Ash-ShinqitiAl‑Furqan · 25:27–37

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:27–37

25:27Page 362

وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧

And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ . مِنَ المَشْهُورِ عِنْدَ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ أنَّ الظّالِمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، هو عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وأنَّ فُلانًا الَّذِي أضَلَّهُ عَنِ الذِّكْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أوْ أخُوهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في قِراءَةِ بَعْضِ الصَّحابَةِ. لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ أُبَيًّا خَلِيلًا، وهو عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ مِن قَبِيلِ التَّفْسِيرِ، لا القِراءَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ، لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، فَكُلُّ ظالِمٍ أطاعَ خَلِيلَهُ في الكُفْرِ، حَتّى ماتَ عَلى ذَلِكَ يَجْرِي لَهُ مِثْلُ ما جَرى لِابْنِ أبِي مُعَيْطٍ.

وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِها. فَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، لِأنَّ النّادِمَ نَدَمًا شَدِيدًا، يَعَضُّ عَلى يَدَيْهِ، ونَدَمُ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ وحَسْرَتُهُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٥٤]

• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣١] . والحَسْرَةُ أشَدُّ النَّدامَةِ

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّ الكافِرَ يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ آمَنَ بِالرَّسُولِ في دارِ الدُّنْيا، واتَّخَذَ مَعَهُ سَبِيلًا: أيْ طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يالَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولَ﴾ [الأحزاب: ٦٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

(p-٤٦)والسَّبِيلُ الَّتِي يَتَمَنّى الكافِرُ أنْ يَتَّخِذَها مَعَ الرَّسُولِ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، ذُكِرَتْ أيْضًا في آياتٍ أُخَرَ

• كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ سُورَةِ الفُرْقانِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٩ و٣٣ \ ١٩] في المُزَّمِّلِ والإنْسانِ، ويَقْرُبُ مِن مَعْناهُ المَآبُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبإ: ٣٩] وما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّ الكافِرَ يُنادِي بِالوَيْلِ، ويَتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ مَن أضَلَّهُ خَلِيلًا، ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، أمّا دُعاءُ الكُفّارِ بِالوَيْلِ: فَقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٣ - ١٤] وأمّا تَمَنِّيهِمْ لِعَدَمِ طاعَةِ مَن أضَلَّهم، فَقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ [البقرة: ١٧٦] فَلَفْظَةُ لَوْ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ لِلتَّمَنِّي، ولِذَلِكَ نُصِبَ الفِعْلُ المُضارِعُ بَعْدَ الفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ. وهو دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى نَدَمِهِمْ عَلى مُوالاتِهِمْ، وطاعَتِهِمْ في الدُّنْيا، وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا هُنا مِن أنَّ أخِلّاءَ الضَّلالِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، يُضِلُّونَ أخِلّاءَهم عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَهم ذِكْرُهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٥]

• وقَوْلِهِ تَعالى:: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٨]؛

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣١] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ الأظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، ولَيْسَ مِن كَلامِ الكافِرِ النّادِمِ يَوْمَ القِيامَةِ، والخَذُولُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَذَلَهُ إذا تَرَكَ نَصْرَهُ مَعَ كَوْنِهِ يَتَرَقَّبُ النَّصْرَ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]

وقَوْلُ الشّاعِرِ: (p-٤٧)

؎إنَّ المَرْءَ مَيِّتًا بِانْقِضاءِ حَياتِهِ ولَكِنْ بِأنْ يُبْغى عَلَيْهِ فَيُخْذَلا

وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎إنَّ الأُلى وصَفُوا قَوْمِي لَهم فَبِهِمْ ∗∗∗ هَذا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَن عاداكَ مَخْذُولا

وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ يَخْذُلُ الإنْسانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٤٨] . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ الأظْهَرُ أنَّ الذِّكْرَ القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا﴾ العَرَبُ تُطْلِقُ لَفْظَةَ فُلانٍ كِنايَةً عَنِ العِلْمِ: أيْ لَمْ أتَّخِذْ أُبَيًّا أوْ أُمَيَّةَ خَلِيلًا، ويُكَنُّونَ عَنْ عَلَمِ الأُنْثى بِفُلانَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ حِزامٍ العُذْرِيِّ:

؎ألا قاتَلَ اللَّهُ الوُشاةَ وقَوْلَهم ∗∗∗ فُلانَةُ أضْحَتْ خَلَّةً لِفُلانِ

وَقَوْلُهُ: ﴿يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ مِن عَضِضَ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي، يَعَضُّ بِفَتْحِها في المُضارِعِ عَلى القِياسِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ وعْلَةَ الدِّهْلِيِّ:

؎الآنَ لَمّا ابْيَضَّ مَسْرَبَتِي ∗∗∗ وعَضِضْتُ مِن نابِي عَلى جَذْمِ

فَإنَّ الرِّوايَةَ المَشْهُورَةَ في البَيْتِ عَضِضْتُ بِكَسْرِ الضّادِ الأوْلى وفِيها لُغَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ في الماضِي، والكَسْرُ أشْهَرُ، وعَضَّ تَتَعَدّى بِعَلى كَما في الآيَةِ وبَيْتِ الحارِثِ بْنِ وعْلَةَ المَذْكُورَيْنِ، ورُبَّما عُدِّيَتْ بِالباءِ ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

؎فَقالَتْ وعَضَّتْ بِالبَنانِ فَضَحْتَنِي ∗∗∗ وأنْتَ امْرُؤٌ مَيْسُورُ أمْرِكَ أعْسَرُ

وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قَرِينَ السُّوءِ قَدْ يُدْخِلُ قَرِينَهُ النّارَ، والتَّحْذِيرُ مِن قَرِينِ السُّوءِ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ الصّافّاتِ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ أقْسَمَ بِاللَّهِ أنَّ قَرِينَهُ كادَ يُرْدِيهِ أيْ يُهْلِكُهُ بِعَذابِ النّارِ، ولَكِنْ لَطَفَ اللَّهُ بِهِ فَتَدارَكَهُ بِرَحْمَتِهِ وإنْعامِهِ فَهَداهُ وأنْقَذَهُ مِنَ النّارِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنّى كانَ لِي (p-٤٨)قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥١ - ٥٧] .

25:28Page 362

يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨

Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.

No commentary for this ayah

25:29Page 362

لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩

He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2

No commentary for this ayah

25:30Page 362

وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠

And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ .

مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ظاهِرٌ، وهو أنَّ نَبِيَّنا ﷺ شَكا إلى رَبِّهِ هَجْرَ قَوْمِهِ، وهم كُفّارُقُرَيْشٍ لِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، أيْ: تَرَكَهم لِتَصْدِيقِهِ والعَمَلِ بِهِ، وهَذِهِ شَكْوى عَظِيمَةٌ، وفِيها أعْظَمُ تَخْوِيفٍ لِمَن هَجَرَ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ والآدابِ والمَكارِمِ، ولَمْ يَعْتَقِدْ ما فِيهِ مِنَ العَقائِدِ، ويَعْتَبِرْ بِما فِيهِ مِنَ الزَّواجِرِ والقَصَصِ والأمْثالِ.

واعْلَمْ أنَّ السُّبْكِيَّ قالَ: إنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ مَسْألَةً أُصُولِيَّةً، وهي أنَّ الكَفَّ عَنِ الفِعْلِ فِعْلٌ. والمُرادُ بِالكَفِّ التَّرْكُ، قالَ في طَبَقاتِهِ: لَقَدْ وقَفْتُ عَلى ثَلاثَةِ أدِلَّةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَفَّ فِعْلٌ لَمْ أرَ أحَدًا عَثَرَ عَلَيْها.

أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، فَإنَّ الأخْذَ: التَّناوُلُ، والمَهْجُورَ: المَتْرُوكُ، فَصارَ المَعْنى تَناوَلُوهُ مَتْرُوكًا، أيْ: فَعَلُوا تَرْكَهُ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ صاحِبِ ”نَشْرُ البُنُودِ، شَرْحُ مَراقِي السُّعُودِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ:

؎فَكَفُّنا بِالنَّهْيِ مَطْلُوبُ النَّبِيِّ

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: اسْتِنْباطُ السُّبْكِيِّ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكَفَّ فِعْلٌ وتَفْسِيرُهُ لَها بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، لَمْ يَظْهَرْ لِي كُلَّ الظُّهُورِ، ولَكِنَّ هَذا المَعْنى الَّذِي زَعَمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ دَلَّتْ عَلَيْهِ، وهو كَوْنُ الكَفِّ فِعْلًا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَتانِ كَرِيمَتانِ مِن سُورَةِ ”المائِدَةِ“، دَلالَةً واضِحَةً لا لَبْسَ فِيها، ولا نِزاعَ. فَعَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ما فَهِمَهُ السُّبْكِيُّ مِن آيَةِ ”الفُرْقانِ“ هَذِهِ، فَإنَّهُ قَدْ بَيَّنَتْهُ بِإيضاحٍ الآيَتانِ المَذْكُورَتانِ مِن سُورَةِ ”المائِدَةِ“ . أمّا الأُولى مِنهُما، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣] فَتَرْكُ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ نَهْيَهم عَنْ قَوْلِ الإثْمِ وأكْلِ السُّحْتِ سَمّاهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ صُنْعًا في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾، أيْ: وهو تَرْكُهُمُ النَّهْيَ المَذْكُورَ، والصُّنْعُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الفِعْلَ، فَصَراحَةُ (p-٤٩)دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ في غايَةِ الوُضُوحِ كَما تَرى.

وَأمّا الآيَةُ الثّانِيَةُ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] فَقَدْ سَمّى جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَرْكَهُمُ التَّناهِيَ عَنِ المُنْكَرِ فِعْلًا، وأنْشَأ لَهُ الذَّمَّ بِلَفْظَةِ بِئْسَ الَّتِي هي فِعْلٌ جامِدٌ لِإنْشاءِ الذَّمِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٩٧] أيْ: وهو تَرْكُهُمُ التَّناهِيَ، عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، وصَراحَةُ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى ما ذُكِرَ واضِحَةٌ، كَما تَرى.

وَقَدْ دَلَّتْ أحادِيثُ نَبَوِيَّةٌ عَلى ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ»، فَقَدْ سَمّى ﷺ في هَذا الحَدِيثِ تَرْكَ أذى المُسْلِمِينَ إسْلامًا، ومِمّا يَدُلُّ مِن كَلامِ العَرَبِ عَلى أنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحابَةِ في وقْتِ بِنائِهِ ﷺ لِمَسْجِدِهِ بِالمَدِينَةِ:

؎لَئِنْ قَعَدْنا والنَّبِيُّ يَعْمَلُ ∗∗∗ لَذاكَ مِنّا العَمَلُ المُضَلِّلُ

فَسَمّى قُعُودَهم عَنِ العَمَلِ، وتَرْكَهم لَهُ عَمَلًا مُضَلِّلًا، وقَدْ أشارَ صاحِبُ ”مَراقِي السُّعُودِ“، إلى أنَّ الكَفَّ فِعْلٌ عَلى المَذْهَبِ، أيْ: وهو الحَقُّ. وبَيَّنَ فُرُوعًا مَبْنِيَّةً عَلى ذَلِكَ نَظَمَها الشَّيْخُ الزَّقّاقُ في نَظْمِهِ المُسَمّى بِالمَنهَجِ المُنْتَخَبِ، وأوْرَدَ أبْياتَ الزَّقّاقِ في ذَلِكَ، وقالَ: وجَلَبْتُها هُنا عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ، وهَذا النَّوْعُ يُسَمّى اسْتِعانَةً، وهو تَضْمِينُ بَيْتٍ فَأكْثَرَ بِقَوْلِهِ:

؎فَكَفُّنا بِالنَّهْيِ مَطْلُوبُ النَّبِي ∗∗∗ والكَفُّ فِعْلٌ في صَحِيحِ المَذْهَبِ

؎لَهُ فُرُوعٌ ذُكِرَتْ في المَنهَجِ ∗∗∗ وسَرْدُها مِن بَعْدِ ذا البَيْتِ يَجِي

؎مِن شُرْبٍ أوْ خَيْطٍ ذَكاةُ فَضْلِ ما ∗∗∗ وعَمَدٍ رَسْمِ شَهادَةٍ وما

؎عَطَّلَ ناظِرٌ وذُو الرَّهْنِ كَذا ∗∗∗ مُفَرِّطٌ في العَلْفِ فادْرِ المَأْخَذا

؎وِكالَّتِي رُدَّتْ بِعَيْبٍ وعَدَمْ ∗∗∗ ولِيِّها وشِبْهِها مِمّا عُلِمْ

فالأبْياتُ الثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ مِن نَظْمِ الشَّيْخِ الزَّقّاقِ المُسَمّى بِالمَنهَجِ المُنْتَخَبِ، وفِيها بَعْضُ الفُرُوعِ المَبْنِيَّةِ عَلى الخِلافِ في الكَفِّ، هَلْ هو فِعْلٌ، وهو الحَقُّ أوْ لا ؟ وقَوْلُ الزَّقّاقِ في الأوَّلِ مِن أبْياتِهِ مِن شُرْبٍ مُتَعَلِّقٍ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ:

؎وَهَلْ كَمَن فَعَلَ تارِكٌ كَمَن ∗∗∗ لَهُ بِنَفْعِ قُدْرَةٍ لَكِنْ كَمَن

مِن شُرْبٍ. . إلَخْ.

(p-٥٠)فَقَوْلُهُ: مِن شُرْبٍ بَيانٌ لِلنَّفْعِ الكامِنِ في قَوْلِهِ:

؎لَهُ بِنَفْعِ قُدْرَةٍ لَكِنْ كَمَن

، أيْ: لَكِنَّهُ تَرَكَ النَّفْعَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَتَرْكُهُ لَهُ كَفِعْلِهِ لِما حَصَلَ بِسَبَبِ تَرْكِهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ، ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: مِن شُرْبٍ أنَّ مَن عِنْدَهُ فَضْلُ شَرابٍ، وتَرَكَ إعْطاءَهُ لِمُضْطَرٍّ حَتّى ماتَ عَطَشًا، فَعَلى أنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ يَضْمَنُ دِيَتَهُ، وعَلى أنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ، فَلا ضَمانَ عَلَيْهِ، وفَضْلُ الطَّعامِ كَفَضْلِ الشَّرابِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: أوْ خَيْطٍ يَعْنِي أنَّ مَن مَنَعَ خَيْطًا عِنْدَهُ مِمَّنْ شُقَّ بَطْنُهُ، أوْ كانَتْ بِهِ جائِفَةٌ، حَتّى ماتَ ضَمِنَ الدِّيَةَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ، وعَلى عَكْسِهِ فَلا ضَمانَ، وقَوْلُهُ: ذَكاةُ، يَعْنِي: أنَّ مَن مَرَّ بِصَيْدٍ لَمْ يَنْفَذْ مَقْتَلُهُ وأمْكَنَتْهُ تَذْكِيَتُهُ فَلَمْ يُذَكِّهِ حَتّى ماتَ، هَلْ يَضْمَنُهُ أوْ لا ؟ عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ.

وَقَوْلُهُ: فَضْلِ ما، يَعْنِي: أنَّ مَن عِنْدَهُ ماءٌ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ سَقْيِ زَرْعِهِ ولِجارِهِ زَرْعٌ ولا ماءَ لَهُ إذا مَنَعَ مِنهُ الماءَ حَتّى هَلَكَ زَرْعُهُ، هَلْ يَضْمَنُهُ أوْ لا ؟ عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ، وقَوْلُهُ: وعَمَدٌ، يَعْنِي: أنَّهُ إذا كانَتْ عِنْدَهُ عَمَدٌ جَمْعُ عَمُودٍ، فَمَنَعَها مِن جارٍ لَهُ جِدارٌ يَخافُ سُقُوطَهُ حَتّى سَقَطَ، هَلْ يَضْمَنُ أوْ لا ؟ وقَوْلُهُ: رَسْمُ شَهادَةٍ، يَعْنِي: أنَّ مَن مَنَعَ وثِيقَةً فِيها الشَّهادَةُ بِحَقٍّ حَتّى ضاعَ الحَقُّ، هَلْ يَضْمَنُهُ أوْ لا ؟ وقَوْلُهُ: وما عَطَّلَ ناظِرٌ، يَعْنِي: أنَّ النّاظِرَ عَلى مالِ اليَتِيمِ مَثَلًا إذا عَطَّلَ دَوْرَهُ فَلَمْ يُكْرِها، حَتّى فاتَ الِانْتِفاعُ بِكِرائِها زَمَنًا أوْ تَرَكَ الأرْضَ حَتّى تَبَوَّرَتْ هَلْ يَضْمَنُ أوْ لا ؟ وقَوْلُهُ: وذُو الرَّهْنِ: يَعْنِي إذا عَطَّلَ المُرْتَهِنُ كِراءَ الرَّهْنِ، حَتّى فاتَ الِانْتِفاعُ بِهِ زَمَنًا، وكانَ كِراؤُهُ لَهُ أهَمِّيَّةٌ، هَلْ يَضْمَنُ أوْ لا ؟ وقَوْلُهُ: كَذا مُفَرِّطٌ في العَلْفِ: يَعْنِي أنَّ مَن تَرَكَ دابَّةً عِنْدَ أحَدٍ ومَعَها عَلَفُها، وقالَ لَهُ: قَدِّمْ لَها العَلَفَ، فَتَرَكَ تَقْدِيمَهُ لَها حَتّى ماتَتْ، هَلْ يَضْمَنُ أوْ لا ؟ والعَلْفُ في البَيْتِ بِسُكُونِ الثّانِي، وهو تَقْدِيمُ العَلَفِ بِفَتْحِ الثّانِي.

وَقَوْلُهُ:

؎وَكالَّتِي رُدَّتْ بِعَيْبٍ وعَدَمِ

وَلِيِّها: يَعْنِي أنَّ الوَلِيَّ القَرِيبَ إذا زَوَّجَ ولِيَّتَهُ، وفِيها عَيْبٌ يُوجِبُ رَدَّ النِّكاحِ وسَكَتَتِ الزَّوْجَةُ، ولَمْ تُبَيِّنْ عَيْبَ نَفْسِها وفَلْسَ الوَلِيِّ هَلْ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلى الزَّوْجَةِ بِالصَّداقِ أوْ لا ؟ فَهَذِهِ الفُرُوعُ وما شابَهَها مَبْنِيَّةٌ عَلى الخِلافِ في الكَفِّ هَلْ هو فِعْلٌ أوْ لا ؟ والصَّحِيحُ أنَّ الكَفَّ فِعْلٌ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ واللُّغَةُ؛ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وعَلَيْهِ: فالصَّحِيحُ لُزُومُ الضَّمانِ، فِيما ذُكِرَ.

25:31Page 362

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١

And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ .

لَمّا شَكا النَّبِيُّ ﷺ إلى رَبِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا (p-٥١)القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، أنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٣١] تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ، أيْ: كَما جَعَلْنا الكُفّارَ أعْداءً لَكَ يُكَذِّبُونَكَ، ويَتَّخِذُونَ القُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلُ إلَيْكَ مَهْجُورًا، كَذَلِكَ الجَعْلُ: ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾، أيْ: جَعَلْنا لَكَ أعْداءً، كَما جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ الآيَةَ، قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾، قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ مُسْتَوْفًى عَلى كَفى اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ ”الإسْراءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا﴾، جاءَ مَعْناهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ [الإسراء: ٩٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [الأنعام: ٧١] وقَوْلُهُ: ﴿وَنَصِيرًا﴾، أيْ: وكَفى بِرَبِّكَ نَصِيرًا، جاءَ مَعْناهُ أيْضًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠] .

25:32Page 362

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢

And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ .

تَقَدَّمَتِ الآياتُ الَّتِي بِمَعْناهُ في آخِرِ سُورَةِ ”الإسْراءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠٦] وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾، أيْ: كَذَلِكَ الإنْزالُ مُفَرَّقًا بِحَسَبِ الوَقائِعِ أنْزَلْناهُ لا جُمْلَةً كَما اقْتَرَحُوا، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾، أيْ: أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا، لِنُثَبِّتَ فُؤادَكَ بِإنْزالِهِ مُفَرَّقًا.

قالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ لِنُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ عَلى حِفْظِهِ؛ لِأنَّ حِفْظَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا أسْهَلُ مِن حِفْظِهِ مَرَّةً واحِدَةً، ولَوْ نَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً.

وَقالَ بَعْضُهم: ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.

25:33Page 363

وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣

And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.

No commentary for this ayah

25:34Page 363

ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤

The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .

(p-٥٢)ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّهم شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا. وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهم تُكَبُّ وُجُوهُهم في النّارِ ويُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ فِيها؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ [النمل: ٩٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٦٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] وبَيَّنَ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ أنَّهم يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، وزادَ مَعَ ذَلِكَ أنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، وذَكَرَ في سُورَةِ ”طَهَ“، أنَّ الكافِرَ يُحْشَرُ أعْمى، قالَ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“: ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقالَ في سُورَةِ ”طَهَ“: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾ الآيَةَ [طه: ١٢٤ - ١٢٦] .

وَقَدْ بَيَّنّا وجْهَ الجَمْعِ في آيَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، وآيَةِ ”طَهَ“ المَذْكُورَتَيْنِ مَعَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ يُبْصِرُونَ ويَتَكَلَّمُونَ ويَسْمَعُونَ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ [الكهف: ٥٣]

في سُورَةِ ”طَهَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾، وكَذَلِكَ بَيَّنّا أوْجُهَ الجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، في الكَلامِ عَلى آيَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ المَذْكُورَةِ.

وَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في مِثْلِها في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الفرقان: ١٥] والمَكانُ مَحَلُّ الكَيْنُونَةِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَكُونُ حِسِّيًّا ومَعْنَوِيًّا. فالحِسِّيُّ ظاهِرٌ، والمَعْنَوِيُّ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ الآيَةَ [يوسف: ٧٧] والسَّبِيلُ الطَّرِيقُ وتُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ كَما تَقَدَّمَ، ومِن تَذْكِيرِ السَّبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] ومِن تَأْنِيثِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ الآيَةَ [يوسف: ١٠٨] .

25:35Page 363

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥

And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.

(p-٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] .

25:36Page 363

فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦

And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.

No commentary for this ayah

25:37Page 363

وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧

And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ . قَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى كَيْفِيَّةِ إغْراقِهِمْ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٦٤] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском