Ash-ShinqitiAl‑Furqan · 25:1–2

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

الفرقان

Al-Furqan

The Criterion · Meccan · 77 ayahs

25:1Page 359

تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١

Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -

(p-٣)سُورَةُ الفُرْقانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ﴿نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾، وهو هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ؛ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ﴿لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ أيْ: مُنْذِرًا، وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ الإنْذارَ هو الإعْلامُ المُقْتَرَنُ بِتَهْدِيدٍ وتَخْوِيفٍ، وأنَّ كُلَّ إنْذارِ إعْلامٌ، ولَيْسَ كُلُّ إعْلامٍ إنْذارًا، كَما أوْضَحْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“ .

وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى عُمُومِ رِسالَتِهِ ﷺ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ والجِنِّ والإنْسِ، لِدُخُولِ الجَمِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ .

وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] أيْ: أرْسَلْناكَ لِلنّاسِ كافَّةً، أيْ: جَمِيعًا.

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٣ - ٤٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] .

وفي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: تَبارَكَ أقْوالٌ لِأهْلِ العِلْمِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: تَبارَكَ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقالَ (p-٤)الفَرّاءُ: هو في العَرَبِيَّةِ بِمَعْنى: تَقَدَّسَ وهُما لِلْعَظَمَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: تَبارَكَ: تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ. قالَ: ومَعْنى البَرَكَةِ: الكَثْرَةُ مِن كُلِّ ذِي خَيْرٍ، وقِيلَ: تَبارَكَ: تَعالى، وقِيلَ: تَعالى عَطاؤُهُ، أيْ: زادَ وكَثُرَ. وقِيلَ: المَعْنى دامَ وثَبَتَ إنْعامُهُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلاها في اللُّغَةِ والِاشْتِقاقِ مِن بَرَكَ الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ، ومِنهُ بَرَكَ الجَمَلُ والطَّيْرُ عَلى الماءِ، أيْ: دامَ وثَبَتَ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ.

وَقالَ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَبارَكَ: لَمْ يَزَلْ، ولا يَزُولُ. وقالَ الخَلِيلُ: تَمَجَّدَ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعَظَّمَ. وحَكى الأصْمَعِيُّ: تَبارَكْتُ عَلَيْكم مِن قَوْلِ عَرَبِيٍّ صَعِدَ رابِيَةً، فَقالَ ذَلِكَ لِأصْحابِهِ، أيْ: تَعالَيْتُ وارْتَفَعْتُ. فَفي هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ صِفَةَ ذاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: هو مِنَ البَرَكَةِ، وهو التَّزايُدُ في الخَيْرِ مِن قِبَلِهِ. فالمَعْنى زادَ خَيْرُهُ وعَطاؤُهُ وكَثُرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ أبِي حَيّانَ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الأظْهَرُ في مَعْنى تَبارَكَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ أنَّهُ تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، كَما جَزَمَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى تَبارَكَ: تَكاثَرَتِ البَرَكاتُ والخَيْراتُ مِن قِبَلِهِ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عَظَمَتَهُ وتَقَدُّسَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ؛ لِأنَّ مَن تَأْتِي مِن قِبَلِهِ البَرَكاتُ والخَيْراتُ ويَدِرُّ الأرْزاقَ عَلى النّاسِ هو وحْدَهُ المُتَفَرِّدُ بِالعَظَمَةِ، واسْتِحْقاقِ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، والَّذِي لا تَأْتِي مِن قِبَلِهِ بَرَكَةٌ ولا خَيْرٌ، ولا رِزْقٌ كالأصْنامِ، وسائِرِ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَصِحُّ أنَّ يُعْبَدَ، وعِبادَتُهُ كُفْرٌ مُخَلِّدٌ في نارِ جَهَنَّمَ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٧ - ٥٨]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ١٣ - ١٤] .

* *

تَنْبِيهٌ.

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: تَبارَكَ فِعْلٌ جامِدٌ لا يَتَصَرَّفُ، فَلا يَأْتِي مِنهُ مُضارِعٌ، ولا مَصْدَرٌ، (p-٥)وَلا اسْمُ فاعِلٍ، ولا غَيْرُ ذَلِكَ، وهو مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فَلا يُقالُ لِغَيْرِهِ تَبارَكَ خِلافًا لِما تَقَدَّمَ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وإسْنادُهُ تَبارَكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ إنْزالَهُ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ مِن أعْظَمِ البَرَكاتِ والخَيْراتِ والنِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ، كَما أوْضَحْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١] وذَكَرْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ، وإطْلاقُ العَرَبِ تَبارَكَ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى مَعْرُوفٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الطِّرِمّاحِ:

؎تَبارَكْتَ لا مُعْطٍ لِشَيْءٍ مَنَعْتَهُ ولَيْسَ لِما أعْطَيْتَ يا رَبِّ مانِعُ

وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎فَلَيْسَتْ عَشِيّاتُ الحِمى بِرَواجِعَ ∗∗∗ لَنا أبَدًا ما أوْرَقَ السُّلَّمُ النَّضِرُ

؎ .

؎وَلا عائِدٌ ذاكَ الزَّمانُ الَّذِي مَضى ∗∗∗ تَبارَكْتَ ما تُقَدِّرْ يَقَعْ ولَكَ الشُّكْرُ

وَقَدْ قَدَّمْنا الشّاهِدَ الأخِيرَ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقَوْلُهُ: الفُرْقانَ، يَعْنِي هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ، وهو مَصْدَرٌ زِيدَتْ فِيهِ الألِفُ والنُّونُ كالكُفْرانِ والطُّغْيانِ والرُّجْحانِ، وهَذا المَصْدَرُ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفاعِلِ؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ فُرْقانًا أنَّهُ فارِقٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وبَيْنَ الرُّشْدِ والغَيِّ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المَصْدَرُ الَّذِي هو الفُرْقانَ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ؛ لِأنَّهُ نُزِّلَ مُفَرَّقًا، ولَمْ يُنَزَّلْ جُمْلَةً.

واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: نَزَّلَ بِالتَّضْعِيفِ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ نُزُولِهِ أنْجُمًا مُنَجَّمًا. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] قالُوا: عَبَّرَ في نُزُولِ القُرْآنِ بِـ: نَزَّلَ بِالتَّضْعِيفِ لِكَثْرَةِ نُزُولِهِ. وأمّا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، فَقَدْ عَبَّرَ في نُزُولِهِما بِـ: أنْزَلَ الَّتِي لا تَدُلُّ عَلى تَكْثِيرٍ؛ لِأنَّهُما نَزَلا جُمْلَةً في وقْتٍ واحِدٍ، وبَعْضُ الآياتِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيها كَثْرَةُ نُزُولِ القُرْآنِ؛ (p-٦)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١] وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ قالَ فِيهِ بَعْضُ العُلَماءِ: ذِكْرُهُ صِفَةَ العُبُودِيَّةِ مَعَ تَنْزِيلِ الفُرْقانِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ العُبُودِيَّةَ لِلَّهِ هي أشْرَفُ الصِّفاتِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ .

25:2Page 359

ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢

He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and who has not taken a son and has not had a partner in dominion and has created each thing and determined it with [precise] determination.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، بَدَلٌ مِنَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ﴾، وقالَ بَعْضُهم: هو مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، وقالَ بَعْضُهم: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وقَدْ أثْنى جَلَّ وعَلا عَلى نَفْسِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِخَمْسَةِ أُمُورٍ، هي أدِلَّةٌ قاطِعَةٌ عَلى عَظَمَتِهِ، واسْتِحْقاقِهِ وحْدَهُ لِإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ: الأوَّلُ مِنها: أنَّهُ هو الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في مُلْكِهِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ تَقْدِيرًا، وهَذِهِ الأُمُورُ الخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءَتْ مُوَضَّحَةً في آياتٍ أُخَرَ.

أمّا الأوَّلُ مِنها: وهو أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”المائِدَةِ“: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”النُّورِ“: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [النور: ٤٢]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ الآيَةَ [فاطر: ١٣] وجَمِيعُ الآياتِ الَّتِي ذَكَرَ فِيها جَلَّ وعَلا أنَّ لَهُ المُلْكَ، فالمُلْكُ فِيها شامِلٌ لِمُلْكِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، وغَيْرِ ذَلِكَ.

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ الآيَةَ [الملك: ١]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٧٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ (p-٧)يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]

والآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ لَهُ مُلْكَ كُلِّ شَيْءٍ كَثِيرَةٌ جَدًّا مَعْلُومَةٌ.

وَأمّا الأمْرُ الثّانِي: وهو كَوْنُهُ تَعالى لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا، فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ الآيَةَ [الجن: ٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٠١]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٤ - ٥]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ وغَيْرِها.

وَأمّا الأمْرُ الثّالِثُ: وهو كَوْنُهُ تَعالى لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ، فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ الآيَةَ [الرعد: ١١١]

• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”سَبَأٍ“: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ [سبإ: ٢٢]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦]؛

لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الواحِدِ القَهّارِ﴾ يَدُلُّ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالمُلْكِ، والقَهْرِ، واسْتِحْقاقِ إخْلاصِ العِبادَةِ، كَما لا يَخْفى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَأمّا الأمْرُ الرّابِعُ: وهو أنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى (p-٨)كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠١ - ١٠٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٢ - ٦٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَأمّا الأمْرُ الخامِسُ: وهو أنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ تَقْدِيرًا، فَقَدْ جاءَ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ الأشْياءِ هو حَدُّها بِالأمْكِنَةِ، والأزْمانِ، والمَقادِيرِ، والمَصْلَحَةِ، والإتْقانِ، انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ أبِي حَيّانَ في ”البَحْرِ“ .

* *

تَنْبِيهٌ.

فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: الخَلْقُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، مَعْناهُ التَّقْدِيرُ. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎وَلَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

قالَ بَعْضُهم: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قالَ: أيْ أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، أيْ: قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وهَذا تَكْرارٌ كَما تَرى، وقَدْ أجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ هَذا السُّؤالِ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ جَوابَهُ في ”البَحْرِ“، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ.

والجَوابُ المَذْكُورُ هو قَوْلُهُ: فَإنْ قُلْتَ في الخَلْقِ مَعْنى التَّقْدِيرِ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] كَأنَّهُ قالَ: وقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ.

قُلْتُ: المَعْنى أنَّهُ أحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إحْداثًا مُراعِيًا فِيهِ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ فَقَدَّرَهُ وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ.

مِثالُهُ: أنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ عَلى هَذا الشَّكْلِ المُقَدَّرِ المُسَوّى، الَّذِي تَراهُ فَقَدَّرَهُ لِلتَّكالِيفِ والمَصالِحِ المَنُوطَةِ بِهِ في بابَيِ الدِّينِ والدُّنْيا، وكَذَلِكَ كَلُّ حَيَوانٍ وجَمادٍ جاءَ بِهِ عَلى الحِيلَةِ المُسْتَوِيَةِ المُقَدَّرَةِ بِأمْثِلَةِ الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ، فَقَدَّرَهُ لِأمْرٍ ما ومَصْلَحَةٍ مُطابِقًا لِما قَدَّرَ لَهُ غَيْرَ (p-٩)مُتَجافٍ عَنْهُ، أوْ سَمّى إحْداثَ اللَّهِ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ لا يُحْدِثُ شَيْئًا لِحِكْمَتِهِ إلّا عَلى وجْهِ التَّقْدِيرِ غَيْرَ مُتَفاوِتٍ، فَإذا قِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ كَذا، فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: أحْدَثَ وأوْجَدَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى وجْهِ الِاشْتِقاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ في إيجادِهِ لَمْ يُوجِدْهُ مُتَفاوِتًا. وقِيلَ: فَجَعَلَ لَهُ غايَةً ومُنْتَهًى، ومَعْناهُ: فَقَدَّرَهُ لِلْبَقاءِ إلى أمَدٍ مَعْلُومٍ، انْتَهى كَلامُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ وبَعْضُهُ لَهُ اتِّجاهٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском