Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:80–82, continued
والنَّصُّ الصَّحِيحُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُقَدَّمٌ عَلى تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَ مِن أصْحابِهِ وغَيْرِهِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَنْفِي ذَلِكَ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، إنَّما أرادَ بِهِ السَّماعَ المُعْتادَ الَّذِي يَنْفَعُ صاحِبَهُ، فَإنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكُفّارِ، والكُفّارُ تَسْمَعُ الصَّوْتَ، لَكِنْ لا تَسْمَعُ سَماعَ قَبُولٍ بِفِقْهٍ واتِّباعٍ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١]، فَهَكَذا المَوْتى الَّذِينَ ضَرَبَ بِهِمُ المَثَلَ لا يَجِبُ أنْ يُنْفى عَنْهم جَمِيعُ أنْواعِ السَّماعِ، بَلِ السَّماعُ المُعْتادُ كَما لَمْ يَنْفِ ذَلِكَ عَنِ الكُفّارِ، بَلِ انْتَفى عَنْهُمُ السَّماعُ المُعْتادُ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ.
وَأمّا سَماعٌ آخَرُ فَلا يُنْفى عَنْهم، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهِمْ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَذا مُوافِقٌ لِهَذا فَكَيْفَ يُرْفَعُ ذَلِكَ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ أبِي العَبّاسِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. وقَدْ تَراهُ صَرَّحَ فِيهِ بِأنَّ تَأوُّلَ عائِشَةَ لا يُرَدُّ بِهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ عَنْهُ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما يَنْفِي السَّماعَ الثّابِتَ لِلْمَوْتى في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
وَإذا عَلِمْتَ بِهِ أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ ما يَنْفِي السَّماعَ المَذْكُورَ، عَلِمْتَ أنَّهُ ثابِتٌ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ، مِن غَيْرِ مُعارِضٍ.
والحاصِلُ أنَّ تَأوُّلَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بَعْضَ آياتِ القُرْآنِ، لا تُرَدُّ بِهِ رِواياتُ الصَّحابَةِ العُدُولِ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ عَنْهُ ﷺ، ويَتَأكَّدُ، ذَلِكَ بِثَلاثَةِ أُمُورٍ:
الأوَّلُ: هو ما ذَكَرْناهُ الآنَ مِن أنَّ رِوايَةَ العَدْلِ لا تُرَدُّ بِالتَّأْوِيلِ.
الثّانِي: أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - لَمّا أنْكَرَتْ رِوايَةَ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «”إنَّهم لَيَسْمَعُونَ الآنَ ما أقُولُ»“، قالَتْ: إنَّ الَّذِي قالَهُ ﷺ: ”إنَّهم لَيَعْلَمُونَ الآنَ أنَّ الَّذِي كُنْتُ أقُولُ لَهم هو الحَقُّ“، فَأنْكَرَتِ السَّماعَ ونَفَتْهُ عَنْهم، وأثْبَتَتْ لَهُمُ العِلْمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن ثَبَتَ لَهُ العِلْمُ صَحَّ مِنهُ السَّماعُ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُهم.
الثّالِثُ: هو ما جاءَ عَنْها مِمّا يَقْتَضِي رُجُوعَها عَنْ تَأْوِيلِها، إلى الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ.
ب قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“: ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ في المَغازِي لِابْنِ إسْحاقَ رِوايَةَ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ، عَنْ عائِشَةَ مِثْلُ حَدِيثِ أبِي طَلْحَةَ، وفِيهِ: «”ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما (p-١٣٥)أقُولُ مِنهم»“، وأخْرَجَهُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ حَسَنٍ، فَإنْ كانَ مَحْفُوظًا فَكَأنَّها رَجَعَتْ عَنِ الإنْكارِ لِما ثَبَتَ عِنْدَها مِن رِوايَةِ هَؤُلاءِ الصَّحابَةِ؛ لِكَوْنِها لَمْ تَشْهَدِ القِصَّةَ، انْتَهى مِنهُ. واحْتِمالُ رُجُوعِها لِما ذُكِرَ قَوِيٌّ، لِأنَّ ما يَقْتَضِي رُجُوعَها ثَبَتَ بِإسْنادَيْنِ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ أحَدَهُما جَيِّدٌ، والآخُرُ حَسَنٌ. ثُمَّ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: قالَ الإسْماعِيلِيُّ: كانَ عِنْدَ عائِشَةَ مِنَ الفَهْمِ والذَّكاءِ وكَثْرَةِ الرِّوايَةِ والغَوْصِ عَلى غَوامِضِ العِلْمِ، ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا سَبِيلَ إلى رَدِّ رِوايَةِ الثِّقَةِ إلّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلى نَسْخِهِ أوْ تَخْصِيصِهِ، أوِ اسْتِحالَتِهِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ.
وَقالَ ابْنُ القَيِّمِ في أوَّلِ ”كِتابِ الرُّوحِ“: المَسْألَةُ الأُولى: وهي هَلْ تَعْرِفُ الأمْواتَ زِيارَةَ الأحْياءِ وسَلامَهم أمْ لا ؟ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَمُرُّ عَلى قَبْرِ أخِيهِ كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رَوْحَهُ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»، فَهَذا نَصٌّ في أنَّهُ يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلامَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: «أنَّهُ أمَرَ بِقَتْلى بَدْرٍ فَأُلْقُوا في قَلِيبٍ، ثُمَّ جاءَ حَتّى وقَفَ عَلَيْهِمْ وناداهم بِأسْمائِهِمْ: ”يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، ويا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا، فَإنِّي وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقًّا“، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما تُخاطِبُ مِن أقْوامٍ قَدْ جَيَّفُوا، فَقالَ: ”والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ جَوابًا»“ .
وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ: أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا عَنْهُ، وقَدْ شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ إذا سَلَّمُوا عَلى أهْلِ القُبُورِ، أنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ سَلامَ مَن يُخاطِبُونَهُ، فَيَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكم دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ»، وهَذا خِطابٌ لِمَن يَسْمَعُ ويَعْقِلُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ هَذا الخِطابُ بِمَنزِلَةِ خِطابِ المَعْدُومِ والجَمادِ، والسَّلَفُ مُجْمِعُونَ عَلى هَذا، وقَدْ تَواتَرَتِ الآثارُ عَنْهم أنَّ المَيِّتَ يَعْرِفُ زِيارَةَ الحَيِّ لَهُ، ويَسْتَبْشِرُ لَهُ، قالَ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أبِي الدُّنْيا في ”كِتابِ القُبُورِ“:
* *
بابٌ في مَعْرِفَةِ المَوْتى بِزِيارَةِ الأحْياءِ.
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَمانٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمْعانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«ما مِن رَجُلٍ يَزُورُ قَبْرَ أخِيهِ ويَجْلِسُ عِنْدَهُ إلّا اسْتَأْنَسَ بِهِ ورَدَّ عَلَيْهِ، حَتّى يَقُومَ“» .
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ قُدامَةَ الجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنا مَعْنُ بْنُ عِيسى القَزّازُ، أخْبَرَنا هِشامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنا زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (p-١٣٦)- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: إذا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ أخِيهِ يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ وعَرَفَهُ، وإذا مَرَّ بِقَبْرٍ لا يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ.
وَذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ في كَلامِ أبِي الدُّنْيا وغَيْرِهِ آثارًا تَقْتَضِي سَماعَ المَوْتى، ومَعْرِفَتَهم لِمَن يَزُورُهم، وذَكَرَ في ذَلِكَ مَرائِيَ كَثِيرًا جَدًا، ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ المَرائِي، وإنْ لَمْ تَصْلُحْ بِمُجَرَّدِها لِإثْباتِ مِثْلِ ذَلِكَ، فَهي عَلى كَثْرَتِها، وأنَّها لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ قَدْ تَواطَأتْ عَلى هَذا المَعْنى، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أرى رُؤْياكم قَدْ تَواطَأتْ عَلى أنَّها في العَشْرِ الأواخِرِ»، يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ، فَإذا تَواطَأتْ رُؤْيا المُؤْمِنِينَ عَلى شَيْءٍ، كانَ كَتَواطُؤِ رِوايَتِهِمْ لَهُ، ومِمّا قالَهُ ابْنُ القَيِّمِ في كَلامِهِ الطَّوِيلِ المَذْكُورِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ المَيِّتَ يَسْتَأْنِسُ بِالمُشَيِّعِينَ لِجِنازَتِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ، فَرَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَمّاسَةَ المَهْرِيِّ، قالَ: حَضَرْنا عَمْرَو بْنَ العاصِ، وهو في سِياقِ المَوْتِ، فَبَكى طَوِيلًا وحَوَّلَ وجْهَهُ إلى الجِدارِ. . الحَدِيثَ، وفِيهِ: فَإذا أنا مُتُّ فَلا تَصْحَبْنِي نائِحَةٌ ولا نارٌ، فَإذا دَفَنْتُمُونِي فَسُنُّوا عَلَيَّ التُّرابَ سَنًّا، ثُمَّ أقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ الجَزُورُ، ويُقَسَّمُ لَحْمُها، حَتّى أسْتَأْنِسَ بِكم وأنْظُرَ ماذا أُراجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي، فَدَلَّ عَلى أنَّ المَيِّتَ يَسْتَأْنِسُ بِالحاضِرِينَ عِنْدَ قَبْرِهِ ويُسَرُّ بِهِمْ، ا هـ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، لِأنَّ اسْتِئْناسَ المَقْبُورِ بِوُجُودِ الأحْياءِ عِنْدَ قَبْرِهِ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ.
وَمِمّا قالَهُ ابْنُ القِيَمِ في كَلامِهِ الطَّوِيلِ المَذْكُورِ: ويَكْفِي في هَذا تَسْمِيَةُ المُسْلِمِ عَلَيْهِمْ زائِرًا، ولَوْلا أنَّهم يَشْعُرُونَ بِهِ لَما صَحَّ تَسْمِيَتُهُ زائِرًا، فَإنَّ المَزُورَ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِزِيارَةِ مَن زارَهُ، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: زارَهُ، وهَذا هو المَعْقُولُ مِنَ الزِّيارَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الأُمَمِ، وكَذَلِكَ السَّلامُ عَلَيْهِمْ أيْضًا، فَإنَّ السَّلامَ عَلى مَن لا يَشْعُرُ ولا يَعْلَمُ بِالمُسْلِمِ مُحالٌ، وقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ إذا زارُوا القُبُورَ أنْ يَقُولُوا: «”السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنّا ومِنكم والمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْألُ اللَّهَ لَنا ولَكُمُ العافِيَةَ»“، وهَذا السَّلامُ والخِطابُ والنِّداءُ لِمَوْجُودٍ يَسْمَعُ، ويُخاطِبُ، ويَعْقِلُ، ويَرُدُّ، وإنْ لَمْ يَسْمَعِ المُسْلِمُ الرَّدَّ.
وَمِمّا قالَهُ ابْنُ القِيَمِ في كَلامِهِ الطَّوِيلِ قَوْلُهُ: وقَدْ تَرْجَمَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ الأشْبِيلِيُّ عَلى هَذا، فَقالَ: ذِكْرُ ما جاءَ أنَّ المَوْتى يُسْألُونَ عَنِ الأحْياءِ، ويَعْرِفُونَ أقْوالَهم وأعْمالَهم، ثُمَّ قالَ: ذَكَرَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما مِن (p-١٣٧)رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أخِيهِ المُؤْمِنِ كانَ يَعْرِفُهُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إلّا عَرَفَهُ ورَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ» .
وَيُرْوى مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قالَ: «فَإنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»، قالَ: ويُرْوى مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، أنَّها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«ما مِن رَجُلٍ يَزُورُ قَبْرَ أخِيهِ فَيَجْلِسُ عِنْدَهُ، إلّا اسْتَأْنَسَ بِهِ حَتّى يَقُومَ“»، واحْتَجَّ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ في هَذا البابِ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتّى أرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ» .
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ عَنْ عَبْدِ الحَقِّ وغَيْرِهِ مَرائِيَ وآثارًا في المَوْضُوعِ، ثُمَّ قالَ في كَلامِهِ الطَّوِيلِ: ويَدُلُّ عَلى هَذا أيْضًا ما جَرى عَلَيْهِ عَمَلُ النّاسِ قَدِيمًا وإلى الآنِ، مِن تَلْقِينِ المَيِّتِ في قَبْرِهِ ولَوْلا أنَّهُ يَسْمَعُ ذَلِكَ ويَنْتَفِعُ بِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ، وكانَ عَبَثًا. وقَدْ سُئِلَ عَنْهُ الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ، فاسْتَحْسَنَهُ واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالعَمَلِ.
وَيُرْوى فِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: ذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ في مُعْجَمِهِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ أحَدُكم فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرابَ، فَلْيَقُمْ أحَدُكم عَلى رَأْسِ قَبْرِهِ، فَيَقُولُ: يا فُلانَ بْنَ فُلانَةَ ”، الحَدِيثَ. وفِيهِ:“ اذْكُرْ ما خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيا شَهادَةَ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّكَ رَضِيتَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وبِالقُرْآنِ إمامًا»، الحَدِيثَ. ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: فَهَذا الحَدِيثُ وإنْ لَمْ يَثْبُتْ، فاتِّصالُ العَمَلِ بِهِ في سائِرِ الأمْصارِ والأعْصارِ مِن غَيْرِ إنْكارٍ كافٍ في العَمَلِ بِهِ، وما أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ العادَةَ قَطُّ بِأنَّ أُمَّةً طَبَّقَتْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، وهي أكْمَلُ الأُمَمِ عُقُولًا، وأوْفَرُها مَعارِفَ تُطْبِقُ عَلى مُخاطَبَةِ مَن لا يَسْمَعُ، وتَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ لا يُنْكِرُهُ مِنها مُنْكِرٌ بَلْ سَنَّهُ الأوَّلُ لِلْآخِرِ، ويَقْتَدِي فِيهِ الآخِرُ بِالأوَّلِ، فَلَوْلا أنَّ الخِطابَ يُسْمَعُ لَكانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الخِطابِ لِلتُّرابِ، والخَشَبِ والحَجَرِ والمَعْدُومِ، وهَذا وإنِ اسْتَحْسَنَهُ واحِدٌ فالعُلَماءُ قاطِبَةً عَلى اسْتِقْباحِهِ واسْتِهْجانِهِ.
وَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ بِإسْنادٍ لا بَأْسَ بِهِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَرَ جِنازَةَ رَجُلٍ، فَلَمّا دُفِنَ قالَ: «سَلُوا لِأخِيكُمُ التَّثْبِيتَ، فَإنَّهُ الآنَ يُسْألُ»، فَأخْبَرَ أنَّهُ يُسْألُ حِينَئِذٍ، وإذا كانَ يُسْألُ فَإنَّهُ يَسْمَعُ التَّلْقِينَ، وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ» .
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ قِصَّةَ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ، وعَوْفِ بْنِ مالِكٍ، وتَنْفِيذَ عَوْفٍ لِوَصِيَّةِ الصَّعْبِ لَهُ في المَنامِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأثْنى عَلى عَوْفِ بْنِ مالِكٍ بِالفِقْهِ في تَنْفِيذِهِ وصِيَّةِ الصَّعْبِ بَعْدَ مَوْتِهِ، لِما (p-١٣٨)عُلِمَ صِحَّةُ ذَلِكَ بِالقَرائِنِ، وكانَ في الوَصِيَّةِ الَّتِي نَفَّذَها عَوْفٌ إعْطاءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ لِيَهُودِيٍّ مِن تَرِكَةِ الصَّعْبِ كانَتْ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، وماتَ قَبْلَ قَضائِها.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وهَذا مِن فِقْهِ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ مِنَ الصَّحابَةِ حَيْثُ نَفَّذَ وصِيَّةَ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وعَلِمَ صِحَّةَ قَوْلِهِ بِالقَرائِنِ الَّتِي أخْبَرَهُ بِها، مِن أنَّ الدَّنانِيرَ عَشْرَةٌ وهي في القَرْنِ، ثُمَّ سَألَ اليَهُودِيَّ فَطابَقَ قَوْلُهُ ما في الرُّؤْيا فَجَزَمَ عَوْفٌ بِصِحَّةِ الأمْرِ، فَأعْطى اليَهُودِيَّ الدَّنانِيرَ، وهَذا فِقْهٌ إنَّما يَلِيقُ بِأفْقَهِ النّاسِ وأعْلَمِهِمْ، وهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَعَلَّ أكْثَرَ المُتَأخِّرِينَ يُنْكِرُ ذَلِكَ، ويَقُولُ: كَيْفَ جازَ لِعَوْفٍ أنْ يَنْقُلَ الدَّنانِيرَ مِن تَرِكَةٍ صَعْبَةٍ، وهي لِأيْتامِهِ ووَرَثَتِهِ إلى يَهُودِيٍّ بِمَنامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ تَنْفِيذَ خالِدٍ وأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وصِيَّةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وفي وصِيَّتِهِ المَذْكُورَةِ قَضاءُ دِينٍ عَيَّنَهُ لِرَجُلٍ في المَنامِ، وعِتْقِ بَعْضِ رَقِيقِهِ، وقَدْ وصَفَ لِلرَّجُلِ الَّذِي رَآهُ في مَنامِهِ المَوْضِعَ الَّذِي جَعَلَ فِيهِ دِرْعَهُ الرَّجُلُ الَّذِي سَرَقَها، فَوَجَدُوا الأمْرَ كَما قالَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ.
وَإذا كانَتْ وصِيَّةُ المَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ قَدْ نَفَّذَها في بَعْضِ الصُّوَرِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُدْرِكُ ويَعْقِلُ ويَسْمَعُ، ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ في خاتِمَةِ كَلامِهِ الطَّوِيلِ: والمَقْصُودُ جَوابُ السّائِلِ وأنَّ المَيِّتَ إذا عَرَفَ مِثْلَ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ وتَفاصِيلَها، فَمَعْرِفَتُهُ بِزِيارَةِ الحَيِّ لَهُ وسَلامُهُ عَلَيْهِ ودُعاؤُهُ لَهُ أوْلى وأحْرى، ا هـ.
فَكَلامُ ابْنِ القَيِّمِ هَذا الطَّوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنا بَعْضَهُ جُمْلَةً وبَعْضَهُ تَفْصِيلًا، فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ المُقْنِعَةِ ما يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى سَماعِ الأمْواتِ، وكَذَلِكَ الكَلامُ الَّذِي نَقَلْنا عَنْ شَيْخِهِ أبِي العَبّاسِ بْنِ تَيْمِيَّةَ، وفي كَلامِهِما الَّذِي نَقَلْنا عَنْهُما أحادِيثُ صَحِيحَةٌ، وآثارٌ كَثِيرَةٌ، ومَرائِي مُتَواتِرَةٌ وغَيْرُ ذَلِكَ، ومَعْلُومٌ أنَّ ما ذَكَرْنا في كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ مِن تَلْقِينِ المَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ، أنْكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وقالَ: إنَّهُ بِدْعَةٌ، وأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ وأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ إلّا أهْلُ الشّامِ، وقَدْ رَأيْتَ ابْنَ القَيِّمِ اسْتَدَلَّ لَهُ بِأدِلَّةٍ، مِنها: أنَّ الإمامَ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فاسْتَحْسَنَهُ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالعَمَلِ. ومِنها: أنَّ عَمَلَ المُسْلِمِينَ اتَّصَلَ بِهِ في سائِرِ الأمْصارِ والأعْصارِ مِن غَيْرِ إنْكارٍ.
وَمِنها: أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِ الدّافِنِينَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ ، واسْتِدْلالُهُ بِهَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ اسْتِدْلالٌ قَوِيٌّ جِدًّا؛ لِأنَّهُ إذا كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَسْمَعُ قَرْعَ النِّعالِ، فَلَأنْ يَسْمَعُ الكَلامَ الواضِحَ بِالتَّلْقِينِ مِن أصْحابِ النِّعالِ أوْلى (p-١٣٩)وَأحْرى، واسْتِدْلالُهُ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أبِي داوُدَ: «سَلُوا لِأخِيكُمُ التَّثْبِيتَ فَإنَّهُ الآنَ يُسْألُ»، لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَسْمَعُ سُؤالَ السّائِلِ فَإنَّهُ يَسْمَعُ تَلْقِينَ المُلَقِّنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
والفَرْقُ بَيْنَ سَماعِهِ سُؤالَ المَلِكِ وسَماعِهِ التَّلْقِينَ مِنَ الدّافِنِينَ مُحْتَمَلٌ احْتِمالًا قَوِيًّا، وما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ التَّلْقِينَ بَعْدَ المَوْتِ لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا أهْلُ الشّامِ، يُقالُ فِيهِ: إنَّهم هم أوَّلُ مَن فَعَلَهُ، ولَكِنَّ النّاسَ تَبِعُوهم في ذَلِكَ، كَما هو مَعْلُومٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ. قالَ الشَّيْخُ الحَطّابَ في كَلامِهِ عَلى قَوْلِ خَلِيلِ بْنِ إسْحاقَ المالِكِيِّ في مُخْتَصَرِهِ: (وتَلْقِينُهُ الشَّهادَةَ) وجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِاسْتِحْبابِ التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ.
وَقالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ في شَرْحِ الرِّسالَةِ والإرْشادِ، وقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أبُو بَكْرِ بْنِ الطِّلاعِ مِنَ المالِكِيَّةِ، فَقالَ: هو الَّذِي نَخْتارُهُ ونَعْمَلُ بِهِ، وقَدْ رُوِّينا فِيهِ حَدِيثًا عَنْ أبِي أُمامَةَ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، ولَكِنَّهُ اعْتَضَدَ بِالشَّواهِدِ، وعَمَلِ أهْلِ الشّامِ قَدِيمًا، إلى أنْ قالَ: وقالَ في المَدْخَلِ: يَنْبَغِي أنْ يَتَفَقَّدَهُ بَعْدَ انْصِرافِ النّاسِ عَنْهُ مَن كانَ مِن أهْلِ الفَضْلِ والدِّينِ، ويَقِفَ عِنْدَ قَبْرِهِ تِلْقاءَ وجْهِهِ ويُلَقِّنَهُ؛ لِأنَّ المَلَكَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ، إذْ ذاكَ يَسْألانِهِ وهو يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِ المُنْصَرِفِينَ.
وَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ عَنْ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا فَرَغَ مِن دَفْنِ المَيِّتِ وقَفَ عَلَيْهِ، وقالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأخِيكم واسْألُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإنَّهُ الآنَ يُسْألُ»، إلى أنْ قالَ: وقَدْ كانَ سَيِّدِي أبُو حامِدِ بْنُ البَقّالِ، وكانَ مِن كِبارِ العُلَماءِ والصُّلَحاءِ، إذا حَضَرَ جِنازَةً عَزّى ولَيَّها بَعْدَ الدَّفْنِ، وانْصَرَفَ مَعَ مَن يَنْصَرِفُ، فَيَتَوارى هُنَيْهَةً حَتّى يَنْصَرِفَ النّاسُ، ثُمَّ يَأْتِي إلى القَبْرِ، فَيُذَكِّرُ المَيِّتَ بِما يُجاوِبُ بِهِ المَلَكَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ الحَطّابِ.
وَما ذَكَرَهُ مِن كَلامِ أبِي بَكْرِ بْنِ الطِّلاعِ المالِكِيِّ لَهُ وجْهٌ قَوِيٌّ مِنَ النَّظَرِ، كَما سَتَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ الحَطّابُ: واسْتَحَبَّ التَّلْقِينَ بَعْدَ الدَّفْنِ أيْضًا القُرْطُبِيُّ والثَّعالِبِيُّ وغَيْرُهُما، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي. . . في أوَّلِ كِتابِ الجَنائِزِ يَعْنِي مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وفي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ في كِتابِ ”الإيمانِ“ مَيْلٌ إلَيْهِ، انْتَهى مِنَ الحَطّابِ. وحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ العاصِ المُشارُ إلَيْهِ، هو الَّذِي ذَكَرْنا مَحَلَّ الغَرَضِ مِنهُ في كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ الطَّوِيلِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى العَنَزِيُّ، وأبُو مَعْنٍ الرَّقاشِيُّ، وإسْحاقُ بْنُ مَنصُورٍ، كُلُّهم عَنْ أبِي عاصِمٍ. واللَّفْظُ لِابْنِ المُثَنّى: حَدَّثَنا الضَّحّاكُ، يَعْنِي أبا عاصِمٍ، قالَ: أخْبَرَنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ شَمّاسَةَ (p-١٤٠)المَهْرِيِّ، قالَ: حَضَرْنا عَمْرَو بْنَ العاصِ، وهو في سِياقَةِ المَوْتِ، فَبَكى طَوِيلًا وحَوَّلَ وجْهَهُ إلى الجِدارِ، الحَدِيثَ. وقَدْ قَدَّمْنا مَحَلَّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ في كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ المَذْكُورِ، وقَدَّمْنا أنَّ حَدِيثَ عَمْرٍو هَذا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وأنَّهُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلى اسْتِئْناسِ المَيِّتِ بِوُجُودِ الأحْياءِ عِنْدَ قَبْرِهِ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”رَوْضَةِ الطّالِبِينَ“، ما نَصُّهُ: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُلَقَّنَ المَيِّتُ بَعْدَ الدَّفْنِ، فَيُقالُ: يا عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أمَةِ اللَّهِ اذْكُرْ ما خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيا: شَهادَةَ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النّارَ حَقٌّ، وأنَّ البَعْثَ حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ، وأنْتَ رَضِيَتْ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، وبِالكَعْبَةِ قِبْلَةً، وبِالمُؤْمِنِينَ إخْوانًا، ورَدَ بِهِ الخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ .
قُلْتُ: هَذا التَّلْقِينُ اسْتَحَبَّهُ جَماعاتٌ مِن أصْحابِنا، مِنهُمُ القاضِي حُسَيْنٌ، وصاحِبُ التَّتِمَّةِ، والشَّيْخُ نَصْرٌ المَقْدِسِيُّ في كِتابِهِ ”التَّهْذِيبُ“ وغَيْرُهم، ونَقَلَهُ القاضِي حُسَيْنٌ عَنْ أصْحابِنا مُطْلَقًا، والحَدِيثُ الوارِدُ فِيهِ ضَعِيفٌ، لَكِنَّ أحادِيثَ الفَضائِلِ يُتَسامَحُ فِيها عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ المُحَدِّثِينَ وغَيْرِهِمْ، وقَدِ اعْتَضَدَ هَذا الحَدِيثُ بِشَواهِدَ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ كَحَدِيثِ: «”اسْألُوا لَهُ التَّثْبِيتَ»“، ووَصِيَّةِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: أقِيمُوا عِنْدَ قَبْرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ، ويُقَسَّمُ لَحْمُها حَتّى أسْتَأْنِسَ بِكم وأعْلَمَ ماذا أُراجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي، رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، ولَمْ يَزَلْ أهْلُ الشّامِ عَلى العَمَلِ بِهَذا التَّلْقِينِ، مِنَ العَصْرِ الأوَّلِ، وفي زَمَنِ مَن يُقْتَدى بِهِ، ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ النَّوَوِيِّ.
وَبِما ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ وابْنُ الطِّلاعِ، وصاحِبُ المَدْخَلِ مِنَ المالِكِيَّةِ، والنَّوَوِيُّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، كَما أوْضَحْنا كَلامَهم تَعْلَمُ أنَّ التَّلْقِينَ بَعْدَ الدَّفْنِ لَهُ وجْهٌ قَوِيٌّ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ جاءَ فِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، واعْتَضَدَ بِشَواهِدَ صَحِيحَةٍ، وبِعَمَلِ أهْلِ الشّامِ قَدِيمًا، ومُتابَعَةِ غَيْرِهِمْ لَهم.
وَبِما عُلِمَ في عِلْمِ الحَدِيثِ مِنَ التَّساهُلِ في العَمَلِ بِالضَّعِيفِ في أحادِيثِ الفَضائِلِ، ولا سِيَّما المُعْتَضِدُ مِنها بِصَحِيحٍ، وإيضاحُ شَهادَةِ الشَّواهِدِ لَهُ أنَّ حَقِيقَةَ التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ مُرَكَّبَةٌ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: سَماعُ المَيِّتِ كَلامَ مُلَقِّنِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ.
(p-١٤١)والثّانِي: انْتِفاعُهُ بِذَلِكَ التَّلْقِينِ، وكِلاهُما ثابِتٌ في الجُمْلَةِ، أمّا سَماعُهُ لِكَلامِ المُلَقِّنِ فَيَشْهَدُ لَهُ سَماعُهُ لِقَرْعِ نَعْلِ المُلَقِّنِ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ، ولَيْسَ سَماعُ كَلامِهِ بِأبْعَدَ مِن سَماعِ قَرْعِ نَعْلِهِ كَما تَرى. وأمّا انْتِفاعُهُ بِكَلامِ المُلَقِّنِ، فَيَشْهَدُ لَهُ انْتِفاعُهُ بِدُعاءِ الحَيِّ وقْتَ السُّؤالِ في حَدِيثِ: «سَلُوا لِأخِيكُمُ التَّثْبِيتَ فَإنَّهُ يُسْألُ الآنَ»، واحْتِمالُ الفَرْقِ بَيْنَ الدُّعاءِ والتَّلْقِينِ قَوِيٌّ جَدًا كَما تَرى، فَإذا كانَ وقْتُ السُّؤالِ يَنْتَفِعُ بِكَلامِ الحَيِّ الَّذِي هو دُعاؤُهُ لَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَشْهَدُ لِانْتِفاعِهِ بِكَلامِ الحَيِّ الَّذِي هو تَلْقِينُهُ إيّاهُ وإرْشادُهُ إلى جَوابِ المَلَكَيْنِ، فالجَمِيعُ في الأوَّلِ سَماعٌ مِنَ المَيِّتِ لِكَلامِ الحَيِّ، وفي الثّانِي انْتِفاعٌ مِنَ المَيِّتِ بِكَلامِ الحَيِّ وقْتَ السُّؤالِ، وقَدْ عَلِمْتَ قُوَّةَ احْتِمالِ الفِرَقِ بَيْنَ الدُّعاءِ والتَّلْقِينِ.
وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلى سَماعِ المَيِّتِ كَلامَ الحَيِّ، ومِن أوْضَحِ الشَّواهِدِ لِلتَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ السَّلامُ عَلَيْهِ، وخِطابُهُ خِطابَ مَن يَسْمَعُ، ويَعْلَمُ عِنْدَ زِيارَتِهِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما خِطابٌ لَهُ في قَبْرِهِ، وقَدِ انْتَصَرابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”الرُّومِ“، في كَلامِهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٣٢ - ٣٣]، لِسَماعِ المَوْتى، وأوْرَدَ في ذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنا في كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ، وابْنِ أبِي الدُّنْيا وغَيْرِهِما، وكَثِيرًا مِنَ المَرائِي الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا الحَدِيثَ الدّالَّ عَلى أنَّ المَرائِيَ إذا تَواتَرَتْ أفادَتِ الحُجَّةَ، ومِمّا قالَ في كَلامِهِ المَذْكُورِ: وقَدِ اسْتَدَلَّتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، عَلى تَوْهِيمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، في رِوايَتِهِ مُخاطَبَةَ النَّبِيِّ ﷺ القَتْلى الَّذِينَ أُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، إلى أنْ قالَ: والصَّحِيحُ عِنْدَ العُلَماءِ رِوايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، لِما لَها مِنَ الشَّواهِدِ عَلى صِحَّتِها، مِن أشْهَرِ ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مُصَحِّحًا لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «ما مِن أحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أخِيهِ المُسْلِمِ كانَ يَعْرِفُهُ»، الحَدِيثَ.
وَقَدْ قَدَّمْناهُ في هَذا المَبْحَثِ مِرارًا، وبِجَمِيعِ ما ذَكَرْنا في هَذا المَبْحَثِ في الكَلامِ عَلى آيَةِ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ تَعْلَمُ أنَّ الَّذِي يُرَجِّحُهُ الدَّلِيلُ: أنَّ المَوْتى يَسْمَعُونَ سَلامَ الأحْياءِ وخِطابَهم سَواءٌ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ أرْواحَهم حَتّى يَسْمَعُوا الخِطابَ ويَرُدُّوا الجَوابَ، أوْ قُلْنا: إنَّ الأرْواحَ أيْضًا تَسْمَعُ وتَرُدُّ بَعْدَ فَناءِ الأجْسامِ، لِأنّا قَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا يَنْبَنِي عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ: ثُبُوتُ سَماعِ المَوْتى بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وأنَّ القُرْآنَ لا يُعارِضُها عَلى التَّفْسِيرِ (p-١٤٢)الصَّحِيحِ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ القَرائِنُ القُرْآنِيَّةُ، واسْتِقْراءُ القُرْآنِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ظَهَرَ بِذَلِكَ رُجْحانُهُ عَلى تَأوُّلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ومَن تَبِعَها بَعْضَ آياتِ القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَفِي الأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ عَلى ذَلِكَ مُقْنِعٌ لِلْمُنْصِفِ، وقَدْ زِدْنا عَلَيْها ما رَأيْتَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
27:81Page 384
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٨١
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [i.e., submitting to Allāh].
No commentary for this ayah
27:82Page 384
۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢
And when the word [i.e., decree] befalls them,1 We will bring forth for them a creature from the earth speaking to them, [saying] that the people were, of Our verses, not certain [in faith].
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences