Ash-ShinqitiAn‑Nur · 24:31

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:31

24:31Page 353

وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١

And tell the believing women to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts and not expose their adornment2 except that which [necessarily] appears thereof3 and to wrap [a portion of] their headcovers over their chests and not expose their adornment [i.e., beauty] except to their husbands, their fathers, their husbands' fathers, their sons, their husbands' sons, their brothers, their brothers' sons, their sisters' sons, their women, that which their right hands possess [i.e., slaves], or those male attendants having no physical desire,4 or children who are not yet aware of the private aspects of women. And let them not stamp their feet to make known what they conceal of their adornment. And turn to Allāh in repentance, all of you, O believers, that you might succeed.

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ كَلامَ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ يَرْجِعُ جَمِيعُهُ إلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الزِّينَةَ هُنا نَفْسُ شَيْءٍ مِن بَدَنِ المَرْأةِ؛ كَوَجْهِها وكَفَّيْها.

الثّانِي: أنَّ الزِّينَةَ هي ما يُتَزَيَّنُ بِهِ خارِجًا عَنْ بَدَنِها.

وَعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الزِّينَةِ المَذْكُورَةِ الخارِجَةِ عَنْ بَدَنِ المَرْأةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها الزِّينَةُ الَّتِي لا يَتَضَمَّنُ إبْداؤُها رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِنَ البَدَنِ؛ كالمُلاءَةِ الَّتِي تَلْبَسُها المَرْأةُ فَوْقَ القَمِيصِ والخِمارِ والإزارِ.

والثّانِي: أنَّها الزِّينَةُ الَّتِي يَتَضَمَّنُ إبْداؤُها رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِنَ البَدَنِ كالكُحْلِ في العَيْنِ.

فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ رُؤْيَةَ الوَجْهِ أوْ بَعْضِهِ، وكالخِضابِ والخاتَمِ، فَإنَّ رُؤْيَتَهُما تَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةَ اليَدِ، وكالقُرْطِ والقِلادَةِ والسِّوارِ، فَإنَّ رُؤْيَةَ ذَلِكَ تَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةَ مَحَلِّهِ مِنَ البَدَنِ؛ كَما لا يَخْفى.

وَسَنَذْكُرُ بَعْضَ كَلامِ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ، ثُمَّ نُبَيِّنُ ما يُفْهَمُ مِن آياتِ القُرْآنِ رُجْحانُهُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ أيْ: لا يُظْهِرْنَ شَيْئًا مِنَ الزِّينَةِ لِلْأجانِبِ، إلّا ما لا يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كالرِّداءِ والثِّيابِ، يَعْنِي عَلى ما كانَ يَتَعاطاهُ نِساءُ العَرَبِ مِنَ المِقْنَعَةِ الَّتِي تُجَلِّلُ ثِيابَها، وما يَبْدُو مِن أسافِلِ الثِّيابِ، فَلا حَرَجَ عَلَيْها فِيهِ لِأنَّ هَذا لا يُمْكِنُها إخْفاؤُهُ ونَظِيرُهُ في زِيِّ النِّساءِ ما يَظْهَرُ مِن إزارِها، وما لا يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ، وقالَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو الجَوْزاءِ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ وغَيْرُهم، وقالَ الأعْمَشُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: وجْهَها وكَفَّيْها والخاتَمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي الشَّعْثاءِ، والضَّحّاكِ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وغَيْرِهِمْ نَحْوُ ذَلِكَ. وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلزِّينَةِ الَّتِي نُهِينَ عَنْ إبْدائِها؛ كَما قالَ أبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزِّينَةُ: القُرْطُ، والدُّمْلُوجُ، والخَلْخالُ، والقِلادَةُ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ بِهَذا الإسْنادِ، قالَ: الزِّينَةُ زِينَتانِ، فَزِينَةٌ لا يَراها إلّا الزَّوْجُ الخاتَمُ والسِّوارُ، وزِينَةٌ يَراها (p-٥١٢)الأجانِبُ، وهي الظّاهِرُ مِنَ الثِّيابِ، وقالَ الزُّهْرِيُّ: لا يَبْدُو لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمّى اللَّهُ مِمَّنْ لا تَحِلُّ لَهُ إلّا الأسْوِرَةُ والأخْمِرَةُ والأقْرِطَةُ مِن غَيْرِ حَسْرٍ، وأمّا عامَّةُ النّاسِ، فَلا يَبْدُو مِنها إلّا الخَواتِمُ. وقالَ مالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾: الخاتَمُ والخَلْخالُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ، ومَن تابَعَهُ أرادُوا تَفْسِيرَ ما ظَهَرَ مِنها: بِالوَجْهِ والكَفَّيْنِ، وهَذا هو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، ويُسْتَأْنَسُ لَهُ بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“:

حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الأنْطاكِيُّ، ومُؤَمِّلُ بْنُ الفَضْلِ الحَرّانِيُّ، قالا: حَدَّثَنا الوَلِيدُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ خالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعَلَيْها ثِيابٌ رِقاقٌ فَأعْرَضَ عَنْها، وقالَ ”: يا أسْماءُ، إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا“، وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفَّيْهِ»، لَكِنْ قالَ أبُو داوُدَ، وأبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: هو مُرْسَلٌ، خالِدُ بْنُ دُرَيْكٍ لَمْ يَسْمَعْ مِن عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - واللَّهُ أعْلَمُ، اهـ كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾: واخْتَلَفَ النّاسُ في قَدْرِ ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ظاهِرُ الزِّينَةِ هو الثِّيابُ، وزادَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الوَجْهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، وعَطاءٌ، والأوْزاعِيُّ: الوَجْهُ والكَفّانِ والثِّيابُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: ظاهِرُ الزِّينَةِ هو الكُحْلُ والسِّوارُ والخِضابُ إلى نِصْفِ الذِّراعِ والقِرَطَةُ والفَتَخُ ونَحْوُ هَذا، فَمُباحٌ أنْ تُبْدِيَهُ المَرْأةُ لِكُلِّ مَن دَخَلَ عَلَيْها مِنَ النّاسِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ في مَعْنى نِصْفِ الذِّراعِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وذَكَرَ آخَرَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ ”: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ إذا عَرَكَتْ أنْ تُظْهِرَ إلّا وجْهَها ويَدَيْها إلى هاهُنا»“، وقَبَضَ عَلى نِصْفِ الذِّراعِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ لِي بِحُكْمِ ألْفاظِ الآيَةِ أنَّ المَرْأةَ مَأْمُورَةٌ بِأنْ لا تُبْدِيَ وأنْ تَجْتَهِدَ في الإخْفاءِ لِكُلِّ ما هو زِينَةٌ، ووَقَعَ الِاسْتِثْناءُ فِيما يَظْهَرُ بِحُكْمِ ضَرُورَةِ حَرَكَةٍ فِيما لا بُدَّ مِنهُ، أوْ إصْلاحِ شَأْنٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَما ظَهَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ مِمّا تُؤَدِّي إلَيْهِ الضَّرُورَةُ في النِّساءِ، فَهو المَعْفُوُّ عَنْهُ.

قُلْتُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ الغالِبُ مِنَ الوَجْهِ والكَفَّيْنِ ظُهُورُهُما عادَةً، وعِبادَةً وذَلِكَ في الصَّلاةِ والحَجِّ، فَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ راجِعًا إلَيْهِما يَدُلُّ لِذَلِكَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - ثُمَّ ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ حَدِيثَ عائِشَةَ المَذْكُورَ الَّذِي (p-٥١٣)قَدَّمْناهُ قَرِيبًا، ثُمَّ قالَ: وقَدْ قالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ مِن عُلَمائِنا: إنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ جَمِيلَةً، وخِيفَ مِن وجْهِها وكَفَّيْها الفِتْنَةُ، فَعَلَيْها سَتْرُ ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ عَجُوزًا أوْ مُقَبَّحَةً جازَ أنْ تَكْشِفَ وجْهَها وكَفَّيْها، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ.

وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الزِّينَةُ ما تَزَيَّنَتْ بِهِ المَرْأةُ مِن حُلِيٍّ أوْ كُحْلٍ أوْ خِضابٍ، فَما كانَ ظاهِرًا مِنها كالخاتَمِ والفَتْخَةِ والكُحْلِ والخِضابِ، فَلا بَأْسَ بِهِ، وما خَفِيَ مِنها كالسِّوارِ، والخَلْخالِ، والدُّمْلُجِ، والقِلادَةِ، والإكْلِيلِ، والوِشاحِ، والقُرْطِ، فَلا تُبْدِيهِ إلّا لِهَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وذَكَرَ الزِّينَةَ دُونَ مَواقِعِها لِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ بِالتَّصَوُّنِ والتَّسَتُّرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الزِّينَةَ واقِعَةٌ عَلى مَواضِعَ مِنَ الجَسَدِ لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْها لِغَيْرِ هَؤُلاءِ، وهي الذِّراعُ، والسّاقُ، والعَضُدُ، والعُنُقُ، والرَّأْسُ، والصَّدْرُ، والأُذُنُ، فَنَهى عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ نَفْسِها لِيُعْلَمَ أنَّ النَّظَرَ إذا لَمْ يَحِلَّ إلَيْها لِمُلابَسَتِها تِلْكَ المَواقِعَ، بِدَلِيلِ أنَّ النَّظَرَ إلَيْها غَيْرَ مُلابَسَةٍ لَها لا مَقالَ في حِلِّهِ، كانَ النَّظَرُ إلى المَواقِعِ أنْفُسِها مُتَمَكِّنًا في الحَظْرِ، ثابِتَ القَدَمِ في الحُرْمَةِ، شاهِدًا عَلى أنَّ النِّساءَ حَقُّهُنَّ أنْ يَحْتَطْنَ في سَتْرِها ويَتَّقِينَ اللَّهَ في الكَشْفِ عَنْها، إلى آخِرِ كَلامِهِ.

وَقالَ صاحِبُ ”الدُّرِّ المَنثُورِ“: وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قالَ: الزِّينَةُ السِّوارُ والدُّمْلُجُ والخَلْخالُ، والقُرْطُ، والقِلادَةُ ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الثِّيابُ والجِلْبابُ.

وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: الزِّينَةُ زِينَتانِ،، زِينَةٌ ظاهِرَةٌ، وزِينَةٌ باطِنَةٌ لا يَراها إلّا الزَّوْجُ. فَأمّا الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: فالثِّيابُ، وأمّا الزِّينَةُ الباطِنَةُ: فالكُحْلُ، والسِّوارُ والخاتَمُ، ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: فالظّاهِرَةُ مِنها الثِّيابُ، وما يَخْفى: فالخَلْخالانِ والقُرْطانِ والسِّوارانِ.

وَأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكُحْلُ والخاتَمُ.

وَأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكُحْلُ والخاتَمُ والقُرْطُ والقِلادَةُ.

(p-٥١٤)وَأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: هو خِضابُ الكَفِّ، والخاتَمُ.

وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: وجْهُها، وكَفّاها والخاتَمُ.

وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: رُقْعَةُ الوَجْهِ، وباطِنُ الكَفِّ.

وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أنَّها سُئِلَتْ عَنِ الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ ؟ فَقالَتِ: القَلْبُ والفَتَخُ، وضَمَّتْ طَرَفَ كُمِّها.

وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الوَجْهُ وثُغْرَةُ النَّحْرِ.

وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الوَجْهُ والكَفُّ.

وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكَفّانِ والوَجْهُ.

وَأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: المُسْكَتانِ والخاتَمُ والكُحْلُ.

قالَ قَتادَةُ: وبَلَغَنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ”: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ إلّا إلى هاهُنا“ ويَقْبِضُ نِصْفَ الذِّراعِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: القُلْبَيْنِ، يَعْنِي السِّوارَ والخاتَمَ والكُحْلَ.

وَأخْرَجَ سَعِيدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الخاتَمُ والمَسَكَةُ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: القُلْبُ والفَتْخَةُ، «قالَتْ عائِشَةُ: دَخَلَتْ عَلَيَّ ابْنَةُ أخِي لِأُمِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ مُزَيَّنَةً، فَدَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأعْرَضَ، فَقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: إنَّها ابْنَةُ أخِي وجارِيَةٌ، فَقالَ ”: إذا عَرَكَتِ المَرْأةُ لَمْ يَحِلَّ لَها أنْ تُظْهِرَ إلّا وجْهَها وإلّا ما دُونَ (p-٥١٥)هَذا“، وقَبَضَ عَلى ذِراعِهِ نَفْسِهِ، فَتَرَكَ بَيْنَ قَبْضَتِهِ وبَيْنَ الكَفِّ مِثْلَ قَبْضَةٍ أُخْرى»، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ صاحِبِ ”الدُّرِّ المَنثُورِ“ .

وَقَدْ رَأيْتَ في هَذِهِ النُّقُولِ المَذْكُورَةِ عَنِ السَّلَفِ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ والزِّينَةِ الباطِنَةِ، وأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ راجِعٌ في الجُمْلَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ؛ كَما ذَكَرْنا:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ ما تَتَزَيَّنُ بِهِ المَرْأةُ خارِجًا عَنْ أصْلٍ خِلْقَتِها، ولا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ إلَيْهِ رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِن بَدَنِها؛ كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومَن وافَقَهُ: إنَّها ظاهِرُ الثِّيابِ؛ لِأنَّ الثِّيابَ زِينَةٌ لَها خارِجَةٌ عَنْ أصْلِ خِلْقَتِها وهي ظاهِرَةٌ بِحُكْمِ الِاضْطِرارِ، كَما تَرى.

وَهَذا القَوْلُ هو أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدَنا وأحْوَطُها، وأبْعَدُها مِنَ الرِّيبَةِ وأسْبابِ الفِتْنَةِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ: ما تَتَزَيَّنُ بِهِ، ولَيْسَ مِن أصْلِ خِلْقَتِها أيْضًا، لَكِنَّ النَّظَرَ إلى تِلْكَ الزِّينَةِ يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِن بَدَنِ المَرْأةِ، وذَلِكَ كالخِضابِ والكُحْلِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّظَرَ إلى ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةَ المَوْضِعِ المُلابِسِ لَهُ مِنَ البَدَنِ، كَما لا يَخْفى.

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الظّاهِرَةِ بَعْضُ بَدَنِ المَرْأةِ الَّذِي هو مِن أصْلِ خِلْقَتِها؛ كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِما ظَهَرَ مِنها الوَجْهُ والكَفّانِ، وما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ.

وَإذا عَرَفْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّنا قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، وتَكُونُ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ، وقَدَّمْنا أيْضًا في تَرْجَمَتِهِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَكُونَ الغالِبُ في القُرْآنِ إرادَةَ مَعْنًى مُعَيَّنٍ في اللَّفْظِ، مَعَ تَكَرُّرِ ذَلِكَ اللَّفْظِ في القُرْآنِ، فَكَوْنُ ذَلِكَ المَعْنى هو المُرادُ مِنَ اللَّفْظِ في الغالِبِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو المُرادُ في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لِدَلالَةِ غَلَبَةِ إرادَتِهِ في القُرْآنِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ، وذَكَرْنا لَهُ بَعْضَ الأمْثِلَةِ في التَّرْجَمَةِ.

وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِن أنْواعِ البَيانِ لِلَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، ومَثَّلْنا لَهُما بِأمْثِلَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ كِلاهُما مَوْجُودٌ في هَذِهِ الآيَةِ، الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها.

أمّا الأوَّلُ مِنهُما، فَبَيانُهُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ في مَعْنى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ: الوَجْهُ والكَفّانِ مَثَلًا، تُوجَدُ في الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ (p-٥١٦)هَذا القَوْلِ، وهي أنَّ الزِّينَةَ في لُغَةِ العَرَبِ، هي ما تَتَزَيَّنُ بِهِ المَرْأةُ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ أصْلِ خِلْقَتِها: كالحُلِيِّ، والحُلَلِ. فَتَفْسِيرُ الزِّينَةِ بِبَعْضِ بَدَنِ المَرْأةِ خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يَجُوزُ الحَمْلُ عَلَيْهِ، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: الوَجْهُ، والكَفّانِ خِلافُ ظاهِرِ مَعْنى لَفْظِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ هَذا القَوْلِ، فَلا يَجُوزُ الحَمْلُ عَلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.

وَأمّا نَوْعُ البَيانِ الثّانِي المَذْكُورِ، فَإيضاحُهُ: أنَّ لَفْظَ الزِّينَةِ يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ مُرادًا بِهِ الزِّينَةُ الخارِجَةُ عَنْ أصْلِ المُزَيَّنِ بِها، ولا يُرادُ بِها بَعْضُ أجْزاءِ ذَلِكَ الشَّيْءِ المُزَيَّنِ بِها؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ [الكهف: ٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٧٩]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٦]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٠]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]،

• وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ قَوْمِ مُوسى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]،

فَلَفْظُ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها يُرادُ بِهِ ما يُزَيَّنُ بِهِ الشَّيْءُ وهو لَيْسَ مِن أصْلِ خِلْقَتِهِ، كَما تَرى، وكَوْنُ هَذا المَعْنى هو الغالِبُ في لَفْظِ الزِّينَةِ في القُرْآنِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ الزِّينَةِ في مَحَلِّ النِّزاعِ يُرادُ بِهِ هَذا المَعْنى، الَّذِي غَلَبَتْ إرادَتُهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وهو المَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ؛ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎يَأْخُذْنَ زِينَتَهُنَّ أحْسَنَ ما تَرى وإذا عَطَلْنَ فَهُنَّ خَيْرُ عَواطِلِ

وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ الزِّينَةِ في الآيَةِ بِالوَجْهِ والكَفَّيْنِ، فِيهِ نَظَرٌ.

وَإذا عَلِمْتَ أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ في القُرْآنِ ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ أصْلِ الخِلْقَةِ، وأنَّ مَن فَسَّرُوها مِنَ العُلَماءِ بِهَذا اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ، فَقالَ بَعْضُهم: هي زِينَةٌ لا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ إلَيْها رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِن بَدَنِ المَرْأةِ كَظاهِرِ الثِّيابِ. وقالَ بَعْضُهم: هي زِينَةٌ يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ (p-٥١٧)إلَيْها رُؤْيَةَ مَوْضِعِها مِن بَدَنِ المَرْأةِ؛ كالكُحْلِ والخِضابِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عِنْدِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ الزِّينَةَ الظّاهِرَةَ هي ما لا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ إلَيْها رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِن بَدَنِ المَرْأةِ الأجْنَبِيَّةِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ هَذا القَوْلَ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ هو أحْوَطُ الأقْوالِ، وأبْعَدُها عَنْ أسْبابِ الفِتْنَةِ، وأطْهَرُها لِقُلُوبِ الرِّجالِ والنِّساءِ، ولا يَخْفى أنَّ وجْهَ المَرْأةِ هو أصْلُ جَمالِها ورُؤْيَتَهُ مِن أعْظَمَ أسْبابِ الِافْتِتانِ بِها؛ كَما هو مَعْلُومٌ والجارِي عَلى قَواعِدِ الشَّرْعِ الكَرِيمِ، هو تَمامُ المُحافَظَةِ، والِابْتِعادُ مِنَ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي.

واعْلَمْ أنَّ مَسْألَةَ الحِجابِ وإيضاحَ كَوْنِ الرَّجُلِ لا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلى شَيْءٍ مِن بَدَنِ الأجْنَبِيَّةِ، سَواءٌ كانَ الوَجْهَ والكَفَّيْنِ أوْ غَيْرَهُما قَدْ وعَدْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ وغَيْرِها مِنَ المَواضِعِ، بِأنَّنا سَنُوَضِّحُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“، في الكَلامِ عَلى آيَةِ الحِجابِ، وسَنَفِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِالوَعْدِ في ذَلِكَ بِما يَظْهَرُ بِهِ لِلْمُنْصِفِ ما ذَكَرْنا.

واعْلَمْ أنَّ الحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنا في كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ أبِي داوُدَ، وهو حَدِيثُ عائِشَةَ في دُخُولِ أسْماءَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في ثِيابٍ رِقاقٍ، وأنَّهُ قالَ لَها ”: «إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا“، وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفَّيْهِ»، حَدِيثٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ؛ كَما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ فِيهِ: قالَ أبُو داوُدَ، وأبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: هو مُرْسَلٌ، وخالِدُ بْنُ دُرَيْكٍ لَمْ يَسْمَعْ مِن عائِشَةَ.

والأمْرُ كَما قالَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَسَنُبَيِّنُ هَذِهِ المَسْألَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ بَيانًا شافِيًا مَعَ مُناقَشَةِ أدِلَّةِ الجَمِيعِ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“، ولِذَلِكَ لَمْ نُطِلِ الكَلامَ فِيها هاهُنا.

* *

تَنْبِيهٌ.

قَدْ ذَكَرْنا في كَلامِ أهْلِ العِلْمِ في الزِّينَةِ أسْماءَ كَثِيرٍ مِن أنْواعِ الزِّينَةِ، ولَعَلَّ بَعْضَ النّاظِرِينَ في هَذا الكِتابِ، لا يَعْرِفُ مَعْنى تِلْكَ الأنْواعِ مِنَ الزِّينَةِ، فَأرَدْنا أنْ نُبَيِّنَها هاهُنا تَكْمِيلًا لِلْفائِدَةِ.

أمّا الكُحْلُ والخِضابُ فَمَعْرُوفانِ، وأشْهَرُ أنْواعِ خِضابِ النِّساءِ الحِنّاءُ، والقُرْطُ ما يُعَلَّقُ في شَحْمَةِ الأُذُنِ، ويُجْمَعُ عَلى قِرَطَةٍ كَقِرَدَةٍ، وقِراطٍ، وقُرُوطٍ، وأقْراطٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٥١٨)

؎أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكَ بِضَرَّةٍ بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ

والخاتَمُ مَعْرُوفٌ، وهو حِلْيَةُ الأصابِعِ، والفَتَخُ: جَمْعُ فَتْخَةٍ بِفَتَخاتٍ وهي حَلْقَةٌ مِن فِضَّةٍ لا فَصَّ فِيها، فَإذا كانَ فِيها فَصٌّ، فَهو الخاتَمُ، وقِيلَ: قَدْ يَكُونُ لِلْفَتْخَةِ فَصٌّ، وعَلَيْهِ فَهي نَوْعٌ مِنَ الخَواتِمِ، والفَتْخَةُ تَلْبَسُها النِّساءُ في أصابِعِ أيْدِيهِنَّ، ورُبَّما جَعَلَتْها المَرْأةُ في أصابِعِ رِجْلَيْها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الرّاجِزَةِ، وهي الدَّهْناءُ بِنْتُ مِسْحَلٍ زَوْجَةُ العَجّاجِ:

؎واللَّهِ لا تَخْدَعُنِي بِضَمِّ ∗∗∗ ولا بِتَقْبِيلٍ ولا بِشَمِّ

؎إلّا بِزِعْزاعٍ يُسَلِّي هَمِّي ∗∗∗ تَسْقُطُ مِنهُ فَتَخِي في كُمِّي

والخَلْخالُ، ويُقالُ لَهُ:

الخُلْخُلُ حِلْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ تَلْبَسُها النِّساءُ في أرْجُلِهِنَّ كالسِّوارِ في المِعْصَمِ، والمُخَلْخَلُ: مَوْضِعُ الخَلْخالِ مِنَ السّاقِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎إذا قُلْتُ هاتِي نَوَّلِينِي تَمايَلَتْ ∗∗∗ عَلَيَّ هَضِيمَ الكَشْحِ رَيّا المُخَلْخَلِ

والدُّمْلُجُ: ويُقالُ لَهُ الدُّمْلُوجُ: هو المُعَضَّدُ، وهو ما شُدَّ في عَضُدِ المَرْأةِ مِنَ الخَرَزِ وغَيْرِهِ، والعَضُدُ مِنَ المِرْفَقِ إلى المَنكِبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ما مَرْكَبٌ ورُكُوبُ الخَيْلِ يُعْجِبُنِي ∗∗∗ كَمَرْكَبٍ بَيْنَ دُمْلُوجٍ وخَلْخالِ

والسِّوارُ: حِلْيَةٌ مِنَ الذَّهَبِ، أوِ الفِضَّةِ مُسْتَدِيرَةٌ كالحَلْقَةِ تَلْبَسُها المَرْأةُ في مِعْصَمِها، وهو ما بَيْنَ مَفْصِلِ اليَدِ والمِرْفَقِ، وهو القُلْبُ بِضَمِّ القافِ.

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّ القُلْبَ هو السِّوارُ المَفْتُولُ مِن طاقٍ واحِدٍ لا مِن طاقَيْنِ أوْ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ خالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ في زَوْجَتِهِ رَمْلَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

؎تَجُولُ خَلاخِيلُ النِّساءِ ولا أرى ∗∗∗ لِرَمْلَةَ خَلْخالًا يَجُولُ ولا قُلْبًا

؎أُحِبُّ بَنِي العَوّامِّ مِن أجْلِ حُبِّها ∗∗∗ ومِن أجْلِها أحْبَبْتُ أخْوالَها كَلْبًا.

والمَسَكَةُ بِفَتْحاتٍ: السِّوارُ مِن عاجٍ أوْ ذَبْلٍ، والعاجُ سِنُّ الفِيلِ، والذَّبْلُ بِالفَتْحِ شَيْءٌ كالعاجِ، وهو ظَهْرُ السُّلَحْفاةِ البَحْرِيَّةِ، يُتَّخَذُ مِنهُ السِّوارُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ يَصِفُ امْرَأةً:

؎تَرى العَبَسَ الحَوْلِيَّ جَوْنًا بِكُوعِها ∗∗∗ لَها مَسَكًا في غَيْرِ عاجٍ ولا ذَبَلْ

(p-٥١٩)قالَهُ الجَوْهَرِيُّ في ”صِحاحِهِ“، والمَسَكُ بِفَتْحَتَيْنِ: جَمْعُ مَسَكَةٍ.

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: المَسَكُ أسْوِرَةٌ مِن عاجٍ أوْ قُرُونٍ أوْ ذَبَلٍ، ومُقْتَضى كَلامِهِمْ أنَّها لا تَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ، ولا الفِضَّةِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”التَّوْبَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣٤]، في مَبْحَثِ زَكاةِ الحُلِيِّ المُباحِ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عِنْدَ أبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ: «أنَّ امْرَأةً أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومَعَها ابْنَتُها وفي يَدِ ابْنَتِها مَسَكَتانِ غَلِيظَتانِ مِن ذَهَبٍ»، الحَدِيثَ. وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَسَكَةَ تَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ، كَما تَكُونُ مِنَ العاجِ، والقُرُونِ، والذَّبَلِ، وهَذا هو الأظْهَرُ خِلافًا لِكَلامِ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ المَسَكَ لا يَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والقِلادَةُ مَعْرُوفَةٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* *

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآدابِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، وكانَ التَّقْصِيرُ في امْتِثالِ تِلْكَ الأوامِرِ قَدْ يَحْصُلُ عِلْمُ خَلْقِهِ ما يَتَدارَكُونَ بِهِ، ما وقَعَ مِنهم مِنَ التَّقْصِيرِ في امْتِثالِ الأمْرِ، واجْتِنابِ النَّهْيِ، وبَيَّنَ لَهم أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِالتَّوْبَةِ، وهي الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والإنابَةُ إلى اللَّهِ بِالِاسْتِغْفارِ مِنهُ، وهي ثَلاثَةُ أرْكانٍ:

الأوَّلُ: الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ إنْ كانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ.

والثّانِي: النَّدَمُ عَلى ما وقَعَ مِنهُ مِنَ المَعْصِيَةِ.

والثّالِثُ: النِّيَّةُ ألّا يَعُودَ إلى الذَّنْبِ أبَدًا، والأمْرُ في قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ وهو كَذَلِكَ، فالتَّوْبَةُ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ، مِن كُلِّ ذَنْبٍ اقْتَرَفَهُ، وتَأْخِيرُها لا يَجُوزُ فَتَجِبُ مِنهُ التَّوْبَةُ أيْضًا.

وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ قَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ أشْهَرَ مَعانِي لَعَلَّ في القُرْآنِ اثْنانِ:

الأوَّلُ: أنَّها عَلى بابِها مِنَ التَّرَجِّي، أيْ: تُوبُوا إلى اللَّهِ رَجاءَ أنْ تُفْلِحُوا، وعَلى هَذا فالرَّجاءُ بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ، أمّا اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - فَهو عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَجُوزُ في حَقِّهِ إطْلاقُ الرَّجاءِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى وهارُونَ في مُخاطَبَةِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] (p-٥٢٠)وَهُوَ - جَلَّ وعَلا - عالِمٌ بِما سَبَقَ في الأزَلِ مِن أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى.

مَعْناهُ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا رَجاءً مِنكُما بِحَسَبِ عَدَمِ عِلْمِكُما بِالغَيْبِ أنْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى.

والثّانِي: هو ما قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ مِن أنَّ كُلَّ لَعَلَّ في القُرْآنِ لِلتَّعْلِيلِ، إلّا الَّتِي في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“، وهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]، قالُوا: فَهي بِمَعْنى كَأنَّكم، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ إطْلاقَ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ مَعْلُومٌ في العَرَبِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا نَكُفُّ ووَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مَوْثِقِ

أيْ: كَفُّوا الحُرُوبَ، لِأجْلِ أنْ نَكُفَّ؛ كَما تَقَدَّمَ.

وَعَلى هَذا القَوْلِ، فالمَعْنى: وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ، لِأجْلِ أنْ تُفْلِحُوا، أيْ: تَنالُوا الفَلاحَ، والفَلاحُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: يُطْلَقُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:

الأوَّلُ: الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ الأعْظَمِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ لَبِيَدٍ:

؎فاعْقِلِي إنْ كُنْتِ لَمّا تَعْقِلِي ∗∗∗ ولَقَدْ أفْلَحَ مَن كانَ عَقَلَ

أيْ: فازَ بِالمَطْلُوبِ الأعْظَمِ مِن رَزَقَهُ اللَّهُ العَقْلَ.

المَعْنى الثّانِي: هو البَقاءُ الدّائِمُ في النَّعِيمِ والسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُ الأضْبَطِ بْنِ قُرَيْعٍ، وقِيلَ: كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

؎لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ∗∗∗ والمِسا والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ

يَعْنِي: أنَّهُ لا بَقاءَ لِأحَدٍ في الدُّنْيا مَعَ تَعاقُبِ المَساءِ والصَّباحِ عَلَيْهِ. وقَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ أيْضًا:

؎لَوْ أنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الفَلاحِ ∗∗∗ لَنالَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ

يَعْنِي: لَوْ كانَ أحَدٌ يُدْرِكُ البَقاءَ، ولا يَمُوتُ لَنالَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ، وهو عَمُّهُ عامِرُ بْنُ (p-٥٢١)مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ المَعْرُوفُ بِمُلاعِبِ الأسِنَّةِ، وقَدْ قالَ فِيهِ الشّاعِرُ يَمْدَحُهُ، ويَذُمُّ أخاهُ الطُّفَيْلَ والِدَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ المَشْهُورِ:

؎فَرَرْتَ وأسْلَمْتَ ابْنَ أُمِّكَ عامِرًا ∗∗∗ يُلاعِبُ أطْرافَ الوَشِيجِ المُزَعْزَعِ

وَبِكُلٍّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما في الفَلاحِ فُسِّرَ حَدِيثُ الأذانِ والإقامَةِ:

حَيَّ عَلى الفَلاحِ؛ كَما هو مَعْرُوفٌ. ومَن تابَ إلى اللَّهِ - كَما أمَرَهُ اللَّهُ - نالَ الفَلاحَ بِمَعْنَيَيْهِ، فَإنَّهُ يَفُوزُ بِالمَطْلُوبِ الأعْظَمِ وهو الجَنَّةُ، ورِضا اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ يَنالُ البَقاءَ الأبَدِيَّ في النَّعِيمِ والسُّرُورِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أمْرِهِ - جَلَّ وعَلا - لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِالتَّوْبَةِ، مُشِيرًا إلى أنَّها تُؤَدِّي إلى فَلاحِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وبَيَّنَ أنَّ التَّوْبَةَ الَّتِي يَمْحُو اللَّهُ بِها الذُّنُوبَ، ويُكَفِّرُ بِها السَّيِّئاتِ، أنَّها التَّوْبَةُ النَّصُوحُ، وبَيَّنَ أنَّها يَتَرَتَّبُ عَلَيْها تَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ، ولا سِيَّما عِنْدَ مَن يَقُولُ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ جَوّادٌ كَرِيمٌ، رَحِيمٌ غَفُورٌ، فَإذا أطْمَعَ عَبْدَهُ في شَيْءٍ مِن فَضْلِهِ، فَجُودُهُ وكَرَمُهُ تَعالى وسَعَةُ رَحْمَتِهِ يَجْعَلُ ذَلِكَ الإنْسانَ الَّذِي أطْمَعَهُ رَبُّهُ في ذَلِكَ الفَضْلِ يَثِقُ بِأنَّهُ ما أطْمَعَهُ فِيهِ إلّا لِيَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском