Ash-ShinqitiSaba · 34:27–54

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Saba 34:27–54

34:27Page 431

قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلّا بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ لِعَبَدَةِ الأوْثانِ: أرُونِي أوْثانَكُمُ الَّتِي ألْحَقْتُمُوها بِاللَّهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ كُفْرًا مِنكم، وشِرْكًا وافْتِراءً، وقَوْلُهُ: ﴿أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾، لِأنَّهم إنْ أرَوْهُ إيّاها تَبَيَّنَ بِرُؤْيَتِها أنَّها جَمادٌ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، واتَّضَحَ بُعْدُها عَنْ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ، فَظَهَرَ لِكُلِّ عاقِلٍ بِرُؤْيَتِها بُطْلانُ عِبادَةِ ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، فَإحْضارُها والكَلامُ فِيها، وهي مُشاهَدَةٌ أبْلَغُ مِنَ الكَلامِ فِيها غائِبَةً، مَعَ أنَّهُ ﷺ يَعْرِفُها، وكَما أنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أمَرَهم أنْ يُرُوهُ إيّاها لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ بُطْلانُ عِبادَتِها، فَقَدْ أمَرَهم في آيَةٍ أُخْرى أنْ يُسَمُّوها بِأسْمائِها؛ لِأنَّ تَسْمِيَتَها بِأسْمائِها يَظْهَرُ بِها بُعْدُها عَنْ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ، وبُطْلانُ عِبادَتِها لِأنَّها أسْماءُ إناثٍ حَقِيرَةٍ كاللّاتِ والعُزّى، ومَناةَ الثّالِثَةِ الأُخْرى؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٧]، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الرعد: ٣٣] .

والأظْهَرُ في قَوْلِهِ: ﴿أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ: هو ما ذَكَرْنا مِن أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: شُرَكاءَ حالٌ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّها مِن رَأى (p-٢٧٠)العِلْمِيَّةِ، وعَلَيْهِ فـَ شُرَكاءَ مَفْعُولٌ ثالِثٌ لِـ أرُونِيَ، قالَ القُرْطُبِيُّ: يَكُونُ أرُونِيَ هُنا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَيَكُونُ: شُرَكاءَ مَفْعُولًا ثالِثًا، أيْ: عَرِّفُونِي الأصْنامَ والأوْثانَ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَلْ شارَكَتْ في خَلْقِ شَيْءٍ، فَبَيِّنُوا ما هو وإلّا فَلِمَ تَعْبُدُونَها، اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: كَلّا رَدْعٌ لَهم، وزَجْرٌ عَنْ إلْحاقِ الشُّرَكاءِ بِهِ. وقَوْلُهُ:﴿بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، أيِ: المُتَّصِفُ بِذَلِكَ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ بِشَواهِدِهِ مِرارًا.

34:28Page 431

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨

And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾، اسْتَشْهَدَ بِهِ بَعْضَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ بِالحَرْفِ؛ كَما أشارَ لَهُ ابْنُ مالِكٍ في ”الخُلاصَةِ“ بِقَوْلِهِ:

وَسَبْقُ حالِ ما بِحَرْفِ جَرٍّ قَدْ أبَوْا ولا أمْنَعُهُ فَقَدْ ورَدْ

قالُوا: لِأنَّ المَعْنى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾، أيْ: جَمِيعًا، أيْ: أرْسَلْناكَ لِلنّاسِ في حالِ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في رِسالَتِكَ، ومِمَّنْ أجازَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وابْنُ كَيْسانَ، وابْنُ بُرْهانَ، ولِذَلِكَ شَواهِدُ في شِعْرِ العَرَبِ؛ كَقَوْلِ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيِّ:

؎فَإنْ تَكُ أذْوادٌ أُصِبْنَ ونِسْوَةٌ فَلَنْ يَذْهَبُوا فَرْغًا بِقَتْلِ حِبالِ

وَكَقَوْلِ كُثَيِّرٍ:

؎لَئِنْ كانَ بَرْدُ الماءِ هَيْمانَ ∗∗∗ صادِيًا إلَيَّ حَبِيبًا إنَّها لِحَبِيبُ

وَقَوْلِ الآخَرِ:

؎تَسَلَّيْتُ طُرًّا عَنْكم بَعْدَ بَيْنِكم ∗∗∗ بِذِكْرِكُمُ حَتّى كَأنَّكم عِنْدِي

وَقَوْلِ الآخَرِ:

؎غافِلًا تَعْرِضُ المَنِيَّةُ لِلْمَرْءِ ∗∗∗ فَيُدْعى ولاتَ حِينَ إباءِ

(p-٢٧١)وَقَوْلِهِ:

؎مَشْغُوفَةٌ بِكَ قَدْ شُغِفْتَ وإنَّما ∗∗∗ حُمَّ الفِراقُ فَما إلَيْكَ سَبِيلُ

وَقَوْلِهِ:

؎إذا المَرْءُ أعْيَتْهُ المُرُوءَةُ ناشِئًا ∗∗∗ فَمَطْلَبُها كَهْلًا عَلَيْهِ شَدِيدُ

فَقَوْلُهُ في البَيْتِ الأوَّلِ: فَرْغًا، أيْ: هَدَرًا، حالٌ وصاحِبُهُ المَجْرُورُ بِالباءِ الَّذِي هو بِقَتْلٍ، وحِبالٌ اسْمُ رَجُلٍ. وقَوْلُهُ في البَيْتِ الثّانِي: هَيْمانَ صادِيًا، حالانِ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ المَجْرُورَةِ بِإلى في قَوْلِهِ: إلَيَّ حَبِيبًا. وقَوْلُهُ في البَيْتِ الثّالِثِ: طُرًّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِعَنْ، في قَوْلِهِ: عَنْكم، وهَكَذا وتَقَدُّمُ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ بِالحَرْفِ مَنَعَهُ أغْلَبُ النَّحْوِيِّينَ.

وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“، في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾، إلّا رِسالَةً عامَّةً لَهم مُحِيطَةً بِهِمْ؛ لِأنَّهم إذا شَمِلَتْهم، فَإنَّها قَدْ كَفَتْهم أنْ يَخْرُجَ مِنها أحَدٌ مِنهم.

وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أرْسَلْناكَ جامِعًا لِلنّاسِ في الإنْذارِ والإبْلاغِ فَجَعْلَهُ حالًا مِنَ الكافِ، وحَقُّ التّاءِ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ كَتاءِ الرّاوِيَةِ والعَلّامَةِ، ومَن جَعَلَهُ حالًا مِنَ المَجْرُورِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ تَقَدُّمَ حالِ المَجْرُورِ عَلَيْهِ في الإحالَةِ بِمَنزِلَةِ تَقَدُّمِ المَجْرُورِ عَلى الجارِ، وكَمْ تَرى مِمَّنْ يَرْتَكِبُ هَذا الخَطَأ ثُمَّ لا يَقْنَعُ بِهِ حَتّى يُضَمَّ إلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ اللّامَ بِمَعْنى إلى؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَوِي لَهُ الخَطَأُ الأوَّلُ إلّا بِالخَطَأِ الثّانِي، فَلا بُدَّ لَهُ مِنِ ارْتِكابِ الخَطَأيْنِ، اه مِنهُ.

وَقالَ الشَّيْخُ الصَّبّانُ في حاشِيَتِهِ عَلى الأشْمُونِيِّ: جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ كافَّةً صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: رِسالَةً كافَّةً لِلنّاسِ، ولَكِنِ اعْتُرِضَ بِأنْ كافَّةً مُخْتَصَّةٌ بِمَن يَعْقِلُ وبِالنَّصْبِ عَلى الحالِ كَطُرًّا وقاطِبَةً، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وما ذَكَرَهُ الصَّبّانِ في كافَّةً هو المَشْهُورُ المُتَداوَلُ في كَلامِ العَرَبِ، وأوْضَحَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ“، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

34:29Page 431

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩

And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"

No commentary for this ayah

34:30Page 431

قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠

Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”يُونُسَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] .

34:31Page 431

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١

And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."

قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ . ذَكَرْنا بَعْضَ الآياتِ الَّتِي فِيها بَيانٌ لَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، وبَيَّناهُ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.

34:32Page 432

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢

Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."

No commentary for this ayah

34:33Page 432

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣

Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [الرعد: ٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

34:34Page 432

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤

And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ . قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وأوْضَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٤٤] .

34:35Page 432

وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥

And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ . (p-٢٧٣)قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] .

34:36Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (p-٢٧٢)قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

34:37Page 432

وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧

And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].

No commentary for this ayah

34:38Page 432

وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨

And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].

No commentary for this ayah

34:39Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."

No commentary for this ayah

34:40Page 433

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠

And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ الآيَةَ.

قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ١٧ - ١٨] .

34:41Page 433

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١

They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."

No commentary for this ayah

34:42Page 433

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢

But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."

No commentary for this ayah

34:43Page 433

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] .

34:44Page 433

وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤

And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .

34:45Page 433

وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥

And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ . ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ أهْلَكَ الأُمَمَ الماضِيَةَ لَمّا كَذَّبَتْ رُسُلَهُ، وأنَّ الأُمَمَ الماضِيَةَ أقْوى، وأكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا، وأنَّ كُفّارَ مَكَّةَ عَلَيْهِمْ أنْ يَخافُوا مِن إهْلاكِ اللَّهِ لَهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِ رَسُولِهِ ﷺ، كَما أهْلَكَ الأُمَمَ الَّتِي هي أقْوى مِنهم، ولَمْ يُؤْتُوا، أيْ: كُفّارَ مَكَّةَ، مِعْشارَ ما أتى اللَّهُ الأُمَمَ الَّتِي أهْلَكَها مِن قَبْلُ مِنَ القُوَّةِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢]، وقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلى هَذا في سُورَةِ ”الرُّومِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ (p-٢٧٤)تَعالى: ﴿وَأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] .

34:46Page 433

۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦

Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”المُؤْمِنُونَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] .

34:47Page 433

قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧

Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كارِهُونَ ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩] .

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لا يَسْألُ أُمَّتَهُ أجْرًا عَلى تَبْلِيغِ ما جاءَهم بِهِ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ (p-٣٧٣)[الطور: ٤٠] في سُورَةِ ”الطُّورِ“ و ”القَلَمِ“ [القلم: ٤٦] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠] .

وَعَدَمُ طَلَبِ الأُجْرَةِ عَلى التَّبْلِيغِ هو شَأْنُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ [يس: ٢٠ - ٢١]، وقالَ تَعالى في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“: ﴿وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩]، في قِصَّةِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمْ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وَقالَ في سُورَةِ ”هُودٍ“ عَنْ نُوحٍ: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [هود: ٢٩] .

وَقالَ فِيها أيْضًا عَنْ هُودٍ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآيَةَ [هود: ٥١] . وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] .

اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أرْبَعَةَ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: رَواهُ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وأبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكم وتَمْنَعُونِي مِن أذى النّاسِ، كَما تَمْنَعُونَ كُلَّ مَن بَيْنَكم وبَيْنَهُ مِثْلُ قَرابَتِي مِنكم.

وَكانَ ﷺ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ مِن قُرَيْشٍ رَحِمٌ، فَهَذا الَّذِي سَألَهم لَيْسَ بِأجْرٍ عَلى التَّبْلِيغِ، لِأنَّهُ مَبْذُولٌ لِكُلِّ أحَدٍ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَوَدُّهُ أهْلُ قَرابَتِهِ ويَنْتَصِرُونَ لَهُ مِن أذى النّاسِ، وقَدْ فَعَلَ لَهُ ذَلِكَ أبُو طالِبٍ، ولَمْ يَكُنْ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمِن وإذا كانَ لا يَسْألُ أجْرًا إلّا هَذا الَّذِي لَيْسَ بِأجْرٍ، تَحَقَّقَ أنَّهُ لا يَسْألُ أجْرًا كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

؎وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

(p-٣٧٤)وَمِثْلُ هَذا يُسَمِّيهِ البَلاغِيُّونَ تَأْكِيدَ المَدْحِ، بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ في الآيَةِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ.

الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، أيْ لا تُؤْذُوا قَرابَتِي وعِتْرَتَيْ واحْفَظُونِي فِيهِمْ. ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ أيْضًا، لِأنَّ المُوادَّةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ واجِبَةٌ فِيما بَيْنَهم، وأحْرى قَرابَةٍ النَّبِيُّ ﷺ، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .

وَفِي الحَدِيثِ: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ كالجَسَدِ الواحِدِ، إذا أُصِيبَ مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمّى»، وقالَ ﷺ: «لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، والأحادِيثُ في مِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جَدا. وإذا كانَ نَفْسُ الدِّينِ يُوجِبُ هَذا بَيْنَ المُسْلِمِينَ تَبَيَّنَ أنَّهُ غَيْرُ عِوَضٍ عَنِ التَّبْلِيغِ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ.

فَمَعْناهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا، لَكِنْ أُذَكِّرُكم قَرابَتِي فِيكم.

وَعَلى الثّانِي: لَكِنْ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في قَرابَتِي فاحْفَظُونِي فِيهِمْ.

القَوْلُ الثّالِثُ: وبِهِ قالَ الحَسَنُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، أيْ إلّا تَتَوادُّوا إلى اللَّهِ وتَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، لِأنَّ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ لَيْسَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ.

القَوْلُ الرّابِعُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، أيْ إلّا أنَّ تَتَوَدَّدُوا إلى قَراباتِكم وتَصِلُوا أرْحامَكم، ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا القَوْلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قاسِمٍ.

وَعَلَيْهِ أيْضًا فَلا إشْكالَ، لِأنَّ صِلَةَ الإنْسانِ رَحِمَهُ لَيْسَتْ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ، فَقَدْ عَلِمْتَ الصَّحِيحَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وظَهَرَ لَكَ رَفْعُ الإشْكالِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ.

وَأمّا القَوْلُ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سبإ: ٤٧]، فَهو ضَعِيفٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

34:48Page 433

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨

Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."

No commentary for this ayah

34:49Page 434

قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩

Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] .

34:50Page 434

قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠

Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، في مَعْرِضِ بَيانِ حُجَجِ الظّاهِرِيَّةِ في دَعْواهم مَنعَ الِاجْتِهادِ.

34:51Page 434

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١

And if you could see1 when they are terrified but there is no escape, and they will be seized from a place nearby.

No commentary for this ayah

34:52Page 434

وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢

And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ .

ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ الإيمانَ لا يَنْفَعُهم لِفَواتِ وقْتِ نَفْعِهِ، الَّذِي هو مُدَّةُ دارِ الدُّنْيا جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ.

وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٣] . وفي سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. وقَوْلُهُ تَعالى في (p-٢٧٥)هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، أنّى تَدَلُّ عَلى كَمالِ الِاسْتِبْعادِ هُنا، و التَّناوُشُ: التَّناوُلُ، وقالَ بَعْضُهم: هو خُصُوصُ التَّناوُلِ السَّهْلِ لِلشَّيْءِ القَرِيبِ.

والمَعْنى: أنَّهُ يُسْتَبْعَدُ كُلَّ الِاسْتِبْعادِ ويَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ، أنْ يَتَناوَلَ الكُفّارُ الإيمانَ النّافِعَ في الآخِرَةِ بَعْدَما ضَيَّعُوا ذَلِكَ وقْتَ إمْكانِهِ في دارِ الدُّنْيا، وقِيلَ الِاسْتِبْعادُ لِرَدِّهِمْ إلى الدُّنْيا مَرَّةً أُخْرى لِيُؤْمِنُوا، والأوَّلُ أظْهَرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: وقالُوا آمَنّا بِهِ، ومَن أرادَ تَناوُلَ شَيْءٍ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

34:53Page 434

وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٣

And they had already disbelieved in it before and would assault1 the unseen from a place far away.2

No commentary for this ayah

34:54Page 434

وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ ٥٤

And prevention will be placed between them and what they desire,1 as was done with their kind before. Indeed, they were in disquieting doubt [i.e., denial].

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском