Ash-ShinqitiAli 'Imran · 3:67–92

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:67–92

3:67Page 58

مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٦٧

Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allāh]. And he was not of the polytheists.1

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وأمْثالُها في القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا يَوْمًا ما، لِأنَّ نَفْيَ الكَوْنِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ النَّفْيِ لِجَمِيعِ الزَّمَنِ الماضِي كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٥] .

وَقَدْ جاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ما يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: - ٧٨] .

وَمَن ظَنَّ رُبُوبِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ فَهو مُشْرِكٌ بِاللَّهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] .

والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ مُناظِرٌ لا ناظِرٌ ومَقْصُودُهُ التَّسْلِيمُ الجَدَلِيُّ أيْ: هَذا رَبِّي عَلى زَعْمِكُمُ الباطِلِ، والمُناظِرُ قَدْ يُسَلِّمُ المُقَدِّمَةَ الباطِلَةَ تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا لِيُفْحِمَ بِذَلِكَ خَصْمَهُ.

فَلَوْ قالَ لَهم إبْراهِيمُ في أوَّلِ الأمْرِ: الكَوْكَبُ مَخْلُوقٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ رَبًّا، لَقالُوا لَهُ، كَذَبْتَ، بَلِ الكَوْكَبُ رَبٌّ ومِمّا يَدُلُّ لِكَوْنِهِ مُناظِرًا لا ناظِرًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠] .

وَهَذا الوَجْهُ هو الأظْهَرُ، وما اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُناظِرٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى:

(p-٢٣٤)﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] .

لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى التَّحْقِيقِ لِأنَّ الرُّسُلَ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ تَواضُعًا وإظْهارًا لِالتِجائِهِمْ إلى اللَّهِ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقَوْلِهِ هو وإسْماعِيلُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٨] .

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أهَذا رَبِّي ؟ وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ حَذْفَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ إذا دَلَّ المَقامُ عَلَيْها جائِزٌ، وهو قِياسِيٌّ عِنْدَ الأخْفَشِ مَعَ أمْ ودُونَها ذَكَرَ الجَوابَ أمْ لا، فَمِن أمْثِلَتِهِ دُونَ أمْ ودُونَ ذِكْرِ الجَوابِ قَوْلُ الكُمَيْتِ:

؎طَرِبْتُ وما شَوْقًا إلى البِيضِ أطْرَبُ ولا لَعِبًا مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ

يَعْنِي أوَ ذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ ؟ وقَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ واسْمُهُ خُوَيْلِدٌ:

؎رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ

يَعْنِي أهم هم، كَما هو الصَّحِيحُ، وجَزَمَ بِهِ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَماعَةٍ ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ.

وَمِن أمْثِلَتِهِ دُونَ أمْ مَعَ ذِكْرِ الجَوابِ، قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ:

؎ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بَهْرًا ∗∗∗ عَدَدَ النَجْمِ والحَصى والتُّرابِ

يَعْنِي أتُحِبُّها عَلى القَوْلِ الصَّحِيحِ وهو مَعَ أمْ كَثِيرٌ جِدًّا، ومِن أمْثِلَتِهِ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ التَّمِيمِيِّ وأنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ لِذَلِكَ:

؎لَعَمْرُكِ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيا ∗∗∗ شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنقَرِ

يَعْنِي أشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ ؟ وقَوْلُ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ:

؎بَدا لِيَ مِنها مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ ∗∗∗ وكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَتْ بِبَنانِ

؎فَواللَّهِ ما أدْرِي وإنِّي لِحاسِبٌ ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ

يَعْنِي أبِسَبْعٍ، وقَوْلُ الأخْطَلِ:

؎كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطٍ ∗∗∗ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالًا

(p-٢٣٥)يَعْنِي أكَذَبَتْكَ عَيْنُكَ ؟ كَما نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى جَوازِ ذَلِكَ في بَيْتِ الأخْطَلِ هَذا وإنْ خالَفَ الخَلِيلَ زاعِمًا أنَّ كَذَبَتْكَ صِيغَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وأنَّ أمْ بِمَعْنى بَلْ، فَفي البَيْتِ عَلى قَوْلِ الخَلِيلِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ المَعْنَوِيِّ، يُسَمّى بِالرُّجُوعِ عِنْدَ البَلاغِيِّينَ.

وَقَوْلُ الخَنْساءِ:

؎قَذًى بِعَيْنَيْكَ أمْ بِالعَيْنِ عُوّارُ ∗∗∗ أمْ خَلَتْ إذْ أقْفَرَتْ مِن أهْلِها الدّارُ

تَعْنِي أقَذًى بِعَيْنَيْكَ ؟ وقَوْلُ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ الأنْصارِيِّ:

؎وَما تَدْرِي وإنْ ذَمَّرْتَ سَقْبًا ∗∗∗ لِغَيْرِكَ أمْ يَكُونُ لَكَ الفَصِيلُ

يَعْنِي ألِغَيْرِكَ ؟ وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ ∗∗∗ وماذا عَلَيْكَ بِأنْ تَنْتَظِرْ

يَعْنِي أتَرُوحُ ؟ .

وَعَلى هَذا القَوْلِ فَقَرِينَةُ الِاسْتِفْهامِ المَحْذُوفِ عُلُوُّ مَقامِ إبْراهِيمَ عَنْ ظَنِّ رُبُوبِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ وشَهادَةُ القُرْآنِ لَهُ بِالبَراءَةِ مِن ذَلِكَ، والآيَةُ عَلى هَذا القَوْلِ تُشْبِهُ قِراءَةَ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ونَظِيرُها عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [ ٢١ ] يَعْنِي أفْهُمُ الخالِدُونَ ؟ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها﴾ [الشعراء: ٢٢]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ.

وَما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ غَيْرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فَهو راجِعٌ إلَيْهِما كالقَوْلِ بِإضْمارِ القَوْلِ، أيْ يَقُولُ الكُفّارُ هَذا رَبِّي، فَإنَّهُ راجِعٌ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ.

وَأمّا ما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ونَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ إبْراهِيمَ كانَ ناظِرًا يَظُنُّ رُبُوبِيَّةَ الكَوْكَبِ فَهو ظاهِرُ الضَّعْفِ، لِأنَّ نُصُوصَ القُرْآنِ تَرُدُّهُ

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١] .

(p-٢٣٦)

وَقَدْ بَيَّنَ المُحَقِّقُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ رَدَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِهَذِهِ النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ وأمْثالِها، والأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى مُقْتَضاها كَقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» الحَدِيثَ.

3:68Page 58

إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٨

Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allāh] and this prophet [i.e., Muḥammad (ﷺ)] and those who believe [in his message]. And Allāh is the Ally1 of the believers.

No commentary for this ayah

3:69Page 58

وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩

A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.

No commentary for this ayah

3:70Page 58

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠

O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?

No commentary for this ayah

3:71Page 59

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١

O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?

No commentary for this ayah

3:72Page 59

وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will return [i.e., abandon their religion],

No commentary for this ayah

3:73Page 59

وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٧٣

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allāh. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand1 of Allāh - He grants it to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Wise."

No commentary for this ayah

3:74Page 59

يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

He selects for His mercy whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.

No commentary for this ayah

3:75Page 59

۞ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥

And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned."1 And they speak untruth about Allāh while they know [it].

No commentary for this ayah

3:76Page 59

بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧٦

But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allāh - then indeed, Allāh loves those who fear Him.

No commentary for this ayah

3:77Page 59

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٧

Indeed, those who exchange the covenant of Allāh and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allāh will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.

No commentary for this ayah

3:78Page 60

وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٨

And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allāh," but it is not from Allāh. And they speak untruth about Allāh while they know.

No commentary for this ayah

3:79Page 60

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩

It is not for a human [prophet]1 that Allāh should give him the Scripture2 and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allāh," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."

No commentary for this ayah

3:80Page 60

وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠

Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?

No commentary for this ayah

3:81Page 60

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١

And [recall, O People of the Scripture], when Allāh took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allāh] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?"1 They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."

No commentary for this ayah

3:82Page 60

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٨٢

And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.

No commentary for this ayah

3:83Page 60

أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٨٣

So is it other than the religion of Allāh they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?

No commentary for this ayah

3:84Page 61

قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٨٤

Say, "We have believed in Allāh and in what was revealed to us and what was revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, and the Descendants [al-Asbāṭ], and in what was given to Moses and Jesus and to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [submitting] to Him."

No commentary for this ayah

3:85Page 61

وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥

And whoever desires other than Islām as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

No commentary for this ayah

3:86Page 61

كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٦

How shall Allāh guide a people who disbelieved after their belief and had witnessed that the Messenger is true and clear signs had come to them? And Allāh does not guide the wrongdoing people.

No commentary for this ayah

3:87Page 61

أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ٨٧

Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allāh and the angels and the people, all together,

No commentary for this ayah

3:88Page 61

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٨

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved,

No commentary for this ayah

3:89Page 61

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٨٩

Except for those who repent after that1 and correct themselves. For indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

No commentary for this ayah

3:90Page 61

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ٩٠

Indeed, those who disbelieve [i.e., reject the message] after their belief and then increase in disbelief - never will their [claimed] repentance be accepted, and they are the ones astray.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ .

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَعْنِي إذا أخَّرُوا التَّوْبَةَ إلى حُضُورِ المَوْتِ فَتابُوا حِينَئِذٍ، وهَذا التَّفْسِيرُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨] . وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، ولا سِيَّما إذا اتَّحَدَ الحُكْمُ والسَّبَبُ كَما هُنا.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم لَنْ يُوَفَّقُوا لِلتَّوْبَةِ حَتّى تُقْبَلَ مِنهم ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، فَعَدَمُ غُفْرانِهِ لَهم لِعَدَمِ هِدايَتِهِمُ السَّبِيلَ الَّذِي يَغْفِرُ لِصاحِبِهِ ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩] .

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرْتَدِّينَ بَعْدَ إيمانِهِمُ المُزْدادِينَ كُفْرًا لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهم إذا تابُوا لِأنَّهُ عَبَّرَ بِلَنِ الدّالَّةِ عَلى نَفْيِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ أنَّهُ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ دالَّةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ كُلِّ تائِبٍ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] .

فَإنَّهُ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ قَبْلَ إتْيانِ بَعْضِ الآياتِ مَقْبُولَةٌ مِن كَلِّ تائِبٍ، وصَرَّحَ تَعالى بِدُخُولِ المُرْتَدِّينَ في قَبُولِ التَّوْبَةِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مُباشَرَةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩] .

فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ راجِعٌ إلى المُرْتَدِّينَ بَعْدَ الإيمانِ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ واللَّعْنَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا ويَدُلُّ لَهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٧] .

لِأنَّ مَفْهُومَهُ أنَّهُ تابَ قَبْلَ المَوْتِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ مُطْلَقًا، والجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ ونَقَلَهُ عَنْ رُفَيْعٍ أبِي العالِيَةِ أنَّ المَعْنى: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اليَهُودِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِما أصابُوا مِنَ الذُّنُوبِ في كُفْرِهِمْ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي أصابُوها في كُفْرِهِمْ حَتّى يَتُوبُوا مِن كُفْرِهِمْ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَوْبَتَهم مَعَ بَقائِهِما عَلى ارْتِكابِ الضَّلالِ وعَدَمُ قَبُولِها حِينَئِذٍ ظاهِرٌ.

(p-٢٣٧)الثّانِي: وهو أقْرَبُها عِنْدِي، أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ يَعْنِي إذْ تابُوا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ أمْرانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ الكافِرَ الَّذِي لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ هو الَّذِي يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ حَتّى يَحْضُرَهُ المَوْتُ فَيَتُوبُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨] .

فَجُعِلَ التّائِبُ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ والمَيِّتُ عَلى كُفْرِهِ سَواءً.

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ الآيَةَ [غافر: ٨٥] .

وَقَوْلِهِ في فِرْعَوْنَ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] .

فالإطْلاقُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ يُقَيَّدُ بِقَيْدِ تَأْخِيرِ التَّوْبَةِ إلى حُضُورِ المَوْتِ لِوُجُوبِ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ في وقْتِ نَفْعِها ونَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا الوَجْهَ الثّانِي الَّذِي هو التَّقْيِيدُ بِحُضُورِ المَوْتِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ والسُّدِّيِّ.

الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أيْ إيمانُهُمُ الأوَّلُ، لِبُطْلانِهِ بِالرِّدَّةِ بَعْدَهُ، ونَقْلٌ خَرَّجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ جَرِيحٍ ولا يَخْفى ضِعْفُ هَذا القَوْلِ وبُعْدُهُ عَنْ ظاهِرِ القُرْآنِ.

الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أنَّهم لَمْ يُوَفَّقُوا لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ حَتّى تُقْبَلَ مِنهم، ويَدُلَّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] .

فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ عَدَمَ غُفْرانِهِ لَهم لِعَدَمِ تَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ والهُدى.

كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨] .

(p-٢٣٨)وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٦] .

وَنَظِيرُ الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، أيْ لا شَفاعَةَ لَهم أصْلًا حَتّى تَنْفَعَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١١٧] .

لِأنَّ الإلَهَ الآخَرَ لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ أصْلًا، حَتّى يَقُومَ عَلَيْهِ بُرْهانٌ أوْ لا يَقُومَ عَلَيْهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: مِثْلُ هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ النُّظّارِ، بِقَوْلِهِمُ السّالِبَةُ لا تَقْضِي بِوُجُودِ المَوْضُوعِ، وإيضاحُهُ أنَّ القَضِيَّةَ السّالِبَةَ عِنْدَهم صادِقَةٌ في صُورَتَيْنِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها عَدَمُ اتِّصافِ المَوْضُوعِ بِالمَحْمُولِ وعَدَمُ اتِّصافِهِ بِهِ يَتَحَقَّقُ في صُورَتَيْنِ:

الأُولى: أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ مَوْجُودًا إلّا أنَّ المَحْمُولَ مُنْتَفٍ عَنْهُ، كَقَوْلِكَ: لَيْسَ الإنْسانُ بِحَجَرٍ، فالإنْسانُ مَوْجُودٌ والحَجَرِيَّةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ.

والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ مِن أصْلِهِ مَعْدُومًا لِأنَّهُ إذا عَدِمَ تَحَقَّقَ عَدَمُ اتِّصافِهِ بِالمَحْمُولِ المَوْجُودِيِّ، لِأنَّ العَدَمَ لا يَتَّصِفُ بِالوُجُودِ كَقَوْلِكَ: لا نَظِيرَ لِلَّهِ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، فَإنَّ المَوْضُوعَ الَّذِي هو النَّظِيرُ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا مِن أصْلِهِ، وإذا تَحَقَّقَ عَدَمُهُ تَحَقَّقَ انْتِفاءُ اتِّصافِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ ضَرُورَةً وهَذا النَّوْعُ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ومِن شَواهِدِهِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ إذا سافَهُ العَوْدُ النُّباطِيُّ جَرْجَرا

لِأنَّ المَعْنى عَلى لاحِبٍ لا مَنارَ لَهُ أصْلًا حَتّى يُهْتَدى بِهِ.

وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎لا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُها ∗∗∗ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرْ

لِأنَّهُ يَصِفُ فَلاةً بِأنَّها لَيْسَ فِيها أرانِبُ ولا ضِبابٌ حَتّى تُفْزِعَ أهْوالُها الأرْنَبَ، أوْ يَنْجَحِرَ فِيها الضَّبُّ أيْ يَدْخُلُ الجُحْرَ أوْ يَتَّخِذُهُ، وقَدْ أوْضَحْتُ مَسْألَةَ أنَّ السّالِبَةَ لا تَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ في أُرْجُوزَتِي في المَنطِقِ في مَبْحَثِ انْحِرافِ السُّوَرِ، وأوْضَحْتُ فِيها أيْضًا في مَبْحَثِ التَّحْصِيلِ والعُدُولِ أنَّ مِنَ المُوجِباتِ ما لا يَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ نَحْوَ: بَحْرٌ مِن زِئْبَقٍ مُمْكِنٌ، والمُسْتَحِيلُ مَعْدُومٌ فَإنَّها مُوجِبَتانِ ومَوْضُوعُ كُلٍّ مِنهُما مَعْدُومٌ، وحَرَّرْنا (p-٢٣٩)هُناكَ التَّفْصِيلَ فِيما يَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ وما لا يَقْتَضِيهِ، وهَذا الَّذِي قَرَّرْنا مِن أنَّ المُرْتَدَّ إذا تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ولَوْ بَعْدَ تَكَرُّرِ الرِّدَّةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ أوْ أكْثَرَ، لا مُنافاةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ الأرْبَعَةِ وغَيْرِهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ: مِن أنَّ المُرْتَدَّ إذا تَكَرَّرَ مِنهُ ذَلِكَ يُقْتَلُ ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ هَذا الخِلافَ في تَحْقِيقِ المَناطِ مَعَ اتِّفاقِهِما عَلى أصْلِ المَناطِ، وإيضاحُهُ أنَّ المَناطَ مَكانُ النَّوْطِ وهو التَّعْلِيقُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

؎وَأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ

والمُرادُ بِهِ مَكانُ تَعْلِيقِ الحُكْمِ، وهو العِلَّةُ فالمَناطُ والعِلَّةُ مُتَرادِفانِ اصْطِلاحًا إلّا أنَّهُ غَلَبَ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ المَناطِ في المَسْلَكِ الخامِسِ مِن مَسالِكَ العِلَّةِ، الَّذِي هو المُناسَبَةُ والإحالَةُ فَإنَّهُ يُسَمّى تَخْرِيجَ المَناطِ وكَذَلِكَ في المَسْلَكِ التّاسِعِ الَّذِي هو تَنْقِيحُ المَناطِ، فَتَخْرِيجُ المَناطِ هو اسْتِخْراجُ العِلَّةِ بِمَسْلَكِ المُناسَبَةِ والإحالَةِ، وتَنْقِيحُ المَناطِ هو تَصْفِيَةُ العِلَّةِ وتَهْذِيبُها حَتّى لا يَخْرُجَ شَيْءٌ صالِحٌ لَها ولا يَدْخُلَ شَيْءٌ غَيْرُ صالِحٍ لَها، كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ، وأمّا تَحْقِيقُ المَناطِ وهو الغَرَضُ هُنا فَهو أنْ يَكُونَ مَناطُ الحُكْمِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ.

إلّا أنَّ أحَدَهُما يَقُولُ هو مَوْجُودٌ في هَذا الفَرْعِ.

والثّانِي: يَقُولُ: لا ومِثالُهُ الِاخْتِلافُ في قَطْعِ النَّبّاشِ، فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يُوافِقُ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ السَّرِقَةَ هي مُناطُ القَطْعِ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ لَمْ يَتَحَقَّقِ المَناطُ في النَّبّاشِ لِأنَّهُ غَيْرُ سارِقٍ، بَلْ هو آخِذُ مالٍ عارِضٍ لِلضَّياعِ كالمُلْتَقَطِ مِن غَيْرِ حِرْزٍ، فَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ مُرادَ القائِلِينَ أنَّهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، أنَّ أفْعالَهُ دالَّةٌ عَلى خُبْثِ نِيَّتِهِ وفَسادِ عَقِيدَتِهِ وأنَّهُ لَيْسَ تائِبًا في الباطِلِ تَوْبَةً نَصُوحًا فَهم مُوافِقُونَ عَلى التَّوْبَةِ النَّصُوحِ مَناطِ القَبُولَ كَما ذَكَرْنا، ولَكِنْ يَقُولُونَ أفْعالُ هَذا الخَبِيثِ دَلَّتْ عَلى عَدَمِ تَحْقِيقِ المَناطِ.

وَمِن هُنا اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ أعْنِي المُسْتَسِرَّ بِالكُفْرِ، فَمِن قائِلٍ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ومِن قائِلٍ تُقْبَلُ ومِن مُفَرِّقٍ بَيْنَ إتْيانِهِ تائِبًا قَبْلَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ وبَيْنَ الِاطِّلاعِ عَلى نِفاقِهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، كَما هو مَعْرُوفٌ في فُرُوعِ مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ لِأنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ يُقْتَلُ ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ يَرَوْنَ أنَّ نِفاقَهُ الباطِلَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَوْبَتَهُ تَقِيَّةٌ لا حَقِيقَةٌ واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] .

(p-٢٤٠)فَقالُوا: الإصْلاحُ شَرْطٌ والزِّنْدِيقُ لا يُطَّلَعُ عَلى إصْلاحِهِ، لِأنَّ الفَسادَ إنَّما أتى مِمّا أسَرَّهُ فَإذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ وأظْهَرَ الإقْلاعَ لَمْ يَزَلْ في الباطِنِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ أدِلَّةَ القائِلِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ مُطْلَقًا أظْهَرُ وأقْوى، كَقَوْلِهِ ﷺ لِأُسامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ»، وقَوْلِهِ لِلَّذِي سارَّهُ في قَتْلِ رَجُلٍ قالَ: «ألَيْسَ يُصَلِّي ؟ قالَ: بَلى. قالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِهِمْ»، وقَوْلِهِ لِخالِدٍ لَمّا اسْتَأْذَنَهُ في قَتْلِ الَّذِي أنْكَرَ القِسْمَةَ: «إنِّي لِمَ أُومَرْ بِأنْ أنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النّاسِ» وهَذِهِ الأحادِيثُ في الصَّحِيحِ ويَدُلُّكَ لِذَلِكَ أيْضًا إجْماعُهم عَلى أنَّ أحْكامَ الدُّنْيا عَلى الظّاهِرِ، واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ.

وَقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى أنَّ الأيْمانَ الكاذِبَةَ جُنَّةٌ لِلْمُنافِقِينَ في الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ﴾ [التوبة: ٩٥] .

• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥٦] .

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَما اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم مِن قَتْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِابْنِ النَّوّاحَةِ صاحِبِ مُسَيْلِمَةَ فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَتَلَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ جاءَهُ رَسُولًا لِمُسَيْلِمَةَ: «لَوْلا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكَ» فَقَتَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ ﷺ .

فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قَتَلَهُ لِذَلِكَ فَإنْ قِيلَ هَذِهِ الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ أخَصُّ مِن غَيْرِها لِأنَّ فِيها القَيْدَ بِالرِّدَّةِ وازْدِيادِ الكُفْرِ، فالَّذِي تَكَرَّرَتْ مِنهُ الرِّدَّةُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ المُرْتَدِّ، والدَّلِيلُ عَلى الأعَمِّ لَيْسَ دَلِيلًا عَلى الأخَصِّ لِأنَّ وُجُودَ الأعَمِّ لا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الأخَصِّ.

فالجَوابُ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ مَن تَكَرَّرَ مِنهُ الكُفْرُ، إذا أخْلَصَ في الإنابَةِ إلى اللَّهِ، ووَجْهُ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٧] .

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ المُنافِقِينَ داخِلُونَ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١٣٨] .

وَدَلالَةُ الِاقْتِرانِ وإنْ ضَعَّفَها الأُصُولِيُّونَ فَقَدْ صَحَّحَتْها جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ولا سِيَّما إذا اعْتَضَدَتْ بِالأدِلَّةِ القَرِينَةُ عَلَيْها كَما هُنا لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٤١)﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ فِيهِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى دُخُولِهِمْ في المُرادِ بِالآيَةِ، بَلْ كَوْنُها في خُصُوصِهِمْ قالَ بِهِ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، فَإذا حَقَّقَتْ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّ مَن أخْلَصَ التَّوْبَةَ مِنَ المُنافِقِينَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٧] .

وَقَدْ كانَ مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] .

فَتابَ إلى اللَّهِ بِإخْلاصٍ، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ الآيَةَ [التوبة: ٦٦]، فَتَحَصَّلَ أنَّ القائِلِينَ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ مَن تَكَرَّرَتْ مِنهُ الرِّدَّةُ، يَعْنُونَ الأحْكامَ الدُّنْيَوِيَّةَ ولا يُخالِفُونَ في أنَّهُ إذا أخْلَصَ التَّوْبَةَ إلى اللَّهِ قَبِلَها مِنهُ، لِأنَّ اخْتِلافَهم في تَحْقِيقِ المَناطِ كَما تَقَدَّمَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

3:91Page 61

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٩١

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ الآيَةَ، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُقْبَلُ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ.

وَصَرَّحَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ لَوْ زِيدَ بِمِثْلِهِ لا يُقْبَلُ مِنهُ أيْضًا

• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ، أنَّهُ لا يُقْبَلُ فِداءٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنهم بَتاتًا

• كَقَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ [الأنعام: ٧٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]،

والعَدْلُ: الفِداءُ.

3:92Page 62

لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٩٢

Never will you attain the good [reward]1 until you spend [in the way of Allāh] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allāh is Knowing of it.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском