Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:83–93
27:83Page 384
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ فَوۡجٗا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمۡ يُوزَعُونَ ٨٣
And [warn of] the Day when We will gather from every nation a company of those who deny Our signs, and they will be [driven] in rows
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ . ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خُصُوصُ الحَشْرِ بِهَذِهِ الأفْواجِ المُكَذِّبَةِ بِآياتِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ عَلى عُمُومِ الحَشْرِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا بِقَلِيلٍ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا في كِتابِنا ”دَفَعَ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، في آيَةِ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ، في الكَلامِ عَلى وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى فِيها: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الآيَةَ، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وذَكَرْنا قَوْلَ الألُوسِيِّ في تَفْسِيرِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ في الحَشْرِ العامِّ لِجَمِيعِ النّاسِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ في الحَشْرِ الخاصِّ بِهَذِهِ الأفْواجِ المُكَذِّبَةِ؛ لِأجْلِ التَّوْبِيخِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٤]، وهَذا يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، كَما تَرى.
وَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الأفْواجُ الَّتِي تُحْشَرُ حَشْرًا خاصًّا هي رُؤَساءُ أهْلِ الضَّلالِ وقادَتُهم، وعَلَيْهِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٨ - ٦٩]، والفَوْجُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢]، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾، أيْ: يَرِدُ أوَّلُهم عَلى (p-١٤٣)آخِرِهِمْ حَتّى يَجْتَمِعُوا، ثُمَّ يُدْفَعُونَ جَمِيعًا، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى أنَّ الحَشْرَ خاصٌّ بِهَؤُلاءِ الأفْواجِ المُكَذِّبَةِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ هَذا بِقَلِيلٍ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَشْرَ عامٌّ، كَما صَرَّحَتْ بِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ عَنْ كَثْرَةٍ.
والجَوابُ عَنْ هَذا، هو ما بَيَّنَهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ يُرادُ بِهِ الحَشْرُ العامُّ وقَوْلَهَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أيْ بَعْدَ الحَشْرِ العامِّ يَجْمَعُ اللَّهُ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ لِأجْلِ التَّوْبِيخِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤]، فالمُرادُ بِالفَوْجِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ الفَوْجُ المُكَذِّبُ لِلرُّسُلِ يُحْشَرُ لِلتَّوْبِيخِ حَشْرًا خاصًّا، فَلا يُنافِي حَشْرَ الكُلِّ لِفَصْلِ القَضاءِ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ مِن تَخْصِيصِ الفَوْجِ بِالرُّؤَساءِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم.
27:84Page 384
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبۡتُم بِـَٔايَٰتِي وَلَمۡ تُحِيطُواْ بِهَا عِلۡمًا أَمَّاذَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨٤
Until, when they arrive [at the place of Judgement], He will say, "Did you deny My signs while you encompassed them not in knowledge, or what [was it that] you were doing?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أيْ يُسْألُونَ عَنِ اعْتِقادِهِمْ وأعْمالِهِمْ، ومَقْصُودُهُ بِسُؤالِهِمْ عَنِ اعْتِقادِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي هي هَذا القُرْآنُ مِن عَقائِدِ الإيمانِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها، كَما هو مَعْلُومٌ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ وغَيْرِهِ، ومَقْصُودُهُ بِسُؤالِهِمْ عَنْ أعْمالِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والسُّؤالُ المَذْكُورُ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، فَقَدْ وبَّخَهم تَعالى فِيهِ عَلى فَسادِ الِاعْتِقادِ، وفَسادِ الأعْمالِ، والتَّوْبِيخُ عَلَيْهِما مَعًا المَذْكُورُ هُنا جاءَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، كَما أشارَ لَهُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾، تَوْبِيخٌ عَلى فَسادِ الِاعْتِقادِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلا صَلّى﴾: تَوْبِيخٌ عَلى إضاعَةِ العَمَلِ.
27:85Page 384
وَوَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمۡ لَا يَنطِقُونَ ٨٥
And the decree will befall them1 for the wrong they did, and they will not [be able to] speak.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِمْ هو كَلِمَةُ العَذابِ، كَما يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الكُفّارَ لا يَنْطِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ كَما يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩٧]، مَعَ أنَّهُ بَيَّنَتْ آياتٌ أُخَرُ مِن كِتابِ اللَّهِ أنَّهم يَنْطِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ويَعْتَذِرُونَ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادَوْا يامالِكُ﴾ (p-١٤٤)الآيَةَ [الزخرف: ٧٧]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى كَلامِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَقَدْ بَيَّنّا الجَوابَ عَنْ هَذا في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، في سُورَةِ ”المُرْسَلاتِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]، وما ذَكَرْنا مِنَ الآياتِ. فَذَكَرْنا أنَّ مِن أوْجُهِ الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ أنَّ القِيامَةَ مَواطِنُ، فَفي بَعْضِها يَنْطِقُونَ، وفي بَعْضِها لا يَنْطِقُونَ، فَإثْباتُ النُّطْقِ لَهم ونَفْيُهُ عَنْهم كِلاهُما مُنَزَّلٌ عَلى حالٍ ووَقْتٍ غَيْرِ حالِ الآخَرِ ووَقْتِهِ. ومِنها أنَّ نُطْقَهُمُ المُثْبَتَ لَهم خاصٌّ بِما لا فائِدَةَ لَهم فِيهِ، والنُّطْقَ المَنفِيَّ عَنْهم خاصٌّ بِما لَهم فِيهِ فائِدَةٌ ومِنها غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرْنا شَيْئًا مِن أجْوِبَةِ ذَلِكَ في ”الفُرْقانِ“ و ”طَهَ“، و ”الإسْراءِ“ .
27:86Page 384
أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِيَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٨٦
Do they not see that We made the night that they may rest therein and the day giving sight? Indeed in that are signs for a people who believe.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٢] .
27:87Page 384
وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ ٨٧
And [warn of] the Day the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will be terrified except whom Allāh wills. And all will come to Him humbled.
No commentary for this ayah
27:88Page 384
وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ ٨٨
And you see the mountains, thinking them motionless,1 while they will pass as the passing of clouds. [It is] the work of Allāh, who perfected all things. Indeed, He is Aware of that which you do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونَ في الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ القَوْلِ، وذَكَرْنا في تَرْجَمَتِهِ أيْضًا أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها الِاسْتِدْلالُ عَلى المَعْنى، بِكَوْنِهِ هو الغالِبُ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ غَلَبَتَهُ فِيهِ، تَدُلُّ عَلى عَدَمِ خُرُوجِهِ مِن مَعْنى الآيَةِ، ومَثَّلْنا لِجَمِيعِ ذَلِكَ أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، والأمْرانِ المَذْكُورانِ مِن أنْواعِ البَيانِ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِما مَعًا آيَةُ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ.
وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ النّاسِ قَدْ زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِبالَ الآنَ في دارِ الدُّنْيا يَحْسَبُها رائِيها جامِدَةً، أيْ: واقِفَةً ساكِنَةً غَيْرَ مُتَحَرِّكَةٍ، وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ يَصِفُ جَيْشًا:
؎بِأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍّ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
والنَّوْعانِ المَذْكُورانِ مِن أنْواعِ البَيانِ، يُبَيِّنانِ عَدَمَ صِحَّةِ هَذا القَوْلِ.
(p-١٤٥)أمّا الأوَّلُ مِنهُما: وهو وُجُودُ القَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ صِحَّتِهِ، فَهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: فَفَزِعَ، وذَلِكَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُرَتَّبٌ بِالفاءِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٧]، أيْ: ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَيَفْزَعُ مَن في السَّماواتِ وتَرى الجِبالَ، فَدَلَّتْ هَذِهِ القَرِينَةُ القُرْآنِيَّةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ مَرَّ الجِبالِ مَرَّ السَّحابِ كائِنٌ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، لا الآنَ.
وَأمّا الثّانِي: وهو كَوْنُ هَذا المَعْنى هو الغالِبُ في القُرْآنِ فَواضِحٌ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الآياتِ الَّتِي فِيها حَرَكَةُ الجِبالِ كُلُّها في يَوْمِ القِيامَةِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] .
وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، جاءَ نَحْوُهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، وتَسْيِيرُ الجِبالِ وإيجادُها ونَصْبُها قَبْلَ تَسْيِيرِها، كُلُّ ذَلِكَ صُنْعٌ مُتْقَنٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ .
(p-٣٦٠)هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الجِبالَ يَظُنُّها الرّائِي ساكِنَةً وهي تَسِيرُ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الجِبالَ راسِيَةٌ، والرّاسِي هو الثّابِتُ في مَحَلٍّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ [ ٧٩ ]، وقَوْلِهِ: ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ [الحجر: ١٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧] .
وَوَجْهُ الجَمْعِ ظاهَرٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ”أرْساها“ ونَحْوَهُ، يَعْنِي في الدُّنْيا، وقَوْلَهُ. ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ﴾ [النمل: ٨٧] ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وَتَرى الجِبالَ﴾ الآيَةَ.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ النُّصُوصُ القُرْآنِيَّةُ عَلى أنَّ سَيْرَ الجِبالِ في يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠] .
27:89Page 385
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٨٩
Whoever comes [at Judgement] with a good deed will have better than it, and they, from the terror of that Day, will be safe.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ . اعْلَمْ: أنَّ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَشْمَلُ نَوْعَيْنِ مِنَ الحَسَناتِ:
الأوَّلُ: حَسَنَةٌ هي فِعْلُ خَيْرٍ مِن أفْعالِ العَبْدِ، كالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾، بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الحَسَناتِ، أنَّ الثَّوابَ مُضاعَفٌ، فَهو خَيْرٌ مِن نَفْسِ العَمَلِ؛ لِأنَّ مَن أنْفَقَ دِرْهَمًا واحِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَأعْطاهُ اللَّهُ ثَوابًا هو سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابٌ هو سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلًا، خَيْرٌ مِنَ الحَسَنَةِ الَّتِي قَدَّمَها الَّتِي هي إنْفاقُ دِرْهَمٍ واحِدٍ، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ كَما تَرى.
(p-١٤٦)وَهَذا المَعْنى تُوَضِّحُهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ومَعْلُومٌ أنَّ عَشْرَ أمْثالِ الحَسَنَةِ خَيْرٌ مِنها هي وحْدَها؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الحَسَنَةِ: فَكَقَوْلِ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولا يُوجَدُ شَيْءٌ خَيْرٌ مَن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، بَلْ هي أساسُ الخَيْرِ كُلِّهِ، والَّذِي يَظْهَرُ عَلى هَذا المَعْنى أنَّ لَفْظَةَ خَيْرٌ لَيْسَتْ صِيغَةَ تَفْضِيلٍ.
وَأنَّ المَعْنى: فَلَهُ خَيْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ حاصِلٌ لَهُ مِنها، أيْ: مِن قِبَلِها ومِن أجْلِها، وعَلَيْهِ فَلَفْظَةُ مِن في الآيَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥]، أيْ: مِن أجْلِ خِطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا، فَأُدْخِلُوا نارًا. وأمّا عَلى الأوَّلِ فَخَيْرٌ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّ لَفْظَةَ خَيْرٌ عَلى الوَجْهِ الثّانِي صِيغَةُ تَفْضِيلٍ أيْضًا، ولا يُرادُ بِها تَفْضِيلُ شَيْءٍ عَلى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، بَلِ المُرادُ أنَّ كَلِمَةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَعَبَّدَ بِها العَبْدُ في دارِ الدُّنْيا، وتَعَبُّدُهُ بِها فِعْلُهُ المَحْضُ، وقَدْ أثابَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عَلى تَعَبُّدِهِ بِها، وإثابَةُ اللَّهِ فِعْلُهُ جَلَّ وعَلا، ولا شَكَّ أنَّ فِعْلَ اللَّهِ خَيْرٌ مِن فِعْلِ عَبْدِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . دَلَّتْ عَلى مَعْناهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى في أمْنِهِمْ مِنَ الفَزَعِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٠٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى في أمْنِهِمْ: ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبإ: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ [النمل: ٨٩]، قَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِتَنْوِينٍ فَزَعٍ، وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، بَلْ بِالإضافَةِ إلى يَوْمَئِذٍ، إلّا أنَّ نافِعًا قَرَأ بِفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ مَعَ إضافَةِ فَزَعٍ إلَيْهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ مَعَ كَسْرِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ، وفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها مِن نَحْوِ يَوْمَئِذٍ، قَدْ أوْضَحْناهُ بِلُغاتِهِ وشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ مَعَ بَيانِ المُخْتارِ مِنَ اللُّغاتِ في سُورَةِ (p-١٤٧)”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ الآيَةَ [مريم: ١٥] .
27:90Page 385
وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٠
And whoever comes with an evil deed1 - their faces will be overturned into the Fire, [and it will be said], "Are you recompensed except for what you used to do?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وعَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وأبُو وائِلٍ، وأبُو صالِحٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾، يَعْنِي الشِّرْكَ.
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَضَمَّنَتْ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَن جاءَ رَبَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالسَّيِّئَةِ كالشِّرْكِ يُكَبُّ وجْهُهُ في النّارِ.
والثّانِي: أنَّ السَّيِّئَةَ إنَّما تُجْزى بِمِثْلِها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، وهَذانِ الأمْرانِ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى في الأوَّلِ مِنهُما: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤]،
• وكَقَوْلِهِ تَعالى في الثّانِي مِنهُما: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٦٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبإ: ٢٦] .
وَإذا عَلِمْتَ أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُضاعَفُ، فاعْلَمْ أنَّ السَّيِّئَةَ قَدْ تَعْظُمُ فَيَعْظُمُ جَزاؤُها بِسَبَبِ حُرْمَةِ المَكانِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، أوْ حُرْمَةِ الزَّمانِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في الأشْهُرِ الحَرامِ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] .
وَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ أنَّ العَذابَ يَعْظُمُ بِسَبَبِ عِظَمِ الإنْسانِ المُخالِفِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في نَبِيِّنا ﷺ: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٤٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، (p-١٤٨)وَكَقَوْلِهِ تَعالى في أزْواجِهِ ﷺ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٠]، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِنَ الكَلامِ عَلى هَذا، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]، مَعَ تَفْسِيرِ الآيَةِ، ومُضاعَفَةِ السَّيِّئَةِ المُشارِ إلَيْها في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، إنْ كانَتْ بِسَبَبِ عِظَمِ الذَّنْبِ، حَتّى صارَ في عِظَمِهِ كَذَنْبَيْنِ، فَلا إشْكالَ، وإنْ كانَتْ مُضاعَفَةُ جَزاءِ السَّيِّئَةِ كانَتْ هاتانِ الآيَتانِ مُخَصَّصَتَيْنِ لِلْآياتِ المُصَرِّحَةِ، بِأنَّ السَّيِّئَةَ لا تُجْزى إلّا بِمِثْلِها، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
27:91Page 385
إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩١
[Say, O Muḥammad], "I have only been commanded to worship the Lord of this city,1 who made it sacred and to whom [belongs] all things. And I am commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ . جاءَ مَعْناهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ ١٠٦ \ ٤ ]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي فِيها زِيادَةُ إيضاحٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾، في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٧] .
27:92Page 385
وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ٩٢
And to recite the Qur’ān." And whoever is guided is only guided for [the benefit of] himself; and whoever strays - say, "I am only [one] of the warners."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ . جاءَ مَعْناهُ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [هود: ١٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى (p-١٤٩)وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها. جاءَ مَعْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
27:93Page 385
وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٣
And say, "[All] praise is [due] to Allāh. He will show you His signs, and you will recognize them. And your Lord is not unaware of what you do."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . جاءَ مَعْناهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: عَمّا تَعْمَلُونَ بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences