Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:61–72
25:61Page 365
تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١
Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُّنِيرًا﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في مَعْنى تَبارَكَ، في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.
والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ العالِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالبُرُوجِ في الآيَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: هي الكَواكِبُ العِظامُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي صالِحٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ هي قُصُورٌ في السَّماءِ لِلْحَرَسِ. ويُرْوى هَذا عَنْ عَلَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، وسُلَيْمانَ بْنِ مِهْرانَ الأعْمَشِ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي صالِحٍ أيْضًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ الكَواكِبُ العِظامُ، هي قُصُورٌ لِلْحَرَسِ فَيَجْتَمِعُ القَوْلانِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“: البُرُوجُ مَنازِلُ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ السَّيّارَةِ: الحَمْلُ، والثَّوْرُ، والجَوْزاءُ، والسَّرَطانُ، والأسَدُ، والسُّنْبُلَةُ، والمِيزانُ، والعَقْرَبُ، والقَوْسُ، والجَدْيُ، والدَّلْوُ، والحُوتُ، سُمِّيَتِ البُرُوجُ الَّتِي هي القُصُورُ العالِيَةُ؛ لِأنَّها لِهَذِهِ الكَواكِبِ كالمَنازِلِ لِسُكّانِها، واشْتِقاقُ البُرْجِ مِنَ التَّبَرُّجِ لِظُهُورٍ، اه مِنهُ.
وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا هُنا مِن أنَّهُ جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وهو الشَّمْسُ، وقَمَرًا مُنِيرًا، بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا﴾ [النبإ: ١٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦] وقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾، بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ الرّاءِ بَعْدَها ألِفٌ عَلى الإفْرادِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: سُرُجًا بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ جَمْعُ سِراجٍ، فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِإفْرادِ السِّراجِ، فالمُرادُ (p-٧٢)بِهِ الشَّمْسُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦]
وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالجَمْعِ، فالمُرادُ بِالسُّرُجِ: الشَّمْسُ والكَواكِبُ العِظامُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ أنَّ القَمَرَ في السَّماءِ المَبْنِيَّةِ لا السَّماءِ الَّتِي هي مُطْلَقُ ما عَلاكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ بَيَّنَ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، أنَّ السَّماءَ الَّتِي جُعِلَ فِيها البُرُوجُ هي المَحْفُوظَةَ، والمَحْفُوظَةُ هي المَبْنِيَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ [النبإ: ١٢] ولَيْسَتْ مُطْلَقُ ما عَلاكَ، والبَيانُ المَذْكُورُ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وَحَفِظْناها﴾ الآيَةَ [الحجر: ١٦ - ١٧] فَآيَةُ ”الحِجْرِ“ هَذِهِ دالَّةٌ عَلى أنَّ ذاتَ البُرُوجِ هي المَبْنِيَّةُ المَحْفُوظَةُ، لا مُطْلَقُ ما عَلاكَ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّهُ جَلَّ وعَلا في آيَةِ ”الفُرْقانِ“ هَذِهِ، بَيَّنَ أنَّ القَمَرَ في السَّماءِ الَّتِي جَعَلَ فِيها البُرُوجَ؛ لِأنَّهُ قالَ هُنا: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُطْلَقُ ما عَلاكَ، وهَذا الظّاهِرُ لا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ العُدُولُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ .
فَإنْ قِيلَ: يُوجَدُ في كَلامِ بَعْضِ السَّلَفِ، أنَّ القَمَرَ في فَضاءٍ بَعِيدٍ مِنَ السَّماءِ، وأنَّ عِلْمَ الهَيْئَةِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ الأرْصادَ الحَدِيثَةَ بَيَّنَتْ ذَلِكَ.
قُلْنا: تَرْكُ النَّظَرِ في عِلْمِ الهَيْئَةِ عَمَلٌ بِهَدْيِ القُرْآنِ العَظِيمِ؛ لِأنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لَمّا تاقَتْ نُفُوسُهم إلى تَعَلُّمِ هَيْئَةِ القَمَرِ مِنهُ ﷺ، وقالُوا لَهُ: «يا نَبِيَّ اللَّهِ ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَكْبُرُ حَتّى يَسْتَدِيرَ بَدْرًا ؟ نَزَلَ القُرْآنُ بِالجَوابِ بِما فِيهِ فائِدَةٌ لِلْبَشَرِ، وتَرَكَ ما لا فائِدَةَ فِيهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾» [البقرة: ١٨٩] وهَذا البابُ الَّذِي أرْشَدَ القُرْآنُ العَظِيمُ إلى سَدِّهِ لَمّا فَتَحَهُ الكَفَرَةُ كانَتْ نَتِيجَةُ فَتْحِهِ الكُفْرَ، والإلْحادَ وتَكْذِيبَ اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، والَّذِي أرْشَدَ اللَّهُ إلَيْهِ في كِتابِهِ هو النَّظَرُ في غَرائِبِ صُنْعِهِ وعَجائِبِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ، وهَذا المَقْصِدُ الأساسِيُّ لَمْ يَحْصُلْ لِلنّاظِرِينَ في الهَيْئَةِ مِنَ الكُفّارِ.
وَعَلى كُلِّ حالٍ، فَلا يَجُوزُ لِأحَدٍ تَرْكُ ظاهِرِ القُرْآنِ العَظِيمِ إلّا لِدَلِيلٍ مُقْنِعٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ.
(p-٧٣)وَلا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ يُحاوِلُونَ الصُّعُودَ إلى القَمَرِ بِآلاتِهِمْ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم نَزَلُوا عَلى سَطْحِهِ، سَيَنْتَهِي أمْرُهم إلى ظُهُورِ حَقارَتِهِمْ، وضَعْفِهِمْ، وعَجْزِهِمْ، وذُلِّهِمْ أمامَ قُدْرَةِ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ جَلَّ وعَلا.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، أنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١٠ - ١١] .
فَإنْ قِيلَ: الآياتُ الَّتِي اسْتَدْلَلْتَ بِها عَلى أنَّ القَمَرَ في السَّماءِ المَحْفُوظَةِ فِيها احْتِمالٌ عَلى أُسْلُوبٍ عَرَبِيٍّ مَعْرُوفٍ، يَقْتَضِي عَدَمَ دَلالَتِها عَلى ما ذَكَرْتَ، وهو عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى اللَّفْظِ وحْدَهُ، دُونَ المَعْنى.
وَإيضاحُهُ أنْ يُقالَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾، هي السَّماءُ المَحْفُوظَةُ، ولَكِنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾، راجِعٌ إلى مُطْلَقِ لَفْظِ السَّماءِ الصّادِقِ بِمُطْلَقِ ما عَلاكَ في اللُّغَةِ، وهَذا أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، بِمَسْألَةِ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ: نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١] أيْ: ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ مُعَمَّرٍ آخَرَ.
قُلْنا: نَعَمْ، هَذا مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ عِنْدَنا دَلِيلٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والعُدُولُ عَنْ ظاهِرِ القُرْآنِ العَظِيمِ لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وظاهِرُ القُرْآنِ أوْلى بِالِاتِّباعِ والتَّصْدِيقِ مِن أقْوالِ الكَفَرَةِ ومُقَلِّدِيهِمْ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
25:62Page 365
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢
And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.
No commentary for this ayah
25:63Page 365
وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣
And the servants of the Most Merciful are those who walk upon the earth easily,1 and when the ignorant address them [harshly], they say [words of] peace,2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٧] .
25:64Page 365
وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤
And those who spend [part of] the night to their Lord prostrating and standing [in prayer]
(p-٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ . ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، مِن أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ، يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويُصَلُّونَ لَهُ، بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ ﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٦ - ١٨]
وقَوْلُهُ تَعالى: يَبِيتُونَ، قالَ الزَّجّاجُ: باتَ الرَّجُلُ يَبِيتُ، إذا أدْرَكَهُ اللَّيْلُ، نامَ أوْ لَمْ يَنَمْ، قالَ زُهَيْرٌ:
؎فَبِتْنا قِيامًا عِنْدَ رَأْسِ جَوادِنا يُزاوِلُنا عَنْ نَفْسِهِ ونُزاوِلُهْ
انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ.
25:65Page 365
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥
And those who say, "Our Lord, avert from us the punishment of Hell. Indeed, its punishment is ever adhering;
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ .
الأظْهَرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كانَ غَرامًا﴾، أيْ: كانَ لازِمًا دائِمًا غَيْرَ مُفارِقٍ، ومِنهُ سُمِّيَ الغَرِيمُ لِمُلازَمَتِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ مُغْرَمٌ بِكَذا، أيْ: لازِمٌ لَهُ، مُولَعٌ بِهِ.
وَهَذا المَعْنى دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ [النبإ: ٣٠]
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: ٨٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: الغَرامُ أشَدُّ العَذابِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الغَرامُ الشَّرُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَلاكُ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وقَوْلُ الأعْشى:
؎إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِ
(p-٧٥)يَعْنِي: يَكُنْ عَذابُهُ دائِمًا لازِمًا، وكَذَلِكَ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ:
؎وَيَوْمُ النِّسارِ ويَوْمُ الجِفا ∗∗∗ رِ كانا عَذابًا وكانا غَراما
وَذَلِكَ هو الأظْهَرُ أيْضًا في قَوْلِ الآخَرِ:
؎وَما أكْلَةٌ إنْ نِلْتُها بِغَنِيمَةٍ ∗∗∗ ولا جَوْعَةٌ إنْ جُعْتُها بِغَرامِ
25:66Page 365
إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦
Indeed, it is evil as a settlement and residence."
No commentary for this ayah
25:67Page 365
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧
And [they are] those who, when they spend, do so not excessively or sparingly but are ever, between that, [justly] moderate
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ولَمْ يُقْتِرُوا بِضَمِّ الياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ، مُضارِعُ أقْتَرَ الرُّباعِيِّ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ولَمْ يَقْتِرُوا بِفَتْحِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وكَسْرِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، مُضارِعُ قَتَرَ الثُّلاثِيِّ كَضَرَبَ، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ولَمْ يَقْتُرُوا بِفَتْحِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وضَمِّ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، مُضارِعُ قَتَرَ الثُّلاثِيِّ كَنَصَرَ، والإقْتارُ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ، والقَتْرُ عَلى قِراءَةِ الباقِينَ مَعْناهُما واحِدٌ، وهو التَّضْيِيقُ المُخِلُّ بِسَدِّ الخَلَّةِ اللّازِمُ، والإسْرافُ في قَوْلِهِ تَعالى: لَمْ يُسْرِفُوا، مُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفَقَةِ.
واعْلَمْ أنَّ أظْهَرَ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ اللَّهَ مَدَحَ عِبادَهُ الصّالِحِينَ بِتَوَسُّطِهِمْ في إنْفاقِهِمْ، فَلا يُجاوِزُونَ الحَدَّ بِالإسْرافِ في الإنْفاقِ، ولا يَقْتُرُونَ، أيْ: لا يُضَيِّقُونَ فَيَبْخَلُونَ بِإنْفاقِ القَدْرِ اللّازِمِ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الإسْرافُ في الآيَةِ: الإنْفاقُ في الحَرامِ والباطِلِ، والإقْتارُ مَنعُ الحَقِّ الواجِبِ، وهَذا المَعْنى وإنْ كانَ حَقًّا فالأظْهَرُ في الآيَةِ هو القَوْلُ الأوَّلُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآيَةَ، أيْ: لَيْسُوا مُبَذِّرِينَ في إنْفاقِهِمْ، فَيَصْرِفُوا فَوْقَ الحاجَةِ، ولا بُخَلاءَ عَلى أهْلِيهِمْ، فَيُقَصِّرُوا في حَقِّهِمْ فَلا يَكْفُوهم بَلْ عَدْلًا خِيارًا، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْسَطُها، لا هَذا ولا هَذا، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾، أيْ: بَيْنَ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الإسْرافِ والقَتْرِ قَوامًا أيْ: عَدْلًا وسَطًا سالِمًا مِن عَيْبِ الإسْرافِ والقَتْرِ.
وَأظْهَرُ أوْجُهِ الإعْرابِ عِنْدِي في الآيَةِ هو ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، قالَ: قَوامًا خَبَرُ (p-٧٦)كانَ، واسْمُها مُقَدَّرٌ فِيها، أيْ: كانَ الإنْفاقُ بَيْنَ الإسْرافِ والقَتْرِ قَوامًا، ثُمَّ قالَ: قالَهُ الفَرّاءُ، وباقِي أوْجُهِ الإعْرابِ في الآيَةِ لَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي؛ كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ لَفْظَةَ بَيْنَ هي اسْمُ كانَ، وأنَّها لَمْ تُرْفَعْ لِبِنائِها بِسَبَبِ إضافَتِها إلى مَبْنِيٍّ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ بَيْنَ هي خَبَرُ كانَ، و قَوامًا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ، ومَن قالَ: إنَّهُما خَبَرانِ، كُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي، والأظْهَرُ الأوَّلُ. والظّاهِرُ أنَّ التَّوَسُّطَ في الإنْفاقِ الَّذِي مَدَحَهم بِهِ شامِلٌ لِإنْفاقِهِمْ عَلى أهْلِيهِمْ، وإنْفاقِهِمُ المالَ في أوْجُهِ الخَيْرِ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ فَمِن ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أوْصى نَبِيَّهُ ﷺ بِالعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٩] فَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾، أيْ: مُمْسِكَةً عَنِ الإنْفاقِ إمْساكًا كُلِّيًّا، يُؤَدِّي مَعْنى قَوْلِهِ هُنا: ولَمْ يَقْتُرُوا. وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾، يُؤَدِّي مَعْنى قَوْلِهِ هُنا: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾، وأشارَ تَعالى إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٩] عَلى أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا المَعْنى في أوَّلِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] .
* *
مَسْألَةٌ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآيَةَ، والآياتُ الَّتِي ذَكَرْناها مَعَها، قَدْ بَيَّنَتْ أحَدَ رُكْنَيْ ما يُسَمّى الآنَ بِالِاقْتِصادِ.
وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ العُقَلاءِ أنَّ جَمِيعَ مَسائِلِ الِاقْتِصادِ عَلى كَثْرَتِها واخْتِلافِ أنْواعِها راجِعَةٌ بِالتَّقْسِيمِ الأوَّلِ إلى أصْلَيْنِ، لا ثالِثَ لَهُما.
الأوَّلُ مِنهُما: اكْتِسابُ المالِ.
والثّانِي مِنهُما: صَرْفُهُ في مَصارِفِهِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ الِاقْتِصادَ عَمَلٌ مُزْدَوَجٌ، ولا فائِدَةَ في واحِدٍ مِنَ الأصْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ إلّا بِوُجُودِ الآخَرِ، فَلَوْ كانَ الإنْسانُ أحْسَنَ النّاسِ نَظَرًا في (p-٧٧)أوْجُهِ اكْتِسابِ المالِ، إلّا أنَّهُ أخْرَقُ جاهِلٍ بِأوْجُهِ صَرْفِهِ، فَإنَّ جَمِيعَ ما حَصَلَ مِنَ المالِ يَضِيعُ عَلَيْهِ بِدُونِ فائِدَةٍ، وكَذَلِكَ إذا كانَ الإنْسانُ أحْسَنَ النّاسِ نَظَرًا في صَرْفِ المالِ في مَصارِفِهِ المُنْتِجَةِ إلّا أنَّهُ أخْرَقُ جاهِلٍ بِأوْجُهِ اكْتِسابِهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ حُسْنُ نَظَرِهِ في الصَّرْفِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَحْصِيلِ شَيْءٍ يَصْرِفُهُ، والآياتُ المَذْكُورَةُ أرْشَدَتِ النّاسَ ونَبَّهَتْهم عَلى الِاقْتِصادِ في الصَّرْفِ.
وَإذا عَلِمْتَ أنَّ مَسائِلَ الِاقْتِصادِ كُلَّها راجِعَةٌ إلى الأصْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وأنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ دَلَّتْ عَلى أحَدِهِما، فاعْلَمْ أنَّ الآخَرَ مِنهُما وهو اكْتِسابُ المالِ أرْشَدَتْ إلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ دَلَّتْ عَلى فَتْحِ اللَّهِ الأبْوابَ إلى اكْتِسابِ المالِ بِالأوْجُهِ اللّائِقَةِ، كالتِّجاراتِ وغَيْرِها؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] والمُرادُ بِفَضْلِ اللَّهِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ رِبْحُ التِّجارَةِ؛
• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٩]
أنْواعَ الشَّرِكاتِ وأسْماءَها، وبَيَّنّا ما يَجُوزُ مِنها، وما لا يَجُوزُ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وأوْضَحْنا ما اتَّفَقُوا عَلى مَنعِهِ، وما اتَّفَقُوا عَلى جَوازِهِ، وما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وبِهِ تَعْلَمُ كَثْرَةَ الطُّرُقِ الَّتِي فَتَحَها اللَّهُ لِاكْتِسابِ المالِ بِالأوْجُهِ الشَّرْعِيَّةِ اللّائِقَةِ.
وَإذا عَلِمْتَ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ جَمِيعَ مَسائِلِ الِاقْتِصادِ راجِعَةٌ إلى أصْلَيْنِ، هُما: اكْتِسابُ المالِ، وصَرْفُهُ في مَصارِفِهِ، فاعْلَمْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، لا بُدَّ لَهُ مِن أمْرَيْنِ ضَرُورِيَّيْنِ لَهُ: الأوَّلُ مِنهُما: مَعْرِفَةُ حُكْمِ اللَّهِ فِيهِ، لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا لَمْ يُبِحِ اكْتِسابَ المالِ بِجَمِيعِ الطُّرُقِ الَّتِي يَكْتَسِبُ بِها المالَ، بَلْ أباحَ بَعْضَ الطُّرُقِ، وحَرَّمَ بَعْضَها؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ولَمْ يُبِحِ اللَّهُ جَلَّ وعَلا صَرْفَ المالِ في كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ أباحَ بَعْضَ الصَّرْفِ وحَرَّمَ بَعْضَهُ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] وقالَ تَعالى في الصَّرْفِ الحَرامِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ (p-٧٨)الآيَةَ [الأنفال: ٣٦] فَمَعْرِفَةُ حُكْمِ اللَّهِ في اكْتِسابِ المالِ وفي صَرْفِهِ في مَصارِفِهِ أمْرٌ ضَرُورِيٌّ لا بُدَّ مِنهُ، لِأنَّ مَن لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ قَدْ يَكْتَسِبُ المالَ مِن وجْهٍ حَرامٍ، والمالُ المُكْتَسَبُ مِن وجْهٍ حَرامٍ، لا خَيْرَ فِيهِ البَتَّةَ، وقَدْ يُصْرَفُ المالُ في وجْهٍ حَرامٍ، وصَرْفُهُ في ذَلِكَ حَسْرَةٌ عَلى صاحِبِهِ.
الأمْرُ الثّانِي: هو مَعْرِفَةُ الطَّرِيقِ الكَفِيلَةِ بِاكْتِسابِ المالِ، فَقَدْ يَعْلَمُ الإنْسانُ مثلًا أنَّ التِّجارَةَ في النَّوْعِ الفُلانِيِّ مُباحَةٌ شَرْعًا، ولَكِنَّهُ لا يَعْلَمُ أوْجُهَ التَّصَرُّفِ بِالمَصْلَحَةِ الكَفِيلَةِ بِتَحْصِيلِ المالِ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وكَمْ مِن مُتَصَرِّفٍ يُرِيدُ الرِّبْحَ، فَيَعُودُ عَلَيْهِ تَصَرُّفُهُ بِالخُسْرانِ، لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِالأوْجُهِ الَّتِي يُحَصِّلُ بِها الرِّبْحَ. وكَذَلِكَ قَدْ يَعْلَمُ الإنْسانُ أنَّ الصَّرْفَ في الشَّيْءِ الفُلانِيِّ مُباحٌ، وفِيهِ مَصْلَحَةٌ، ولَكِنَّهُ لا يَهْتَدِي إلى مَعْرِفَةِ الصَّرْفِ المَذْكُورِ، كَما هو مُشاهَدٌ في المَشارِيعِ الكَثِيرَةِ النَّفْعِ إنْ صَرَفَ فِيها المالَ بِالحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، فَإنَّ جَوازَ الصَّرْفِ فِيها مَعْلُومٌ، وإيقاعُ الصَّرْفِ عَلى وجْهِ المَصْلَحَةِ لا يَعْلَمُهُ كُلُّ النّاسِ.
وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ أُصُولَ الِاقْتِصادِ الكِبارَ أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ: مَعْرِفَةُ حُكْمِ اللَّهِ في الوَجْهِ الَّذِي يُكْتَسَبُ بِهِ المالُ، واجْتِنابُ الِاكْتِسابِ بِهِ، إنْ كانَ مُحَرَّمًا شَرْعًا.
الثّانِي: حُسْنُ النَّظَرِ في اكْتِسابِ المالِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ ما يُبِيحُهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وما لا يُبِيحُهُ.
الثّالِثُ: مَعْرِفَةُ حُكْمِ اللَّهِ في الأوْجُهِ الَّتِي يُصْرَفُ فِيها المالُ، واجْتِنابُ المُحَرَّمِ مِنها.
الرّابِعُ: حُسْنُ النَّظَرِ في أوْجُهِ الصَّرْفِ، واجْتِنابُ ما لا يُفِيدُ مِنها، فَكُلُّ مَن بَنى اقْتِصادَهُ عَلى هَذِهِ الأُسُسِ الأرْبَعَةِ كانَ اقْتِصادُهُ كَفِيلًا بِمَصْلَحَتِهِ، وكانَ مُرْضِيًّا لِلَّهِ جَلَّ وعَلا، ومَن أخَلَّ بِواحِدٍ مِن هَذِهِ الأُسُسِ الأرْبَعَةِ كانَ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن جَمَعَ المالَ بِالطُّرُقِ الَّتِي لا يُبِيحُها اللَّهُ جَلَّ وعَلا فَلا خَيْرَ في مالِهِ، ولا بَرَكَةَ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٠٠] .
وَقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى مَسائِلِ الرِّبا في آيَةِ الرِّبا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، وتَكَلَّمْنا عَلى أنْواعِ (p-٧٩)الشَّرِكاتِ وأسْمائِها، وبَيَّنّا ما يَجُوزُ مِنها وما لا يَجُوزُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٩] .
وَلا شَكَّ أنَّهُ يُلْزِمُ المُسْلِمِينَ في أقْطارِ الدُّنْيا التَّعاوُنَ عَلى اقْتِصادٍ يُجِيزُهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، ويَكُونُ كَفِيلًا بِمَعْرِفَةِ طُرُقِ تَحْصِيلِ المالِ بِالأوْجُهِ الشَّرْعِيَّةِ، وصَرْفِهِ في مَصارِفِهِ المُنْتِجَةِ الجائِزَةِ شَرْعًا؛ لِأنَّ الِاقْتِصادَ المَوْجُودَ الآنَ في أقْطارِ الدُّنْيا لا يُبِيحُهُ الشَّرْعُ الكَرِيمُ، لِأنَّ الَّذِينَ نَظَّمُوا طُرُقَهُ لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَمُعامَلاتُ البُنُوكِ والشَّرِكاتِ لا تَجِدُ شَيْئًا مِنها يَجُوزُ شَرْعًا، لِأنَّها إمّا مُشْتَمِلَةٌ عَلى زِياداتٍ رِبَوِيَّةٍ، أوْ عَلى غَرَرٍ، لا تَجُوزُ مَعَهُ المُعامَلَةُ كَأنْواعِ التَّأْمِينِ المُتَعارَفَةِ عِنْدَ الشَّرِكاتِ اليَوْمَ في أقْطارِ الدُّنْيا، فَإنَّكَ لا تَكادُ تَجِدُ شَيْئًا مِنها سالِمًا مِنَ الغَرَرِ، وتَحْرِيمُ بَيْعِ الغَرَرِ ثابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن يَدَّعِي إباحَةَ أنْواعِ التَّأْمِينِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ الشَّرِكاتِ، مِنَ المُعاصِرِينَ أنَّهُ مُخْطِئٌ في ذَلِكَ، ولِأنَّهُ لا دَلِيلَ مَعَهُ، بَلِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلى خِلافِ ما يَقُولُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
25:68Page 366
وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨
And those who do not invoke1 with Allāh another deity or kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed], except by right, and do not commit unlawful sexual intercourse. And whoever should do that will meet a penalty.
No commentary for this ayah
25:69Page 366
يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩
Multiplied for him is the punishment on the Day of Resurrection, and he will abide therein humiliated -
No commentary for this ayah
25:70Page 366
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠
Except for those who repent, believe and do righteous work. For them Allāh will replace their evil deeds with good. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
25:71Page 366
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١
And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.
No commentary for this ayah
25:72Page 366
وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا ٧٢
And [they are] those who do not testify to falsehood, and when they pass near ill speech, they pass by with dignity.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ .
أيْ: إذا مَرُّوا بِأهْلِ اللَّغْوِ والمُشْتَغِلِينَ بِهِ مَرُّوا مُعْرِضِينَ عَنْهم كِرامًا مُكْرِمِينَ أنْفُسَهم عَنِ الخَوْضِ مَعَهم في لَغْوِهِمْ، وهو كُلُّ كَلامٍ لا خَيْرَ فِيهِ، كَما تَقَدَّمَ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، أوْضَحَهُ جَلَّ وعَلا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى مُعامَلَةِ عِبادِ الرَّحْمَنِ لِلْجاهِلِينَ، في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى:﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٧] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences