Ash-ShinqitiAl‑Furqan · 25:3–6

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:3–6

25:3Page 360

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣

But they have taken besides Him gods which create nothing, while they are created, and possess not for themselves any harm or benefit and possess not [power to cause] death or life or resurrection.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي يَعْبُدُها المُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ، مُتَّصِفَةٌ بِسِتَّةِ أشْياءَ، كُلُّ واحِدٍ مِنها بُرْهانٌ قاطِعٌ، أنَّ عِبادَتَها مَعَ اللَّهِ، لا وجْهَ لَها بِحالٍ، بَلْ هي ظُلْمٌ مُتَناهٍ، وجَهْلٌ عَظِيمٌ، وشِرْكٌ يَخْلُدُ بِهِ صاحِبُهُ في نارِ جَهَنَّمَ، وهَذا بَعْدَ أنْ أثْنى عَلى نَفْسِهِ جَلَّ وعَلا بِالأُمُورِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها الَّتِي هي بَراهِينُ قاطِعَةٌ، عَلى أنَّ المُتَّصِفَ بِها هو المَعْبُودُ وحْدَهُ، والأُمُورُ السِّتَّةُ الَّتِي هي مِن صِفاتِ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ: الأوَّلُ مِنها: أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، أيْ: لا تَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ.

والثّانِي مِنها: أنَّها مَخْلُوقَةٌ كُلَّها، أيْ: خَلَقَها خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.

والثّالِثُ: أنَّها لا تَمْلِكُ لِأنْفُسِها ضَرًّا ولا نَفْعًا.

الرّابِعُ والخامِسُ والسّادِسُ: أنَّها لا تَمْلِكُ مَوْتًا، ولا حَياةً، ولا نُشُورًا، أيْ: بَعْثًا بَعْدَ المَوْتِ، وهَذِهِ الأُمُورُ السِّتَّةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جاءَتْ مُبَيَّنَةً في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى.

أمّا الأوَّلُ مِنها: وهو كَوْنُ الآلِهَةِ المَعْبُودَةِ مِن دُونِ اللَّهِ لا تَخْلُقُ شَيْئًا، فَقَدْ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآيَةَ [الحج: ٧٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]

• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”فاطِرٍ“: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَةٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠] (p-١٠)

• وَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”لُقْمانَ“: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١]

• وقَوْلِهِ تَعالى في ”الأحْقافِ“: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ الفَرْقَ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ، ومَن لا يَخْلُقُ؛ لِأنَّ مَن يَخْلُقُ هو المَعْبُودُ، ومَن لا يَخْلُقُ لا تَصِحُّ عِبادَتُهُ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١] أيْ: وأمّا مَن لَمْ يَخْلُقْكم، فَلَيْسَ بِرَبٍّ، ولا بِمَعْبُودٍ لَكم، كَما لا يَخْفى.

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦] أيْ: ومَن كانَ كَذَلِكَ، فَهو المَعْبُودُ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] .

وَأمّا الأمْرُ الثّانِي مِنها: وهو كَوْنُ الآلِهَةِ المَعْبُودَةِ مِن دُونِهِ مَخْلُوقَةً، فَقَدْ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَآيَةِ ”النَّحْلِ“، و ”الأعْرافِ“، المَذْكُورَتَيْنِ آنِفًا.

أمّا آيَةُ ”النَّحْلِ“، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] فَقَوْلُهُ: ﴿وَهم يُخْلَقُونَ﴾ صَرِيحٌ في ذَلِكَ. وأمّا آيَةُ ”الأعْرافِ“، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَأمّا الأمْرُ الثّالِثُ مِنها: وهو كَوْنُهم لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا، فَقَدْ جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ [الرعد: ١٦] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢] ومَن لا يَنْصُرُ نَفْسَهُ فَهو لا يَمْلِكُ لَها ضَرًّا ولا نَفْعًا. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] (p-١١)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٩٥ - ١٩٧] .

وَفِيها الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّهم لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ شَيْئًا، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ الآيَةَ [الحج: ٧٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَأمّا الرّابِعُ والخامِسُ والسّادِسُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ: أعْنِي كَوْنَهم لا يَمْلِكُونَ مَوْتًا، ولا حَياةً، ولا نُشُورًا. فَقَدْ جاءَتْ أيْضًا مُبَيَّنَةً في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠] .

فَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ شُرَكاءَهم لَيْسَ واحِدٌ مِنهم يَقْدِرُ أنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ المَذْكُورِ في الآيَةِ، ومِنهُ الحَياةُ المُعَبَّرُ عَنْها بِـ: خَلَقَكم، والمَوْتُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾، والنُّشُورُ المُعَبَّرُ

• بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾، وبَيَّنَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ نُشُورًا

• بِقَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١] . وبَيَّنَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ حَياةً ولا نُشُورًا، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآيَةَ [يونس: ٣٤] . وبَيَّنَ أنَّهُ وحْدَهُ الَّذِي بِيَدِهِ المَوْتُ والحَياةُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ الآيَةَ [المنافقون: ١١]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ الآيَةَ [لقمان: ٤]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ الآيَةَ [غافر: ١١]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا مِن بَيانِ هَذِهِ الآياتِ بَعْضِها لِبَعْضٍ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾، أظْهَرُ الأقْوالِ فِيهِ أنَّ المَعْنى: لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ دَفَعَ ضَرَرٍ ولا جَلْبَ نَفْعٍ؛ كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ (p-١٢)وَغَيْرُهُ. وغايَةُ ما في هَذا التَّفْسِيرِ حَذْفُ مُضافٍ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ أشارَ إلَيْهِ في ”الخُلاصَةِ“ بِقَوْلِهِ:

؎وَما يَلِي المُضافَ يَأْتِي خَلَفا عَنْهُ في الإعْرابِ إذا ما حُذِفا

وَقِيلَ المَعْنى: لا يَقْدِرُونَ أنْ يَضُرُّوا أنْفُسَهم، أوْ يَنْفَعُوها بِشَيْءٍ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ، أيْ: وإذا عَجَزُوا عَنْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْ أنْفُسِهِمْ وجَلْبِ نَفْعٍ لَها فَهم عَنِ المَوْتِ والحَياةِ والنُّشُورِ أعْجَزُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ جَلَّ وعَلا.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلا نُشُورًا﴾، اعْلَمْ أنَّ النُّشُورَ يُطْلَقُ في العَرَبِيَّةِ إطْلاقَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ نَشَرَ الثُّلاثِيِّ المُتَعَدِّي، تَقُولُ: نَشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ يَنْشُرُهُ نَشْرًا ونُشُورًا.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ نَشَرَ المَيِّتُ يَنْشُرُ نُشُورًا لازِمًا، والمَيِّتُ فاعِلُ نَشَرَ.

والحاصِلُ أنَّ في المادَّةِ ثَلاثَ لُغاتٍ، الأُولى: أنْشَرَهُ رُباعِيًّا بِالهَمْزَةِ يَنْشُرُهُ بِضَمِّ الياءِ إنْشارًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ [البقرة: ٢٥٩] بِضَمِّ النُّونِ وبِالرّاءِ المُهْمِلَةِ في قِراءَةِ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، وهو مُضارِعُ أنْشَرَهُ. والثّانِيَةُ: نَشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ يَنْشُرُهُ بِصِيغَةِ الثُّلاثِيِّ المُتَعَدِّي، والمَصْدَرُ في هَذِهِ اللُّغَةِ النَّشْرُ والنُّشُورُ، ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا: ﴿حَياةً ولا نُشُورًا﴾، أيْ لا يَمْلِكُونَ أنْ يَنْشُرُوا أحَدًا، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ. والثّالِثَةُ: نَشَرَ المَيِّتُ بِصِيغَةِ الثُّلاثِيِّ اللّازِمِ، ومَعْنى أنْشَرَهُ ونَشَرَهُ مُتَعَدِّيًا: أحْياهُ بَعْدَ المَوْتِ، ومَعْنى نَشَرَ المَيِّتُ لازِمًا: حَيِيَ المَيِّتُ وعاشَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وإطْلاقُ النَّشْرِ والنُّشُورِ عَلى الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ، وإطْلاقُ النُّشُورِ عَلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِن إطْلاقِهِمْ نَشَرَ المَيِّتُ لازِمًا فَهو ناشِرٌ، أيْ: عاشَ بَعْدَ المَوْتِ، قَوْلُ الأعْشى:

؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى نَحْرِها ∗∗∗ عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ

؎حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ

وَمِن إطْلاقِ النُّشُورِ بِمَعْنى الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ، مَصْدَرُ الثُّلاثِيِّ المُتَعَدِّي، قَوْلُهُ هُنا: (p-١٣)﴿وَلا نُشُورًا﴾، أيْ: بَعْثًا بَعْدَ المَوْتِ، ومِن إطْلاقِهِمُ النُّشُورَ بِمَعْنى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ مَصْدَرُ الثُّلاثِيِّ اللّازِمِ، قَوْلُ الآخَرِ:

؎إذا قَبَّلْتَها كَرَعَتْ بِفِيها ∗∗∗ كُرُوعَ العَسْجَدِيَّةِ في الغَدِيرِ

؎فَيَأْخُذْنِي العَناقُ مُبَرِّدٌ فِيها ∗∗∗ بِمَوْتٍ في عِظامِي

؎أوْ فُتُورِ فَنَحْيا تارَةً ونَمُوتُ أُخْرى ∗∗∗ ونَخْلِطُ ما نَمُوتُ بِالنُّشُورِ

فَقَدْ جَعَلَ الغَيْبُوبَةَ مِن شِدَّةِ اللَّذَّةِ مَوْتًا، والإفاقَةَ مِنها نُشُورًا، أيْ: حَياةً بَعْدَ المَوْتِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، حُذِفَ فِيهِ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ، أيِ: اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أصْنامًا آلِهَةً؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٧٤] والآلِهَةُ جَمْعُ إلَهٍ، فَهو فِعالٌ مَجْمُوعٌ عَلى أفْعِلَةٍ، لِأنَّ الألِفَ الَّتِي بَعْدَ الهَمْزَةِ مُبْدَلَةٌ مِن هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ هي فاءُ الكَلِمَةِ، كَما قالَ في ”الخُلاصَةِ“:

؎وَمَدًّا أبْدِلْ ثانِيَ الهَمْزَيْنِ مِن ∗∗∗ كِلْمَةٍ إنْ يَسْكُنْ كَآثَرَ وأْتَمِن

والإلَهُ المَعْبُودُ فَهو فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وإتْيانُ الفِعالِ بِمَعْنى المَفْعُولِ جاءَتْ مِنهُ أمْثِلَةٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ كالإلاهِ بِمَعْنى المَأْلُوهِ، أيِ: المَعْبُودِ، والكِتابِ بِمَعْنى المَكْتُوبِ، واللِّباسِ بِمَعْنى المَلْبُوسِ، والإمامِ بِمَعْنى المُؤْتَمِّ بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المَعْبُودَ بِحَقٍّ واحِدٌ، وغَيْرُهُ مِنَ المَعْبُوداتِ أسْماءٌ سَمّاها الكَفّارُ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ: ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ الآيَةَ ٥٣ \ ٢٣ ] .

25:4Page 360

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤

And those who disbelieve say, "This [Qur’ān] is not except a falsehood he invented, and another people assisted him in it." But they have committed an injustice and a lie.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ﴾، أيْ: ما هَذا القُرْآنُ إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ وأعانَهُ عَلَيْهِ عَلى الإفْكِ الَّذِي افْتَراهُ قَوْمٌ آخَرُونَ، قِيلَ: اليَهُودُ، وقِيلَ: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبَ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارُ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وأبُو فُكَيْهَةَ الرُّومِيُّ، قالَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحُرِّ العَبْدَرِيُّ.

(p-١٤)وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ الكُفّارَ كَذَّبُوهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ أنَّ القُرْآنَ كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ، وأنَّهُ أعانَهُ عَلى ذَلِكَ قَوْمٌ آخَرُونَ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [ص: ٤]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٦٦]

والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلى النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ أعانَهُ عَلى افْتِراءِ القُرْآنِ قَوْمٌ آخَرُونَ جاءَ أيْضًا مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] أيْ: يَرْوِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَنْ غَيْرِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في ”الأنْعامِ“، وقَدْ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فِيما افْتَرَوْا عَلَيْهِ مِنَ البُهْتانِ

• بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ظُلْمُهم أنْ جَعَلُوا العَرَبِيَّ يَتَلَقَّنُ مِنَ الأعْجَمِيِّ الرُّومِيِّ كَلامًا عَرَبِيًّا أعْجَزَ بِفَصاحَتِهِ جَمِيعَ فُصَحاءِ العَرَبِ، والزُّورُ هو أنْ بَهَتُوهُ بِنِسْبَةِ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ إلَيْهِ، انْتَهى. وتَكْذِيبُهُ جَلَّ وعَلا لَهم في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ الآيَةَ [المدثر: ٢٤ - ٢٧]

لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ افْتِرائِهِ عَلى القُرْآنِ العَظِيمِ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ افْتِرائِهِ وأنَّهُ سَيَصْلى بِسَبَبِهِ عَذابَ سَقَرَ، أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها، ومِن كُلِّ ما قَرُبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ.

واعْلَمْ: أنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُ جاءَ وأتى بِمَعْنى: فَعَلَ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا﴾، أيْ: فَعَلُوهُ، وقِيلَ: بِتَقْدِيرِ الباءِ، أيْ: جاءُوا بِظُلْمٍ، ومِن إتْيانَ أتى بِمَعْنى فَعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾، أيْ: بِما فَعَلُوهُ. وقَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: (p-١٥)

؎فَما يَكُ مِن خَيْرٍ أتَوْهُ فَإنَّما تَوارَثَهُ آباءُ آبائِهِمْ قَبْلُ

واعْلَمْ بِأنَّ الإفْكَ هو أسْوَأُ الكَذِبِ، لِأنَّهُ قَلْبٌ لِلْكَلامِ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، والعَرَبُ تَقُولُ: أفَكَهُ بِمَعْنى قَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] وإنَّما قِيلَ لَها مُؤْتَفِكاتٌ؛ لِأنَّ المَلِكَ أفَكَها، أيْ: قَلَبَها؛ كَما أوْضَحَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ [هود: ٨٢] .

25:5Page 360

وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥

And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في الأُولى مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ الكُفّارَ، قالُوا: إنَّ هَذا القُرْآنَ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، أيْ: مِمّا كَتَبَهُ وسَطَرَهُ الأوَّلُونَ كَأحادِيثِ رُسْتُمَ وأسْفَنْدِيارَ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَهُ، وأخَذَهُ مِن تِلْكَ الأساطِيرِ، وأنَّهُ اكْتَتَبَ تِلْكَ الأساطِيرَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ كَتَبَها لِنَفْسِهِ وأخَذَها، كَما تَقُولُ: اسْتَكَبَ الماءَ واصْطَبَّهُ إذا سَكَبَهُ وصَبَّهُ لِنَفْسِهِ وأخَذَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾، أيْ: تُلْقى إلَيْهِ، وتُقْرَأُ عَلَيْهِ عِنْدَ إرادَتِهِ كِتابَتَها لِيَكْتُبَها، والإمْلاءُ إلْقاءُ الكَلامِ عَلى الكاتِبِ لِيَكْتُبَهُ، والهَمْزَةُ مُبْدَلَةٌ مِنَ اللّامِ تَخْفِيفًا، والأصْلُ في الإمْلاءِ الإمْلالُ بِاللّامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨] .

وَقَوْلُهُ: ﴿بُكْرَةً وأصِيلًا﴾، البُكَرَةُ: أوَّلُ النَّهارِ، والأصِيلُ: آخِرُهُ.

وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّ الكُفّارَ، قالُوا: إنَّ القُرْآنَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَلَّمَهُ مِن غَيْرِهِ وكَتَبَهُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الكهف: ٣١] .

وَقَدْ ذَكَرْنا آنِفًا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى أنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلَيْهِ أنَّهُ تَعَلَّمَ القُرْآنَ مِن غَيْرِهِ، وأوْضَحْنا تَعَنُّتَهم وكَذِبَهم في ذَلِكَ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، ودَلالَةُ الآياتِ عَلى ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

(p-١٦)وَمِنَ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى كَذِبِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ﴾، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٧ - ١٥٨] والأُمِّيُّ هو الَّذِي لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، وما ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في الآيَةِ الأخِيرَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ، جاءَ أيْضًا مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠٢]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٩٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ [طه: ٤]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: ومَن يَعْلَمُ السِّرَّ، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ.

وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن كَوْنِهِ تَعالى يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ [طه: ٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (p-١٧)[النمل: ٧٥] والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، قالَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ: هو دُعاءٌ لَهم إلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ، وإخْبارٌ لَهم بِأنَّ رَحْمَتَهُ واسِعَةٌ، وأنَّ حِلْمَهُ عَظِيمٌ، وأنَّ مَن تابَ إلَيْهِ تابَ عَلَيْهِ، فَهَؤُلاءِ مَعَ كَذِبِهِمْ، وافْتِرائِهِمْ، وفُجُورِهِمْ، وبُهْتانِهِمْ، وكُفْرِهِمْ، وعِنادِهِمْ، وقَوْلِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ والقُرْآنِ ما قالُوا يَدْعُوهم إلى التَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ إلى الإسْلامِ والهُدى؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٤]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] .

قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: انْظُرُوا إلى هَذا الكَرَمِ والجُودِ، قَتَلُوا أوْلِياءَهُ، وهو يَدْعُوهم إلى التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وما ذَكَرَهُ واضِحٌ.

والآياتُ الدّالَّةُ عَلى مِثْلِهِ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ الآيَةَ [طه: ٨٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

25:6Page 360

قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦

Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском