Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:217–227
26:217Page 376
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧
And rely upon the Exalted in Might, the Merciful,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، وتَكُونُ في الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّتِهِ، وذَكَرْنا أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً لِذَلِكَ في التَّرْجَمَةِ، وفِيما مَضى مِنَ الكِتابِ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾، قالَ فِيهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ المَعْنى: وتَقَلُّبَكَ في أصْلابِ آبائِكَ السّاجِدِينَ، أيِ: المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ كَآدَمَ ونُوحٍ، وإبْراهِيمَ، وإسْماعِيلَ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِهَذا القَوْلِ فِيمَن بَعْدَ إبْراهِيمُ مِن آبائِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلَ ابْنُ عَبّاسٍ نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ، وفي الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ هَذا القَوْلِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَهُ مُقْتَرِنًا بِهِ: ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾، فَإنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ أنْ يَقُومَ في أصْلابِ الآباءِ إجْماعًا، وأوَّلُ الآيَةِ مُرْتَبِطٌ بِآخِرِها، أيِ: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ إلى صَلاتِكَ، وحِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ ومَجْلِسِكَ، ويَرى ﴿وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾، أيِ: المُصَلِّينَ، عَلى أظْهَرِ الأقْوالِ؛ لِأنَّهُ ﷺ يَتَقَلَّبُ في المُصَلِّينَ قائِمًا، وساجِدًا وراكِعًا، وقالَ بَعْضُهم: ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾، أيْ: إلى الصَّلاةِ وحْدَكَ، و ﴿وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾، أيِ: المُصَلِّينَ إذا صَلَّيْتَ بِالنّاسِ.
وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ الآيَةَ، يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِهِ ﷺ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ الآيَةَ [الطور: ٤٨] .
(p-١٠٤)وَقَوْلُهُ: وتَوَكَّلْ قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعِ غَيْرَ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ: وتَوَكَّلْ بِالواوِ، وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: فَتَوَكَّلْ بِالفاءِ، وبَعْضُ نُسَخِ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ فِيها الواوُ وبَعْضُها فِيها الفاءُ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الفاتِحَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وبَسَطْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ مَعَ بَيانِ مَعْنى التَّوَكُّلِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢] .
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
26:221Page 376
هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١
Shall I inform you upon whom the devils descend?
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
26:223Page 376
يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣
They pass on what is heard,1 and most of them are liars.
No commentary for this ayah
26:224Page 376
وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ ٢٢٤
And the poets - [only] the deviators follow them.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ . الشُّعَراءُ: جَمْعُ شاعِرٍ، كَجاهِلٍ وجُهَلاءَ، وعالِمٍ وعُلَماءَ. و ﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾: جَمْعُ غاوٍ وهو الضّالُّ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ اتِّباعَ الشُّعَراءِ مِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وحْدَهُ: يَتَّبِعُهُمُ بِسُكُونِ التّاءِ المُثَنّاةِ، وفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأهُ الباقُونَ يَتَّبِعُهُمُ بِتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ، وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْناهُما واحِدٌ.
وَما ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، في قَوْلِهِ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾، يَدُلُّ عَلى تَكْذِيبِ الكُفّارِ في دَعْواهم، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شاعِرٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ يَتْبَعُهُمُ الغاوُونَ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ مِنهم.
وَيُوَضِّحُ هَذا المَعْنى ما جاءَ مِنَ الآياتِ، مُبَيِّنًا أنَّهُمُ ادَّعَوْا عَلَيْهِ ﷺ أنَّهُ شاعِرٌ وتَكْذِيبُ اللَّهِ لَهم في ذَلِكَ، أمّا دَعْواهم أنَّهُ ﷺ شاعِرٌ، فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . وأمّا تَكْذِيبُ اللَّهِ لَهم في ذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٤١]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٩٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٦ - ٣٧]؛
لِأنَّ (p-١٠٥)قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ، تَكْذِيبٌ لَهم في قَوْلِهِمْ إنَّهُ شاعِرٌ مَجْنُونٌ.
* *
مَسْألَتانِ تَتَعَلَّقانِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لِأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»، رَواهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: ”يَرِيهِ“ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الرّاءِ بَعْدَها ياءٌ، مُضارِعُ ورى القَيْحُ جَوْفَهُ، يَرِيهِ، ورْيًا إذا أكَلَهُ وأفْسَدَهُ، والأظْهَرُ أنَّ أصْلَ وراهُ أصابَ رِئَتَهُ بِالإفْسادِ.
واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ أنَّ الشِّعْرَ كَلامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ، وقَبِيحُهُ قَبِيحٌ.
وَمِنَ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ الشُّعَراءَ، بِقَوْلِهِ: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ﴾ ﴿وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦] اسْتَثْنى مِن ذَلِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآيَةَ [الشعراء: ٢٢٧] .
وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ المُصَرِّحَ بِأنَّ امْتِلاءَ الجَوْفِ مِنَ القَيْحِ المُفْسِدِ لَهُ خَيْرٌ مِنِ امْتِلائِهِ مِنَ الشِّعْرِ، مَحْمُولٌ عَلى مَن أقْبَلَ عَلى الشِّعْرِ، واشْتَغَلَ بِهِ عَنِ الذِّكْرِ، وتِلاوَةِ القُرْآنِ، وطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى الشِّعْرِ القَبِيحِ المُتَضَمِّنِ لِلْكَذِبِ، والباطِلِ كَذِكْرِ الخَمْرِ ومَحاسِنِ النِّساءِ الأجْنَبِيّاتِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في الشّاعِرِ إذا اعْتَرَفَ في شِعْرِهِ بِما يَسْتَوْجِبُ حَدًّا، هَلْ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُقامُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ أقَرَّ بِهِ، والإقْرارُ تَثْبُتُ بِهِ الحُدُودُ.
والثّانِي: أنَّهُ لا يُحَدُّ بِإقْرارِهِ في الشِّعْرِ؛ لِأنَّ كَذِبَ الشّاعِرِ في شِعْرِهِ أمْرٌ مَعْرُوفٌ مُعْتادٌ، واقِعٌ لا نِزاعَ فِيهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي: أنَّ الشّاعِرَ إذا أقَرَّ في شِعْرِهِ بِما يَسْتَوْجِبُ الحَدَّ، لا يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا صَرَّحَ هُنا بِكَذِبِهِمْ في شِعْرِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾، فَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدْرَأُ عَنْهُمُ الحَدَّ، (p-١٠٦)وَلَكِنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ إنْ أقَرَّ بِذَلِكَ اسْتَوْجَبَ بِإقْرارِهِ بِهِ المَلامَ والتَّأْدِيبَ وإنْ كانَ لا يُحَدُّ بِهِ، كَما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الأخْبارِ في قِصَّةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المَشْهُورَةِ مَعَ النُّعْمانِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَضْلَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وقَدْ ذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، ومُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ في ”الطَّبَقاتِ“، والزُّبَيْرِ بْنِ بَكّارٍ في كِتابِ الفُكاهَةِ: أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ النُّعْمانَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَضْلَةَ عَلى مَيْسانَ مِن أرْضِ البَصْرَةِ، وكانَ يَقُولُ الشِّعْرَ، فَقالَ:
؎ألا هَلْ أتى الحَسْناءَ أنَّ حَلِيلَها بِمَيْسانَ يُسْقى في زُجاجٍ وحَنْتَمِ
؎إذا شِئْتُ غَنَّتْنِي دَهاقِينُ قَرْيَةٍ ∗∗∗ ورَقّاصَةٌ تَجْذُو عَلى كُلِّ مَنسَمِ
؎فَإنْ كُنْتَ نَدْمانِي فَبِالأكْبَرِ اسْقِنِي ∗∗∗ ولا تُسْقِنِي بِالأصْغَرِ المُتَثَلِّمِ
؎لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: إي واللَّهِ إنَّهُ لَيَسُوءُنِي ذَلِكَ، ومَن لَقِيَهُ فَلْيُخْبِرْهُ أنِّي قَدْ عَزَلْتُهُ، وكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [غافر: ١ - ٣] أمّا بَعْدُ: فَقَدْ بَلَغَنِي قَوْلُكَ:
؎لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ
وايْمُ اللَّهِ إنَّهُ لَيَسُوءُنِي، وقَدْ عَزَلْتُكَ. فَلَمّا قَدِمَ عَلى عُمَرَ بَكَّتَهُ بِهَذا الشِّعْرِ، فَقالَ: واللَّهِ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما شَرِبْتُها قَطُّ، وما ذَلِكَ الشِّعْرُ إلّا شَيْءٌ طَفَحَ عَلى لِسانِي، فَقالَ عُمَرُ: أظُنُّ ذَلِكَ، ولَكِنْ واللَّهِ لا تَعْمَلُ لِي عَمَلًا أبَدًا، وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ، فَلَمْ يُذْكَرْ أنَّهُ حَدَّهُ عَلى الشَّرابِ، وقَدْ ضَمَّنَهُ شِعْرَهُ لِأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، ولَكِنَّهُ ذَمَّهُ عُمَرُ ولامَهُ عَلى ذَلِكَ وعَزَلَهُ بِهِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ، وهَذِهِ القِصَّةُ يُسْتَأْنَسُ بِها لِما ذَكَرْنا.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُؤَرِّخِينَ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ، لَمّا سَمِعَ قَوْلَ الفَرَزْدَقِ:
؎فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعاتٍ ∗∗∗ وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ
قالَ لَهُ: قَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ، فَقالَ الفَرَزْدَقُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ دَرَأ اللَّهُ عَنِّي (p-١٠٧)الحَدَّ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾، فَلَمْ يَحُدَّهُ مَعَ إقْرارِهِ بِمُوجِبِ الحَدِّ.
26:225Page 376
أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ ٢٢٥
Do you not see that in every valley they roam1
No commentary for this ayah
26:226Page 376
وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ ٢٢٦
And that they say what they do not do? -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ . هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا عَنِ ”الشُّعَراءِ“ مِن أنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ مِن أسْبابِ المَقْتِ عِنْدَهُ جَلَّ وعَلا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] والمَقْتُ في لُغَةِ العَرَبِ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، فَقَوْلُ الإنْسانِ ما لا يَفْعَلُ، كَما ذُكِرَ عَنِ الشِّعْرِ يُبْغِضُهُ اللَّهُ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ ما لا يَفْعَلُ فِيهِ تَفاوُتٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
26:227Page 376
إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ ٢٢٧
Except those [poets] who believe and do righteous deeds and remember Allāh often and defend [the Muslims]1 after they were wronged. And those who have wronged are going to know to what [kind of] return they will be returned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢] مَعَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ . أثْنى اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِذِكْرِهِمُ اللَّهَ كَثِيرًا، وهَذا الَّذِي أثْنى عَلَيْهِمْ بِهِ هُنا مِن كَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، أمَرَ بِهِ في آياتٍ أُخَرَ، وبَيَّنَ جَزاءَهُ؛ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٢] وقالَ تَعالى: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٢] في آخِرِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] .
* *
(p-١٠٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ . المُنْقَلَبُ هُنا المَرْجِعُ والمَصِيرُ، والأظْهَرُ أنَّهُ هُنا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ الصَّرْفِ أنَّ الفِعْلَ إذا زادَ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ كانَ كُلٌّ مِن مَصْدَرِهِ المِيمِيِّ، واسْمِ مَكانِهِ، واسْمِ زَمانِهِ عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ.
والمَعْنى: وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مَرْجِعٍ يَرْجِعُونَ، وأيَّ مَصِيرٍ يَصِيرُونَ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن أنَّ الظّالِمِينَ سَيَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعَ الَّذِي يَرْجِعُونَ، أيْ: يَعْلَمُونَ العاقِبَةَ السَّيِّئَةَ الَّتِي هي مَآلُهم ومَصِيرُهم ومَرْجِعُهم، جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٣ - ٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٤٢]
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَوْلُهُ: ﴿أيَّ مُنْقَلَبٍ﴾، ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾، ولَيْسَ مَفْعُولًا بِهِ، لِقَوْلِهِ: وسَيَعْلَمُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: و أيَّ مَنصُوبُ يَنْقَلِبُونَ، وهو بِمَعْنى المَصْدَرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ سَيَعْلَمُ، لِأنَّ أيًّا وسائِرَ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها فِيما ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ، قالَ النَّحّاسُ: وحَقِيقَةُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ مَعْنًى وما قَبْلَهُ مَعْنًى آخَرُ، فَلَوْ عَمِلَ فِيهِ ما قَبْلَهُ لَدَخَلَ بَعْضُ المَعانِي في بَعْضٍ، انْتَهى مِنهُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences