Ash-ShinqitiAn‑Nur · 24:57–64

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:57–64

24:57Page 357

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧

Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ نَهى اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَحْسَبَ، أيْ: يُظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ، ومَفْعُولُ مُعَجِزِينَ مَحْذُوفٌ، أيْ: لا يَظُنُّهم مُعْجِزِينَ رَبَّهم، بَلْ قادِرٌ عَلى عَذابِهِمْ لا يَعْجِزُ عَنْ فِعْلِ ما أرادَ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٥٥)﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٢١ - ٢٢]،

• وقَوْلِهِ في ”الشُّورى“: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النور: ٥٧]، قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: لا يَحْسَبَنَّ بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأهُ باقِي السَّبْعَةِ: لا تَحْسَبَنَّ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِ السِّينِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها.

والحاصِلُ أنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ السِّينِ، وقِراءَةَ عاصِمٍ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وفَتْحِ السِّينِ، وقِراءَةَ الباقِينَ مِنَ السَّبْعَةِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ السِّينِ، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ مَعَ فَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها؛ لِأنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ: لا تَحْسَبَنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وقَوْلُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ: مُعَجِزِينَ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِـ: تَحْسَبَنَّ وأمّا عَلى قِراءَةِ: ولا يَحْسَبَنَّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، فَفي الآيَةِ إشْكالٌ مَعْرُوفٌ، وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ الجَوابَ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِ يَحْسَبَنَّ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أنْفُسُهم، و مُعَجِزِينَ مَفْعُولٌ ثانٍ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم مُعْجِزِينَ اللَّهَ في الأرْضِ، وعَزا هَذا القَوْلَ لِلزَّجّاجِ، والمَفْعُولُ المَحْذُوفُ قَدْ تَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، كَما لا يَخْفى، ومَفْعُولا الفِعْلِ القَلْبِيِّ يَجُوزُ حَذْفُهُما أوْ حَذْفُ أحَدِهِما إنْ قامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ كَما أشارَ لَهُ ابْنُ مالِكٍ في ”الخُلاصَةِ“، بِقَوْلِهِ:

؎وَلا تُجِزْ هُنا بِلا دَلِيلِ ∗∗∗ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أوْ مَفْعُولِ

وَمِثالُ حَذْفِ المَفْعُولَيْنِ مَعًا مَعَ قِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِما، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] أيْ: تَزْعُمُونَهم شُرَكائِي، وقَوْلُ الكُمَيْتِ:

؎بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسَبُ

(p-٥٥٦)أيْ: وتَحْسَبُ حُبَّهم عارًا عَلَيَّ، ومِثالُ حَذْفِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:

؎وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلا تَظُنِّي غَيْرَهُ ∗∗∗ مِنِّي بِمَنزِلَةِ المُحِبِّ المُكْرِمِ

أيْ: لا تَظُنِّي غَيْرَهُ واقِعًا.

الجَوابُ الثّانِي: أنَّ فاعِلَ يَحْسَبَنَّ النَّبِيُّ ﷺ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أيْ: لا يَحْسَبَنَّ مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ، وعَلى هَذا فَـ: الَّذِينَ كَفَرُوا مَفْعُولٌ أوَّلُ، و مُعَجِزِينَ مَفْعُولٌ ثانٍ، وعَزا هَذا القَوْلَ لِلْفَرّاءِ، وأبِي عَلِيٍّ.

الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وعَزا هَذا القَوْلَ لِعَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ، وهو كالَّذِي قَبْلَهُ، إلّا أنَّ الفاعِلَ في الأوَّلِ النَّبِيُّ ﷺ وفي الثّانِي الكافِرُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ لا يَحْسَبَنَّ بِالياءِ، وفِيهِ أوْجُهٌ أنْ يَكُونَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ.

والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ، حَتّى يَطْمَعُوا هم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، وأنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ الرَّسُولِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وأنْ يَكُونَ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ، ثُمَّ حُذِفَ الضَّمِيرُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكَأنَّ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ لِشَيْءٍ واحِدٍ، اقْتُنِعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، اهـ.

وَما ذَكَرَهُ النَّحّاسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُما مِن أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ: لا يَحْسَبَنَّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ خَطَأٌ أوْ لَحْنٌ، كَلامٌ ساقِطٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ سَبْعِيَّةٌ ثابِتَةٌ ثُبُوتًا لا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيهِ، وقَرَأ بِها مِنَ السَّبْعَةِ: ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ؛ كَما تَقَدَّمَ.

وَأظْهَرُ الأجْوِبَةِ عِنْدِي: أنَّ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ مُعَجِزِينَ والمَفْعُولُ الثّانِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: لا تَحْسَبَنَّ مُعْجِزِينَ اللَّهَ مَوْجُودِينَ أوْ كائِنِينَ في الأرْضِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

24:58Page 357

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨

O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.

No commentary for this ayah

24:59Page 358

وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩

And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allāh make clear to you His verses; and Allāh is Knowing and Wise.

No commentary for this ayah

24:60Page 358

وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٦٠

And women of post-menstrual age who have no desire for marriage - there is no blame upon them for putting aside their outer garments [but] not displaying adornment. But to modestly refrain [from that] is better for them. And Allāh is Hearing and Knowing.

No commentary for this ayah

24:61Page 358

لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦١

There is not upon the blind [any] constraint nor upon the lame constraint nor upon the ill constraint nor upon yourselves when you eat from your [own] houses or the houses of your fathers or the houses of your mothers or the houses of your brothers or the houses of your sisters or the houses of your father's brothers or the houses of your father's sisters or the houses of your mother's brothers or the houses of your mother's sisters or [from houses] whose keys you possess or [from the house] of your friend. There is no blame upon you whether you eat together or separately. But when you enter houses, give greetings of peace1 upon each other - a greeting from Allāh, blessed and good. Thus does Allāh make clear to you the verses [of ordinance] that you may understand.

No commentary for this ayah

24:62Page 359

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٢

The believers are only those who believe in Allāh and His Messenger and, when they are [meeting] with him for a matter of common interest, do not depart until they have asked his permission. Indeed, those who ask your permission, [O Muḥammad] - those are the ones who believe in Allāh and His Messenger. So when they ask your permission due to something of their affairs, then give permission to whom you will among them and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَهُ الإذْنُ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٣] يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ.

والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّهُ ﷺ لَهُ الإذْنُ لِمَن شاءَ مِن أصْحابِهِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ، كَصَلاةِ جُمُعَةٍ أوْ عِيدٍ أوْ جَماعَةٍ أوِ اجْتِماعٍ في مَشُورَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] .

وَأمّا الإذْنُ في خُصُوصِ التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، فَهو الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أنَّ الأوْلى فِيهِ ألّا يُبادِرَ بِالإذْنِ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الصّادِقُ في عُذْرِهِ مِنَ الكاذِبِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] .

فَظَهَرَ أنْ لا مُنافاةَ بَيْنَ الآياتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

24:63Page 359

لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣

Do not make [your] calling of the Messenger among yourselves as the call of one of you to another. Already Allāh knows those of you who slip away, concealed by others. So let those beware who dissent from his [i.e., the Prophet's] order,1 lest fitnah2 strike them or a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ لِأهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ، راجِعَةٌ إلى قَوْلَيْنِ:

(p-٥٥٦)أحَدُهُما: أنَّ المَصْدَرَ الَّذِي هو: دُعاءَ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وهو الرَّسُولُ ﷺ وعَلى هَذا فالرَّسُولُ مَدْعُوٌّ.

الثّانِي: أنَّ المَصْدَرَ المَذْكُورَ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، وهو الرَّسُولُ ﷺ وعَلى هَذا: فالرَّسُولُ داعٍ.

وَإيضاحُ مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، أنَّ المَعْنى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَكم إلى الرَّسُولِ إذا دَعَوْتُمُوهُ كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا، فَلا تَقُولُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ مُصَرِّحِينَ بِاسْمِهِ، ولا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَهُ كَما يَفْعَلُ بَعْضُكم مَعَ بَعْضٍ، بَلْ قُولُوا لَهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، يا رَسُولَ اللَّهِ، مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ احْتِرامًا لَهُ ﷺ .

وَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ الآيَةَ [الحجرات: ٢ - ٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٤ - ٥]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٤]،

وهَذا القَوْلُ في الآيَةِ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ؛ كَما ذَكَرَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ، وذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَهُ أيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ، ونَقَلَهُ أيْضًا عَنْ مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، ثُمَّ قالَ: إنَّ هَذا القَوْلَ هو الظّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِالآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا.

وَأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: وهو أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، فَفي المَعْنى وجْهانِ:

الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“ قالَ: إذا احْتاجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اجْتِماعِكم عِنْدَهُ لِأمْرٍ فَدَعاكم فَلا تَتَفَرَّقُوا عَنْهُ إلّا بِإذْنِهِ، ولا تَقِيسُوا دُعاءَهُ إيّاكم عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا، ورُجُوعِكم عَنِ المَجْمَعِ بِغَيْرِ إذْنِ الدّاعِي.

والوَجْهُ الثّانِي: هو ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، قالَ: والقَوْلُ الثّانِي في ذَلِكَ أنَّ المَعْنى في ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ أيْ: لا تَعْتَقِدُوا أنَّ دُعاءَهُ عَلى غَيْرِهِ كَدُعاءِ غَيْرِهِ، فَإنَّ دُعاءَهُ مُسْتَجابٌ، فاحْذَرُوا أنْ يَدْعُوَ عَلَيْكم، فَتَهْلِكُوا. (p-٥٥٨)حَكاهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -:

هَذا الوَجْهُ الأخِيرُ يَأْباهُ ظاهِرُ القُرْآنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، ولَوْ أرادَ دُعاءَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، لَقالَ: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، فَدُعاءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ودُعاءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مُتَغايِرانِ، كَما لا يَخْفى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَجْعَلُوا﴾ مِن جَعَلَ الَّتِي بِمَعْنى اعْتَقَدَ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ آنِفًا.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ أمْرِهِ﴾ راجِعٌ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى اللَّهِ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ الأمْرَ مِنَ اللَّهِ، والرَّسُولُ مُبَلِّغٌ عَنْهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: خالَفَ أمْرَهُ وخالَفَ عَنْ أمْرِهِ: وقالَ بَعْضُهم: يُخالِفُونَ: مُضَمَّنٌ مَعْنى يَصُدُّونَ، أيْ: يَصُدُّونَ عَنْ أمْرِهِ.

وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ قَدِ اسْتَدَلَّ بِها الأُصُولِيُّونَ عَلى أنَّ الأمْرَ المُجَرَّدَ عَنِ القَرائِنِ يَقْتَضِي الوُجُوبَ؛ لِأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - تَوَعَّدَ المُخالِفِينَ عَنْ أمْرِهِ بِالفِتْنَةِ أوِ العَذابِ الألِيمِ، وحَذَّرَهم مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، ما لَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ صارِفٌ؛ لِأنَّ غَيْرَ الواجِبِ لا يَسْتَوْجِبُ تَرْكُهُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ والتَّحْذِيرَ.

وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ اقْتِضاءِ الأمْرِ المُطْلَقِ الوُجُوبِ، دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] فَإنَّ قَوْلَهُ: ارْكَعُوا أمْرٌ مُطْلَقٌ، وذَمُّهُ تَعالى لِلَّذِينَ لَمْ يَمْتَثِلُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ امْتِثالَهُ واجِبٌ، وكَقَوْلِهِ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَإنْكارُهُ تَعالى عَلى إبْلِيسَ مُوَبِّخًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تارِكٌ واجِبًا. وأنَّ امْتِثالَ الأمْرِ واجِبٌ مَعَ أنَّ الأمْرَ المَذْكُورَ مُطْلَقٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وكَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، فَسَمّى مُخالَفَةَ الأمْرِ مَعْصِيَةً، وأمْرُهُ المَذْكُورُ مُطْلَقٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٥٩)﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وإطْلاقُ اسْمِ المَعْصِيَةِ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُخالِفَهُ عاصٍ، ولا يَكُونُ عاصِيًا إلّا بِتَرْكِ واجِبٍ، أوِ ارْتِكابِ مُحَرَّمٍ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ اللَّهِ، وأمْرَ رَسُولِهِ مانِعٌ مِنَ الِاخْتِيارِ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اقْتِضائِهِ الوُجُوبَ، كَما تَرى، وأشارَ إلى أنَّ مُخالَفَتَهُ مَعْصِيَةٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] .

واعْلَمْ أنَّ اللُّغَةَ تَدُلُّ عَلى اقْتِضاءِ الأمْرِ المُطْلَقِ الوُجُوبِ، بِدَلِيلِ أنَّ السَّيِّدَ لَوْ قالَ لِعَبْدِهِ: اسْقِنِي ماءً مَثَلًا، ولَمْ يَمْتَثِلِ العَبْدُ أمْرَ سَيِّدِهِ فَعاقَبَهُ السَّيِّدُ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ عِقابُكَ لِي ظُلْمٌ؛ لِأنَّ صِيغَةَ الأمْرِ في قَوْلِكَ: اسْقِنِي ماءً لَمْ تُوجِبْ عَلَيَّ الِامْتِثالَ، فَقَدْ عاقَبْتَنِي عَلى تَرْكِ ما لا يَلْزَمُنِي، بَلْ يُفْهَمُ مِن نَفْسِ الصِّيغَةِ أنَّ الِامْتِثالَ يَلْزَمُهُ، وأنَّ العِقابَ عَلى عَدَمِ الِامْتِثالِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ، والفِتْنَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ قِيلَ: هي القَتْلُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: الزَّلازِلُ والأهْوالُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ، وقِيلَ: السُّلْطانُ الجائِرُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قالَ بَعْضُهم: هي الطَّبْعُ عَلى القُلُوبِ بِسَبَبِ شُؤْمِ مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: فِتْنَةٌ مِحْنَةٌ في الدُّنْيا ﴿أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ دَلَّ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ العَظِيمِ أنَّ الفِتْنَةَ فِيهِ أُطْلِقَتْ عَلى أرْبَعَةِ مَعانٍ:

الأوَّلُ: أنْ يُرادَ بِها الإحْراقُ بِالنّارِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الآيَةَ [البروج: ١٠]، أيْ: أحْرَقُوهم بِنارِ الأُخْدُودِ عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ.

الثّانِي وهو أشْهَرُها: إطْلاقُ الفِتْنَةِ عَلى الِاخْتِبارِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٣٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٦ - ١٧] .

والثّالِثُ: إطْلاقُ الفِتْنَةِ عَلى نَتِيجَةِ الِاخْتِيارِ إنْ كانَتْ سَيِّئَةً؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وفي ”الأنْفالِ“: (p-٥٦٠)﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: حَتّى لا يَبْقى شِرْكٌ عَلى أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ الدِّينَ لا يَكُونُ كُلُّهُ لِلَّهِ حَتّى لا يَبْقى شِرْكٌ، كَما تَرى. ويُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ ”: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»“، كَما لا يَخْفى.

والرّابِعُ: إطْلاقُ الفِتْنَةِ عَلى الحُجَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، أيْ: لَمْ تَكُنْ حُجَّتُهم، كَما قالَ بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ.

والأظْهَرُ عِنْدِي: أنَّ الفِتْنَةَ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ أنَّهُ مِنَ النَّوْعِ الثّالِثِ مِنَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ.

وَأنَّ مَعْناهُ أنْ يَفْتِنَهُمُ اللَّهُ، أيْ: يَزِيدَهم ضَلالًا بِسَبَبِ مُخالَفَتِهِمْ عَنْ أمْرِهِ، وأمْرِ رَسُولِهِ ﷺ .

وَهَذا المَعْنى تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛

• كَقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٥]،

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

24:64Page 359

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ وَيَوۡمَ يُرۡجَعُونَ إِلَيۡهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ٦٤

Unquestionably, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. Already He knows that upon which you [stand]1 and [knows] the Day2 when they will be returned to Him and He will inform them of what they have done. And Allāh is Knowing of all things.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَعْلَمُ ما عَلَيْهِ خَلْقُهُ، أيْ: مِنَ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ، جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أيْ: هو شَهِيدٌ عَلى عِبادِهِ بِما هم فاعِلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

• وقَوْلِهِ (p-٥٦١)تَعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَفِي هَذِهِ الآياتِ وما في مَعْناها أحْسَنُ وعْدٍ لِلْمُطِيعِينَ، وأشَدُّ وعِيدٍ لِلْعُصاةِ المُجْرِمِينَ، ولَفْظَةُ قَدْ في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لِلتَّحْقِيقِ، وإتْيانُ قَدْ لِلتَّحْقِيقِ مَعَ المُضارِعِ كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ العَظِيمِ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ [النور: ٦٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ١٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٤٤] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِظَرْفٍ، بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ الَّذِي هو ما مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: ويَعْلَمُ يَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يُنَبِّئُ الخَلائِقَ بِكُلِّ ما عَمِلُوا، أيْ: يُخْبِرُهم بِهِ ثُمَّ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.

وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِهِ - جَلَّ وعَلا - يُخْبِرُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلُوا جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском