Ash-ShinqitiAs‑Saffat · 37:1–23

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

الصافات

As-Saffat

Those who set the Ranks · Meccan · 182 ayahs

37:1Page 446

وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفّٗا ١

By those [angels] lined up in rows

(p-٣٠١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الصّافّاتِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ . أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ: الصّافّاتِ هُنا، و الزّاجِراتِ، و التّالِياتِ: جَماعاتُ المَلائِكَةِ، وقَدْ جاءَ وصْفُ المَلائِكَةِ بِأنَّهم صافُّونَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦]، ومَعْنى كَوْنِهِمْ صافِّينَ: أنْ يَكُونُوا صُفُوفًا مُتَراصِّينَ بَعْضُهم جَنْبَ بَعْضٍ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، مِن صَلاةٍ وغَيْرِها. وقِيلَ: لِأنَّهم يَصُفُّونَ أجْنِحَتَهم في السَّماءِ، يَنْتَظِرُونَ أمْرَ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ الَّذِي قَدَّمْنا في أوَّلِ سُورَةِ ”المائِدَةِ“ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «فُضِّلْنا عَلى النّاسِ بِثَلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ، وجُعِلَتْ لَنا الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ لَنا تُرْبَتُها طَهُورًا إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ» وهو دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ يَصُفُّونَ كَصُفُوفِ المُصَلِّينَ في صَلاتِهِمْ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُلْقُونَ الذِّكْرَ عَلى الأنْبِياءِ، لِأجْلِ الإعْذارِ والإنْذارِ بِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [الملك: ٥ - ٦] فَقَوْلُهُ: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾؛ لِأنَّ الذِّكْرَ الَّذِي تَتْلُوهُ تُلْقِيهِ إلى الأنْبِياءِ، كَما كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِالوَحْيِ عَلى نَبِيِّنا وغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى الجَمِيعِ، وقَوْلُهُ: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾، أيْ: لِأجْلِ الإعْذارِ والإنْذارِ، أيْ: بِذَلِكَ الذِّكْرِ الَّذِي نَتْلُوهُ وتُلْقِيهِ، والإعْذارُ: قَطْعُ العُذْرِ بِالتَّبْلِيغِ.

والإنْذارُ قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ وبَيَّنّا أنْواعَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١ - ٢]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ، وقِيلَ: تَزْجُرُ الخَلائِقَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ بِالذِّكْرِ الَّذِي تَتْلُوهُ، وتُلْقِيهِ إلى الأنْبِياءِ.

(p-٣٠٢)وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّ الصّافّاتِ و الزَّجِراتِ و التّالِياتِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ هي جَماعاتُ المَلائِكَةِ: ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ؛ كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُما. وزادُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ مِمَّنْ قالَ بِهِ: مَسْرُوقًا والسُّدِّيَّ والرَّبِيعَ بْنَ أنَسٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الصّافّاتِ في الآيَةِ الطَّيْرُ تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ، واسْتَأْنَسَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ الآيَةَ [الملك: ١٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ الآيَةَ [النور: ٤١] .

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِـ: الصّافّاتِ جَماعاتُ المُسْلِمِينَ يَصُفُّونَ في مَساجِدِهِمْ لِلصَّلاةِ، ويَصُفُّونَ في غَزْوِهِمْ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] .

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ أيْضًا: المُرادُ بِـ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾، و ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾: جَماعاتُ العُلَماءِ العامِلِينَ يُلْقُونَ آياتِ اللَّهِ عَلى النّاسِ، ويَزْجُرُونَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ بِآياتِهِ، ومَواعِظِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رُسُلِهِ.

وَقالَ بَعْضُهُمِ: المُرادُ بِـ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾: جَماعاتُ الغُزاةِ يَزْجُرُونَ الخَيْلَ لِتُسْرِعَ إلى الأعْداءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ وأكْثَرُ قائِلًا. ووَجْهُ تَوْكِيدِهِ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾، بِهَذِهِ الأقْسامِ، وبِأنَّ واللّامِ هو أنَّ الكُفّارَ أنْكَرُوا كَوْنَ الإلَهِ واحِدًا إنْكارًا شَدِيدًا وتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ تَعَجُّبًا شَدِيدًا؛ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥]، ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾، فَكَوْنُهُ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي جَعَلَ فِيها المَشارِقَ والمَغارِبَ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ.

وَهَذا البُرْهانُ القاطِعُ الَّذِي أقامَهُ هُنا عَلى أنَّهُ هو الإلَهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ، أقامَهُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] فَقَدْ أقامَ البُرْهانَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ مُتِّصِلًا بِهِ: (p-٣٠٣)﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] .

وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنْ قُلْتَ: ما حُكْمُ الفاءِ إذا جاءَتْ عاطِفَةً في الصِّفاتِ ؟ قُلْتُ: إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ؛ كَقَوْلِهِ:

؎يا لَهْفَ زِيابَةَ لِلْحارِثِ الـ صّابِحِ فالغانِمِ فالآئِبِ

كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي صَبَّحَ فَغَنِمَ فَآبَ، وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأكْمَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ. وإمّا عَلى تَرَتُّبِ مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ، فَعَلى هَذِهِ القَوانِينِ الثَّلاثَةِ يَنْساقُ أمْرُ الفاءِ العاطِفَةِ في الصِّفاتِ.

فَإنْ قُلْتَ: فَعَلى أيِّ هَذِهِ القَوانِينِ هي فِيما أنْتَ بِصَدَدِهِ ؟

قُلْتُ: إنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ الصِّفاتِ في التَّفاضُلِ، وإنْ ثَلَّثْتَهُ فَهي لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ المَوْصُوفاتِ فِيهِ.

بَيانُ ذَلِكَ: أنَّكَ إذا أجْرَيْتَ هَذِهِ الأوْصافَ عَلى المَلائِكَةِ، وجَعَلْتَهم جامِعِينَ لَها فَعَطْفُها بِالفاءِ يُفِيدُ تَرَتُّبًا لَها في الفَضْلِ، إمّا أنْ يَكُونَ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ لِلزَّجْرِ ثُمَّ لِلتِّلاوَةِ. وإمّا عَلى العَكْسِ، وكَذَلِكَ إنْ أرَدْتَ العُلَماءَ وقُوّادَ الغُزاةِ. وإنْ أجْرَيْتَ الصِّفَةَ الأُولى عَلى طَوائِفَ والثّانِيَةَ والثّالِثَةَ عَلى أُخَرَ، فَقَدْ أفادَتْ تَرَتُّبَ المَوْصُوفاتِ في الفَضْلِ أعْنِي أنَّ الطَّوائِفَ الصّافّاتِ ذَواتِ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلُ، والتّالِياتُ أبْهَرُ فَضْلًا أوْ عَلى العَكْسِ، وكَذَلِكَ إذا أرَدْتَ بِالصّافّاتِ الطَّيْرَ، وبِالزّاجِراتِ كُلَّ ما يَزْجُرُ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وبِالتّالِياتِ كُلَّ نَفْسٍ تَتْلُو الذِّكْرَ، فَإنَّ المَوْصُوفاتِ مُخْتَلِفَةٌ، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“ .

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ هَذا نَقَلَهُ عَنْهُ أبُو حَيّانَ، والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما، ولَمْ يَتَعَقَّبُوهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ كَلامٌ لا تَحْقِيقَ فِيهِ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ اعْتِرافُ الزَّمَخْشَرِيِّ نَفْسِهِ بِأنَّهُ لا يَدْرِي ما ذَكَرَهُ: هَلْ هو كَذا أوْ عَلى العَكْسِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ (p-٣٠٤)فِي أنَّهُ لَيْسَ عَلى عِلْمٍ مِمّا يَقُولُهُ؛ لِأنَّ مَن جَزَمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ جَوَّزَ فِيهِ النَّقِيضَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى عِلْمٍ مِمّا جَزَمَ بِهِ.

والأظْهَرُ الَّذِي لا يَلْزَمُهُ إشْكالٌ أنَّ التَّرْتِيبَ بِالفاءِ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ والإتْيانِ بِأداةِ التَّرْتِيبِ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ فَقَطْ، دُونَ إرادَةِ تَرْتِيبِ الصِّفاتِ أوِ المَوْصُوفاتِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ جاءَ في القُرْآنِ في مَواضِعَ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ.

وَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [البلد: ١١ - ١٧]، فَلا يَخْفى أنْ ثُمَّ حَرْفُ تَرْتِيبٍ وأنَّ المُرَتَّبَ بِهِ الَّذِي هو كَوْنُهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرَتُّبَ لَهُ عَلى ما قَبْلَهُ إلّا مُطْلَقُ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٥٣ - ١٥٤] كَما لا يَخْفى أنَّ التَّرْتِيبَ فِيهِ ذِكْرِيٌّ.

وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُهُ:

؎إنَّ مَن سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ ∗∗∗ ثُمَّ قَدْ سادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَرَبُّ المَشارِقِ﴾، لَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا المَشارِقَ وحْدَها، ولَمْ يَذْكُرْ فِيها المَغارِبَ.

وَقَدْ بَيَّنّا في كِتابِنا ”دَفْعَ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“: وجْهُ اخْتِلافِ ألْفاظِ الآياتِ في ذَلِكَ، فَقُلْنا فِيهِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥]، ما لَفْظُهُ أُفْرِدَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ، وثَنّاهُما في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، وجَمَعَهُما في سُورَةِ ”سَألَ سائِلٌ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، وجَمَعَ المَشارِقَ في سُورَةِ ”الصّافّاتِ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ .

(p-٣٠٥)والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] المُرادُ بِهِ جِنْسُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَهو صادِقٌ بِكُلِّ مَشْرِقٍ مِن مَشارِقِ الشَّمْسِ الَّتِي هي ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ، وكُلُّ مَغْرِبٍ مِن مَغارِبِها الَّتِي هي كَذَلِكَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ما نَصُّهُ: وإنَّما مَعْنى ذَلِكَ: ولِلَّهِ المَشْرِقُ الَّذِي تُشْرِقُ مِنهُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ والمَغْرِبُ الَّذِي تَغْرُبُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ.

فَتَأْوِيلُهُ إذا كانَ ذَلِكَ مَعْناهُ: ولِلَّهِ ما بَيْنَ قُطْرَيِ المَشْرِقِ وقُطْرَيِ المَغْرِبِ إذا كانَ شُرُوقُ الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَوْضِعٍ مِنهُ لا تَعُودُ لِشُرُوقِها مِنهُ إلى الحَوْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وكَذَلِكَ غُرُوبُها، انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، يَعْنِي مَشْرِقَ الشِّتاءِ، ومَشْرِقَ الصَّيْفِ ومَغْرِبَهُما، كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وقِيلَ: مَشْرِقَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِبَهُما.

وَقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ أيْ: مَشارِقِ الشَّمْسِ ومَغارِبِها كَما تَقَدَّمَ. وقِيلَ: مَشارِقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ ومَغارِبِها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

37:2Page 446

فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجۡرٗا ٢

And those who drive [the clouds]

No commentary for this ayah

37:3Page 446

فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكۡرًا ٣

And those who recite the message,1

No commentary for this ayah

37:4Page 446

إِنَّ إِلَٰهَكُمۡ لَوَٰحِدٞ ٤

Indeed, your God is One,

No commentary for this ayah

37:5Page 446

رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ ٥

Lord of the heavens and the earth and that between them and Lord of the sunrises.1

No commentary for this ayah

37:6Page 446

إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦

Indeed, We have adorned the nearest heaven with an adornment of stars

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٦] .

قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٧] . وقَرَأ هَذا الحَرْفَ السَّبْعَةُ غَيْرُ عاصِمٍ وحَمْزَةُ، بِإضافَةِ زِينَةِ إلى الكَواكِبِ، أيْ: بِلا تَنْوِينٍ في زِينَةِ مَعَ خَفْضِ الباءِ في الكَواكِبِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ بِتَنْوِينِ زِينَةٍ، وخَفْضِ الكَواكِبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن زِينَةٍ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِزِينَةٍ الكَواكِبَ بِتَنْوِينِ زِينَةٍ، ونَصْبِ الكَواكِبِ، وأعْرَبَ أبُو حَيّانَ الكَواكِبَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ إعْرابَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الكَواكِبَ بَدَلٌ مِنَ السَّماءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ﴾ [الصافات: ٦] .

والثّانِي: أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ: زِينَةٍ بِناءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ الآيَةَ [البلد: ١٤ - ١٥] .

(p-٣٠٦)والأظْهَرُ عِنْدِي: أنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أعْنِي الكَواكِبَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في ”الخُلاصَةِ“:

وَيُحْذَفُ النّاصِبُها إنْ عُلِما وقَدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَما

37:7Page 446

وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ ٧

And as protection against every rebellious devil

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ الآيَةَ [الحجر: ١٧ - ١٨] في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ .

37:8Page 446

لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ ٨

[So] they may not listen to the exalted assembly [of angels] and are pelted from every side,1

No commentary for this ayah

37:9Page 446

دُحُورٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ وَاصِبٌ ٩

Repelled; and for them is a constant punishment,

No commentary for this ayah

37:10Page 446

إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ ١٠

Except one who snatches [some words] by theft, but they are pursued by a burning flame, piercing [in brightness].

No commentary for this ayah

37:11Page 446

فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ ١١

Then inquire of them, [O Muḥammad], "Are they a stronger [or more difficult] creation or those [others] We have created?" Indeed, We created them [i.e., men] from sticky clay.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾

ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بُرْهانَيْنِ مِن بَراهِينِ البَعْثِ، الَّتِي قَدَّمْنا أنَّها يَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى البَعْثِ.

الأوَّلُ: هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾؛ لِأنَّ مَعْنى: فاسْتَفْتِهِمْ، اسْتَخْبِرْهم والأصْلُ في مَعْناهُ: اطْلُبْ مِنهُمُ الفَتْوى، وهي الإخْبارُ بِالواقِعِ فِيما تَسْألُهم عَنْهُ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ أيْ: أصْعَبُ إيجادًا واخْتِراعًا، ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي هي أعْظَمُ وأكْبَرُ مِنهم، وهي ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُعَبَّرِ عَنْ جَماعاتِهِمْ بِالصّافّاتِ، والزّاجِراتِ، والتّالِياتِ، والسَّماواتِ والأرْضِ، والشَّمْسِ والقَمَرِ، ومَرَدَةِ الشَّياطِينِ؛ كَما ذُكِرَ ذَلِكَ كُلُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٥ - ٧] .

وَجَوابُ الِاسْتِفْتاءِ المَذْكُورِ الَّذِي لا جَوابَ لَهُ غَيْرُهُ، هو أنْ يُقالَ: مَن خَلَقْتَ يا رَبَّنا مِنَ المَلائِكَةِ، ومَرَدَةِ الجِنِّ، والسَّماواتِ والأرْضِ، والمَشارِقِ، والمَغارِبِ، والكَواكِبِ، أشَدُّ خَلْقًا مِنّا؛ لِأنَّها مَخْلُوقاتٌ عِظامٌ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِنّا، فَيَتَّضِحُ بِذَلِكَ البُرْهانُ القاطِعُ عَلى قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مَن خَلَقَ الأعْظَمَ الأكْبَرَ كالسَّماواتِ والأرْضِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ الأصْغَرَ الأقَلَّ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾، أيْ: ومَن قَدَرَ (p-٣٠٧)عَلى خَلْقِ الأكْبَرِ فَلا شَكَّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الأصْغَرِ، كَخَلْقِ الإنْسانِ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ المَوْتِ. وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩]، وقالَ تَعالى في ”النّازِعاتِ“، مُوَضِّحًا الِاسْتِفْتاءَ المَذْكُورَ في آيَةِ ”الصّافّاتِ“ هَذِهِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ ﴿وَأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣] .

وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ وجْهَ العِبارَةِ بِمَنِ الَّتِي هي لِلْعالِمِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾، عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ والكَواكِبِ هو تَغْلِيبُ ما ذُكِرَ مَعَها مِنَ العالِمِ كالمَلائِكَةِ عَلى غَيْرِ العالِمِ، وذَلِكَ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ.

وَأمّا البُرْهانُ الثّانِي: فَهو في قَوْلِهِ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾؛ لِأنَّ مَن خَلَقَهم أوَّلًا مَن طِينٍ، وأصْلُهُ التُّرابُ المَبْلُولُ بِالماءِ لا يَشُكُّ عاقِلٌ في قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِهِمْ مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ أنْ صارُوا تُرابًا، لِأنَّ الإعادَةَ لا يُعْقَلُ أنْ تَكُونَ أصْعَبَ مِنَ البَدْءِ والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ جِدًّا؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [يس: ٧٩]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥] .

وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذَيْنَ البُرْهانَيْنِ وغَيْرِهِما مِن بَراهِينِ البَعْثِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، و ”النَّحْلِ“، و ”الحَجِّ“ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾، اللّازِبُ: هو ما يَلْزَقُ بِاليَدِ مَثَلًا إذا لاقَتْهُ، وعِباراتُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ تَدُورُ حَوْلَ ما ذَكَرْنا، والعَرَبُ تُطْلِقُ اللّازِبَ واللّاتِبَ واللّازِمَ، بِمَعْنًى واحِدٍ، ومِنهُ في اللّازِبِ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

؎تَعْلَّمْ فَإنَّ اللَّهَ زادَكَ بَسْطَةً وأخْلاقَ خَيْرٍ كُلُّها لَكَ لازِبُ

وَقَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ:(p-٣٠٨)

؎وَلا يَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا يَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبِ

فَقَوْلُهُ: ضَرْبَةَ لازِبِ، أيْ: شَيْئًا مُلازِمًا لا يُفارِقُ، ومِنهُ في اللّاتِبِ قَوْلُهُ:

؎فَإنَّ يَكُ هَذا مِن نَبِيذٍ شَرِبْتُهُ ∗∗∗ فَإنِّيَ مِن شُرْبِ النَّبِيذِ لَتائِبُ

؎صُداعٌ وتَوْصِيمُ العِظامِ وفَتْرَةٌ ∗∗∗ وغَمٌّ مَعَ الإشْراقِ في الجَوْفِ لاتِبُ

والبُرْهانانِ المَذْكُورانِ عَلى البَعْثِ يُلْقِمانِ الكُفّارَ حَجَرًا في إنْكارِهِمُ البَعْثَ المَذْكُورَ بِعَدِّهِما قَرِيبًا مِنهُما، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٥ ١٩] .

37:12Page 446

بَلۡ عَجِبۡتَ وَيَسۡخَرُونَ ١٢

But you wonder, while they mock,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخُرُونَ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: عَجِبْتَ بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ وهي تاءُ الخِطابِ، المُخاطَبُ بِها النَّبِيُّ ﷺ . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بَلْ عَجِبْتُ، بِضَمِّ التّاءِ وهي تاءُ المُتَكَلِّمِ، وهو اللَّهُ جَلَّ وعَلا.

وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ القِراءَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيْنِ يَحْكُمُ لَهُما بِحُكْمِ الآيَتَيْنِ.

وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ فِيها إثْباتُ العَجَبِ لِلَّهِ تَعالى، فَهي إذًا مِن آياتِ الصِّفاتِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ.

وَقَدْ أوْضَحْنا طَرِيقَ الحَقِّ الَّتِي هي مَذْهَبُ السَّلَفِ في آياتِ الصِّفاتِ، وأحادِيثِها في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

37:13Page 446

وَإِذَا ذُكِّرُواْ لَا يَذۡكُرُونَ ١٣

And when they are reminded, they remember not.

No commentary for this ayah

37:14Page 446

وَإِذَا رَأَوۡاْ ءَايَةٗ يَسۡتَسۡخِرُونَ ١٤

And when they see a sign, they ridicule.

No commentary for this ayah

37:15Page 446

وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ١٥

And say, "This is not but obvious magic.

No commentary for this ayah

37:16Page 446

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ١٦

When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?

No commentary for this ayah

37:17Page 446

أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ١٧

And our forefathers [as well]?"

No commentary for this ayah

37:18Page 446

قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ ١٨

Say, "Yes, and you will be [rendered] contemptible."

No commentary for this ayah

37:19Page 446

فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ فَإِذَا هُمۡ يَنظُرُونَ ١٩

It will be only one shout, and at once they will be observing.

No commentary for this ayah

37:20Page 446

وَقَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ٢٠

They will say, "O woe to us! This is the Day of Recompense."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الرُّومِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ . الآيَةَ [الروم: ٥٦]

37:21Page 446

هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١

[They will be told], "This is the Day of Judgement which you used to deny."

No commentary for this ayah

37:22Page 446

۞ ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٢٢

[The angels will be ordered], "Gather those who committed wrong, their kinds,1 and what they used to worship

(p-٣٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ . المُرادُ بِـ: الَّذِينَ ظَلَمُوا الكُفّارُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .

وَقَدْ قَدَّمْنا إطْلاقَ الظُّلْمِ عَلى الشِّرْكِ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] .

وَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَ الظُّلْمَ بِالشِّرْكِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾» [الأنعام: ٨٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأزْواجَهُمْ﴾، جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ مِنهم: عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ أشْباهُهم ونُظَراؤُهم، فَعابِدُ الوَثَنِ مَعَ عابِدِ الوَثَنِ، والسّارِقُ مَعَ السّارِقِ، والزّانِي مَعَ الزّانِي، واليَهُودِيُّ مَعَ اليَهُودِيِّ، والنَّصْرانِيُّ مَعَ النَّصْرانِيِّ، وهَكَذا وإطْلاقُ الأزْواجِ عَلى الأصْنافِ مَشْهُورٌ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ الآيَةَ [الزخرف: ١٢]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ الآيَةَ [طه: ٥٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾، أيِ: اجْمَعُوا الظّالِمِينَ وأشْباهَهم ونُظَراءَهم، فاهْدُوهم إلى النّارِ لِيَدْخُلَها جَمِيعُهم، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: المُرادُ بِـ أزْواجَهم نِساؤُهُمُ اللّاتِي عَلى دِينِهِمْ، خِلافَ الصَّوابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، أيِ: احْشَرُوا مَعَ الكُفّارِ الشُّرَكاءَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ لِيَدْخُلَ العابِدُونَ والمَعْبُوداتُ جَمِيعًا النّارَ؛ كَما أوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩] . وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا مَن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأنْبِياءِ، والمَلائِكَةِ، والصّالِحِينَ؛ كَعِيسى وعُزَيْرٍ خارِجُونَ عَنْ هَذا، وذَلِكَ في (p-٣١٠)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، إلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، وأشارَ إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٥٧ - ٥٩] .

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٧] .

وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فاهْدُوهُمْ﴾، مِنَ الهُدى العامِّ، أيْ: دُلُّوهم وأرْشِدُوهم ﴿إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾، أيْ: طَرِيقِ النّارِ لِيَسْلُكُوها إلَيْها، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاهْدُوهُمْ﴾، راجِعٌ إلى الثَّلاثَةِ، أعْنِي: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .

وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الهُدى يُسْتَعْمَلُ في الإرْشادِ والدَّلالَةِ عَلى الشَّرِّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، ولِذَلِكَ كانَ لِلشَّرِّ أئِمَّةٌ يُؤْتَمُّ بِهِمْ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٤١] .

37:23Page 446

مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ ٢٣

Other than Allāh, and guide them to the path of Hellfire

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском