Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:4–6, continued
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي مَعَ كَثْرَتِها وانْتِشارِها: أنَّ التَّحْرِيمَ ظِهارٌ، سَواءٌ كانَ مُنْجَزًا أوْ مُعَلَّقًا؛ لِأنَّ المُعَلَّقَ عَلى شَرْطٍ مِن طَلاقٍ أوْ ظِهارٍ يَجِبُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ المُعَلَّقِ عَلَيْهِ، ولا يَنْصَرِفُ إلى اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ عَلى الأظْهَرِ عِنْدِي، وهو قَوْلُ أكَثُرِ أهْلِ العِلْمِ.
وَقالَ مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“: فَقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأةً عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إنْ هو تَزَوَّجَها، فَأمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إنْ هو تَزَوَّجَها ألّا يَقْرَبَها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ المُتَظاهِرِ، اهـ.
ثُمَّ قالَ: وحَدَّثَنِي عَنْ مالِكٍ: أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ رَجُلًا سَألَ القاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وسُلَيْمانَ بْنَ يَسارٍ، عَنْ رَجُلٍ تَظاهَرَ مِنَ امْرَأةٍ قَبْلَ أنْ يَنْكِحَها، فَقالا: إنْ نَكَحَها فَلا يَمَسُّها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ المُتَظاهِرِ، اهـ.
والمَعْرُوفُ عَنْ جَماهِيرِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ يَقَعُ بِوُقُوعِ المُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ الظِّهارُ.
وَأمّا الأمَةُ فالأظْهَرُ أنَّ في تَحْرِيمِها كَفّارَةَ اليَمِينِ أوِ الِاسْتِغْفارَ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ ”التَّحْرِيمِ“ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في العَبْدِ والذِّمِّيِّ، هَلْ يَصِحُّ مِنهُما ظِهارٌ ؟ وأظْهَرُ أقْوالِهم عِنْدِي في ذَلِكَ: أنَّ العَبْدَ يَصِحُّ مِنهُ الظِّهارُ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ دُخُولُهُ في عُمُومِ النُّصُوصِ العامَّةِ، إلّا ما أخْرَجَهُ مِنهُ دَلِيلٌ خاصٌّ، كَما تَقَدَّمَ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبٍ ”مَراقِي السُّعُودِ“:(p-٢٠٩)
؎والعَبْدُ والمَوْجُودُ والَّذِي كَفَرْ مَشْمُولَةٌ لَهُ لَدى ذَوِي النَّظَرْ
وَعَلَيْهِ فَهو داخِلٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾، ولا يَقْدَحُ في هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ لا يَتَناوَلُهُ؛ لِأنَّهُ مَمْلُوكٌ لا يَقْدِرُ عَلى العِتْقِ، لِدُخُولِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾، فالأظْهَرُ صِحَّةُ ظِهارِ العَبْدِ، وانْحِصارُ كَفّارَتِهِ في الصَّوْمِ؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى العِتْقِ والإطْعامِ، وأنَّ الذِّمِّيَّ لا يَصِحُّ ظِهارُهُ، لِأنَّ الظِّهارَ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ يُكَفِّرُهُ اللَّهُ بِالعِتْقِ، أوِ الصَّوْمِ، أوِ الإطْعامِ، والذِّمِّيُّ كافِرٌ، والكافِرُ لا يُكَفِّرُ عَنْهُ العِتْقُ أوِ الصَّوْمُ أوِ الإطْعامُ ما ارْتَكَبَهُ مِنَ المُنْكَرِ والزُّورِ لِكُفْرِهِ لِأنَّ الكُفْرَ سَيِّئَةٌ لا تَنْفَعُ مَعَها حَسَنَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في الظِّهارِ المُؤَقَّتِ، كَأنْ يَقُولُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرًا، أوْ حَتّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضانَ مَثَلًا، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: يَصِحُّ الظِّهارُ المُؤَقَّتُ، وإذا مَضى الوَقْتُ زالَ الظِّهارُ وحَلَّتِ المَرْأةُ بِلا كَفّارَةٍ، ولا يَكُونُ عائِدًا بِالوَطْءِ بَعْدَ انْقِضاءِ الوَقْتِ.
قالَ في ”المُغْنِي“: وهَذا قَوْلُ أحْمَدَ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وقَوْلُهُ الأخِيرُ: لا يَكُونُ ظِهارًا، وبِهِ قالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، واللَّيْثُ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ ورَدَ بِلَفْظِ الظِّهارِ مُطْلَقًا، وهَذا لَمْ يُطْلَقْ فَأشْبَهَ ما لَوْ شَبَّهَها بِمَن تَحْرُمُ عَلَيْهِ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ. وقالَ طاوُسٌ: إذا ظاهَرَ في وقْتٍ فَعَلَيْهِ الكَفّارَةُ، وإنْ بَرَّ. وقالَ مالِكٌ: يَسْقُطُ التَّوْقِيتُ ويَكُونُ ظِهارًا مُطْلَقًا؛ لِأنَّ هَذا لَفْظٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، فَإذا وقَّتَهُ لَمْ يَتَوَقَّتْ، كالطَّلاقِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أقْرَبُ الأقْوالِ عِنْدِي لِلصَّوابِ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الظِّهارَ المُؤَقَّتَ يَصِحُّ ويَزُولُ بِانْقِضاءِ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ جاءَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثٍ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الجارُودِ، وبَعْضُ طُرُقِهِ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الحَسَنِ، وإنْ أعَلَّ عَبْدُ الحَقِّ وغَيْرُهُ بَعْضَ طُرُقِهِ بِالإرْسالِ؛ لِأنَّ حَدِيثًا صَحَّحَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أقْرَبُ لِلصَّوابِ مِمّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ أصْلًا.
قالَ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ المَعْنِيُّ قالا: ثَنا ابْنُ إدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطاءٍ، قالَ ابْنُ (p-٢١٠)العَلاءِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَيّاشٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، «قالَ ابْنُ العَلاءِ البَياضِيُّ، قالَ: كُنْتُ امْرَأً أُصِيبُ مِنَ النِّساءِ ما لا يُصِيبُ غَيْرِي، فَلَمّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضانَ خِفْتُ أنْ أُصِيبَ مِنِ امْرَأتِي شَيْئًا يُتابَعُ بِي حَتّى أُصْبِحَ، فَظاهَرْتُ مِنها حَتّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضانَ، فَبَيْنا هي تَخْدِمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ إذْ تَكَشَّفَ لِي مِنها شَيْءٌ، فَلَمْ ألْبَثْ أنْ نَزَوْتُ عَلَيْها فَلَمّا أصْبَحْتُ خَرَجْتُ إلى قَوْمِي، فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ. . . الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وفِيهِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، فَذَكَرَ أنَّهُ لا يَجِدُ رَقَبَةً، فَأمَرَهُ بِصِيامِ شَهْرَيْنِ فَذَكَرَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ، فَأمَرَهُ بِإطْعامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَذَكَرَ كَذَلِكَ، فَأعْطاهُ ﷺ صَدَقَةَ قَوْمِهِ بَنِي زُرَيْقٍ مِنَ التَّمْرِ، وأمَرَهُ أنْ يُطْعِمَ وسَقًا مِنها سِتِّينَ مِسْكِينًا ويَسْتَعِينُ بِالباقِي»، ومَحِلُّ الشّاهِدِ مِنَ الحَدِيثِ: أنَّهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ ظِهارًا مُؤَقَّتًا بِشَهْرِ رَمَضانَ، وجامَعَ في نَفْسِ الشَّهْرِ الَّذِي جَعَلَهُ وقْتًا لِظِهارِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الظِّهارَ المُؤَقَّتَ يَصِحُّ، ويَلْزَمُ ولَوْ كانَ تَوْقِيتُهُ لا يَصِحُّ لَبَيَّنَ ﷺ ذَلِكَ، ولَوْ كانَ يَتَأبَّدُ ويَسْقُطُ حُكْمُ التَّوْقِيتِ لَبَيَّنَهُ ﷺ؛ لِأنَّ البَيانَ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ إلَيْهِ.
وَقالَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ في ”جامِعِهِ“: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ مَنصُورٍ، ثَنا هارُونُ بْنُ إسْماعِيلَ الخَزّازُ، ثَنا عَلِيُّ بْنُ المُبارَكِ، ثَنا يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، ثَنا أبُو سَلَمَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّ سَلْمانَ بْنَ صَخْرٍ الأنْصارِيَّ أحَدَ بَنِي بَياضَةَ، جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ حَتّى يَمْضِيَ رَمَضانَ. . . الحَدِيثَ، ثُمَّ قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أنْ ساقَهُ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، يُقالُ سَلْمانُ بْنُ صَخْرٍ، ويُقالُ: سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ البَياضِيُّ، والعَمَلُ عَلى هَذا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ في كَفّارَةِ الظِّهارِ، اهـ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقُ الَّتِي أخْرَجَ بِها التِّرْمِذِيُّ هَذا الحَدِيثَ غَيْرُ طَرِيقِ أبِي داوُدَ الَّتِي أخْرَجَهُ بِها، وكِلْتاهُما تُقَوِّي الأُخْرى، والظّاهِرُ أنَّ إسْنادَ التِّرْمِذِيِّ هَذا لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الحَسَنِ، وما ذَكَرُوهُ مِن أنَّ عَلِيَّ بْنَ المُبارَكِ المَذْكُورَ فِيهِ كانَ لَهُ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ كِتابانِ أحَدُهُما سَماعٌ، والآخَرُ إرْسالٌ، وأنَّ حَدِيثَ الكُوفِيِّينَ عَنْهُ فِيهِ شَيْءٌ لا يَضُرُّ الإسْنادَ المَذْكُورَ؛ لِأنَّ الرّاوِيَ عَنْهُ فِيهِ وهو هارُونُ بْنُ إسْماعِيلَ الخَزّازُ بَصْرِيٌّ لا كُوفِيٌّ، ولَمّا ساقَ المَجْدُ في ”المُنْتَقى“ حَدِيثَ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ المَذْكُورَ، قالَ: رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وأخْرَجَهُ أيْضًا الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الجارُودِ، وقَدْ أعَلَّهُ عَبْدُ الحَقِّ بِالِانْقِطاعِ، وأنَّ سُلَيْمانَ بْنَ يَسارٍ لَمْ يُدْرِكْ سَلَمَةَ، وقَدْ حَكى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ البُخارِيِّ، وفي إسْنادِهِ أيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، اهـ كَلامُ الشَّوْكانِيِّ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الإسْنادَ الَّذِي ذَكَرْنا عَنِ التِّرْمِذِيَّ لَيْسَ فِيهِ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، ولا ابْنُ (p-٢١١)إسْحاقَ، فالظّاهِرُ صَلاحِيَةُ الحَدِيثِ لِلِاحْتِجاجِ، كَما ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ.
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ الصَّوابَ في هَذِهِ المَسْألَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّهُ لَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ شاءَ اللَّهُ أساءَ الأدَبَ، ولا تَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ، وإنَّ الِاسْتِثْناءَ بِالمَشِيئَةِ يَرْفَعُ عَنْهُ حُكْمَ الكَفّارَةِ، كَما يَرْفَعُ كَفّارَةَ اليَمِينِ بِاللَّهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: الأظْهَرُ أنَّهُ إنْ ماتَ أوْ ماتَتْ أوْ طَلَّقَها قَبْلَ التَّكْفِيرِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وأنَّهُ إنْ عادَ فَتَزَوَّجَها بَعْدَ الطَّلاقِ لا يَجُوزُ لَهُ مَسِيسُها حَتّى يُكَفِّرَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أوْجَبَ الكَفّارَةَ عَلى المُظاهِرِ قَبْلَ الحِنْثِ بِالعَوْدِ، فَلا يَعُودُ إلّا بَعْدَ التَّكْفِيرِ، ولا وجْهَ لِسُقُوطِ الكَفّارَةِ بِالطَّلاقِ فِيما يَظْهَرُ، مَعَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: إنْ كانَ الطَّلاقُ بَعْدَ الظِّهارِ بائِنًا، ثُمَّ تَزَوَّجَها لَمْ تَلْزَمْهُ كَفّارَةٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. وبَعْضُهم يَقُولُ: إنْ كانَتِ البَيْنُونَةُ بِالثَّلاثِ، ثُمَّ تَزَوَّجَها بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ تَلْزَمْهُ الكَفّارَةُ لِسُقُوطِها بِالبَيْنُونَةِ الكُبْرى، كَما أسْقَطَها صاحِبُ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ بِالبَيْنُونَةِ الصُّغْرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: إذا ظاهَرَ مِن نِسائِهِ الأرْبَعِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، كَأنْ يَقُولُ لَهُنَّ: أنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: تَكْفِي في ذَلِكَ كَفّارَةٌ واحِدَةٌ.
قالَ في ”المُغْنِي“: ولا خِلافَ في هَذا في مَذْهَبِ أحْمَدَ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وعُمَرَ، وعُرْوَةَ، وطاوُسٍ، وعَطاءٍ، ورَبِيعَةَ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ، وأبِي ثَوْرٍ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ. وقالَ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ويَحْيى الأنْصارِيُّ، والحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ: عَلَيْهِ لِكُلِّ امْرَأةٍ كَفّارَةٌ؛ لِأنَّهُ وُجِدَ الظِّهارُ والعَوْدُ في حَقِّ كُلِّ امْرَأةٍ مِنهُنَّ فَوَجَبَ عَلَيْهِ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ كَفّارَةٌ، كَما لَوْ أفْرَدَها بِهِ، ولَنا عُمُومُ قَوْلِ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، رَواهُ عَنْهُما الأثْرَمُ، ولا يُعَرَفُ لَهُما مُخالِفٌ فَكانَ إجْماعًا، ولِأنَّ الظِّهارَ كَلِمَةٌ تَجِبُ بِمُخالَفَتِها الكَفّارَةُ، فَإذا وُجِدَتْ في جَماعَةٍ أوْجَبَتْ كَفارَّةً واحِدَةً كاليَمِينِ بِاللَّهِ تَعالى، وفارَقَ ما إذا ظاهَرَ مِنها بِكَلِماتٍ، فَإنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقْتَضِي كَفّارَةً تَرْفَعُها وتُكَفِّرُ إثْمَها، وهاهُنا الكَلِمَةُ واحِدَةٌ، فالكَفّارَةُ واحِدَةٌ تَرْفَعُ حُكْمَها، وتَمْحُو إثْمَها، فَلا يَبْقى لَها حُكْمٌ. انْتَهى مِنهُ.
(p-٢١٢)قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أقْيَسُ القَوْلَيْنِ الِاكْتِفاءُ بِكَفّارَةٍ واحِدَةٍ، وأحْوَطُهُما التَّكْفِيرُ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ. وأمّا إنْ ظاهَرَ مِنهُنَّ بِكَلِماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بِأنْ قالَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بِانْفِرادِها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فالأظْهَرُ تَعَدُّدُ الكَفّارَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مِن تِلْكَ الكَلِماتِ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ، فَكُلُّ واحِدَةٍ مِنها تَقْتَضِي كَفّارَةً.
قالَ في ”المُغْنِي“: وهَذا قَوْلُ عُرْوَةَ وعَطاءٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حامِدٍ: المَذْهَبُ رِوايَةٌ واحِدَةٌ في هَذا. قالَ القاضِي: المَذْهَبُ عِنْدِي ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فِيهِ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّهُ تُجْزِئُهُ كَفارَّةٌ واحِدَةٌ، واخْتارَ ذَلِكَ، وقالَ: هَذا الَّذِي قُلْناهُ اتِّباعًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، وإبْراهِيمَ، ورَبِيعَةَ، وقَبِيصَةَ، وإسْحاقَ؛ لِأنَّ كَفّارَةَ الظِّهارِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى فَلَمْ تَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ سَبَبِها كالحَدِّ، وعَلَيْهِ يَخْرُجُ الطَّلاقُ. ولَنا بِها أنَّها أيْمانٌ مُتَكَرِّرَةٌ عَلى أعْيانٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَكانَ لِكُلِّ واحِدَةٍ كَفّارَةٌ كَما لَوْ كَفَّرَ ثُمَّ ظاهَرَ، ولِأنَّها أيْمانٌ لا يَحْنَثُ في إحْداها بِالحِنْثِ في الأُخْرى، فَلا تُكَفِّرُها كَفارَّةٌ واحِدَةٌ، ولِأنَّ الظِّهارَ مَعْنًى يُوجِبُ الكَفّارَةَ، فَتَعَدُّدُ الكَفّارَةِ بِتَعَدُّدِهِ في المَحالِّ المُخْتَلِفَةِ كالقَتْلِ، ويُفارِقُ الحَدَّ، فَإنَّهُ عُقُوبَةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ، انْتَهى مِنهُ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ أظْهَرَ الأقْوالِ عِنْدَنا تَعَدُّدُ الكَفّارَةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وأمّا إنْ كَرَّرَ الظِّهارُ مِن زَوْجَتِهِ الواحِدَةِ، فالظّاهِرُ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ: أنَّهُ إنْ كانَ كَرَّرَهُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ عَنِ الظِّهارِ الأوَّلِ، فَكَفّارَةٌ واحِدَةٌ تَكْفِي، وإنْ كانَ كَفَّرَ عَنْ ظِهارِهِ الأوَّلِ، ثُمَّ ظاهَرَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ، فَعَلَيْهِ كَفّارَةٌ أُخْرى لِظِهارِهِ الواقِعِ بَعْدَ التَّكْفِيرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ كَفّارَةَ الظِّهارِ هي الَّتِي أوْضَحَها اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣ - ٤] .
فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ.
الفَرْعُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في الرَّقَبَةِ في كَفّارَةِ الظِّهارِ، هَلْ يُشْتَرَطُ فِيها الإيمانُ أوْ لا يُشْتَرَطُ فِيها ؟ فَقالَ بَعْضُهم: لا يُشْتَرَطُ فِيها الإيمانُ، فَلَوْ أعْتَقَ المُظاهِرُ عَبْدًا ذِمِّيًّا مَثَلًا أجْزَأهُ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، وعَطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، قالَهُ في ”المُغْنِي“ .
وَحُجَّةُ أهْلِ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، (p-٢١٣)وَلَمْ يُقَيِّدْها بِالإيمانِ، فَوَجَبَ أنْ يُجْزِئَ ما تَناوَلَهُ إطْلاقُ الآيَةِ، قالُوا: ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُقَيِّدَ ما أطْلَقَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ. ومِمَّنْ قالَ بِاشْتِراطِ الإيمانِ في رَقَبَةِ كَفّارَةِ الظِّهارِ: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والحَسَنُ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ، قالَهُ في ”المُغْنِي“ . واحْتَجَّ لِأهْلِ هَذا القَوْلِ بِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ.
وَقَدْ بَيَّنّا مَسْألَةَ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، في سُورَةِ ”النِّساءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى في كَفّارَةِ القَتْلِ الخَطَأِ: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٢]، بِقَوْلِنا فِيهِ وحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ في مَسْألَةِ تَعارُضِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ: أنَّ لَها أرْبَعَ حالاتٍ: الأُولى: أنْ يَتَّحِدَ حُكْمُهُما وسَبَبُهُما مَعًا كَتَحْرِيرِ الدَّمِ، فَإنَّ اللَّهَ قَيَّدَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، بِكَوْنِهِ مَسْفُوحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وأطْلَقَهُ عَنِ القَيْدِ بِكَوْنِهِ مَسْفُوحًا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ و ”البَقَرَةِ“ و ”المائِدَةِ“ . قالَ في ”النَّحْلِ“: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقالَ في ”البَقَرَةِ“: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقالَ في ”المائِدَةِ“: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣] . وجُمْهُورُ العُلَماءِ يَقُولُونَ بِحَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ في هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي هي اتِّحادُ السَّبَبِ والحُكْمِ مَعًا، ولِذَلِكَ كانُوا لا يَرَوْنَ بِالحُمْرَةِ الَّتِي تَعْلُو القِدْرَ مِن أثَرِ تَقْطِيعِ اللَّحْمِ بَأْسًا؛ لِأنَّهُ دَمٌ غَيْرُ مَسْفُوحٍ، قالُوا: وحَمْلُهُ عَلَيْهِ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهم يُثْبِتُونَ ثُمَّ يَحْذِفُونَ اتِّكالًا عَلى المُثْبَتِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخُطَيْمِ الأنْصارِيِّ:
؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلَفُ
فَحَذَفَ راضُونَ لِدَلالَةِ راضٍ عَلَيْهِ. وقَوْلُ ضابِئِ بْنِ الحارِثِ البَرْجَمِيِّ:
؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
والأصْلُ: فَإنِّي غَرِيبٌ وقَيّارٌ أيْضًا غَرِيبٌ، فَحَذَفَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ لِدَلالَةِ الأُخْرى عَلَيْها. وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ أحْمَرَ الباهِلِيِّ: (p-٢١٤)
؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوى رَمانِي
يَعْنِي: كُنْتُ بَرِيئًا مِنهُ، وكانَ والِدِي بَرِيئًا مِنهُ أيْضًا. وقَوْلُ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ:
؎وَقَدْ زَعَمَتْ بَنُو سَعْدٍ بِأنِّي ∗∗∗ وما كَذَبُوا كَبِيرُ السِّنِّ فانِي
يَعْنِي: زَعَمَتْ بَنُو سَعْدٍ أنِّي فانٍ وما كَذَبُوا. . إلَخْ.
وَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الأُصُولِ: إنَّ حَمْلَ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ بِالقِياسِ، لا بِدَلالَةِ اللَّفْظِ وهو أظْهَرُها. وقِيلَ: بِالعَقْلِ، وهو أضْعَفُها وأبْعَدُها.
الحالَةُ الثّانِيَةُ: هي أنْ يَتَّحِدَ الحُكْمُ، ويَخْتَلِفَ السَّبَبُ، كالمَسْألَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، فَإنَّ الحُكْمَ في آيَةِ المُقَيَّدِ وآيَةِ المُطْلَقِ واحِدٌ، وهو عِتْقُ رَقَبَةٍ في كَفّارَةٍ، ولَكِنَّ السَّبَبَ فِيهِما مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّ سَبَبَ المُقَيَّدِ قَتْلٌ خَطَأٌ، وسَبَبُ المُطْلَقِ ظِهارٌ، ومِثْلُ هَذا المُطْلَقِ يُحْمَلُ عَلى المُقَيَّدِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، والحَنابِلَةِ، وكَثِيرٍ مِنَ المالِكِيَّةِ، ولِذا شَرَطُوا الإيمانَ في كَفّارَةِ الظِّهارِ حَمْلًا لِهَذا المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ، قالُوا: ويَعْتَضِدُ حَمْلُ هَذا المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ بِقَوْلِهِ ﷺ في قِصَّةِ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «اعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ»، ولَمْ يَسْتَفْصِلْهُ عَنْها، هَلْ هي في كَفّارَةٍ أوْ لا ؟ وتَرْكُ الِاسْتِفْصالِ في مَقامِ الِاحْتِمالِ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ. قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“:
؎وَنَزِّلْنَ تَرْكَ الِاسْتِفْصالِ ∗∗∗ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ
الحالَةُ الثّالِثَةُ: عَكْسُ هَذِهِ، وهي الِاتِّحادُ في السَّبَبِ مَعَ الِاخْتِلافِ في الحُكْمِ، فَقِيلَ: يُحْمَلُ فِيها المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ. وقِيلَ: لا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ، ومَثَّلُوا لَهُ بِصَوْمِ الظِّهارِ، وإطْعامِهِ، فَسَبَبُهُما واحِدٌ وهو الظِّهارُ، وحُكْمُهُما مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّ أحَدَهُما تَكْفِيرٌ بِصَوْمٍ، والآخِرَ تَكْفِيرٌ بِإطْعامٍ، وأحَدُهُما مُقَيَّدٌ بِالتَّتابُعِ، وهو الصَّوْمُ. والثّانِي مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ التَّتابُعِ، وهو الإطْعامُ، فَلا يُحْمَلُ هَذا المُطْلَقُ عَلى هَذا المُقَيَّدِ. والقائِلُونَ بِحَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيِّدِ في هَذِهِ الحالَةِ، مَثَّلُوا لِذَلِكَ بِإطْعامِ الظِّهارِ، فَإنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِكَوْنِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا، مَعَ أنَّ عِتْقَهُ وصَوْمَهُ قَدْ قُيِّدا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، فَيُحْمَلُ هَذا المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ، فَيَجِبُ كَوْنُ الإطْعامِ قَبْلَ المَسِيسِ، ومَثَّلَ لَهُ اللُّخَمِيُّ بِالإطْعامِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ حَيْثُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، مَعَ إطْلاقِ الكِسْوَةِ عَنِ القَيْدِ بِذَلِكَ، في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فَيُحْمَلُ هَذا المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ، فَيُشْتَرَطُ في (p-٢١٥)الكِسْوَةِ أنْ تَكُونَ مِن أوْسَطِ ما تَكْسُونَ أهْلِيكم.
الحالَةُ الرّابِعَةُ: أنْ يَخْتَلِفا في الحُكْمِ والسَّبَبِ مَعًا، ولا حَمْلَ في هَذِهِ إجْماعًا وهو واضِحٌ، وهَذا فِيما إذا كانَ المُقَيَّدُ واحِدًا. أمّا إذا ورَدَ مُقَيَّدانِ بِقَيْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى كِلَيْهِما لِتَنافِي قَيْدَيْهِما، ولَكِنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِما، فَإنْ كانَ أحَدُهُما أقْرَبُ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الآخَرِ حُمِلَ المُطْلَقُ عَلى الأقْرَبِ لَهُ مِنهُما عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، فَيُقَيَّدُ بِقَيْدِهِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما أقْرَبُ لَهُ، فَلا يُقَيَّدُ بِقَيْدٍ واحِدٍ مِنهُما، ويَبْقى عَلى إطْلاقِهِ إذْ لا تَرْجِيحَ بِلا مُرَجَّحٍ، ومِثالُ كَوْنِ أحَدِهِما أقْرَبَ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الآخَرِ صَوْمُ كَفّارَةِ اليَمِينِ، فَإنَّهُ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ التَّتابُعِ والتَّفْرِيقِ، مَعَ أنَّ صَوْمَ الظِّهارِ مُقَيَّدٌ بِالتَّتابُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، وصَوْمَ التَّمَتُّعِ مُقَيَّدٌ بِالتَّفْرِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، واليَمِينُ أقْرَبُ إلى الظِّهارِ مِنَ التَّمَتُّعِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن صَوْمِ الظِّهارِ واليَمِينِ صَوْمُ كَفّارَةٍ بِخِلافِ صَوْمِ التَّمَتُّعِ، فَيُقَيَّدُ صَوْمُ كَفّارَةِ اليَمِينِ بِالتَّتابُعِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ، ولا يُقَيَّدُ بِالتَّفْرِيقِ الَّذِي في صَوْمِ التَّمَتُّعِ.
وَقِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: [ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ ] لَمْ تَثْبُتْ؛ لِإجْماعِ الصَّحابَةِ عَلى عَدَمِ كَتْبِ مُتَتابِعاتٍ في المَصاحِفِ العُثْمانِيَّةِ، ومِثالُ كَوْنِهِما لَيْسَ أحَدُهُما أقْرَبُ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الآخَرِ: صَوْمُ قَضاءِ رَمَضانَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ فِيهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولَمْ يُقَيِّدْهُ بِتَتابُعٍ ولا تَفْرِيقٍ، مَعَ أنَّهُ تَعالى قَيَّدَ صَوْمَ الظِّهارِ بِالتَّتابُعِ، وصَوْمَ التَّمَتُّعِ بِالتَّفْرِيقِ، ولَيْسَ أحَدُهُما أقْرَبَ إلى صَوْمِ قَضاءِ رَمَضانَ مِنَ الآخَرِ، فَلا يُقَيَّدُ بِقَيْدٍ واحِدٍ مِنهُما بَلْ يَبْقى عَلى الِاخْتِيارِ، إنْ شاءَ تابَعَهُ، وإنْ شاءَ فَرَّقَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى مِن ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، مَعَ زِيادَةٍ يَسِيرَةٍ لِلْإيضاحِ.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
33:5Page 418
ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥
Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
33:6Page 418
ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦
The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.
(p-٢٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ في الحُرْمَةِ والِاحْتِرامِ والتَّوْقِيرِ والإكْرامِ والإعْظامِ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ الخَلْوَةُ بِهِنَّ، ولا يَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ إلى بَناتِهِنَّ وأخَواتِهِنَّ بِالإجْماعِ، ا هـ. مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وما ذُكِرَ مِن أنَّ المُرادَ بِكَوْنِ أزْواجِهِ ﷺ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ هو حُرْمَتُهُنَّ عَلَيْهِمْ، كَحُرْمَةِ الأُمِّ، واحْتِرامُهم لَهُنَّ كاحْتِرامِ الأُمِّ. . . إلَخْ واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ. ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَسْألُ أُمَّهُ الحَقِيقِيَّةَ مِن وراءِ حِجابٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ومَعْلُومٌ أنَّهُنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، لَمْ يَلِدْنَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُنَّ أُمَّهاتُهم، ويُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾، أنَّهُ هو ﷺ أبٌ لَهم. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُما قَرَأا: (وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم)، وهَذِهِ الأُبُوَّةُ أُبُوَّةٌ دِينِيَّةٌ، وهو ﷺ أرْأفُ بِأُمَّتِهِ مِنَ الوالِدِ الشَّفِيقِ بِأوْلادِهِ، وقَدْ قالَ جَلَّ وعَلا في رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ بِهِمْ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨ ] [ ٣٣ \ ٤٠]، ولَيْسَتِ الأُبُوَّةُ أُبُوَّةَ نَسَبٍ؛ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ والنِّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّما أنا لَكم بِمَنزِلَةِ الوالِدِ أُعَلِّمُكم، فَإذا أتى أحَدُكُمُ الغائِطَ فَلا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ ولا يَسْتَدْبِرْها ولا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ»، وكانَ يَأْمُرُ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ ويَنْهى عَنِ الرَّوْثِ والرِّمَّةِ، فَقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ: «إنَّما أنا لَكم بِمَنزِلَةِ الوالِدِ»، يُبَيِّنُ مَعْنى أُبُوَّتِهِ المَذْكُورَةِ، كَما لا يَخْفى.
* *
مَسْألَةٌ.
اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا هَلْ يُقالُ لِبَناتِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ أخَواتُ المُؤْمِنِينَ، أوْ لا ؟ وهَلْ يُقالُ لِإخْوانِهِنَّ كَمُعاوِيَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمِّيَّةَ أخْوالُ المُؤْمِنِينَ، أوْ لا ؟ وهَلْ يُقالُ لَهُنَّ: أُمَّهاتُ المُؤْمِناتِ ؟ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ولا يَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ إلى بَناتِهِنَّ، وأخَواتِهِنَّ بِالإجْماعِ، وإنْ سَمّى بَعْضُ العُلَماءِ بَناتَهُنَّ أخَواتَ المُسْلِمِينَ، كَما هو مَنصُوصُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في المُخْتَصَرِ، وهو مِن بابِ إطْلاقِ العِبارَةِ لا إثْباتِ الحُكْمِ، وهَلْ يُقالُ لِمُعاوِيَةَ وأمْثالِهِ خالُ المُؤْمِنِينَ ؟ فِيهِ قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ونَصَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى أنَّهُ لا يُقالُ ذَلِكَ. وهَلْ يُقالُ لَهُنَّ: أُمَّهاتُ المُؤْمِناتِ ؟
(p-٢٣٣)فَيَدْخُلُ النِّساءُ في الجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ تَغْلِيبًا، فِيهِ قَوْلانِ: صَحَّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: لا يُقالُ ذَلِكَ، وهَذا أصَحُّ الوَجْهَيْنِ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الأظْهَرُ عِنْدِي في ذَلِكَ أنَّهُ لا يُطْلَقُ مِنهُ إلّا ما ورَدَ النَّصُّ بِإطْلاقِهِ؛ لِأنَّ الإطْلاقَ المُرادَ بِهِ غَيْرُ الظّاهِرِ المُتَبادِرِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ صارِفٍ إلَيْهِ، والعَلَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ وكَلامَ أهْلِ العِلْمِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ في آخِرِ ”الأنْفالِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٧٥] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ عَلى أنَّهُ ﷺ أبٌ لَهم، لِأنَّ أُمُومَةَ أزْواجِهِ لَهم تَسْتَلْزِمُ أُبُوَّتَهُ ﷺ لَهم.
وَهَذا المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ مُصَرَّحٌ بِهِ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأنَّهُ يَقْرَؤُها: ”وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“ . وهَذِهِ القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تُصَرِّحُ بِخِلافِ هَذا المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ والقِراءَةِ الشّاذَّةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٤٠] .
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ الأُبُوَّةَ المُثْبَتَةَ دِينِيَّةٌ والأُبُوَّةَ المَنفِيَّةَ طِينِيَّةٌ، وبِهَذا يَرْتَفِعُ الإشْكالُ في قَوْلِهِ: ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، إذْ يُقالُ كَيْفَ يَلْزَمُ الإنْسانُ أنْ يَسْألَ أُمَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ.
والجَوابُ ما ذَكَرْناهُ الآنَ فَهُنَّ أُمَّهاتٌ في الحُرْمَةِ والِاحْتِرامِ والتَّوْقِيرِ والإكْرامِ، لا في الخَلْوَةِ بِهِنَّ ولا في حُرْمَةِ بَناتِهِنَّ ونَحْوِ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences