Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:13–20
25:13Page 361
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣
And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإَذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أهْلَ النّارِ إذا أُلْقُوا: أيْ طُرِحُوا في مَكانٍ ضَيِّقٍ مِنَ النّارِ، في حالِ كَوْنِهِمْ مُقَرَّنِينَ، دَعَوْا هُنالِكَ: أيْ في ذَلِكَ المَكانِ الضَّيِّقِ ثُبُورًا، فَيُقالُ لَهم: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، فَقَوْلُهُ: (مَكانًا) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، كَما قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ.
وَما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهم يُلْقَوْنَ في مَكانٍ ضَيِّقٍ مِنَ النّارِ، جاءَ مَذْكُورًا أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٨ - ٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ١٩ - (p-٢٧)٢٠] ومَعْنى مُؤْصَدَةٌ في المَوْضِعَيْنِ بِهَمْزٍ، وبِغَيْرِ هَمْزٍ: مُطْبَقَةٌ أبْوابُها، مُغَلَّقَةٌ عَلَيْهِمْ كَما أوْضَحْناهُ بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ الكَهْفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] ومَن كانَ في مَكانٍ مُطْبَقٍ مُغَلَّقٍ عَلَيْهِ، فَهو في مَكانٍ ضَيِّقٍ، والعِياذُ بِاللَّهِ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الواحِدَ مِنهم يُجْعَلُ في مَحَلِّهِ مِنَ النّارِ بِشِدَّةٍ كَما يُدَقُّ الوَتَدُ في الحائِطِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ جَهَنَّمَ تَضِيقُ عَلى الكافِرِ كَتَضْيِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ. والزُّجُّ بِالضَّمِّ: الحَدِيدَةُ الَّتِي في أسْفَلِ الرُّمْحِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مُقَرَّنِينَ: أيْ في الأصْفادِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩] والأصْفادُ: القُيُودُ. والأظْهَرُ أنَّ مَعْنى مُقَرَّنِينَ: أنَّ الكُفّارَ يُقْرَنُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ في الأصْفادِ والسَّلاسِلِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: كُلُّ كافِرٍ يُقْرَنُ هو وشَيْطانُهُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] .
وَهَذا أظْهَرُ مِن قَوْلِ مَن قالَ: مُقَرَّنِينَ مُكَتَّفِينَ، ومِن قَوْلِ مَن قالَ: مُقَرَّنِينَ: أيْ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ في الأغْلالِ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ والوَيْلُ والخُسْرانُ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والأظْهَرُ أنَّ الثُّبُورَ يَجْمَعُ الخَسارَ والهَلاكَ والوَيْلَ والدَّمارَ. كَما قالَ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: ﴿وَإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] أيْ هالِكًا، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى السَّهْمِيُّ:
؎إذا جارى الشَّيْطانَ في سُنَنِ الغَسَـ ـى ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
ا هـ.
وَقالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: والثُّبُورُ الهَلاكُ والخُسْرانُ أيْضًا، قالَ الكُمَيْتُ:
؎وَرَأتْ قُضاعَةُ في الأيا ∗∗∗ مِنِ رَأْيَ مَثْبُورٍ وثابِرِ
أيْ مَخْسُورٍ وخاسِرٍ يَعْنِي في انْتِسابِها لِلْيَمَنِ. ا هـ مِنهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ مَعْنى دُعائِهِمُ الثُّبُورَ هو قَوْلُهم: واثُبُوراهُ، يَعْنُونَ: يا ويْلَ، ويا هَلاكَ، تَعالَ، فَهَذا حِينُكَ وزَمانُكَ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا أنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورُكم فِيهِ واحِدًا، إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ، إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ، كُلُّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ، لِشِدَّتِهِ (p-٢٨)وَفَظاعَتِهِ، أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا غَيْرَها، فَلا غايَةَ لِهَلاكِهِمْ. ا ه.
* *
تَنْبِيهٌ.
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قالَ: مَكانًا ضَيِّقًا، وكَذَلِكَ في الأنْعامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقالَ في هُودٍ ﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] فَما وجْهُ التَّعْبِيرِ في سُورَةِ هُودٍ، بِقَوْلِهِ: ضائِقٌ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وفي الفُرْقانِ والأنْعامِ بِقَوْلِهِ: ضَيِّقًا عَلى وزْنٍ فَيْعِلٍ، مَعَ أنَّهُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ هو الوَصْفُ مِن ضاقَ يَضِيقُ، فَهو ضَيِّقٌ.
والجَوابُ عَنْ هَذا هو أنَّهُ تَقَرَّرَ في فَنِّ الصَّرْفِ أنَّ جَمِيعَ أوْزانِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الفاعِلِ إنْ قُصِدَ بِها الحُدُوثُ والتَّجَدُّدُ جاءَتْ عَلى وزْنِ فاعِلٍ مُطْلَقًا، كَما أشارَ لَهُ ابْنُ مالِكٍ في لامِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ:
؎وَفاعِلٌ صالِحٌ لِلْكُلِّ إنْ قَصَدَ الـ حُدُوثَ نَحْوَ غَدًا ذا فارِحٌ جَذِلا
وَإنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الحُدُوثُ والتَّجَدُّدُ بَقِيَ عَلى أصْلِهِ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] أُرِيدَ بِهِ أنَّهُ يَحْدُثُ لَهُ ضِيقُ الصَّدْرِ، ويَتَجَدَّدُ لَهُ بِسَبَبِ عِنادِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ ولَمّا كانَ كَذَلِكَ، قِيلَ فِيهِ: ضائِقٌ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، أمّا قَوْلُهُ: ضَيِّقًا في الفُرْقانِ والأنْعامِ فَلَمْ يُرَدْ بِهِ حُدُوثٌ، ولِذَلِكَ بَقِيَ عَلى أصْلِهِ.
وَمِن أمْثِلَةِ إتْيانِ الفَيْعِلِ عَلى فاعِلٍ إنْ قُصِدَ بِهِ الحُدُوثُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ وقَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخُطَيْمِ الأنْصارِيِّ:
؎أبْلِغْ خِداشًا أنَّنِي مَيِّتٌ ∗∗∗ كُلُّ امْرِئٍ ذِي حَسَبٍ مائِتُ
فَلَمّا أرادَ حُدُوثَ المَوْتِ قالَ: مائِتُ بِوَزْنِ فاعِلُ، وأصْلُهُ مَيِّتٌ عَلى وزْنِ فَيْعِلٌ.
وَمِن أمْثِلَتِهِ في فَعِلٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ قَوْلُ أبِي عَمْرٍو أشْجَعَ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ يَرْثِي قُتَيْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ: (p-٢٩)
؎فَما أنا مِن رُزْءٍ وإنْ جَلَّ جازِعُ ∗∗∗ ولا بِسُرُورٍ بَعْدَ مَوْتِكَ فارِحُ
فَلَمّا نَفى أنْ يَحْدُثَ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ فَرَحٌ ولا جَزَعٌ قالَ جازِعٌ وفارِحٌ، والأصْلُ: جَزِعٌ وفَرِحٌ.
وَمِثالُهُ في فَعِيلٍ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎حَسِبْتُ التُّقى والجُودَ خَيْرَ تِجارَةٍ ∗∗∗ رَباحًا إذا ما المَرْءُ أصْبَحَ ثاقِلًا
فَلَمّا أرادَ حُدُوثَ الثِّقَلِ قالَ: ثاقِلًا والأصْلُ ثَقِيلٌ، وقَوْلُ السَّمْهَرِيِّ العُكْلِيِّ:
؎بِمَنزِلَةٍ أمّا اللَّئِيمُ فَسامِنٌ ∗∗∗ بِها وكِرامُ النّاسِ بادٍ شُحُوبُها
فَلَمّا أرادَ حُدُوثَ السِّمَنِ قالَ: فَسامِنٌ والأصْلُ سَمِينٌ.
واعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ ”ضَيْقًا“ بِسُكُونِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ راجِعَةٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِتَشْدِيدِ الياءِ لِأنَّ إسْكانَ الياءِ تَخْفِيفٌ كَهَيْنٍ ولَيْنٍ، في هَيِّنٍ ولَيِّنٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
25:14Page 361
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤
[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."
No commentary for this ayah
25:15Page 361
قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥
Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ . التَّحْقِيقُ أنَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: أذَلِكَ راجِعَةٌ إلى النّارِ، وما يَلْقاهُ الكَفّارُ فِيها مِن أنْواعِ العَذابِ كَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا بِقَوْلِهِ: ﴿وَأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] وغَيْرُ هَذا مِنَ الأقْوالِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الإشارَةَ راجِعَةٌ إلى الكَنْزِ والجَنَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٨] وكَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّها راجِعَةٌ إلى الجَنّاتِ والقُصُورِ المُعَلَّقَةِ عَلى المَشِيئَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] والتَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ عَذابِ النّارِ وفَظاعَتَهُ قالَ: ”أذَلِكَ العَذابُ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الآيَةَ“ .
وَهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، جاءَ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ (p-٣٠)كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”الصّافّاتِ“ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٠ - ٧٠] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٠] .
وَفِي هَذِهِ الآياتِ وأمْثالِها في القُرْآنِ إشْكالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: لَفْظَةُ خَيْرٍ في الآياتِ المَذْكُورَةِ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ كَما قالَ في الكافِيَةِ:
؎وَغالِبًا أغْناهم خَيْرٌ وشَرُّ عَنْ قَوْلِهِمْ أخْيَرُ مِنهُ وأشَرُّ
كَما قَدَّمْناهُ مُوَضَّحًا في سُورَةِ النَّحْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٠] .
والمَعْرُوفُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ تَقْتَضِي المُشارَكَةَ بَيْنَ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ فِيما فِيهِ التَّفْضِيلُ، إلّا أنَّ المُفَضَّلَ أكْثَرُ فِيهِ وأفْضَلُ مِنَ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ الَّذِي هو عَذابُ النّارِ لا خَيْرَ فِيهِ البَتَّةَ، وإذَنْ فَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ فِيها إشْكالٌ.
والجَوابُ عَنْ هَذا الإشْكالِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ قَدْ تُطْلَقُ في القُرْآنِ، وفي اللُّغَةِ مُرادًا بِها مُطْلَقُ الِاتِّصافِ، لا تَفْضِيلُ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ. وقَدَّمْناهُ مِرارًا وأكْثَرْنا مِن شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ ”النُّورِ“ وغَيْرِها.
الثّانِي: أنَّ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّهم إذا أرادُوا تَخْصِيصَ شَيْءٍ بِالفَضِيلَةِ، دُونَ غَيْرِهِ جاءُوا بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ، يُرِيدُونَ بِها خُصُوصَ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِالفَضْلِ، كَقَوْلِ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ∗∗∗ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وَكَقَوْلِ العَرَبِ: الشَّقاءُ أحَبُّ إلَيْكَ، أمِ السَّعادَةُ ؟ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٣٢] .
(p-٣١)قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآيَةَ، وخَيْرٌ هُنا لَيْسَتْ تَدُلُّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ، بَلْ هي عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ في بَيانِ فَضْلِ الشَّيْءِ، وخُصُوصِيَّتِهِ بِالفَضْلِ دُونَ مُقابِلِهِ كَقَوْلِهِ:
؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وَكَقَوْلِ العَرَبِ: الشَّقاءُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ السَّعادَةُ، وكَقَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٢] وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ. ا ه. الغَرَضُ مِن كَلامِ أبِي حَيّانَ.
وَعَلى كُلِّ حالٍ فَعَذابُ النّارِ شَرٌّ مَحْضٌ لا يُخالِطُهُ خَيْرٌ البَتَّةَ كَما لا يَخْفى، والوَجْهانِ المَذْكُورانِ في الجَوابِ مُتَقارِبانِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ العائِدُ مَحْذُوفٌ: أيْ وُعِدَها المُتَّقُونَ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الوَعْدَ الصّادِقَ بِالجَنَّةِ، يَحْصُلُ بِسَبَبِ التَّقْوى.
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ بِإيضاحٍ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ العائِدُ أيْضًا مَحْذُوفٌ كالَّذِي قَبْلَهُ: أيْ ما يَشاءُونَهُ، وحَذْفُ العائِدِ المَنصُوبِ بِالفِعْلِ أوِ الوَصْفِ كَثِيرٌ، كَما قالَ في الخُلاصَةِ:
؎والحَذْفُ عِنْدَهم كَثِيرٌ مُنْجَلِي ∗∗∗ في عائِدٍ مُتَّصِلٍ إنِ انْتَصَبْ
؎بِفِعْلٍ أوْ وصْـــــــفٍ ∗∗∗ كَمَن نَرْجُـــو يَهَــبْ
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، تَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَجِدُونَ كُلَّ ما يَشاءُونَهُ مِن أنْواعِ النَّعِيمِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ [النحل: ٣١] والآياتُ المَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ كُلِّ ما يَشاءُهُ الإنْسانُ لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ المَصِيرُ مَكانُ الصَّيْرُورَةِ، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ جَزاءَهم ومَحَلَّهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] لِأنَّ حُسْنَ المَكانِ وجَوْدَتَهُ مِن أنْواعِ النَّعِيمِ.
(p-٣٢)وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ فِيهِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ مَسْئُولًا أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَسْألُونَهُ، وكانَتِ المَلائِكَةُ أيْضًا تَسْألُهُ لَهم، أمّا سُؤالُ المُسْلِمِينَ لَهُ فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] وسُؤالُ المَلائِكَةِ لَهم إيّاهُ ذَكَرَهُ تَعالى أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ الآيَةَ [غافر: ٤٧] وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَسْئُولًا: أيْ واجِبًا؛ لِأنَّ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ واجِبُ الوُقُوعِ، لِأنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وهو جَلَّ وعَلا يُوجِبُ عَلى نَفْسِهِ بِوَعْدِهِ الصّادِقِ ما شاءَ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا القَوْلِ بِلَفْظَةِ ”عَلى“ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُونَ: قَدْ فَعَلْنا في دارِ الدُّنْيا كُلَّ ما أمَرْتَنا بِهِ فَأنْجِزْ لَنا ما وعَدْتَنا، والقَوْلانِ الأوَّلانِ أقْرَبُ مِن هَذا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
25:16Page 361
لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦
For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1
No commentary for this ayah
25:17Page 361
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧
And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ: (نَحْشُرُهم)، بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى العَظَمَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: (يَحْشُرُهم) بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ: (فَيَقُولُ) بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (فَنَقُولُ) بِنُونِ العَظَمَةِ.
فَتَحْصُلُ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وحَفْصًا يَقْرَآنِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ فِيهِما، وأنَّ ابْنَ عامِرٍ يَقْرَأُ بِالنُّونِ فِيهِما، وأنَّ باقِيَ السَّبْعَةِ يَقْرَءُونَ: (نَحْشُرُهم) بِالنُّونِ، (فَيَقُولُ) بِالياءِ، وقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يَحْشُرُ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ: أنْ يَجْمَعَهم جَمِيعًا فَيَقُولُ لِلْمَعْبُودِينَ: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ فَزَيَّنْتُمْ لَهم أنْ يَعْبُدُوكم مِن دُونِي، أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ: أيْ كَفَرُوا وأشْرَكُوا بِعِبادَتِهِمْ إيّاكم مِن دُونِي مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ تَأْمُرُوهم بِذَلِكَ ولا أنْ تُزَيِّنُوهُ لَهم، وأنَّ المَعْبُودِينَ يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ عَنِ (p-٣٣)الشُّرَكاءِ وكُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِكَ وعَظَمَتِكَ، ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ: أيْ لَيْسَ لِلْخَلائِقِ كُلِّهِمْ، أنْ يَعْبُدُوا أحَدًا سِواكَ لا نَحْنُ ولا هم، فَنَحْنُ ما دَعَوْناهم إلى ذَلِكَ، بَلْ فَعَلُوا ذَلِكَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، مِن غَيْرِ أمْرِنا، ونَحْنُ بُرَآءُ مِنهم، ومِن عِبادَتِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهُمْ﴾ [الفرقان: ١٨] أيْ طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ، حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ أيْ نَسُوا ما أنْزَلْتَهُ عَلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ، مِنَ الدَّعْوَةِ إلى عِبادَتِكَ وحْدَكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، وكانُوا قومًا بُورًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ هَلْكى، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ومالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أيْ لا خَيْرَ فِيهِمْ ا ه. الغَرَضُ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ: أيْ ما كانَ يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ إلى آخِرِ كَلامِهِ.
وَإذا عَرَفْتَ ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ مِن سُؤالِهِ لِلْمَعْبُودِينَ وجَوابِهِمْ لَهُ، فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في المَعْبُودِينَ. فَقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ قالُوا: هَذا القَوْلُ يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ، لِأنَّ فِيهِ سُؤالَ عِيسى والمَلائِكَةِ عَنْ عِبادَةِ مَن عَبَدَهم، كَما قالَ في المَلائِكَةِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤٠ - ٤١] وقالَ في عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] وجَوابُ المَلائِكَةِ وجَوابُ عِيسى كِلاهُما شَبِيهٌ بِجَوابِ المَعْبُودِينَ في آيَةِ الفُرْقانِ هَذِهِ، ولِذَلِكَ اخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ المَعْبُودِينَ الَّذِينَ يَسْألُهُمُ اللَّهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ هَذِهِ هم خُصُوصُ العُقَلاءِ، دُونَ الأصْنامِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الأظْهَرُ عِنْدِي شُمُولُ المَعْبُودِينَ المَذْكُورِينَ لِلْأصْنامِ، مَعَ المَلائِكَةِ وعِيسى وعُزَيْرٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَتانِ قُرْآنِيَّتانِ: الأُولى: أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ المَعْبُودِينَ المَذْكُورِينَ بِـ: ”ما“ الَّتِي هي لِغَيْرِ العاقِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. فَلَفْظَةُ (ما) تَدُلُّ عَلى شُمُولِ غَيْرِ العُقَلاءِ، وأنَّهُ غَلَّبَ غَيْرَ العاقِلِ لِكَثْرَتِهِ.
(p-٣٤)القَرِينَةُ الثّانِيَةُ: هي دَلالَةُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، عَلى أنَّ المَعْبُودِينَ غافِلُونَ عَنْ عِبادَةِ مَن عَبَدَهم: أيْ لا يَعْلَمُونَ بِها لِكَوْنِهِمْ غَيْرَ عُقَلاءَ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٨ - ٢٩] وإنَّما كانُوا غافِلِينَ عَنْها لِأنَّهم جَمادٌ لا يَعْقِلُونَ. وإطْلاقُ اللَّفْظِ المُخْتَصِّ بِالعُقَلاءِ عَلَيْهِمْ، نَظَرًا إلى أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَّلُوهم مَنزِلَةَ العُقَلاءِ كَما أوْضَحْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى في الأحْقافِ: ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] فَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ عَلى أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، ومَعَ ذَلِكَ قالَ: ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ وكَقَوْلِهِ تَعالى في العَنْكَبُوتِ: ﴿وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٢٥] . فَصَرَّحَ بِأنَّهم أوْثانٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم هم وعَبَدَتُهم يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ مَعْنى (نَسُوا) تَرَكُوا. والأظْهَرُ أنَّ الذِّكْرَ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ بِشُكْرِ نِعَمِهِ، والأصَحُّ أنَّ قَوْلَهُ بُورًا مَعْناهُ هَلْكى، وأصْلُهُ اسْمُ مَصْدَرٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ، فَمِن إطْلاقِهِ عَلى الجَماعَةِ قَوْلُهُ هُنا: ﴿وَكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ وقَوْلُهُ في سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] ومِن إطْلاقِهِ عَلى المُفْرَدِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرى السَّهْمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتَ إذْ أنا بُورُ
وَيُطْلَقُ البُورُ عَلى الهَلاكِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها لُغَةُ أهْلِ عُمانَ، وهم مِن أهْلِ اليَمَنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎: فَلا تَكْفُرُوا ما قَدْ صَنَعْنا إلَيْكُمُ ∗∗∗ وكافُوا بِهِ فالكُفْرُ بُورٌ لِصانِعِهْ
واعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، وأطْنَبَ فِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ لا يُضِلُّ أحدًا (p-٣٥)مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وهو مَذْهَبٌ باطِلٌ وبُطْلانُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ فَإيّاكَ أنْ تَغْتَرَّ بِهِ، وما ذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، ومالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِن أنَّ مَعْنى بُورًا لا خَيْرَ فِيهِمْ لَهُ وجْهٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولَكِنَّ التَّحْقِيقَ أنَّهُ لَيْسَ مَعْنى الآيَةِ، وأنَّ مَعْنى بُورًا هَلْكى كَما تَقَدَّمَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
25:18Page 361
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨
They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."
No commentary for this ayah
25:19Page 361
فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩
So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المَعْبُودِينَ كَذَّبُوا العابِدِينَ وذَلِكَ في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨] .
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَكْذِيبِ المَعْبُودِينَ لِلْعابِدِينَ، جاءَ في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦]
• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومَن يَظْلِمْ مِنكم أيْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ، وذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وهَذا التَّفْسِيرُ تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الظُّلْمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]
فَقالَ: أيْ بِشْرِكٍ» كَما قَدَّمْناهُ مُوَضَّحًا.
25:20Page 361
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠
And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ جَعَلَ بَعْضَ النّاسِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٣] .
(p-٣٦)وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ومَعْنى هَذا: أنْ كُلَّ واحِدٍ مُخْتَبَرٌ بِصاحِبِهِ، فالغَنِيُّ مُمْتَحَنٌ بِالفَقِيرِ عَلَيْهِ أنْ يُواسِيَهُ ولا يَسْخَرَ مِنهُ، والفَقِيرُ مُمْتَحَنٌ بِالغَنِيِّ عَلَيْهِ أنْ لا يَحْسُدَهُ ولا يَأْخُذَ مِنهُ إلّا ما أعْطاهُ، وأنْ يَصْبِرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى الحَقِّ، كَما قالَ الضَّحّاكُ في مَعْنى: ﴿أتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]: أيْ عَلى الحَقِّ، وأصْحابُ البَلايا يَقُولُونَ: لِمَ لَمْ نُعافَ ؟ والأعْمى يَقُولُ لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كالبَصِيرِ ؟ وهَكَذا صاحِبُ كُلِّ آفَةٍ، والرَّسُولُ المَخْصُوصُ بِكَرامَةِ النُّبُوَّةِ فِتْنَةٌ لِأشْرافِ النّاسِ مِنَ الكُفّارِ في عَصْرِهِ وكَذَلِكَ العُلَماءُ، وحُكّامُ العَدْلِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فالفِتْنَةُ أنْ يَحْسُدَ المُبْتَلى المُعافى، ويُحَقِّرَ المُعافى المُبْتَلى، والصَّبْرُ أنْ يَحْبِسَ كِلاهُما نَفْسَهُ، هَذا عَنِ البَطَرِ، وذَلِكَ عَنِ الضَّجَرِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ.
وَإذا عَلِمْتَ مَعْنى كَوْنِ بَعْضِهِمْ فِتْنَةً لِبَعْضٍ. فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٣] . فِيهِ فِتْنَةُ أغْنِياءِ الكُفّارِ بِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ، حَيْثُ احْتَقَرُوهم وازْدَرُوهم، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ اللَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ دُونَهم لِأنَّهم في زَعْمِهِمْ لِفَقْرِهِمْ، ورَثاثَةِ حالِهِمْ، لا يُمْكِنُ أنْ يَرْحَمَهُمُ اللَّهُ ويُعْطِيَهم مِن فَضْلِهِ الواسِعِ كَما قالَ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا فِيهِمْ: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وقالَ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وسَيُوَبِّخُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى احْتِقارِهِمْ لَهم في الدُّنْيا كَما قالَ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ . . . . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢] وقَوْلِهِ تَعالى: (أتَصْبِرُونَ)، أيْ عَلى الحَقِّ أمْ لا تَصْبِرُونَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences