِ، ومَن أوَّلَها؛ لِأنَّ النَّصَّ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ، إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.

واعْلَمْ أنَّ المِشْقَصَ بِكَسْرِ أوَّلِهِ وسُكُونِ ثانِيهِ، وفَتْحِ ثالِثِهِ هو نَصْلُ السَّهْمِ إذا كانَ طَوِيلًا غَيْرَ عَرِيضٍ، وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ: مِن جُحْرٍ في حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ الجُحْرُ الأوَّلُ: بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وهو كُلُّ ثُقْبٍ مُسْتَدِيرٍ في أرْضٍ أوْ حائِطٍ، والثّانِي: بِضَمِّ الحاءِ المُهْمَلَةِ وفَتْحِ الجِيمِ جَمْعُ حُجْرَةٍ: وهي ناحِيَةُ البَيْتِ.

وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى، وأبُو كامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ الحُسَيْنِ وقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، واللَّفْظُ لِيَحْيى، وأبِي كامِلٍ، قالَ يَحْيى: أخْبَرَنا، وقالَ الآخَرانِ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِن بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقامَ إلَيْهِ بِمِشْقَصٍ أوْ مَشاقِصَ، فَكَأنِّي أنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ»، وفي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ: «أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ في جُحْرٍ في بابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِها رَأْسَهُ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ ”: لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ في عَيْنِكَ“، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ“»، وفي مُسْلِمٍ رِواياتٌ أُخَرُ بِهَذا المَعْنى قَدِ اكْتَفَيْنا مِنها بِما ذَكَرْنا.

وَهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنا لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْها، ولا تَأْوِيلُها بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ صَحِيحٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، ولِذَلِكَ اخْتَرْنا ما جاءَ فِيها مِن أنَّ تِلْكَ العَيْنَ الخائِنَةَ يَحِلُّ أخْذُها، وتَكُونُ هَدْرًا، ولَمْ نَلْتَفِتْ إلى قَوْلٍ مِن أقْوالِ مَن خالَفَ ذَلِكَ، ولا لِتَأْوِيلِهِمْ لِلنُّصُوصِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّ صاحِبَ المَنزِلِ إذا أرْسَلَ رَسُولًا إلى شَخْصٍ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ، فَإنَّ أهْلَ العِلْمِ قَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَكُونُ الإرْسالُ إلَيْهِ إذْنًا؛ لِأنَّهُ طَلَبَ حُضُورَهُ بِإرْسالِهِ إلَيْهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ إذا جاءَ مُنْزِلَ مَن أرْسَلَ إلَيْهِ فَلَهُ الدُّخُولُ بِلا إذْنٍ جَدِيدٍ اكْتِفاءً بِالإرْسالِ إلَيْهِ، أوْ لا بُدَّ مِن أنْ يَسْتَأْذِنَ إذا أتى المَنزِلَ اسْتِئْذانًا جَدِيدًا، ولا يَكْتَفِي بِالإرْسالِ ؟ وكُلٌّ مِنَ (p-٥٠٥)القَوْلَيْنِ قالَ بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ الإرْسالَ إلَيْهِ إذْنٌ يَكْفِي عَنِ الِاسْتِئْذانِ عِنْدَ إتْيانِ المَنزِلِ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، ثَنا حَمّادٌ، عَنْ حَبِيبٍ، وهُشامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «: رَسُولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُهُ»، حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ مُعاذٍ، ثَنا عَبْدُ الأعْلى، ثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أبِي رافِعٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «: إذا دُعِيَ أحَدُكم إلى طَعامٍ فَجاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإنَّ ذَلِكَ لَهُ إذْنٌ»، قالَ أبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ: سَمِعْتُ أبا داوُدَ يَقُولُ: قَتادَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِن أبِي رافِعٍ شَيْئًا، اهـ مِن أبِي داوُدَ.

قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“: وقَدْ ثَبَتَ سَماعُهُ مِنهُ في الحَدِيثِ الَّذِي سَيَأْتِي في البُخارِيِّ في كِتابِ التَّوْحِيدِ مِن رِوايَةِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ قَتادَةَ: أنَّ أبا رافِعٍ حَدَّثَهُ، اهـ.

وَيَدُلُّ لِصِحَّةِ ما رَواهُ أبُو داوُدَ، ورَواهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا: بابُ إذا دُعِيَ الرَّجُلُ فَجاءَ هَلْ يَسْتَأْذِنُ ؟ وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أبِي رافِعٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ ”: هو إذْنُهُ“ اهـ، ومَعْلُومٌ أنَّ البُخارِيَّ لا يُعَلِّقُ بِصِيغَةِ الجَزْمِ، إلّا ما هو صَحِيحٌ عِنْدَهُ، كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“: في حَدِيثِ كَوْنِ «رَسُولِ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُهُ»، ولَهُ مُتابِعٌ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرِدِ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، بِلَفْظِ «: رَسُولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُهُ»، وأخْرَجَ لَهُ شاهِدًا مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ «: إذا دُعِيَ الرَّجُلُ فَهو إذْنُهُ»، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مَرْفُوعًا، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.

فَهَذِهِ جُمْلَةُ أدِلَّةِ مَن قالُوا: بِأنَّ مَن دُعِيَ لا يَسْتَأْذِنُ إذا قَدِمَ.

وَأمّا الَّذِينَ قالُوا: يَسْتَأْذِنُ إذا قَدِمَ إلى مَنزِلِ المُرْسِلِ، ولا يَكْتَفِي بِإرْسالِ الرَّسُولِ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِما رَواهُ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ، أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، أخْبَرَنا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، أخْبَرَنا مُجاهِدٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ لَبَنًا في قَدَحٍ، فَقالَ ”: أبا هِرٍّ الحَقْ أهْلَ الصُّفَّةِ فادْعُهم إلَيَّ“، قالَ: فَأتَيْتُهم فَدَعَوْتُهم، فَأقْبَلُوا فاسْتَأْذَنُوا فَأذِنَ لَهم فَدَخَلُوا»، اهـ مِنهُ، قالَ: هَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ صَرِيحٌ في أنَّهُ ﷺ أرْسَلَ أبا هِرٍّ لِأهْلِ الصُّفَّةِ، ولَمْ يَكْتَفُوا بِالإرْسالِ عَنِ الِاسْتِئْذانِ ولَوْ كانَ يَكْفِي عَنْهُ لَبَيَّنَهُ ﷺ؛ لِأنَّهُ لا يُؤَخِّرُ البَيانَ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ.

وَمِن أدِلَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ ظاهِرُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٠٦)﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ ظاهِرَها يَشْمَلُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ وغَيْرَهُ، وقَدْ جَمَعَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بَيْنَ أدِلَّةِ القَوْلَيْنِ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“: وجَمَعَ المُهَلَّبُ وغَيْرُهُ بِتَنْزِيلِ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ حالَيْنِ إنْ طالَ العَهْدُ بَيْنَ الطَّلَبِ والمَجِيءِ احْتاجَ إلى اسْتِئْنافِ الِاسْتِئْذانِ، وكَذا إنْ لَمْ يَطُلْ لَكِنْ كانَ المُسْتَدْعِي في مَكانٍ يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الإذْنِ في العادَةِ، وإلّا لَمْ يَحْتَجْ إلى اسْتِئْنافِ إذْنٍ، وقالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ الأوَّلَ فِيمَن عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مَن يَسْتَأْذِنُ لِأجْلِهِ، والثّانِي بِخِلافِهِ. قالَ: والِاسْتِئْذانُ عَلى كُلِّ حالٍ أحْوَطُ. وقالَ غَيْرُهُ: إنْ حَضَرَ صُحْبَةَ الرَّسُولِ أغْناهُ اسْتِئْذانُ الرَّسُولِ، ويَكْفِيهِ سَلامُ المُلاقاةِ، وإنْ تَأخَّرَ عَنِ الرَّسُولِ احْتاجَ إلى الِاسْتِئْذانِ، وبِهَذا جَمَعَ الطَّحاوِيُّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ في الحَدِيثِ ”: فَأقْبَلُوا فاسْتَأْذَنُوا“ فَدَلَّ عَلى أنَّ أبا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ مَعَهم، وإلّا لَقالَ: فَأقْبَلْنا، كَذا قالَ، اهـ كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ. وأقْرَبُها عِنْدِي الجَمْعُ الأخِيرُ، ويَدُلُّ لَهُ الحَدِيثُ المَذْكُورُ فِيهِ، وقَوْلُهُ في حَدِيثِ أبِي داوُدَ المُتَقَدِّمِ: فَجاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإنَّ ذَلِكَ لَهُ إذْنٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

24:28Page 353

فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨

And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.

No commentary for this ayah

24:29Page 353

لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩

There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском