Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:32–35
24:32Page 354
وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢
And marry the unmarried among you and the righteous among your male slaves and female slaves. If they should be poor, Allāh will enrich them from His bounty, and Allāh is all-Encompassing and Knowing.
(p-٥٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الإنْكاحُ هُنا مَعْناهُ: التَّزْوِيجُ، ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى﴾ أيْ: زَوِّجُوهم، والأيامى: جَمْعُ أيِّمٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ المَكْسُورَةِ، والأيِّمُ: هو مَن لا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، سَواءٌ كانَ قَدْ تَزَوَّجَ قَبْلَ ذَلِكَ، أوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ قَطُّ، يُقالُ: رَجُلٌ أيِّمٌ، وامْرَأةٌ أيِّمٌ، وقَدْ فَسَّرَ الشَّمّاخُ بْنُ ضِرارٍ في شِعْرِهِ: الأيِّمَ الأُنْثى بِأنَّها الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ في حالَتِها الرّاهِنَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ:
؎يُقِرُّ بِعَيْنِي أنْ أُنَبَّأ أنَّها وإنْ لَمْ أنَلْها أيِّمٌ لَمْ تَزَوَّجِ
فَقَوْلُهُ: ”لَمْ تَزَوَّجِ“ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: أنَّها أيِّمٌ، ومِن إطْلاقِ الأيِّمِ عَلى الذَّكَرِ الَّذِي لا زَوْجَ لَهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ:
؎لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِيٍّ ∗∗∗ أيِّمٌ مِنهم وناكِحْ
وَمِن إطْلاقِهِ عَلى الأُنْثى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أُحِبُّ الأيامى إذْ بُثَيْنَةُ أيِّمُ ∗∗∗ وأحْبَبْتُ لَمّا أنْ غَنِيتُ الغَوانِيا
والعَرَبُ تَقُولُ: آمَ الرَّجُلُ يَئِيمُ، وآمَتِ المَرْأةُ تَئِيمُ، إذا صارَ الواحِدُ مِنهُما أيِّمًا، وكَذَلِكَ تَقُولُ: تَأيَّمَ إذا كانَ أيِّمًا.
وَمِثالُهُ في الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ إمْتُ حَتّى لامَنِي كُلُّ صاحِبِ ∗∗∗ رَجاءَ بِسَلْمى أنْ تَئِيمَ كَما إمْتُ
وَمِنَ الثّانِي قَوْلُهُ:
؎فَإنْ تَنْكِحِي أنْكِحْ وإنْ تَتَأيَّمِي ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ أفْتى مِنكُمُ أتَأيَّمُ
وَمِنَ الأوَّلِ أيْضًا، قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ الحَكَمِ الثَّقَفِيِّ:
؎كُلُّ امْرِئٍ سَتَئِيمُ مِنهُ ∗∗∗ العُرْسُ أوْ مِنها يَئِيمُ
وَقَوْلُ الآخَرِ:(p-٥٢٩)
؎نَجَوْتَ بِقَوْفِ نَفْسِكَ غَيْرَ أنِّي ∗∗∗ إخالُ بِأنْ سَيَيْتِمُ أوْ تَئِيمُ
يَعْنِي: يَيْتِمُ ابْنُكَ وتَئِيمُ امْرَأتُكَ.
فَإذا عَلِمْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى﴾ شامِلٌ لِلذُّكُورِ والإناثِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: مِنكم أيْ: مِنَ المُسْلِمِينَ، ويُفْهَمُ مِن دَلِيلِ الخِطابِ أيْ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ: مِنكم أنَّ الأيامى مِن غَيْرِكم، أيْ: مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، وهُمُ الكُفّارُ لَيْسُوا كَذَلِكَ.
وَهَذا المَفْهُومُ الَّذِي فُهِمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في أيامى الكُفّارِ الذُّكُورِ: ﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقَوْلُهُ في أياماهُمُ الإناثِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقَوْلُهُ فِيهِما جَمِيعًا: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
وَبِهَذِهِ النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ الصَّرِيحَةِ المُوَضِّحَةِ لِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُسْلِمَةِ لِلْكافِرِ مُطْلَقًا وأنَّهُ لا يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُسْلِمِ لِلْكافِرَةِ إلّا أنَّ عُمُومَ هَذِهِ الآياتِ خَصَّصَتْهُ آيَةُ ”المائِدَةِ“، فَأبانَتْ أنَّ المُسْلِمَ يَجُوزُ لَهُ تَزَوُّجُ المُحْصَنَةِ الكِتابِيَّةِ خاصَّةً؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فَقَوْلُهُ تَعالى عاطِفًا عَلى ما يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ صَرِيحٌ في إباحَةِ تَزْوِيجِ المُسْلِمِ لِلْمُحْصَنَةِ الكِتابِيَّةِ، والظّاهِرُ أنَّها الحُرَّةُ العَفِيفَةُ.
فالحاصِلُ أنَّ التَّزْوِيجَ بَيْنَ الكُفّارِ والمُسْلِمِينَ مَمْنُوعٌ في جَمِيعِ الصُّوَرِ، إلّا صُورَةً واحِدَةً، وهي تُزَوُّجُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ بِالمَرْأةِ المُحْصَنَةِ الكِتابِيَّةِ، والنُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ قُرْآنِيَّةٌ، كَما رَأيْتَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى لُزُومِ تَزْوِيجِ الأيامى مِنَ المَمْلُوكِينَ الصّالِحِينَ، والإماءِ المَمْلُوكاتِ، وظاهِرُ هَذا الأمْرِ الوُجُوبُ؛ لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.
(p-٥٣٠)وَقَدْ بَيَّنّا مِرارًا مِن أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ المُجَرَّدَةَ عَنِ القَرائِنِ تَقْتَضِي الوُجُوبَ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ الخالِيَةَ مِن زَوْجٍ إذا خَطَبَها كُفْءٌ ورَضِيَتْهُ، وجَبَ عَلى ولِيِّها تَزْوِيجُها إيّاهُ، وأنَّ ما يَقُولُهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ المالِكِيَّةِ ومَن وافَقَهم، مِن أنَّ السَّيِّدَ لَهُ مَنعُ عَبْدِهِ وأمَتِهِ مِنَ التَّزْوِيجِ مُطْلَقًا غَيْرُ صَوابٍ لِمُخالَفَتِهِ لِنَصِّ القُرْآنِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وإمائِكم بَيَّنَتْ آيَةُ ”النِّساءِ“ أنَّ الأمَةَ لا تُزَوَّجُ لِلْحُرِّ إلّا بِالشُّرُوطِ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ، فَآيَةُ ”النِّساءِ“ المَذْكُورَةُ مُخَصَّصَةٌ بِعُمُومِ آيَةِ ”النُّورِ“ هَذِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإماءِ، وآيَةُ ”النِّساءِ“ المَذْكُورَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، فَدَلَّتْ آيَةُ ”النِّساءِ“ هَذِهِ عَلى أنَّ الحُرَّ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ المَمْلُوكَةَ المُؤْمِنَةَ، إلّا إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ تَزْوِيجَ حُرَّةٍ لِعَدَمِ الطَّوْلِ عِنْدَهُ، وقَدْ خافَ الزِّنى فَلَهُ حِينَئِذٍ تَزَوُّجُ الأمَةِ بِإذْنِ أهْلِها المالِكِينَ لَها، ويَلْزَمُهُ دَفْعُ مَهْرِها، وهي مُؤْمِنَةٌ عَفِيفَةٌ لَيْسَتْ مِنَ الزّانِياتِ ولا مُتَّخِذاتِ الأخْدانِ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ فَصَبْرُهُ عَنْ تَزْوِيجِها خَيْرٌ لَهُ، وإذا كانَ الصَّبْرُ عَنْ تَزْوِيجِها مَعَ ما ذَكَرْنا مِنَ الِاضْطِرارِ خَيْرًا لَهُ فَمَعَ عَدَمِهِ أوْلى بِالمَنعِ، وبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ الصَّوابَ قَوْلُ الجُمْهُورِ مِن مَنعِ تَزْوِيجِ الحُرِّ الأمَةَ، إلّا بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، أيِ: الزِّنى إلى آخِرِ ما ذُكِرَ في الآيَةِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ بِجَوازِ نِكاحِها مُطْلَقًا، إلّا إذا تَزَوَّجَها عَلى حُرَّةٍ.
والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في آيَةِ ”النُّورِ“ هَذِهِ: وإمائِكم خَصَّصَتْ عُمُومَهُ آيَةُ ”النِّساءِ“ كَما أوْضَحْناهُ آنِفًا، والعُلَماءُ يَقُولُونَ: إنَّ عِلَّةَ مَنعِ تَزْوِيجِ الحُرِّ الأُمَّةَ، أنَّها إنْ ولَدَتْ مِنهُ كانَ ولَدُها مَمْلُوكًا؛ لِأنَّ كُلَّ ذاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُها بِمَنزِلَتِها، فَيَلْزَمُهُ ألّا يَتَسَبَّبَ في رِقِّ أوْلادِهِ ما اسْتَطاعَ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ كَما تَرى.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فِيهِ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُتَزَوِّجِ الفَقِيرِ مِنَ الأحْرارِ، والعَبِيدِ بِأنَّ اللَّهَ يُغْنِيهِ، واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الفُقَراءَ بِاليُسْرِ بَعْدَ ذَلِكَ العُسْرِ، وأنْجَزَ لَهم ذَلِكَ، وذَلِكم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، أيْ: ضُيِّقَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ إلى قَوْلِهِ (p-٥٣١)تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]، وهَذا الوَعْدُ مِنهُ - جَلَّ وعَلا - وعَدَ بِهِ مَنِ اتَّقاهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ٢ - ٣]، ووَعَدَ بِالرِّزْقِ أيْضًا مَن يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ ويَصْطَبِرُ عَلَيْها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢]، وقَدْ وعَدَ المُسْتَغْفِرِينَ بِالرِّزْقِ الكَثِيرِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ نُوحٍ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: فَقُلْتُ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ هُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٢]، وعَلى لِسانِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِما جَمِيعًا وسُلَّمَ -: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣] .
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِلرِّزْقِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٩٦]، ومِن بَرَكاتِ السَّماءِ المَطَرُ، ومِن بَرَكاتِ الأرْضِ النَّباتُ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦٦]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، أيْ: في الدُّنْيا؛ كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، وكَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ في جَزائِهِ في الآخِرَةِ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - وعَدَ بِالغِنى عِنْدَ التَّزْوِيجِ وعِنْدَ الطَّلاقِ.
أمّا التَّزْوِيجُ، فَفي قَوْلِهِ هُنا: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وَأمّا الطَّلاقُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٣٠]، والظّاهِرُ أنَّ المُتَزَوِّجَ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ بِالغِنى، هو الَّذِي يُرِيدُ بِتَزْوِيجِهِ الإعانَةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ بِغَضِّ البَصَرِ، وحِفْظِ الفَرْجِ؛ كَما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ”: «يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ»“ الحَدِيثَ، وإذا كانَ قَصْدُهُ بِالتَّزْوِيجِ طاعَةَ اللَّهِ بِغَضِّ البَصَرِ وحِفْظِ الفَرْجِ، فالوَعْدُ بِالغِنى إنَّما هو عَلى طاعَةِ اللَّهِ بِذَلِكَ.
(p-٥٣٢)وَقَدْ رَأيْتَ ما ذَكَرْنا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وعْدِ اللَّهِ بِالرِّزْقِ مَن أطاعَهُ سُبْحانَهُ - جَلَّ وعَلا - ما أكْرَمَهُ، فَإنَّهُ يَجْزِي بِالعَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما قالَهُ أهْلُ الظّاهِرِ مِن أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ مالَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى وصْفِ العَبِيدِ بِالفَقْرِ والغِنى، ولا يُطْلَقُ الغِنى إلّا عَلى مَن يَمْلِكُ المالَ الَّذِي بِهِ صارَ غَنِيًّا، ووَجْهُهُ قَوِيٌّ ولا يُنافِي أنَّ لِسَيِّدِهِ أنْ يَنْتَزِعَ مِنهم ذَلِكَ المالَ الَّذِي مَلَكَ لَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
24:33Page 354
وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣
But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
هَذا الِاسْتِعْفافُ المَأْمُورُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قِيلَ: غَفُورٌ لَهُنَّ، وقِيلَ: غَفُورٌ لَهم، وقِيلَ: غَفُورٌ لَهُنَّ ولَهم.
وَأظْهَرُها أنَّ المَعْنى غَفُورٌ لَهُنَّ لِأنَّ المُكْرَهَ لا يُؤاخَذُ بِما أُكْرِهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَغْفِرُهُ اللَّهُ لَهُ لِعُذْرِهِ بِالإكْراهِ؛ كَما يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠٦]، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ذَكَرَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم جَمِيعًا - .
وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنّا لا نُبَيِّنُ القُرْآنَ بِقِراءَةٍ شاذَّةٍ، ورُبَّما ذَكَرْنا القِراءَةَ الشّاذَّةَ اسْتِشْهادًا بِها لِقِراءَةٍ سَبْعِيَّةٍ كَما هُنا، فَزِيادَةُ لَفْظَةِ لَهُنَّ في قِراءَةِ مَن ذَكَرْنا اسْتِشْهادٌ بِقِراءَةٍ شاذَّةٍ لِبَيانٍ بِقِراءَةٍ غَيْرِ شاذَّةٍ أنَّ المَوْعُودَ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، هو المَعْذُورُ بِالإكْراهِ دُونَ المُكْرَهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ في فِعْلِهِ القَبِيحِ، وذَلِكَ بَيانُ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] .
(p-٥٣٣)وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنْ قُلْتَ لا حاجَةَ إلى تَعْلِيقِ المَغْفِرَةِ بِهِنَّ؛ لِأنَّ المُكْرَهَةَ عَلى الزِّنى، بِخِلافِ المُكْرِهِ عَلَيْهِ في أنَّها غَيْرُ آثِمَةٍ.
قُلْتُ: لَعَلَّ الإكْراهَ كانَ دُونَ ما اعْتَبَرَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِن إكْراهٍ بِقَتْلٍ، أوْ بِما يُخافُ مِنهُ التَّلَفُ، أوْ ذَهابُ العُضْوِ مِن ضَرْبٍ عَنِيفٍ أوْ غَيْرِهِ، حَتّى يَسْلَمَ مِنَ الإثْمِ، ورُبَّما قَصُرَتْ عَنِ الحَدِّ الَّذِي تَعَذَّرَ فِيهِ فَتَكُونُ آثِمَةً، انْتَهى مِنهُ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، لِأنَّ إسْقاطَ المُؤاخَذَةِ بِالإكْراهِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ غُفْرانٌ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعَبْدِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
24:34Page 354
وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤
And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ - جَلا وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أنْزَلَ إلَيْنا عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ آياتٍ مُبَيِّناتٍ، ويَدْخُلُ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا الآياتُ الَّتِي بُيِّنَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وأوْضَحَتْ في مَعانِي الأحْكامِ والحُدُودِ، ودَلِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ١] ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآياتِ المُبَيِّناتِ المُصَرَّحَ بِنُزُولِها في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، داخِلَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى هُنا ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ الآيَةَ.
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى هُنا ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ مَعْناهُ: أنْزَلْناها إلَيْكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ، أيْ: تَتَّعِظُونَ بِما فِيها مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والمَواعِظِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ فَقَدْ صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ مِن حِكَمِ إنْزالِها، أنْ يَتَذَكَّرَ النّاسُ، ويَتَّعِظُوا بِما فِيها، ويَدُلَّ لِذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١ - ٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آياتٍ، أيْ: أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ، وأنْزَلْنا إلَيْكم مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم.
(p-٥٣٤)قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ: ومَثَلًا مَعْطُوفٌ عَلى آياتٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ومَثَلًا مِن أمْثالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أيْ: قِصَّةً غَرِيبَةً مِن قِصَصِهِمْ كَقِصَّةِ يُوسُفَ، ومَرْيَمَ في بَراءَتِهِما.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَثَلًا مِن أمْثالِ مَن قَبْلَكم، أيْ: قِصَّةً عَجِيبَةً مِن قِصَصِهِمْ كَقِصَّةِ يُوسُفَ، ومَرْيَمَ يَعْنِي قِصَّةَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وما ذَكَرْنا عَنْ أبِي حَيّانَ والزَّمَخْشَرِيِّ ذِكْرَهُ غَيْرُهُما.
وَإيضاحُهُ: أنَّ المَعْنى: وأنْزَلْنا إلَيْكم مَثَلًا، أيْ: قِصَّةً عَجِيبَةً غَرِيبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وتِلْكَ القِصَّةُ العَجِيبَةُ مِن أمْثالِ ”الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم“، أيْ: مِن جِنْسِ قِصَصِهِمُ العَجِيبَةِ، وعَلى هَذا الَّذِي ذَكَرْنا فالمُرادُ بِالقِصَّةِ العَجِيبَةِ الَّتِي أنْزَلَ إلَيْنا، وعَبَّرَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ومَثَلًا هي بَراءَةُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مِمّا رَماها بِهِ أهْلُ الإفْكِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ [النور: ١١] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ الآيَةَ [النور: ٢٦]، فَقَدْ بَيَّنَ في الآياتِ العَشْرِ المُشارِ إلَيْها أنَّ أهْلَ الإفْكِ رَمَوْا عائِشَةَ، وأنَّ اللَّهَ بَرَّأها في كِتابِهِ مِمّا رَمَوْها بِهِ، وعَلى هَذا:
فَمِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِبَعْضِ أمْثالِ مَن قَبْلَنا قَوْلُهُ تَعالى في رَمْيِ امْرَأةِ العَزِيزِ يُوسُفَ بِأنَّهُ أرادَ بِها سُوءًا تَعْنِي الفاحِشَةَ قالَتْ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]؛ لِأنَّهم سَجَنُوهُ بِضْعَ سِنِينَ، بِدَعْوى أنَّهُ كانَ أرادَ الفاحِشَةَ مِنَ امْرَأةِ العَزِيزِ، وقَدْ بَرَّأهُ اللَّهُ مِن تِلْكَ الفِرْيَةِ الَّتِي افْتُرِيَتْ عَلَيْهِ بِإقْرارِ النِّسْوَةِ وامْرَأةِ العَزِيزِ نَفْسِها وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥١]، وقالَ تَعالى عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ في كَلامِها مَعَ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٣٢] .
فَقِصَّةُ يُوسُفَ هَذِهِ مَثَلٌ مِن أمْثالِ مَن قَبْلَنا؛ لِأنَّهُ رَمى بِإرادَةِ الفاحِشَةِ وبَرَّأهُ اللَّهُ مِن (p-٥٣٥)ذَلِكَ، والمَثَلُ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، شَبِيهٌ بِقِصَّةِ يُوسُفَ؛ لِأنَّهُ هو وعائِشَةُ كِلاهُما رُمِيَ بِما لا يَلِيقُ، وكِلاهُما بَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى، وبَراءَةُ كُلٍّ مِنهُما نَزَلَ بِها هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ، وإنْ كانَتْ بَراءَةُ يُوسُفَ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ بِإقْرارِ امْرَأةِ العَزِيزِ، والنِّسْوَةِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا بِشَهادَةِ الشّاهِدِ مِن أهْلِها، ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٢٦ - ٢٨] .
وَمِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِبَعْضِ أمْثالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِنا ما ذَكَّرَنا تَعالى عَنْ قَوْمِ مَرْيَمَ مِن أنَّهم رَمَوْها بِالفاحِشَةِ، لَمّا ولَدَتْ عِيسى مِن غَيْرِ زَوْجٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] يَعْنِي فاحِشَةَ الزِّنى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] يَعْنُونَ الفاحِشَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بَراءَتَها مِمّا رَمَوْها بِهِ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣٣] فَكَلامُ عِيسى، وهو رَضِيعٌ بِبَراءَتِها، يَدُلُّ عَلى أنَّها بَرِيئَةٌ، وقَدْ أوْضَحَ اللَّهُ بَراءَتَها مَعَ بَيانِ سَبَبِ حَمْلِها بِعِيسى، مِن غَيْرِ زَوْجٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ١٦ - ٢٢] إلى آخِرِ الآياتِ.
وَمِنَ الآياتِ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهِ فِيها بَراءَتَها قَوْلُهُ تَعالى في الأنْبِياءِ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وقَوْلُهُ تَعالى في التَّحْرِيمِ: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ .
فَهَذِهِ الآياتُ الَّتِي ذَكَرْنا الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَذْفِ يُوسُفَ وبَراءَتِهِ وقَذْفِ مَرْيَمَ وبَراءَتِها (p-٥٣٦)مِن أمْثالِ مَن قَبْلَنا فَهي ما يُبَيِّنُ بَعْضُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
والآياتُ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَذْفِ عائِشَةَ وبَراءَتِها بَيَّنَتِ المَثَلَ الَّذِي أُنْزِلُ إلَيْنا، وكَوْنُهُ مِن نَوْعِ أمْثالِ مَن قَبْلَنا واضِحٌ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن عائِشَةَ، ومَرْيَمَ، ويُوسُفَ رُمِيَ بِما لا يَلِيقُ، وكُلٌّ مِنهم بَرَّأهُ اللَّهُ، وقِصَّةُ كُلٍّ مِنهم عَجِيبَةٌ، ولِذا أُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ المَثَلِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و ”مَوْعِظَةً“ ما وُعِظَ بِهِ في الآياتِ والمَثَلِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٢]، ﴿وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٦]، ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ [النور: ١٧]، اهـ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، والظّاهِرُ أنَّ وجْهَ خُصُوصِ المَوْعِظَةِ بِالمُتَّقِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ أنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.
وَنَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] فَخَصَّ الإنْذارَ بِمَن ذَكَرَ في الآياتِ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ مَعَ أنَّهُ ﷺ في الحَقِيقَةِ مُنْذِرٌ لِجَمِيعِ النّاسِ كَما قالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وشُعْبَةُ بْنُ عاصِمٍ: مُبَيَّناتٍ بِفَتْحِ الياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ المُشَدَّدَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مُبَيِّناتٍ بِكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ: فَعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ بَيَّنَها، وأوْضَحَها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ مُبَيِّناتٍ بِكَسْرِ الياءِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فَفي مَعْنى الآيَةِ وجْهانِ مَعْرُوفًا.
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: مُبَيِّناتٍ: اسْمُ فاعِلِ بَيَّنَ المُتَعَدِّيَةِ وعَلَيْهِ فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مُبَيِّناتٍ الأحْكامَ والحُدُودَ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: مُبَيِّناتٍ: وصْفٌ مِن ”بَيَّنَ“ اللّازِمَةِ، وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وعَلَيْهِ (p-٥٣٧)فالمَعْنى آياتٌ مُبَيِّناتٌ أيْ بَيِّناتٌ واضِحاتٌ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ الأخِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها وأنْزَلْنا﴾ [النور: ١]، وذَكَرَ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأبُو حَيّانَ وغَيْرُهُما ومَثَّلُوا لِبَيَّنَ اللّازِمَةِ بِالمَثَلِ المَعْرُوفِ، وهو قَوْلُ العَرَبِ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: مِنَ المَعْرُوفِ في العَرَبِيَّةِ أنْ بَيَّنَ مُضَعَّفًا، وأبانَ كِلْتاهُما تَأْتِي مُتَعَدِّيَةً لِلْمَفْعُولِ ولازِمَةً، فَتَعَدِّي بَيَّنَ لِلْمَفْعُولِ مَشْهُورٌ واضِحٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ [آل عمران: ١١٨] وتَعَدِّي أبانَ لِلْمَفْعُولِ مَشْهُودٌ واضِحٌ أيْضًا كَقَوْلِهِمْ: أبانَ لَهُ الطَّرِيقَ، أيْ: بَيَّنَها لَهُ، وأوْضَحَها، وأمّا وُرُودُ بَيَّنَ لازِمَةً بِمَعْنى تَبَيَّنَ ووَضُحَ فَمِنهُ المَثَلُ المَذْكُورُ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ، أيْ: تَبَيَّنَ وظَهَرَ، ومِنهُ قَوْلُجَرِيرٍ:
؎وُجُوهُ مُجاشِعٍ طُلِيَتْ بِلُؤْمٍ يُبَيِّنُ في المُقَلَّدِ والعِذارِ
فَقَوْلُهُ: يُبَيِّنُ بِكَسْرِ الياءِ بِمَعْنى: يَظْهَرُ، ويَتَّضِحُ وقَوْلُ جَرِيرٍ أيْضًا:
؎رَأى النّاسُ البَصِيرَةَ فاسْتَقامُوا
؎وَبَيَّنَتِ المِراضَ مِنَ الصِّحاحِ ∗∗∗ .
وَمِنهُ أيْضًا قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ:
؎وَلِلْحُبِّ آياتٌ تُبَيِّنُ بِالفَتى ∗∗∗ شُحُوبٌ وتَعْرى مِن يَدَيْهِ الأشاجِعُ
عَلى الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ بِرَفْعِ ”شُحُوبٌ“ .
والمَعْنى: لِلْحُبِّ عَلاماتٌ تُبَيِّنُ بِالكَسْرِ، أيْ: تَظْهَرُ وتَتَّضِحُ بِالفَتى، وهي شُحُوبٌ إلَخْ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ هَذا البَيْتَ، فَقالَ: شُحُوبًا بِالنَّصْبِ، وعَلَيْهِ فَلا شاهِدَ في البَيْتِ؛ لِأنَّ شُحُوبًا عَلى هَذا مَفْعُولُ تُبَيِّنُ فَهو عَلى هَذا مِن بَيَّنَ المُتَعَدِّيَةِ، وأمّا وُرُودُ أبانَ لازِمَةً بِمَعْنى بانَ وظَهَرَ، فَهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ أيْضًا ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎إذا آباؤُنا وأبُوكَ عُدُّوا ∗∗∗ أبانَ المُقْرَفاتُ مِنَ العِرابِ
أيْ: ظَهَرَتِ المُقْرَفاتُ وتَبَيَّنَتْ، وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ:
؎لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضاحِي جِلْدِها ∗∗∗ لَأبانَ مِن آثارِهِنَّ حُدُودُ
أيْ: لَظَهَرَ وبانَ مِن آثارِهِنَّ حُدُودٌ، أيْ: ورَمٌ، وقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:(p-٥٣٨)
؎قَنْواءُ في حُرَّتَيْها لِلْبَصِيرِ بِها ∗∗∗ عِتْقٌ مُبِينٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ
فَقَوْلُهُ: مُبِينٌ وصْفٌ مِن أبانَتِ اللّازِمَةِ: أيْ عِتْقٌ بَيِّنٌ واضِحٌ، أيْ كَرَمٌ ظاهِرٌ.
24:35Page 354
۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥
Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences