Ash-ShinqitiAl‑Furqan · 25:7–12

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:7–12

25:7Page 360

وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧

And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا في نَبِيِّنا ﷺ: ما لِهَذا الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ، وذَلِكَ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ في مُوسى: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] أيْ: ما لَهُ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَما نَأْكُلُهُ، فَهو مُحْتاجٌ إلى الأكْلِ كاحْتِياجِنا إلَيْهِ، ويَمْشِي في الأسْواقِ أيْ لِاحْتِياجِهِ إلى البَيْعِ والشِّراءِ، لِيُحَصِّلَ بِذَلِكَ قُوتَهُ، يَعْنُونَ أنَّهُ لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَكانَ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ لا يَحْتاجُ إلى الطَّعامِ، ولا إلى المَشْيِ في الأسْواقِ، وادِّعاءُ الكَفّارِ أنَّ الَّذِي يَأْكُلُ كَما يَأْكُلُ النّاسُ، ويَحْتاجُ إلى المَشْيِ في الأسْواقِ، لِقَضاءِ حاجَتِهِ مِنها، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ رسولًا، وأنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ إلّا مَلَكًا لا يَحْتاجُ لِلطَّعامِ ولا لِلْمَشْيِ في الأسْواقِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وجاءَ في آياتٍ أيْضًا تَكْذِيبُ الكُفّارِ في دَعْواهم هَذِهِ الباطِلَةِ.

(p-١٨)فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى قَوْلِهِمْ مِثْلَ ما ذُكِرَ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] وقَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٤٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ الآيَةَ [القمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ الآيَةَ [التغابن: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [إبراهيم: ١٠] . ومِنَ الآياتِ الَّتِي كَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِها في دَعْواهم هَذِهِ الباطِلَةِ، وبَيَّنَ فِيها أنَّ الرُّسُلَ يَأْكُلُونَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ويَتَزَوَّجُونَ ويُولَدُ لَهم، وأنَّهم مِن جُمْلَةِ البَشَرِ، إلّا أنَّهُ فَضَّلَهم بِوَحْيِهِ ورِسالَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ أرْسَلَ لِلْبَشَرِ مَلَكًا لَجَعَلَهُ رَجُلًا، وأنَّهُ لَوْ كانَتْ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ، لَنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مَلَكًا رَسُولًا، لِأنَّ المُرْسَلَ مِن جِنْسِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] أيْ ولَمْ نَجْعَلْهم مَلائِكَةً، لِأنَّ كَوْنَهم رِجالًا وكَوْنَهم مِن أهْلِ القُرى، صَرِيحٌ في أنَّهم لَيْسُوا مَلائِكَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] وقَدْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ: إنَّهُ بَشَرٌ، وإنَّهُ رَسُولٌ. وذَلِكَ لِأنَّ البَشَرِيَّةَ لا تُنافِي الرِّسالَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٦] . وبَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ الرُّسُلَ قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَمْشِي في الأسْواقِ﴾ (p-١٩)[الفرقان: ٧]

جَمْعُ سُوقٍ وهي مُؤَنَّثَةٌ، وقَدْ تُذَكَّرُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ .

اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ لَوْلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَرْفُ تَحْضِيضٍ عَلى التَّحْقِيقِ، والتَّحْضِيضُ. هو الطَّلَبُ بِحَثٍّ وشِدَّةٍ، وإلَيْهِ أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وَبِهِما التَّحْضِيضُ مِزْ وهَلّا ألّا ألا وأوْلِيَنْها الفِعْلا

وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ المُضارِعَ في قَوْلِهِ: فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا مَنصُوبٌ بِأنْ مُسْتَتِرَةٍ وُجُوبًا، لِأنَّ الفاءَ في جَوابِ الطَّلَبِ المَحْضِ الَّذِي هو التَّحْضِيضُ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وَبَعْدَ فا جَوابُ نَفْيٍ أوْ طَلَبْ ∗∗∗ مَحْضَيْنِ أنْ وسَتْرُها حَتْمٌ نَصَبْ

وَنَظِيرُ هَذا مِنَ النَّصْبِ بِأنِ المُسْتَتِرَةِ بَعْدَ الفاءِ الَّتِي هي جَوابُ التَّحْضِيضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] لِأنَّ قَوْلَهُ: لَوْلا أخَّرْتَنِي طَلَبٌ مِنهُ لِلتَّأْخِيرِ بَحَثٍّ وشِدَّةٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّحْضِيضِ الَّذِي هو لَوْلا، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَوْلا تَعُوجِينَ يا سَلْمى عَلى دَنَفٍ ∗∗∗ فَتُخْمِدِي نارَ وجْدٍ كادَ يُفْنِيهِ

فَقَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَأصَّدَّقَ بِالنَّصْبِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: فَتُخْمِدِي مَنصُوبٌ أيْضًا، بِحَذْفِ النُّونِ، لِأنَّ الفاءَ في جَوابِ الطَّلَبِ المَحْضِ الَّذِي هو التَّحْضِيضُ.

واعْلَمْ أنَّ جَزْمَ الفِعْلِ المَعْطُوفِ عَلى الفِعْلِ المَنصُوبِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ إنَّما ساغَ فِيهِ الجَزْمُ، لِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّ الفاءَ لَوْ حُذِفَتْ مَعَ قَصْدِ جَوابِ التَّحْضِيضِ لَجُزِمَ الفِعْلُ، وجَوازُ الجَزْمِ المَذْكُورِ عِنْدَ الحَذْفِ المَذْكُورِ، هو الَّذِي سَوَّغَ عَطْفَ المَجْزُومِ عَلى المَنصُوبِ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْيِ جَزْمًا اعْتُمِدْ ∗∗∗ إنْ تُسْقِطِ الفا والجَزاءُ قَدْ قُصِدْ

وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، وأشارَ لَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ لَوْلا في الآيَةِ لِلِاسْتِفْهامِ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ.

(p-٢٠)واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ اقْتَرَحُوا بِحَثٍّ وشِدَّةٍ عَلَيْهِ ﷺ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: أنْ يَنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أيْ يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّدْقِ، ويُعِينُهُ عَلى التَّبْلِيغِ.

الثّانِي: أنْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ، أيْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ المالِ يُنْفِقُ مِنهُ ويَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ المَشْيِ في الأسْواقِ.

الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها، والجَنَّةُ في لُغَةِ العَرَبِ البُسْتانُ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎كَأنَّ عَيْنِيَ في غَرْبِي مُقَتَّلَةٌ ∗∗∗ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحْقًا

فَقَوْلُهُ: تَسْقِي جَنَّةً أيْ بُسْتانًا، وقَوْلُهُ: سُحْقًا يَعْنِي أنَّ نَخْلَهُ طِوالٌ.

وَهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي اقْتَرَحَها الكُفّارُ وطَلَبُوها بِشِدَّةٍ وحَثٍّ، تَعَنُّتًا مِنهم وعِنادًا، جاءَتْ مُبَيَّنَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَبَيَّنَ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ هُودٍ اقْتِراحَهم لِنُزُولِ الكَنْزِ، ومَجِيءِ المَلَكِ مَعَهُ، وأنَّ ذَلِكَ العِنادَ والتَّعَنُّتَ قَدْ يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ ﷺ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] وبَيَّنَ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ اقْتِراحَهُمُ الجَنَّةَ، وأوْضَحَ أنَّهم يَعْنُونَ بِها بُسْتانًا مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩١] واقْتِراحُهم هَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ فِرْعَوْنَ في مُوسى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] تَشابَهَتْ قُلُوبُهم فَتَشابَهَتْ أقْوالُهم.

وَقَدْ قَدَّمْنا في الكَلامِ عَلى آيَةِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، هَذِهِ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى كَثْرَةِ اقْتِراحِ الكُفّارِ وشِدَّةِ تَعَنُّتِهِمْ وعِنادِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ فَعَلَ لَهم كُلَّ ما اقْتَرَحُوا لَما آمَنُوا كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ (p-٢١)الآيَةَ [الأنعام: ١١١] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٦ - ٩٧] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ.

وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ آيَةِ الفُرْقانِ هَذِهِ: يَأْكُلُ الطَّعامَ كَما نَأْكُلُ، ويَتَرَدَّدُ في الأسْواقِ كَما نَتَرَدَّدُ. يَعْنُونَ أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأكْلِ والتَّعَيُّشِ، ثُمَّ نَزَلُوا عَنِ اقْتِراحِهِمْ أنْ يَكُونَ مَلَكًا إلى اقْتِراحِ أنْ يَكُونَ إنسانًا مَعَهُ مَلَكٌ، حَتّى يَتَساعَدا في الإنْذارِ والتَّخْوِيفِ، ثُمَّ نَزَلُوا أيْضًا فَقالُوا: إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْفُودًا بِذَلِكَ، فَلْيُكَنْ مَرْفُودًا بِكَنْزٍ يُلْقى إلَيْهِ مِنَ السَّماءِ يَسْتَظْهِرُ بِهِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَحْصِيلِ المَعاشِ، ثُمَّ نَزَلُوا فاقْتَنَعُوا بِأنْ يَكُونَ لَهُ بُسْتانٌ يَأْكُلُ مِنهُ، ويَرْتَزِقُ كالدَّهاقِينِ أوْ يَأْكُلُونَ هم مِن ذَلِكَ البُسْتانِ، فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ في دُنْياهم ومَعاشِهِمْ. انْتَهى مِنهُ، وكُلُّ تِلْكَ الِاقْتِراحاتِ لِشِدَّةِ تَعَنُّتِهِمْ وعِنادِهِمْ. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ (يَأْكُلُ مِنها) بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (جَنَّةٌ نَأْكُلُ مِنها) بِالنُّونِ، وهَذِهِ القِراءَةُ هي مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ: أوْ يَأْكُلُونَ هم مِن ذَلِكَ البُسْتانِ.

25:8Page 360

أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨

Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الظّالِمِينَ وهُمُ الكُفّارُ قالُوا لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ ﷺ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ يَعْنُونَ أنَّهُ أثَّرَ فِيهِ السِّحْرُ فاخْتَلَطَ عَقْلُهُ فالتَبَسَ عَلَيْهِ أمْرُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَسْحُورًا: أيْ مَخْدُوعًا كَقَوْلِهِ: فَأنّى تُسْحَرُونَ: أيْ مِن أيْنَ تُخْدَعُونَ، وقالَ بَعْضُهم: مَسْحُورًا: أيْ لَهُ سِحْرٌ، أيْ رِئَةٌ فَهو لا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَهو بَشَرٌ مِثْلُكم، ولَيْسَ بِمَلَكٍ، وقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ: مَسْحُورًا بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ طَهَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذا الَّذِي قالَهُ الكُفّارُ في نَبِيِّهِ ﷺ، مِنَ الإفْكِ والبُهْتانِ خاطَبَ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلًا﴾، وما قالَهُ الكُفّارُ في هَذِهِ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهم: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ وما قالَهُ الكُفّارُ في هَذِهِ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ الآيَةَ. جاءَ كُلُّهُ مُصَرَّحًا بِهِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿(p-٢٢)نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧ - ٤٨] .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ: قالُوا فِيكَ تِلْكَ الأقْوالَ، واقْتَرَحُوا لَكَ تِلْكَ الصِّفاتِ والأحْوالَ النّادِرَةَ مِن نُبُوَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ إنْسانٍ ومَلَكٍ، وإلْقاءِ كَنْزٍ عَلَيْكَ مِنَ السَّماءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَبَقَوْا مُتَحَيِّرِينَ ضُلّالًا لا يَجِدُونَ قولًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ، أوْ فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ، فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا إلَيْهِ ا ه.

والأظْهَرُ عِنْدِي في مَعْنى الآيَةِ ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أنَّ مَعْنى: ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ: أنَّها تارَةً يَقُولُونَ إنَّكَ ساحِرٌ، وتارَةً مَسْحُورٌ، وتارَةً مَجْنُونٌ، وتارَةً شاعِرٌ، وتارَةً كاهِنٌ، وتارَةً كَذّابٌ، ومِن ذَلِكَ ما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم مِن قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: فَضَلُّوا أيْ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، لِأنَّ الأقْوالَ الَّتِي قالُوها، والأمْثالَ الَّتِي ضَرَبُوها كُلَّها كَذِبٌ وافْتِراءٌ وكُفْرٌ مُخَلِّدٌ في نارِ جَهَنَّمَ، فالَّذِينَ قالُوها هم أضَلُّ الضّالِّينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ فِيهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ مُتَقارِبَةٌ.

وَأظْهَرُها أنَّ مَعْنى: فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا: أيْ طَرِيقًا إلى الحَقِّ والصَّوابِ، ونَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ المَذْكُورَةِ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] وقَدْ قَدَّمْنا أيْضًا مَعْنى الظُّلْمِ والضَّلالِ وما فِيهِما مِنَ الإطْلاقاتِ في اللُّغَةِ مَعَ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

25:9Page 360

ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩

Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.

No commentary for this ayah

25:10Page 360

تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠

Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.

No commentary for this ayah

25:11Page 360

بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١

But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ أيْ أنْكَرُوا القِيامَةَ مِن أصْلِها لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ والجَزاءِ، وأنَّهُ جَلَّ وعَلا اعْتَدَّ أيْ هَيَّأ وأعَدَّ لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ: أيْ أنْكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ سَعِيرًا: أيْ نارًا شَدِيدَةَ الحَرِّ يُعَذِّبُهُ بِها يَوْمَ القِيامَةِ.

(p-٢٣)وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكْذِيبَ بِالسّاعَةِ كُفْرٌ مُسْتَوْجِبٌ لِنارِ جَهَنَّمَ، كَما سَتَرى الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وهَذانِ الأمْرانِ المَذْكُورانِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وهُما تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ، ووَعِيدُ اللَّهِ لِمَن كَذَّبَ بِها بِالسَّعِيرِ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في آياتٍ أُخَرَ، أمّا تَكْذِيبُهم بِيَوْمِ القِيامَةِ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ بَعْدَ المَوْتِ، فَقَدْ جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ عَنْ طَوائِفِ الكُفّارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٤ - ٣٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَأمّا كُفْرُ مَن كَذَّبَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ووَعِيدِهِ بِالنّارِ، فَقَدْ جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤] فَقَوْلُهُ: ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ الآيَةَ، يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهم: ما نَدْرِي ما السّاعَةُ هو سَبَبُ كَوْنِ النّارِ مَأْواهم، وقَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥] لا يُنافِي ذَلِكَ؛ لِأنَّ مِنِ اتِّخاذِهِمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا تَكْذِيبَهم بِالسّاعَةِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ كَما لا يَخْفى، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الرعد: ١٥] فَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن سُورَةِ الرَّعْدِ أنَّ إنْكارَهُمُ البَعْثَ الَّذِي عَبَّرُوا عَنْهُ بِاسْتِفْهامِ الإنْكارِ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ جامِعٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما: أنَّهُ عَجَبٌ مِنَ العَجَبِ لِكَثْرَةِ البَراهِينِ القَطْعِيَّةِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى ما أنْكَرُوهُ.

والثّانِي مِنهُما: وهو مَحَلُّ الشّاهِدِ مِنَ الآيَةِ، أنَّ إنْكارَهُمُ البَعْثَ المَذْكُورَ كُفْرٌ مُسْتَوْجِبٌ لِلنّارِ وأغْلالِها والخُلُودِ فِيها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى مُشِيرًا إلى الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥] ومَعْلُومٌ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ إنْكارٌ لِلسّاعَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿(p-٢٤)فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ [طه: ١٦] أيْ لا يَصُدَّنَكَ مَن لا يُؤْمِنُ بِالسّاعَةِ عَنِ الإيمانِ بِها، فَتَرْدى: أيْ تَهْلِكُ لِعَدَمِ إيمانِكَ بِها، والرَّدى الهَلاكُ، وهو هُنا عَذابُ النّارِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِالسّاعَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ ”طَهَ“ هَذِهِ: (فَتَرْدى)، يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهُ إنْ صَدَّهُ مَن لا يُؤْمِنُ بِالسّاعَةِ عَنِ التَّصْدِيقِ بِها، أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِرَداهُ أيْ هَلاكِهِ بِعَذابِ النّارِ كَما لا يَخْفى، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ فَآيَةُ الرُّومِ هَذِهِ، تَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ مَعْدُودُونَ مَعَ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ، وأنَّهم في العَذابِ مُحْضَرُونَ. وهو عَذابُ النّارِ. والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ [الفرقان: ١١] أظْهَرُ الأقْوالِ فِيهِ عِنْدِي أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما يَلِيهِ، وأنَّ بَلْ فِيهِ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، وقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى السَّعِيرِ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

25:12Page 361

إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢

When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا رَأتِ الكُفّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ: أيْ في عَرَصاتِ المَحْشَرِ اشْتَدَّ غَيْظُها عَلى مَن كَفَرَ بِرَبِّها وعَلا زَفِيرُها فَسَمِعَ الكُفّارُ صَوْتَها مِن شِدَّةِ غَيْظِها، وسَمِعُوا زَفِيرَها.

وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَّنَ بَعْضَهُ في سُورَةِ المُلْكِ، فَأوْضَحَ فِيها شِدَّةَ غَيْظِها عَلى مَن كَفَرَ بِرَبِّها، وأنَّهم يَسْمَعُونَ لَها أيْضًا شَهِيقًا مَعَ الزَّفِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ في آيَةِ الفُرْقانِ هَذِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٧ - ٨] أيْ يَكادُ بَعْضُها يَنْفَصِلُ عَنْ بَعْضٍ مِن شِدَّةِ غَيْظِها، عَلى مَن كَفَرَ بِاللَّهِ تَعالى.

وَلِلْعُلَماءِ أقْوالٌ في مَعْنى الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأقْرَبُها أنَّهُما يُمَثِّلُهُما مَعًا صَوْتُ الحِمارِ في نَهِيقِهِ، فَأوَّلُهُ زَفِيرٌ، وآخِرُهُ الَّذِي يُرَدِّدُهُ في صَدْرِهِ شَهِيقٌ.

والأظْهَرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا﴾ أيْ سَمِعُوا غَلَيانَها مِن شِدَّةِ غَيْظِها، ولَمّا كانَ سَبَبُ الغَلَيانِ التَّغَيُّظَ أطْلَقَهُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ. وقالَ (p-٢٥)بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا: أيْ أدْرَكُوهُ، والإدْراكُ يَشْمَلُ الرُّؤْيَةَ والسَّمْعَ، وعَلى هَذا فالسَّمْعُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإدْراكِ، وما ذَكَرْنا أظْهَرُ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ: قِيلَ المَعْنى إذا رَأتْهم جَهَنَّمُ سَمِعُوا لَها صَوْتَ التَّغَيُّظِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ في آخِرِ كَلامِهِ أنَّ هَذا القَوْلَ هو الأصَحُّ.

* *

مَسْألَةٌ.

اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ النّارَ تُبْصِرُ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما صَرَّحَ اللَّهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ورُؤْيَتُها إيّاهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، تَدُلُّ عَلى حِدَّةِ بَصَرِها كَما لا يَخْفى، كَما أنَّ النّارَ تَتَكَلَّمُ كَما صَرَّحَ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، كَحَدِيثِ مُحاجَّةِ النّارِ مَعَ الجَنَّةِ، وكَحَدِيثِ اشْتِكائِها إلى رَبِّها، فَأذِنَ لَها في نَفْسَيْنِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، ويَكْفِي في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّها تَراهم وأنَّ لَها تَغَيُّظًا عَلى الكُفّارِ، وأنَّها تَقُولُ: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ ما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرِهِمْ، مِنَ المُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ مِن أنَّ النّارَ لا تُبْصِرُ، ولا تَتَكَلَّمُ، ولا تَغْتاظُ. وأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن قَبِيلِ المَجازِ، أوْ أنَّ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ خَزَنَتُها، كُلُّهُ باطِلٌ ولا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ لِمُخالَفَتِهِ نُصُوصَ الوَحْيِ الصَّحِيحَةَ بِلا مُسْتَنَدٍ، والحَقُّ هو ما ذَكَرْنا.

وَقَدْ أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ النُّصُوصَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، لا يَجُوزُ صَرْفُها عَنْ ظاهِرِها إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ النّارَ تَراهم هو الأصَحُّ، ثُمَّ قالَ لِما رُوِيَ مَرْفُوعًا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَلَها عَيْنانِ ؟ قالَ: أوَما سَمِعْتُمُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ: إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا، يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النّارِ لَهُ عَيْنانِ تُبْصِرانِ ولِسانٌ يَنْطِقُ فَيَقُولُ: وُكِّلْتُ بِكُلِّ مَن جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، فَهو أبْصَرُ بِهِمْ مِنَ الطَّيْرِ بِحَبِّ السِّمْسِمِ فَيَلْتَقِطُهُ» وفي رِوايَةٍ «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النّارِ فَيَلْتَقِطُ الكُفّارَ لَقْطَ الطّائِرِ حَبَّ السِّمْسِمِ» ذَكَرَهُ رَزِينٌ في كِتابِهِ، وصَحَّحَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ في قَبَسِهِ، وقالَ: أيْ تَفْصِلُهم عَنِ (p-٢٦)الخَلْقِ في المَعْرِفَةِ، كَما يَفْصِلُ الطّائِرُ حَبَّ السِّمْسِمِ عَنِ التُّرْبَةِ، وخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ لَهُ عَيْنانِ تُبْصِرانِ وأُذُنانِ تَسْمَعانِ ولِسانٌ يَنْطِقُ فَيَقُولُ: إنِّي وُكِّلْتُ بِثَلاثٍ: بِكُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وبِكُلِّ مَن دَعا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وبِالمُصَوِّرِينَ» وفي البابِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ.

وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدًا مِن بَيْنِ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وهَلْ لِجَهَنَّمَ مِن عَيْنٍ ؟ قالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ. فَهَلْ تَراهم إلّا بِعَيْنَيْنِ» وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ خالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَن يَقُلْ عَلَيَّ ما لَمْ أقُلْ، أوِ ادَّعى إلى غَيْرِ والِدَيْهِ، أوِ انْتَمى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وهَلْ لَها مِن عَيْنَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾» إلى آخِرِ كَلامِهِ، وفِيهِ شِدَّةُ هَوْلِ النّارِ، وأنَّها تَزْفِرُ زَفْرَةً يَخافُ مِنها جَمِيعُ الخَلائِقِ.

نَرْجُو اللَّهَ جَلَّ وعَلا أنْ يُعِيذَنا وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها، ومِن كُلِّ ما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском