Ash-ShinqitiAl‑Ahzab · 33:4

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:4

33:4Page 418

مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤

Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ .

فِي هَذِهِ الحَرْفِ أرْبَعُ قِراءاتٍ سَبْعِيَّةٍ: قَرَأهُ عاصِمٌ وحْدَهُ: تُظاهِرُونَ بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ بَعْدَها ألِفٌ فَهاءٌ مَكْسُورَةٌ مُخَفَّفَةٌ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَظاهَرُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ بَعْدَها ظاءٌ مَفْتُوحَةٌ مُخَفَّفَةٌ، فَألِفٌ فَهاءٌ مَفْتُوحَةٌ مُخَفَّفَةٌ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ كَقِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، إلّا أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُشَدِّدُ الظّاءَ، وهُما يُخَفِّفانِها. وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (تَظَّهَّرُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ بَعْدَها ظاءٌ فَهاءٌ مَفْتُوحَتانِ مُشَدَّدَتانِ بِدُونِ ألِفٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: تُظاهِرُونَ، عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ مُضارِعُ ظاهَرَ بِوَزْنِ فاعَلَ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَهو مُضارِعُ تَظاهَرَ بِوَزْنِ تَفاعَلَ حُذِفَتْ فِيهِ إحْدى التّاءَيْنِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في ”الخُلاصَةِ“:

؎وَما بِتاءَيْنِ ابْتَدى قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلى تا كَتَبَيَّنِ العِبَرْ

فالأصْلُ عَلى قِراءَةِ الأخَوَيْنِ تَتَظاهَرُونَ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ. وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، فَهو مُضارِعُ تَظاهَرَ أيْضًا، كَقِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، إلّا أنَّ إحْدى التّاءَيْنِ أُدْغِمَتْ في الظّاءِ ولَمْ تُحْذَفْ، وماضِيهِ اظّاهَرَ كَـ ادّارَكَ [النمل: ٦٦]، و اثّاقَلْتُمْ [التوبة: ٣٨]، و ادّارَأْتُمْ [البقرة: ٧٢]، بِمَعْنى تَدارَكَ، إلَخْ.

(p-١٨٩)وَعَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو، فَهو مُضارِعُ تَظَهَّرَ عَلى وزْنِ تَفَعَّلَ، وأصْلُهُ تَتَظَهَّرُونَ بِتاءَيْنِ، فَأُدْغِمَتْ إحْدى التّاءَيْنِ في الظّاءِ، وماضِيهِ: اظَّهَّرْ، نَحْوَ: اطَّيَّرْنا [النمل: ٤٧] وازَّيَّنَتْ [يونس: ٢٤]، بِمَعْنى: تَطَيَّرْنا، وتَزَيَّنَتْ؛ كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”طه“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧]، فَعُلِمَ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهم ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، وتَظاهَرَ مِنها، وتَظَهَّرَ مِنها كُلُّها بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو أنْ يَقُولَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يَعْنِي: أنَّها حَرامٌ عَلَيْهِ، وكانُوا يُطَلِّقُونَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ في الجاهِلِيَّةِ.

وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾، أنَّ مَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لا تَكُونُ أُمًّا لَهُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَزِدْ هُنا عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ جَلَّ وعَلا أوْضَحَ هَذا في سُورَةِ ”المُجادَلَةِ“، فَبَيَّنَ أنَّ أزْواجَهُمُ اللّائِي ظاهَرُوا مِنهُنَّ لَسْنَ أُمَّهاتِهِمْ، وأنَّ أُمَّهاتِهِمْ هُنَّ النِّساءُ الّاتِي ولَدْنَهم خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِنَّ، وأنَّ قَوْلَهم: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ.

وَقَدْ بَيَّنَ الكَفّارَةَ اللّازِمَةَ في ذَلِكَ عِنْدَ العَوْدِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٢ - ٤] .

فَقَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ ”الأحْزابِ“ هَذِهِ: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”المُجادَلَةِ“: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ﴾، وقَدْ رَأيْتَ ما في سُورَةِ ”المُجادَلَةِ“، مِنَ الزِّيادَةِ والإيضاحِ لِما تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ ”الأحْزابِ“ هَذِهِ.

* *

مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ عَلِمْتَ مِنَ القُرْآنِ أنَّ الإقْدامَ عَلى الظِّهارِ مِنَ الزَّوْجَةِ حَرامٌ حُرْمَةٌ شَدِيدَةٌ؛ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾، فَما صَرَّحَ (p-١٩٠)اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مُنْكَرٌ وزُورٌ فَحُرْمَتُهُ شَدِيدَةٌ كَما تَرى. وبَيَّنَ كَوْنَهُ كَذِبًا وزُورًا بِقَوْلِهِ: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ .

وَأشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، أنَّ مَن صَدَرَ مِنهُ مُنْكَرُ الظِّهارِ وزُورُهُ، إنْ تابَ إلى اللَّهِ مِن ذَلِكَ تَوْبَةً نَصُوحًا غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ المُنْكَرَ والزُّورَ وعَفا عَنْهُ، فَسُبْحانُهُ ما أكْرَمَهُ وما أحْلَمَهُ.

* *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ العَوْدِ الَّذِي رَتَّبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الكَفّارَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، وإزالَةِ إشْكالٍ في الآيَةِ.

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ بَيَّنّاها في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، وسَنَذْكُرُ هُنا كَلامَنا المَذْكُورَ فِيهِ تَتْمِيمًا لِلْفائِدَةِ.

فَفِي ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ“، ما نَصُّهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، لا يَخْفى أنَّ تَرْتِيبَهُ تَعالى الكَفّارَةَ بِالعِتْقِ عَلى الظِّهارِ والعَوْدِ مَعًا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الكَفّارَةَ لا تَلْزَمُ إلّا بِالظِّهارِ والعَوْدِ مَعًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ التَّكْفِيرَ يَلْزَمُ كَوْنَهُ مِن قَبْلِ العَوْدِ إلى المَسِيسِ.

اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ ما رَجَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِن قَوْلِ داوُدَ الظّاهِرِيِّ، وحَكّاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأشَجِّ والفَرّاءِ وفِرْقَةٍ مِن أهْلِ الكَلامِ، وقالَ بِهِ شُعْبَةُ: مِن أنَّ مَعْنى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ هو عَوْدُهم إلى لَفْظِ الظِّهارِ، فَيُكَرِّرُونَهُ مَرَّةً أُخْرى قَوْلٌ باطِلٌ، بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلِ المَرْأةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها آيَةُ الظِّهارِ، هَلْ كَرَّرَ زَوْجُها صِيغَةَ الظِّهارِ أوْ لا ؟ وتَرَكَ الِاسْتِفْصالَ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ، كَما تَقَدَّمَ مِرارًا.

والتَّحْقِيقُ: أنَّ الكَفّارَةَ ومَنعَ الجِماعِ قَبْلَها، لا يُشْتَرَطُ فِيهِما تَكْرِيرُ صِيغَةِ الظِّهارِ، وما زَعَمَهُ بَعْضُهم أيْضًا مِن أنَّ الكَلامَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، سالِمِينَ مِنَ الإثْمِ بِسَبَبِ الكَفّارَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ أيْضًا، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن وُجُوبِ الحَمْلِ عَلى بَقاءِ التَّرْتِيبِ، إلّا لِدَلِيلٍ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“:

؎كَذاكَ تَرِيبٌ لِإيجابِ العَمَلْ بِما لَهُ الرُّجْحانُ مِمّا يُحْتَمَلْ

(p-١٩١)وَسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ الجَوابَ عَنْ هَذا الإشْكالِ عَلى مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وأرْضاهم.

فَنَقُولُ وبِاللَّهِ تَعالى نَسْتَعِينُ: مَعْنى العَوْدِ عِنْدَ مالِكٍ فِيهِ قَوْلانِ، تُؤُوِّلَتِ المُدَوَّنَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وكِلاهُما مُرَجَّحٌ.

الأوَّلُ: أنَّهُ العَزْمُ عَلى الجِماعِ فَقَطْ.

الثّانِي: أنَّهُ العَزْمُ عَلى الجِماعِ وإمْساكِ الزَّوْجَةِ مَعًا، وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ.

لِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ، ثُمَّ يَعْزِمُونَ عَلى الجِماعِ أوْ عَلَيْهِ مَعَ الإمْساكِ، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَلا مُنافاةَ بَيْنَ العَزْمِ عَلى الجِماعِ، أوْ عَلَيْهِ مَعَ الإمْساكِ، وبَيْنَ الإعْتاقِ قَبْلَ المَسِيسِ.

وَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ حَذْفُ الإرادَةِ، وهو واقِعٌ في القُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، أيْ: أرَدْتُمُ القِيامَ إلَيْها، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، أيْ: أرَدْتَ قِراءَتَهُ ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٨] .

وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ: أنْ يُمْسِكَها بَعْدَ المُظاهَرَةِ زَمانًا يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَها فِيهِ فَلا يُطَلِّقُ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ إمْساكَهُ إيّاها الزَّمَنَ المَذْكُورَ لا يُنافِي التَّكْفِيرَ قَبْلَ المَسِيسِ، كَما هو واضِحٌ.

وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ أحْمَدَ: هو أنْ يَعُودَ إلى الجِماعِ أوْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ. أمّا العَزْمُ، فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا إشْكالَ في الآيَةِ عَلى القَوْلِ بِهِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الجِماعُ.

فالجَوابُ: أنَّهُ إنْ ظاهَرَ وجامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَلْزَمُهُ الكَفُّ عَنِ المَسِيسِ مَرَّةً أُخْرى حَتّى يُكَفِّرَ، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا جَوازُ الجِماعِ الأوَّلِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ؛ لِأنَّ الآيَةَ عَلى هَذا القَوْلِ، إنَّما بَيَّنَتْ حُكْمَ ما إذا وقَعَ الجِماعُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وأنَّهُ وُجُوبُ التَّكْفِيرِ قَبْلَ مَسِيسٍ آخَرَ، وأمّا الإقْدامُ عَلى المَسِيسِ الأوَّلِ فَحُرْمَتُهُ مَعْلُومَةٌ مِن عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ .

وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: هو العَزْمُ عَلى الوَطْءِ، وعَلَيْهِ فَلا (p-١٩٢)إشْكالَ كَما تَقَدَّمَ. وما حَكاهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِهِ عَنْ مالِكٍ، مِن أنَّهُ حَكى عَنْهُ أنَّ العَوْدَ الجِماعُ، فَهو خِلافُ المَعْرُوفِ مِن مَذْهَبِهِ، وكَذَلِكَ ما حَكاهُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِن أنَّ العَوْدَ هو العَوْدُ إلى الظِّهارِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ ورَفْعِ ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ، فَهو خِلافُ المُقَرَّرِ في فُرُوعِ الحَنَفِيَّةِ مِن أنَّهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ؛ كَما ذَكَرْنا. وغالِبُ ما قِيلَ في مَعْنى العَوْدِ راجِعٌ إلى ما ذَكَرْنا مِن أقْوالِ الأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالعُودِ الرُّجُوعُ إلى الِاسْتِمْتاعِ بِغَيْرِ الجِماعِ، والمُرادُ بِالمَسِيسِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، خُصُوصُ الجِماعِ وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، ولا يَخْفى عَدَمُ ظُهُورِ هَذا القَوْلِ.

والتَّحْقِيقُ: عَدَمُ جَوازِ الِاسْتِمْتاعِ بِوَطْءٍ أوْ غَيْرِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، وأجازَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِمْتاعَ بِغَيْرِ الوَطْءِ، قائِلًا: إنَّ المُرادَ بِالمَسِيسِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، نَفْسُ الجِماعِ لا مُقَدِّماتُهُ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ في أحَدِ القَوْلَيْنِ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِما قالُوا﴾، بِمَعْنى: في، أيْ: يَعُودُونَ فِيما قالُوا بِمَعْنى يَرْجِعُونَ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ: «الواهِبُ العائِدُ في هِبَتِهِ» الحَدِيثَ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى: عَنْ، أيْ: يَعُودُونَ عَمّا قالُوا، أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْهُ، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبِلَهُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ العَوْدَ لَهُ مَبْدَأٌ ومُنْتَهى، فَمَبْدَؤُهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ ومُنْتَهاهُ الوَطْءُ بِالفِعْلِ، فَمَن عَزَمَ عَلى الوَطْءِ فَقَدْ عادَ بِالنِّيَّةِ، فَتَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ لِإباحَةِ الوَطْءِ، ومَن وطَءَ بِالفِعْلِ تَحَتَّمَ في حَقِّهِ اللُّزُومُ، وخالَفَ بِالإقْدامِ عَلى الوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ.

وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ ﷺ لَمّا قالَ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ ”، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا القاتِلَ، بِما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ:“ إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ»، فَبَيَّنَ أنَّ العَزْمَ عَلى الفِعْلِ عَمَلٌ يُؤاخَذُ بِهِ الإنْسانُ.

فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ المُتَبادَرُ مِنها يُوافِقُ قَوْلَ الظّاهِرِيَّةِ، الَّذِي قَدَّمْنا بُطْلانَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ المُتَبادِرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِما قالُوا﴾، أنَّهُ صِيغَةُ الظِّهارِ، فَيَكُونُ العَوْدُ لَها تَكْرِيرَها مَرَّةً أُخْرى.

(p-١٩٣)فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى ﴿لِما قالُوا﴾: أنَّهُ حَرامٌ عَلَيْهِمْ، وهو الجِماعُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ وُجُودُ نَظِيرِهِ في القُرْآنِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠]، أيْ: ما يَقُولُ إنَّهُ يُؤْتاهُ مِن مالٍ ووَلَدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، وما ذَكَرْنا مِن أنَّ مَن جامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، يَلْزَمُهُ الكَفُّ عَنِ المَسِيسِ مَرَّةً أُخْرى، حَتّى يُكَفِّرَ، هو التَّحْقِيقُ خِلافًا لِمَن قالَ: تَسْقُطُ الكَفّارَةُ بِالجِماعِ قَبْلَ المَسِيسِ؛ كَما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبِي يُوسُفَ. ولِمَن قالَ: تَلْزَمُ بِهِ كَفّارَتانِ؛ كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وذَكَرَهُ بَعْضُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ. ولِمَن قالَ: تَلْزَمُهُ ثَلاثُ كَفّاراتٍ؛ كَما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنِ الحَسَنِ، وإبْراهِيمَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى بِطُولِهِ مِن ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ .

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي أنَّهُ لَوْ قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ ابْنَتِي، أوْ أُخْتِي، أوْ جَدَّتِي، أوْ عَمَّتِي، أوْ أُمِّي مِنَ الرِّضاعِ، أوْ أُخْتِي مِنَ الرِّضاعِ، أوْ شَبَّهَها بِعُضْوٍ آخَرَ غَيْرَ الظَّهْرِ، كَأنْ يَقُولُ: أنْتَ عَلَيَّ كَرَأْسِ ابْنَتِي أوْ أُخْتِي إلَخْ، أوْ بَطْنِ مَن ذَكَرَ، أوْ فَرْجِها، أوْ فَخْذِها أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ ظِهارٌ، إذْ لا فَرْقَ في المَعْنى بَيْنَهُ وبَيْنَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي؛ لِأنَّهُ في جَمِيعِ ذَلِكَ شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِما هي في تَأْبِيدِ الحُرْمَةِ كَأُمِّهِ، فَمَعْنى الظِّهارِ مُحَقَّقُ الحُصُولِ في ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، مِنهم: الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالِكٌ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وهو جَدِيدُ قَوْلَيِّ الشّافِعِيِّ. وقالَ في القَدِيمِ: لا يَكُونُ الظِّهارُ إلّا بِأُمٍّ أوْ جَدَّةٍ، لِأنَّها أُمٌّ أيْضًا؛ لِأنَّ اللَّفْظَ الَّذِي ورَدَ بِهِ القُرْآنُ مُخْتَصٌّ بِالأُمِّ، فَإذا عَدَلَ عَنْهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، ولَنا أنَّهُنَّ مُحَرَّماتٌ بِالقَرابَةِ فَأشْبَهْنَ الأُمَّ. فَأمّا الآيَةُ فَقَدْ قالَ فِيها: ﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾، وهَذا مَوْجُودٌ في مَسْألَتِنا، فَجَرى مَجْراهُ، وتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالأُمِّ لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الحُكْمِ في غَيْرِها، إذا كانَتْ مِثْلَها.

الضَّرْبُ الثّالِثُ: أنْ يُشَبِّهَها بِظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلى التَّأْبِيدِ سِوى الأقارِبِ، كالإمْهاتِ المُرْضِعاتِ والأخَواتِ مِنَ الرَّضاعَةِ، وحَلائِلِ الآباءِ، والأبْناءِ، وأُمَّهاتِ النِّساءِ، والرَّبائِبِ اللّاتِي دُخِلَ بِأُمِّهِنَّ فَهو ظِهارٌ أيْضًا، والخِلافُ فِيها كالَّتِي قَبْلَها، ووَجْهُ المَذْهَبَيْنِ (p-١٩٤)ما تَقَدَّمَ، ويَزِيدُ في الأُمَّهاتِ المُرْضِعاتِ دُخُولُها في عُمُومِ الأُمَّهاتِ فَتَكُونُ داخِلَةً في النَّصِّ، وسائِرُهُنَّ في مَعْناها، فَثَبَتَ فِيهِنَّ حُكْمُها، انْتَهى مِنَ ”المُغْنِي“، وهو واضِحٌ كَما تَرى.

* *

فَرْعانِ يَتَعَلَّقانِ بِهَذِهِ المَسْألَةِ.

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيما إذا شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا، كَأُخْتِ امْرَأتِهِ، وعَمَّتِها وكالأجْنَبِيَّةِ، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هو ظِهارٌ وهو قَوْلُ أصْحابِ مالِكٍ، وهو عِنْدَهم مِن نَوْعِ الكِنايَةِ الظّاهِرَةِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، واخْتارَها الخِرَقِيُّ. والرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ لَيْسَ بِظِهارٍ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ.

وَحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّهُ شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِمُحَرَّمَةٍ، فَأشْبَهَ ما لَوْ شَبَّهَها بِالأُمِّ، لِاشْتِراكِ الجَمِيعِ في التَّحْرِيمِ؛ لَأنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، إذا نَوى بِهِ الظِّهارَ، يَكُونُ ظِهارًا عَلى الأظْهَرِ، والتَّشْبِيهُ بِالمُحَرَّمَةِ تَحْرِيمٌ، فَيَكُونُ ظِهارًا.

وَحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ الَّتِي شَبَّهَ بِها امْرَأتَهُ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً عَلى التَّأْبِيدِ، فَلا يَكُونُ لَها حُكْمُ ظَهْرِ الأُمِّ إلّا إنْ كانَ تَحْرِيمُها مُؤَبَّدًا كالأُمِّ، ولَمّا كانَ تَحْرِيمُها غَيْرَ مُؤَبَّدٍ كانَ التَّشْبِيهُ بِها لَيْسَ بِظِهارٍ، كَما لَوْ شَبَّهَها بِظَهْرِ حائِضٍ، أوْ مُحْرِمَةٍ مِن نِسائِهِ، وأجابَ المُخالِفُونَ عَنْ هَذا: بِأنَّ مُجَرَّدَ التَّشْبِيهِ بِالمُحَرَّمَةِ يَكْفِي في الظِّهارِ لِدُخُولِهِ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾، قالُوا: وأمّا الحائِضُ، فَيُباحُ الِاسْتِمْتاعُ بِها في غَيْرِ الفَرَجِ، والمُحْرِمَةُ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْها ولَمْسُها مِن غَيْرِ شَهْوَةٍ، ولَيْسَ في وطْءِ واحِدَةٍ مِنهُما حَدٌّ بِخِلافِ مَسْألَتِنا، انْتَهى مِنَ ”المُغْنِي“، مَعَ تَصَرُّفٍ يَسِيرٍ لا يُخِلُّ بِالمَعْنى.

وَقالَ صاحِبُ ”المُغْنِي“: واخْتارَ أبُو بَكْرٍ: أنَّ الظِّهارَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذَواتِ المَحْرَمِ مِنَ النِّساءِ، قالَ: فَبِهَذا أقُولُ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنْ شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِظَهْرِ الأجْنَبِيَّةِ، كانَ طَلاقًا. قالَهُ بَعْضُ المالِكِيَّةِ، ا هـ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي وأجْراها عَلى الأُصُولِ، هو قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ يَكُونُ مُظاهِرًا، ولَوْ كانَتِ الَّتِي شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِظَهْرِها غَيْرَ مُؤَبَّدَةِ (p-١٩٥)التَّحْرِيمِ، إذْ لا حاجَةَ لِتَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ مَدارَ الظِّهارِ عَلى تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِواسِطَةِ تَشْبِيهِها بِمُحَرَّمَةٍ، وذَلِكَ حاصِلٌ بِتَشْبِيهِها بِامْرَأةٍ مُحَرَّمَةٍ في الحالِ، ولَوْ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا لِأنَّ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ حاصِلٌ بِذَلِكَ في قَصْدِ الرَّجُلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

الفَرْعُ الثّانِي: في حُكْمِ ما قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أبِي أوِ ابْنِي أوْ غَيْرِهِما مِنَ الرِّجالِ، لا أعْلَمُ في ذَلِكَ نَصًّا مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ، والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ. فَقالَ بَعْضُهم: لا يَكُونُ مُظاهِرًا بِذَلِكَ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وهو قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ، لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِما لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتاعِ، فَأشْبَهَ ما لَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَمالِ زَيْدٍ، وهَلْ فِيهِ كَفّارَةٌ ؟ عَلى رِوايَتَيْنِ:

إحْداهُما: فِيهِ كَفّارَةٌ، لِأنَّهُ نَوْعُ تَحْرِيمٍ فَأشْبَهَ ما لَوْ حَرَّمَ مالَهُ.

والثّانِيَةُ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، ونَقَلَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ أحْمَدَ، فِيمَن شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِظَهْرِ الرَّجُلِ، لا يَكُونُ ظِهارًا، ولَمْ أرَهُ يَلْزَمُ فِيهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ لِامْرَأتِهِ بِما لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتاعِ، أشْبَهَ التَّشْبِيهَ بِمالِ غَيْرِهِ. وقالَ بَعْضُهم: يَكُونُ مُظاهِرًا بِالتَّشْبِيهِ بِظَهْرِ الرَّجُلِ. وعَزاهُ في ”المُغْنِي“ لِابْنِ القاسِمِ صاحِبِ مالِكٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ، كالمَذْهَبَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وكَوْنُ ذَلِكَ ظِهارًا هو المَعْرُوفُ عِنْدَ مُتَأخِّرِي المالِكِيَّةِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ جَرَيانُ هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى مَسْألَةٍ أُصُولِيَّةٍ فِيها لِأهْلِ الأُصُولِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ، وهي في حُكْمِ ما إذا دارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ العُرْفِيَّةِ والحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، عَلى أيِّهِما يُحْمَلُ ؟ والصَّحِيحُ عِنْدَ جَماعاتٍ مِنَ الأُصُولِيِّينَ: أنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلى الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ أوَّلًا إنْ كانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، ثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ شَرْعِيَّةً حُمِلَ عَلى العُرْفِيَّةِ، ثُمَّ اللُّغَوِيَّةِ.

وَعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى اللُّغَوِيَّةِ قَبْلَ العُرْفِيَّةِ، قالَ: لِأنَّ العُرْفِيَّةَ، وإنْ تَرَجَّحَتْ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ فَإنَّ الحَقِيقَةَ اللُّغَوِيَّةَ مُتَرَجِّحَةٌ بِأصْلِ الوَضْعِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُما لا تُقَدَّمُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى بَلْ يُحْكَمُ بِاسْتِوائِهِما، فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُجْمَلًا لِاسْتِواءِ الِاحْتِمالَيْنِ فِيهِما، فَيَحْتاجُ إلى بَيانِ المَقْصُودِ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ بِنِيَّةٍ أوْ دَلِيلٍ خارِجٍ، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“، بِقَوْلِهِ:

؎واللَّفْظُ مَحْمُولٌ عَلى الشَّرْعِيِّ إنْ لَمْ يَكُنْ فَمُطْلَقُ العُرْفِيِّ

؎فاللُّغَوِيُّ عَلى الجَلِيِّ ولَمْ يَجِبْ ∗∗∗ بَحْثٌ عَنِ المَجازِ في الَّذِي انْتُخِبْ

؎وَمَذْهَبُ النُّعْمانِ عَكْسُ ما مَضى ∗∗∗ والقَوْلُ بِالإجْمالِ فِيهِ مُرْتَضى

وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أبِي مَثَلًا لا يَنْصَرِفُ (p-١٩٦)فِي الحَقِيقَةِ العُرْفِيَّةِ إلى الِاسْتِمْتاعِ بِالوَطْءِ أوْ مُقَدِّماتِهِ؛ لِأنَّ العُرْفَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِمْتاعٌ بِالذُّكُورِ، فَلا يَكُونُ فِيهِ ظِهارٌ. وأمّا عَلى تَقْدِيمِ الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، فَمُطْلَقُ تَشْبِيهِ الزَّوْجَةِ بِمَحْرَمٍ ولَوْ ذَكَرًا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، فَيَكُونُ بِمُقْتَضى اللُّغَةِ لَهُ حُكْمُ الظِّهارِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: أنْتِ عَلَيَّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، وكَظَهْرِ البَهِيمَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أبِي، فَيَجْرِي عَلى حُكْمِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوْ إنْ دَخَلَتِ الدّارَ فَأنْتِ حَرامٌ ثُمَّ دَخَلَتْها، فِيها لِلْعُلَماءِ نَحْوُ عِشْرِينَ قَوْلًا، كَما هو مَعْرُوفٌ في مَحَلِّهِ.

وَقَدْ دَلَّتْ آيَةُ الظِّهارِ هَذِهِ عَلى أنْ أقْيَسَ الأقْوالِ وأقْرَبَها لِظاهِرِ القُرْآنِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ ظِهارٌ، تَلْزَمُ فِيهِ كَفّارَةُ الظِّهارِ، ولَيْسَ بِطَلاقٍ.

وَإيضاحُ ذَلِكَ: أنَّ قَوْلَهُ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، مَعْناهُ: أنْتِ عَلِيَّ حَرامٌ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِلُزُومِ الكَفّارَةِ في قَوْلِهِ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ولا يَخْفى أنْ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، مِثْلُها في المَعْنى، كَما تَرى.

وَقالَ في ”المُغْنِي“: وذَكَرَ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ عَنْ عُثْمانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي قِلابَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ، والبَتِّيِّ، أنَّهم قالُوا: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ، ا هـ. وأقْرَبُ الأقْوالِ بَعْدَ هَذا لِظاهِرِ القُرْآنِ القَوْلُ بِكَفّارَةِ اليَمِينِ، والِاسْتِغْفارِ لِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ الآيَةَ [التحريم: ١] .

* *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: أنْتِ عِنْدِي أوْ مِنِّي أوْ مَعِي كَظَهْرِ أُمِّي، لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهو ظِهارٌ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وهو واضِحٌ كَما تَرى.

* *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أظْهَرُ أقْوالِ العِلْمِ عِنْدِي فِيمَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي أوْ مِثْلِ أُمِّي، ولَمْ يَذْكُرِ الظَّهْرَ أنَّهُ لا يَكُونُ ظِهارًا إلّا أنْ يَنْوِيَ بِهِ الظِّهارَ؛ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ مَعانِيَ أُخْرى غَيْرَ الظِّهارِ، مَعَ كَوْنِ الِاسْتِعْمالِ فِيها مَشْهُورًا، فَإنْ قالَ: نَوَيْتُ بِهِ الظِّهارَ، فَهو ظِهارٌ في قَوْلِ عامَّةِ العُلَماءِ، قالَهُ في ”المُغْنِي“ . وإنْ نَوى بِهِ أنَّها مِثْلُها في الكَرامَةِ عَلَيْهِ والتَّوْقِيرِ، أوْ أنَّها مِثْلُها في الكِبَرِ أوِ الصِّفَةِ فَلَيْسَ بِظِهارٍ، والقَوْلُ قَوْلُهُ في نِيَّتِهِ، قالَهُ في ”المُغْنِي“ .

وَأمّا إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقَدْ قالَ في ”المُغْنِي“: وإنْ أطْلَقَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هو صَرِيحٌ في (p-١٩٧)الظِّهارِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ. وقالَ ابْنُ أبِي مُوسى: فِيهِ رِوايَتانِ، أظْهَرُهُما: أنَّهُ لَيْسَ بِظِهارٍ حَتّى يَنْوِيَهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ في الكَرامَةِ أكْثَرُ مِمّا يُسْتَعْمَلُ في التَّحْرِيمِ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَكِناياتِ الطَّلاقِ، انْتَهى مِنهُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: وهَذا القَوْلُ هو الأظْهَرُ عِنْدِي، لِأنَّ اللَّفْظَ المَذْكُورَ لا يَتَعَيَّنُ لا عُرْفًا، ولا لُغَةً، إلّا لِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلى قَصْدِهِ الظِّهارَ.

قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ووَجْهُ الأوَّلِ يَعْنِي القَوْلَ بِأنَّ ذَلِكَ ظِهارٌ أنَّهُ شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِجُمْلَةِ أُمِّهِ، فَكانَ مُشَبِّهًا لَها بِظَهْرِها، فَيَثْبُتُ الظِّهارُ؛ كَما لَوْ شَبَّهَها بِهِ مُنْفَرِدًا.

والَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي في قِياسِ المَذْهَبِ أنَّهُ إنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى الظِّهارِ مِثْلَ أنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الحَلِفِ، فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْتِ كَذا فَأنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي، أوْ قالَ ذَلِكَ حالَ الخُصُومَةِ والغَضَبِ فَهو ظِهارٌ؛ لِأنَّهُ إذا خَرَجَ مَخْرَجَ الحَلِفِ فالحَلِفُ يُرادُ لِلِامْتِناعِ مِن شَيْءٍ أوِ الحَثِّ عَلَيْهِ، وإنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِها عَلَيْهِ، ولِأنَّ كَوْنَها مِثْلَ أُمِّهِ في صِفَتِها أوْ كَرامَتِها لا يَتَعَلَّقُ عَلى شَرْطٍ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما أرادَ الظِّهارَ، ووُقُوعُ ذَلِكَ في حالِ الخُصُومَةِ والغَضَبِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أرادَ بِهِ ما يَتَعَلَّقُ بِأذاها، ويُوجِبُ اجْتِنابَها وهو الظِّهارُ، وإنْ عُدِمَ هَذا فَلَيْسَ بِظِهارٍ؛ لِأنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِغَيْرِ الظِّهارِ احْتِمالًا كَثِيرًا، فَلا يَتَعَيَّنُ الظِّهارُ فِيهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ أبِي ثَوْرٍ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنَ ”المُغْنِي“، وهو الأظْهَرُ فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي أنَّهُ إنْ قالَ: الحِلُّ عَلَيَّ حَرامٌ، أوْ ما أحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرامٌ، أوْ ما انْقَلَبَ إلَيْهِ حَرامٌ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ أنَّهُ يَكُونُ مُظاهِرًا، وذَلِكَ لِدُخُولِ الزَّوْجَةِ في عُمُومِ الصِّيَغِ المَذْكُورَةِ.

قالَ في ”المُغْنِي“: نَصَّ عَلى ذَلِكَ أحْمَدُ في الصُّوَرِ الثَّلاثِ، ا هـ. وهو ظاهِرٌ.

وَهَذا عَلى أقْيَسِ الأقْوالِ وهو كَوْنُ التَّحْرِيمِ ظِهارًا، وأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي فِيمَن قالَ: ما أحَلَّ اللَّهُ مِن أهْلٍ ومالٍ حَرامٌ عَلَيَّ أنَّهُ يَلْزَمُهُ الظِّهارُ، مَعَ لُزُومِ ما يَلْزَمُ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ مِن مالٍ، وهو كَفّارَةُ يَمِينٍ عِنْدِ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ، وعَلَيْهِ فَتَلْزَمُهُ كَفّارَةُ ظِهارٍ وكَفّارَةُ يَمِينٍ.

(p-١٩٨)وَهَذا الَّذِي اسْتَظْهَرْنا هو الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، خِلافًا لِما نَقَلَهُ في ”المُغْنِي“ عَنْ أحْمَدَ ونَصَرَهُ مِن أنَّهُ يَكْفِي فِيهِ كَفّارَةُ الظِّهارِ عَنْ كَفّارَةِ اليَمِينِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي، فِيمَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ كَظَهْرِ أُمِّي، أوْ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَرامٌ أنَّهُ يَكُونُ مُظاهِرًا مُطْلَقًا، ولا يَنْصَرِفُ لِلطَّلاقِ، ولَوْ نَواهُ؛ لِأنَّ الصِّيغَةَ صَرِيحَةٌ في الظِّهارِ.

* *

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي، فِيمَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي، أنَّ الطَّلاقَ إنْ كانَ بائِنًا بانَتْ بِهِ، ولا يَقَعُ ظِهارٌ بِقَوْلِهِ: كَظَهْرِ أُمِّي؛ لِأنَّ تَلَفُّظَهُ بِذَلِكَ وقَعَ، وهي أجْنَبِيَّةٌ فَهو كالظِّهارِ مِنَ الأجْنَبِيَّةِ، وإنْ كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، ونَوى بِقَوْلِهِ: كَظَهْرِ أُمِّي، الظِّهارَ كانَ مُظاهِرًا؛ لِأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَلْحَقُها الظِّهارُ والطَّلاقُ، وإنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الظِّهارَ، فَلا يَكُونُ ظِهارًا، لِأنَّهُ أتى بِصَرِيحِ الطَّلاقِ أوَّلًا، وجَعَلَ قَوْلَهُ: كَظَهْرِ أُمِّي، صِفَةً لَهُ، وصَرِيحُ الطَّلاقِ لا يَنْصَرِفُ إلى الظِّهارِ. ونَقَلَ في ”المُغْنِي“ هَذا الَّذِي اسْتَظْهَرْنا عَنِ القاضِي وقالَ: وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وأمّا لَوْ قَدَّمَ الظِّهارَ عَلى الطَّلاقِ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي طالِقٌ، فالأظْهَرُ وُقُوعُ الظِّهارِ والطَّلاقِ مَعًا، سَواءٌ كانَ الطَّلاقُ بائِنًا أوْ رَجْعِيًّا؛ لِأنَّ الظِّهارَ لا يَرْفَعُ الزَّوْجِيَّةَ، ولا تَحْصُلُ بِهِ البَيْنُونَةُ، لِأنَّ الكَفّارَةَ تَرْفَعُ حُكْمَهُ، فَلا يَمْنَعُ وُقُوعُ الطَّلاقِ عَلى المُظاهِرِ مِنها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском