Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:103, continued
قالَ ولِيُّ الدِّينِ والفِعْلُ في سِياقِ الثُّبُوتِ لا يَعُمُّ كالنَّكِرَةِ المُثَبَتَةِ، إلّا أنْ تَكُونَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] . اهـ. مِن ”الضِّياءِ اللّامِعِ“ لِابْنِ حَلَوْلَوَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وجْهُ كَوْنِ الفِعْلِ في سِياقِ الثُّبُوتِ لا يَعُمُّ هو أنَّ الفِعْلَ يَنْحَلُّ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، وبَعْضِ البَلاغِيِّينَ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ ويَنْحَلُّ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ البَلاغِيِّينَ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ ونِسْبَةٍ، فالمَصْدَرُ كامِنٌ في مَعْناهُ إجْماعًا، والمَصْدَرُ الكامِنُ فِيهِ لَمْ يَتَعَرَّفْ بِمُعَرَّفٍ فَهو نَكِرَةٌ في المَعْنى ومَعْلُومٌ أنَّ النَّكِرَةَ لا تَعُمُّ في الإثْباتِ وعَلى هَذا جَماهِيرُ العُلَماءِ وما زَعَمَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ الجَمْعَ الصُّورِيَّ لَمْ يَرِدْ في لِسانِ الشّارِعِ ولا أهْلِ عَصْرِهِ فَهو مَرْدُودٌ بِما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ النَّسائِيِّ وابْنِ عُمَرَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزّاقِ، وبِما رَواهُ أبُو داوُدَ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحاهُ والشّافِعِيُّ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ «مِن حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ”أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَها وهي مُسْتَحاضَةٌ،“ فَإنْ قَوِيتِ عَلى أنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وتُعَجِّلِي العَصْرَ ثُمَّ تَغْتَسِلِي حَتّى تَطْهُرِي وتُصَلِّينَ الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمْعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ وتُعَجِّلِينَ العِشاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فافْعَلِي وتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ» ”. (p-٢٩٠)قالَ: وهَذا أعْجَبُ الأمْرَيْنِ إلَيَّ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَمْعَ المَذْكُورَ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ جَمْعٌ صُورِيٌّ ما رَواهُ النَّسائِيُّ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ“ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ صَلّى بِالبَصْرَةِ الأُولى والعَصْرَ لَيْسَ بَيْنَهُما شَيْءٌ والمَغْرِبَ والعِشاءَ لَيْسَ بَيْنَهُما شَيْءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مِن شُغْلٍ ”، وفِيهِ رَفْعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ أنَّ شُغْلَ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورَ كانَ بِالخُطْبَةِ وأنَّهُ خَطَبَ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ إلى أنْ بَدَتِ النُّجُومُ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ وفِيهِ تَصْدِيقُ أبِي هُرَيْرَةَ لِابْنِ عَبّاسٍ في رَفْعِهِ. انْتَهى مِن“ فَتْحِ البارِي " .
وَما ذَكَرَهُ الخَطّابِيُّ وابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“ مِن أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «صَنَعْتُ ذَلِكَ لِئَلّا تُحْرَجَ أُمَّتِي» في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ المُتَقَدِّمَيْنِ يَقْدَحُ في حَمْلِهِ عَلى الجَمْعِ الصُّورِيِّ؛ لِأنَّ القَصْدَ إلَيْهِ لا يَخْلُو مِن حَرَجٍ، وأنَّهُ أضْيَقُ مِنَ الإتْيانِ بِكُلِّ صَلاةٍ في وقْتِها؛ لِأنَّ أوائِلَ الأوْقاتِ وأواخِرَها مِمّا يَصْعُبُ إدْراكُهُ عَلى الخاصَّةِ فَضْلًا عَنِ العامَّةِ، يُجابُ عَنْهُ بِما أجابَ بِهِ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ وهو أنَّ الشّارِعَ ﷺ، قَدْ عَرَّفَ أُمَّتَهُ أوائِلَ الأوْقاتِ وأواخِرَها وبالَغَ في التَّعْرِيفِ والبَيانِ، حَتّى إنَّهُ عَيَّنَها بِعَلاماتٍ حِسِّيَّةٍ لا تَكادُ تَلْتَبِسُ عَلى العامَّةِ فَضْلًا عَنِ الخاصَّةِ، والتَّخْفِيفُ في تَأْخِيرِ إحْدى الصَّلاتَيْنِ إلى آخِرِ وقْتِها، وفِعْلُ الأُخْرى في أوَّلِ وقْتِها مُتَحَقِّقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما في أوَّلِ وقْتِها، كَما كانَ دَيْدَنُهُ ﷺ، حَتّى قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «ما صَلّى صَلاةً لِآخِرِ وقْتِها مَرَّتَيْنِ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ»، ولا يَشُكُّ مُنْصِفٌ أنَّ فِعْلَ الصَّلاتَيْنِ دُفْعَةً والخُرُوجَ إلَيْهِما مَرَّةً أخَفُّ مِن صَلاةِ كُلٍّ مِنهُما في أوَّلِ وقْتِها.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالجَمْعِ المَذْكُورِ الجَمْعُ الصُّورِيُّ ابْنُ الماجِشُونِ والطَّحاوِيُّ وإمامُ الحَرَمَيْنِ والقُرْطُبِيُّ، وقَوّاهُ ابْنُ سَيِّدِ النّاسِ. بِما قَدَّمْنا عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ، ومالَ إلَيْهِ بَعْضَ المَيْلِ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ في بابِ ”المَواقِيتِ مِن كِتابِ الصَّلاةِ“، فَإنْ قِيلَ: الجَمْعُ الصُّورِيُّ الَّذِي حَمَلْتُمْ عَلَيْهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ هو فِعْلُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الصَّلاتَيْنِ المَجْمُوعَتَيْنِ في وقْتِها وهَذا لَيْسَ بِرُخْصَةٍ، بَلْ هو عَزِيمَةٌ فَأيُّ فائِدَةٍ إذَنْ في قَوْلِهِ ﷺ: «لِئَلّا تُحْرَجَ أُمَّتِي»، مَعَ كَوْنِ الأحادِيثِ المُعَيِّنَةِ لِلْأوْقاتِ تَشْمَلُ الجَمْعَ الصُّورِيَّ، وهَلْ حَمْلُ الجَمْعِ عَلى ما شَمِلَتْهُ أحادِيثُ التَّوْقِيتِ إلّا مِن بابِ الِاطِّراحِ لِفائِدَتِهِ وإلْغاءِ مَضْمُونِهِ، فالجَوابُ، هو ما أجابَ بِهِ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أيْضًا، وهو أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الأقْوالَ الصّادِرَةَ مِنهُ ﷺ، في أحادِيثِ تَوْقِيتِ الصَّلَواتِ شامِلَةٌ لِلْجَمْعِ (p-٢٩١)الصُّورِيِّ كَما ذَكَرَهُ المُعْتَرِضُ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ رَفْعُ الحَرَجِ مَنسُوبًا إلَيْها، بَلْ هو مَنسُوبٌ إلى الأفْعالِ لَيْسَ إلّا لِما عَرَّفْناكَ مِن أنَّهُ ﷺ ما صَلّى صَلاةً لِآخِرِ وقْتِها مَرَّتَيْنِ، فَرُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ فِعْلَ الصَّلاةِ في أوَّلِ وقْتِها مُتَحَتِّمٌ لِمُلازَمَتِهِ ﷺ لِذَلِكَ طُولَ عُمُرِهِ فَكانَ في جَمْعِهِ جَمْعًا صُورِيًّا تَخْفِيفٌ وتَسْهِيلٌ عَلى مَنِ اقْتَدى بِمُجَرَّدِ الفِعْلِ.
وَقَدْ كانَ اقْتِداءُ الصَّحابَةِ بِالأفْعالِ أكْثَرَ مِنهُ بِالأقْوالِ، ولِهَذا امْتَنَعَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِن نَحْرِ بُدْنِهِمْ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهم ﷺ، بِالنَّحْرِ حَتّى دَخَلَ ﷺ عَلى أُمِّ سَلَمَةَ مَغْمُومًا فَأشارَتْ عَلَيْهِ بِأنْ يَنْحَرَ ويَدْعُوَ الحَلّاقَ يَحْلِقُ لَهُ فَفَعَلَ، فَنَحَرُوا جَمِيعًا وكادُوا يَهْلَكُونَ غَمًّا مِن شِدَّةِ تَراكُمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ حالَ الحَلْقِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ الجَمْعَ المُتَنازَعَ فِيهِ لا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أتى بابًا مِن أبْوابِ الكَبائِرِ»، وفي إسْنادِهِ حَنَشُ بْنُ قَيْسٍ وهو ضَعِيفٌ.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا ما قالَهُ التِّرْمِذِيُّ، في آخِرِ ”سُنَنِهِ“ في كِتابِ العِلَلِ مِنهُ، ولَفْظُهُ جَمِيعُ ما في كِتابِي هَذا مِنَ الحَدِيثِ مَعْمُولٌ بِهِ، وبِهِ أخَذَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، ما خَلا حَدِيثَيْنِ: حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بِالمَدِينَةِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ، ولا سَفَرٍ» الَخْ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ التِّرْمِذِيَّ يَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى العَمَلِ بِهَذا الحَدِيثِ في جَمْعِ التَّقْدِيمِ أوِ التَّأْخِيرِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الجَمْعُ الصُّورِيُّ، فَيَتَعَيَّنُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم أجازُوا الجَمْعَ في الحَضَرِ لِلْحاجَةِ مُطْلَقًا، لَكِنْ بِشَرْطِ ألّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ عادَةً، مِنهم: ابْنُ سِيرِينَ، ورَبِيعَةُ، وأشْهَبُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والقَفّالُ الكَبِيرُ.
وَحَكاهُ الخَطّابِيُّ، عَنْ جَماعَةٍ مِن أصْحابِ الحَدِيثِ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ، وغَيْرُهُ وحُجَّتُهم ما تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِ: «لِئَلّا تُحْرَجَ أُمَّتِي»، وقَدْ عَرَفْتَ مِمّا سَبَقَ أنِ الأدِلَّةَ تُعَيِّنُ حَمْلَ ذَلِكَ عَلى الجَمْعِ الصُّورِيِّ، كَما ذُكِرَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
تَنْبِيهٌ
قَدِ اتَّضَحَ مِن هَذِهِ الأدِلَّةِ الَّتِي سُقْناها، أنَّ الظُّهْرَ لا يَمْتَدُّ لَها وقْتٌ إلى الغُرُوبِ، وأنَّ المَغْرِبَ لا يَمْتَدُّ لَها وقْتٌ إلى الفَجْرِ، ولَكِنْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ هَذا الوَقْتِ المَنفِيِّ بِالأدِلَّةِ (p-٢٩٢)عَلى الوَقْتِ الِاخْتِيارِيِّ، فَلا يُنافِي امْتِدادَ وقْتِ الظُّهْرِ الضَّرُورِيِّ إلى الغُرُوبِ، ووَقْتِ المَغْرِبِ الضَّرُورِيِّ إلى الفَجْرِ، كَما قالَهُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى اشْتِراكِ الظُّهْرِ والعَصْرِ في الوَقْتِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وكَذَلِكَ المَغْرِبُ والعِشاءُ، وأوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ جَوازُ كُلٍّ مِن جَمْعِ التَّقْدِيمِ، وجَمْعِ التَّأْخِيرِ في السَّفَرِ، فَصَلاةُ العَصْرِ مَعَ الظُّهْرِ عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ دَلِيلٌ عَلى اشْتِراكِها مَعَ الظُّهْرِ في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وصَلاةُ الظُّهْرِ بَعْدَ خُرُوجِ وقْتِها في وقْتِ العَصْرِ في جَمْعِ التَّأْخِيرِ دَلِيلٌ عَلى اشْتِراكِها مَعَها في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ أيْضًا، وكَذَلِكَ المَغْرِبُ والعِشاءُ، أمّا جَمْعُ التَّأْخِيرِ بِحَيْثُ يُصَلِّي الظُّهْرَ في وقْتِ العَصْرِ والمَغْرِبَ في وقْتِ العِشاءِ، فَهو ثابِتٌ في الرِّواياتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها. فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا ارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسَ، أخَّرَ الظُّهْرَ إلى وقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُما» .
قالَ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِهِ لِهَذا الحَدِيثِ قَوْلُهُ: ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُما، أيْ: في وقْتِ العَصْرِ، وفي رِوايَةِ قُتَيْبَةَ عَنِ المُفَضَّلِ في البابِ الَّذِي بَعْدَهُ ”ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُما“، ولِمُسْلِمٍ مِن رِوايَةِ جابِرِ بْنِ إسْماعِيلَ، عَنْ عُقَيْلٍ: «يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلى وقْتِ العَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُما، ويُؤَخِّرُ المَغْرِبَ حَتّى يَجْمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ العِشاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ» ولَهُ مِن رِوايَةٍ شَبابَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ: ”حَتّى يَدْخُلَ أوَّلُ وقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُما“ . اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَفِي ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ إذا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ»، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الجَمْعِ عَلى الجَمْعِ الصُّورِيِّ؛ لِأنَّ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةَ الَّتِي ذَكَرْنا آنِفًا فِيها التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ صَلّى الظُّهْرَ في وقْتِ العَصْرِ، والمَغْرِبَ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: اتَّفَقَتْ رِوايَةُ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ الأنْصارِيِّ، ومُوسى بْنِ عُقْبَةَ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وأيُّوبَ السِّخْتِيانِيِّ، وعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ نافِعٍ، عَلى أنَّ جَمْعَ ابْنِ عُمَرَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ كانَ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وخالَفَهم مَن لا يُدانِيهِمْ في حِفْظِ أحادِيثِ نافِعٍ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا بِقَلِيلٍ، ورِوايَةُ الحُفّاظِ مِن أصْحابِ نافِعٍ أوْلى بِالصَّوابِ، فَقَدْ رَواهُ سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأسْلَمُ مَوْلى عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينارٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي ذُؤَيْبٍ، وقِيلَ ابْنُ ذُؤَيْبٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ رِوايَتِهِمْ، ثُمَّ ساقَ البَيْهَقِيُّ أسانِيدَ رِواياتِهِمْ، وأمّا جَمْعُ التَّقْدِيمِ بِحَيْثُ يُصَلِّي العَصْرَ عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ مَعَ الظُّهْرِ في أوَّلِ وقْتِها، والعِشاءَ مَعَ المَغْرِبِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ في أوَّلِ وقْتِها، فَهو (p-٢٩٣)ثابِتٌ أيْضًا عَنْهُ ﷺ وإنْ أنْكَرَهُ مَن أنْكَرَهُ مِنَ العُلَماءِ، وحاوَلَ تَضْعِيفَ أحادِيثِهِ، فَقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ أحادِيثٌ مِنها ما هو صَحِيحٌ، ومِنها ما هو حَسَنٌ.
فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ الطَّوِيلِ في الحَجِّ «ثُمَّ أذَّنَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى العَصْرَ، ولَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُما شَيْئًا»، وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوالِ، فَهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ صَلّى العَصْرَ مُقَدَّمَةً مَعَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوالِ.
وَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ عَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”كانَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ إذا ارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أخَّرَ الظُّهْرَ حَتّى يَجْمَعَها إلى العَصْرِ يُصَلِّيهِما جَمِيعًا، وإذا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ سارَ، وكانَ إذا ارْتَحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أخَّرَ المَغْرِبَ حَتّى يُصَلِّيَها مَعَ العِشاءِ، وإذا ارْتَحَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشاءَ، فَصَلّاها مَعَ المَغْرِبِ»“، وإبْطالُ جَمْعِ التَّقْدِيمِ بِتَضْعِيفِ هَذا الحَدِيثِ، كَما حاوَلَهُ الحاكِمُ، وابْنُ حَزْمٍ لا عِبْرَةَ بِهِ لِما رَأيْتَ آنِفًا مِن أنَّ جَمْعَ التَّقْدِيمِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ الطَّوِيلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ في السَّفَرِ إذا زاغَتِ الشَّمْسُ في مَنزِلِهِ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ قَبْلَ أنْ يَرْكَبَ، فَإذا لَمْ تَزِغْ لَهُ في مَنزِلِهِ سارَ حَتّى إذا حانَتِ العَصْرُ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وإذا حانَتِ المَغْرِبُ في مَنزِلِهِ جَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ العِشاءِ، وإذا لَمْ تَحِنْ في مَنزِلِهِ رَكِبَ حَتّى إذا كانَتِ العِشاءُ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُما» رَواهُ أحْمَدُ، ورَواهُ الشّافِعِيُّ في مَسْنَدِهِ بِنَحْوِهِ، وقالَ فِيهِ: «إذا سارَ قَبْلَ أنْ تَزُولَ الشَّمْسُ أخَّرَ الظُّهْرَ حَتّى يَجْمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ العَصْرِ في وقْتِ العَصْرِ» ورَواهُ البَيْهَقِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، ورُوِيَ عَنِ التِّرْمِذِيِّ أنَّهُ حَسَّنَهُ.
فَإنْ قِيلَ: حَدِيثُ مُعاذٍ مَعْلُولٌ بِتَفَرُّدِ قُتَيْبَةَ فِيهِ، عَنِ الحُفّاظِ، وبِأنَّهُ مُعَنْعَنٌ بِيَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، ولا يُعْرَفُ لَهُ مِنهُ سَماعٌ، كَما قالَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وبِأنَّ في إسْنادِهِ أبا الطُّفَيْلِ وهو مَقْدُوحٌ فِيهِ بِأنَّهُ كانَ حامِلُ رايَةِ المُخْتارِ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ، وهو يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ، وبِأنَّ الحاكِمَ قالَ: هو مَوْضُوعٌ، وبِأنَّ أبا داوُدَ قالَ: لَيْسَ في جَمْعِ التَّقْدِيمِ حَدِيثٌ قائِمٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ في إسْنادِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وهو ضَعِيفٌ، فالجَوابُ أنَّ إعْلالَهُ بِتَفَرُّدِ قُتَيْبَةَ بِهِ مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالمَكانَةِ المَعْرُوفَةِ لَهُ مِنَ العَدالَةِ (p-٢٩٤)والضَّبْطِ والإتْقانِ، وهَذا الَّذِي رَواهُ لَمْ يُخالِفْ فِيهِ غَيْرَهُ، بَلْ زادَ ما لَمْ يُذَكُرْهُ غَيْرُهُ، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الحَدِيثِ أنَّ زِياداتِ العُدُولِ مَقْبُولَةٌ لا سِيَّما وهَذِهِ الزِّيادَةُ الَّتِي هي جَمْعُ التَّقْدِيمِ، تَقَدَّمَ ثُبُوتُها في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ أيْضًا أنَّها صَحَّتْ مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ بَلْ تابَعَهُ فِيهِ المُفَضَّلُ بْنُ فَضالَةَ، قالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”زادِ المَعادِ“ ما نَصُّهُ: فَإنَّ أبا داوُدَ رَواهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيِّ، حَدَّثْنا المُفَضَّلُ بْنُ فَضالَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ هِشامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعاذٍ فَذَكَرَهُ، فَهَذا المُفَضَّلُ قَدْ تابَعَ قُتَيْبَةَ، وإنْ كانَ قُتَيْبَةُ أجَلَّ مِنَ المُفَضَّلِ، وأحْفَظُ لَكِنْ زالَ تَفَرُّدُ قُتَيْبَةُ بِهِ اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَرَواهُ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أنْبَأنا أبُو بَكْرِ بْنُ داسَةَ، حَدَّثَنا أبُو داوُدَ، ثُمَّ ساقَ السَّنَدَ المُتَقَدِّمَ آنِفًا، أعْنِي سَنَدَ أبِي داوُدَ الَّذِي ساقَهُ ابْنُ القَيِّمِ، والمَتْنُ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ، وكَذَلِكَ رَواهُ النَّسائِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ، كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“، فاتَّضَحَ أنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهَذا الحَدِيثِ؛ لِأنَّ أبا داوُدَ والنَّسائِيَّ والدّارَقُطْنِيَّ والبَيْهَقِيَّ، أخْرَجُوهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى مُتابَعَةً لِرِوايَةِ قُتَيْبَةَ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّخْلِيصِ“: إنَّ في سَنَدِ هَذِهِ الطَّرِيقِ هِشامُ بْنُ سَعْدٍ وهو لَيِّنُ الحَدِيثِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: هِشامُ بْنُ سَعْدٍ المَذْكُورُ مِن رِجالِ مُسْلِمٍ وأخْرَجَ لَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا وبِهِ تَعْلَمُ صِحَّةَ طَرِيقِ المُفَضَّلِ المُتابِعَةِ لِطَرِيقِ قُتَيْبَةَ، ولِذا قالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ قالَ الشَّيْخُ، وإنَّما أنْكَرُوا مِن هَذا رِوايَةَ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، فَأمّا رِوايَةُ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، فَهي مَحْفُوظَةٌ صَحِيحَةٌ، واعْلَمْ أنَّهُ لا يَخْفى أنَّ ما يُرْوى عَنِ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن أنَّهُ سَألَ قُتَيْبَةَ عَمَّنْ كَتَبَ مَعَهُ هَذا الحَدِيثَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فَقالَ: كَتَبَهُ مَعِي خالِدٌ المَدائِنِيُّ، فَقالَ البُخارِيُّ: كانَ خالِدٌ المَدائِنِيُّ يُدْخِلُ عَلى الشُّيُوخِ يَعْنِي، يُدْخِلُ في رِوايَتِهِمْ ما لَيْسَ مِنها، أنَّهُ لا يَظْهَرُ كَوْنُهُ قادِحًا في رِوايَةِ قُتَيْبَةَ؛ لِأنَّ العَدْلَ الضّابِطَ لا يَضُرُّهُ أخْذُ آلافِ الكَذّابِينَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُحَدِّثُ بِما عَلِمَهُ ولا يَضُرُّهُ كَذِبُ غَيْرِهِ كَما هو ظاهِرٌ.
والجَوابُ عَمّا قالَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِن أنَّهُ مُعَنْعَنٌ بِيَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ ولا (p-٢٩٥)يُعْرَفُ لَهُ مِنهُ سَماعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ العَنْعَنَةَ ونَحْوَها لَها حُكْمُ التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ عِنْدَ المُحْدِّثِينَ إلّا إذا كانَ المُعَنْعِنُ مُدَلِّسًا، ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: قالَ فِيهِ الذَّهَبِيُّ في ”تَذْكِرَةِ الحُفّاظِ“ كانَ حُجَّةً حافِظًا لِلْحَدِيثِ وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ مَن رَوى عَنْهم أبا الطُّفَيْلِ المَذْكُورَ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: ثِقَةٌ فَقِيهٌ، وكانَ يُرْسِلُ ومَعْلُومٌ أنَّ الإرْسالَ غَيْرُ التَّدْلِيسِ؛ لِأنَّ الإرْسالَ في اصْطِلاحِ المُحْدِّثِينَ هو رَفْعُ التّابِعِيِّ مُطْلَقًا أوِ الكَبِيرِ خاصَّةً الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقِيلَ إسْقاطُ راوٍ مُطْلَقًا، وهو قَوْلُ الأُصُولِيِّينَ فالإرْسالُ مَقْطُوعٌ فِيهِ بِحَذْفِ الواسِطَةِ بِخِلافِ التَّدْلِيسِ، فَإنَّ تَدْلِيسَ الإسْنادِ يَحْذِفُ فِيهِ الرّاوِي شَيْخَهُ المُباشِرَ لَهُ ويُسْنِدُ إلى شَيْخِ شَيْخِهِ المُعاصِرِ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ لِلسَّماعِ مُباشَرَةً وبِواسِطَةٍ، نَحْوَ عَنْ فُلانٍ وقالَ فُلانٌ فَلا يَقْطَعُ فِيهِ بِنَفْيِ الواسِطَةِ بَلْ هو يُوهِمُ الِاتِّصالَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن مُعاصَرَةِ مَن أسْنَدَ إلَيْهِ أعْنِي: شَيْخَ شَيْخِهِ، وإلّا كانَ مُنْقَطِعًا كَما هو مَعْرُوفٌ في عُلُومِ الحَدِيثِ وقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ لَمْ يُعَرَفْ لَهُ مِنهُ سَماعٌ لَيْسَ بِقادِحٍ؛ لِأنَّ المُعاصَرَةَ تَكْفِي ولا يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ اللُّقِىِّ وأحْرى ثُبُوتُ السَّماعِ فَمُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ لا يَشْتَرِطُ في ”صَحِيحِهِ“ إلّا المُعاصَرَةَ فَلا يَشْتَرِطُ اللُّقِىَّ وأحْرى السَّماعُ وإنَّما اشْتَرَطَ اللُّقِىَّ البُخارِيُّ، قالَ العِراقِيُّ في ”ألْفِيَّتِهِ“: [ الرَّجَزُ ]
؎وَصَحَّحُوا وصْلَ مُعَنْعَنٍ سَلِمْ مِن دُلْسَةِ راوِيهِ واللِّقا عُلِمْ
؎وَبَعْضُهم حَكى بِذا إجْماعا ∗∗∗ ومُسْلِمٌ لَمْ يَشْرُطِ اجْتِماعا
لَكِنْ تَعاصَرُوا. . . إلَخْ
* *
وَبِالجُمْلَةِ فَلا يَخْفى إجْماعُ المُسْلِمِينَ عَلى صِحَّةِ أحادِيثِ مُسْلِمٍ مَعَ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ إلّا المُعاصَرَةَ وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ ابْنِ حَزْمٍ ومَن وافَقَهُ إنَّهُ لا تُعْرَفُ رِوايَةُ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ لا تَقْدَحُ في حَدِيثِهِ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ العَنْعَنَةَ مِن غَيْرِ المُدَلِّسِ لَها حُكْمُ التَّحْدِيثِ ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ ماتَ سَنَةَ ثَمانٍ وعِشْرِينَ بَعْدَ المِائَةِ، وقَدْ قارَبَ الثَّمانِينَ.
وَأبُو الطُّفَيْلِ وُلِدَ عامَ أُحُدٍ وماتَ سَنَةَ عَشْرٍ ومِائَةٍ عَلى الصَّحِيحِ، وبِهِ تَعَلَمُ أنَّهُ لا شَكَّ في مُعاصَرَتِهِما واجْتِماعِهِما في قَيْدِ الحَياةِ زَمَنًا طَوِيلًا، ولا غَرْوَ في حُكْمِ ابْنِ حَزْمٍ عَلى رِوايَةِ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ بِأنَّها باطِلَةٌ، فَإنَّهُ قَدِ ارْتَكَبَ أشَدَّ مِن ذَلِكَ في حُكْمِهِ عَلى الحَدِيثِ الثّابِتِ في ”صَحِيحِ البُخارِيِّ“: «لَيَكُونَنَّ في أُمَّتِي أقْوامٌ (p-٢٩٦)يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ والخَمْرَ والمَعازِفَ»، بِأنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ ولا يُحْتَجُّ بِهِ بِسَبَبِ أنَّ البُخارِيَّ قالَ في أوَّلِ الإسْنادِ قالَ: هِشامُ بْنُ عَمّارٍ ومَعْلُومٌ أنَّ هِشامَ بْنَ عَمّارٍ مِن شُيُوخِ البُخارِيِّ وأنَّ البُخارِيَّ بَعِيدٌ جِدًّا مِنَ التَّدْلِيسِ وإلى رَدِّ هَذا عَلى ابْنِ حَزْمٍ أشارَ العِراقِيُّ في ”ألْفِيَّتِهِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَإنْ يَكُنْ أوَّلُ الِاسْنادِ حُذِفْ مَعْ صِيغَةِ الجَزْمِ فَتَعْلِيقًا عُرِفْ
؎وَلَوْ إلى آخِرِهِ أمّا الَّذِي ∗∗∗ لِشَيْخِهِ عَزا بِقالَ فَكَذِي
؎عَنْعَنَةٌ كَخَبَرِ المَعازِفِ ∗∗∗ لا تُصْغِ لِابْنِ حَزْمٍ المُخالِفِ
مَعَ أنَّ المَشْهُورَ عَنْ مالِكٍ وأحْمَدَ وأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ الِاحْتِجاجُ بِالمُرْسَلِ، والمُرْسَلُ في اصْطِلاحِ أهْلِ الأُصُولِ ما سَقَطَ مِنهُ راوٍ مُطْلَقًا، فَهو بِالِاصْطِلاحِ الأُصُولِيِّ يَشْمَلُ المُنْقَطِعَ والمُعْضَلَ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ يَحْتَجُّ بِعَنْعَنَةِ المُدَلِّسِ مِن بابِ أوْلى كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ وهو واضِحٌ، والجَوابُ عَنِ القَدْحِ في أبِي الطُّفَيْلِ بِأنَّهُ كانَ حامِلُ رايَةِ المُخْتارِ مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّ أبا الطُّفَيْلِ صَحابِيٌّ وهو آخِرُ مَن ماتَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما قالَهُ مُسْلِمٌ وعَقَدَهُ ناظِمُ ”عَمُودِ النَّسَبِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
آخِرُ مَن ماتَ مِنَ الأصْحابِ لَهْ أبُو الطُّفَيْلِ عامِرُ بْنُ واثِلَهْ
وَأبُو الطُّفَيْلِ هَذا هو عامِرُ بْنُ واثِلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَحْشٍ اللَّيْثِيِّ نِسْبَةً إلى لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ، والصَّحابَةُ كُلُّهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عُدُولٌ وقَدْ جاءَتْ تَزْكِيَتُهم في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ والحُكْمُ لِجَمِيعِ الصَّحابَةِ بِالعَدالَةِ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ وهو الحَقُّ وقالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]
؎وَغَيْرُهُ رِوايَةٌ والصَّحْبُ ∗∗∗ تَعْدِيلُهم كُلٌّ إلَيْهِ يَصْبُو
؎واخْتارَ في المُلازِمِينَ دُونَ مَن ∗∗∗ رَآهُ مَرَّةً إمامٌ مُؤْتَمَن
الوَجْهُ الثّانِي: هو ما ذَكَرَهُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ وهو أنَّ أبا الطُّفَيْلِ إنَّما خَرَجَ مَعَ المُخْتارِ عَلى قاتِلِي الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مِنَ المُخْتارِ إيمانَهُ بِالرَّجْعَةِ، والجَوابُ عَنْ قَوْلِ الحاكِمِ إنَّهُ مَوْضُوعٌ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ هو ثابِتٌ ولَيْسَ بِمَوْضُوعٍ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وحُكْمُهُ بِالوَضْعِ عَلى هَذا الحَدِيثِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، يَعْنِي: الحاكِمَ، (p-٢٩٧)وَقالَ ابْنُ القَيِّمِ أيْضًا في ”زادِ المَعادِ“: قالَ الحاكِمُ هَذا الحَدِيثُ مَوْضُوعٌ وإسْنادُهُ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ لَكِنْ رُمِيَ بِعِلَّةٍ عَجِيبَةٍ، قالَ الحاكِمُ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ بالَوَيْهِ، حَدَّثَنا مُوسى بْنُ هارُونَ، حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ إلى أنْ قالَ: وإذا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سارَ» الحَدِيثَ.
قالَ الحاكِمُ: هَذا الحَدِيثُ رُواتُهُ أئِمَّةٌ ثِقاتٌ، وهو شاذُّ الإسْنادِ والمَتْنِ ثُمَّ لا نَعْرِفْ لَهُ عِلَّةً نُعِلُّهُ بِها فَلَوْ كانَ الحَدِيثُ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ لَعَلَّلْنا بِهِ الحَدِيثَ، ولَوْ كانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ لَعَلَّلْنا بِهِ، فَلَمّا لَمَّ نَجِدْ لَهُ العِلَّتَيْنِ خَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ مَعْلُولًا، ثُمَّ نَظَرْنا فَلَمْ نَجِدْ لِيَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ رِوايَةً، ولا وجَدْنا هَذا المَتْنَ بِهَذِهِ السِّياقَةِ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِ أبِي الطُّفَيْلِ ولا عَنْ أحَدٍ مِمَّنْ رَوى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ غَيْرِ أبِي الطُّفَيْلِ، فَقُلْنا: الحَدِيثُ شاذٌّ، وقَدْ حَدَّثُوا عَنْ أبِي العَبّاسِ الثَّقَفِيِّ قالَ: كانَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ يَقُولُ: لَنا عَلى هَذا الحَدِيثِ عَلامَةُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وعَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ، ويَحْيى بْنِ مَعِينٍ، وأبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ، وأبِي خَيْثَمَةَ، حَتّى عَدَّ قُتَيْبَةَ سَبْعَةً مِن أئِمَّةِ الحَدِيثِ كَتَبُوا عَنْهُ هَذا الحَدِيثَ، وأئِمَّةُ الحَدِيثِ إنَّما سَمِعُوهُ مِن قُتَيْبَةَ تَعْجُّبًا مِن إسْنادِهِ ومَتْنِهِ، ثُمَّ لَمْ يَبْلُغْنا عَنْ أحَدٍ مِنهم أنَّهُ ذَكَرَ لِلْحَدِيثِ عِلَّةً ثُمَّ قالَ: فَنَظَرْنا فَإذا بِالحَدِيثِ مَوْضُوعٌ، وقُتَيْبَةُ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ. اهـ. مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ لا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنَ المَعْنى. وانْظُرْهُ فَإنَّ قَوْلَهُ ولَوْ كانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ لَعَلَّلْنا بِهِ فِيهِ أنَّ سَنَدَهُ الَّذِي ساقَ فِيهِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ.
وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ حُكْمَ الحاكِمِ عَلى هَذا الحَدِيثِ بِأنَّهُ مَوْضُوعٌ لا وجْهَ لَهُ أمّا رِجالُ إسْنادِهِ فَهم ثِقاتٌ بِاعْتِرافِهِ هو، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ أنَّ قُتَيْبَةَ تابَعَهُ فِيهِ المُفَضَّلُ بْنُ فَضالَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ والبَيْهَقِيِّ والدّارَقُطْنِيِّ، وانْفِرادُ الثِّقَةِ الضّابِطِ بِما لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ لا يُعَدُّ شُذُوذًا، وكَمْ مِن حَدِيثٍ صَحِيحٍ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ وغَيْرِهِما انْفَرَدَ بِهِ عَدْلٌ ضابِطٌ عَنْ غَيْرِهِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ، وأمّا مَتْنُهُ فَهو بَعِيدٌ مِنَ الشُّذُوذِ أيْضًا.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مِثْلَهُ رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وصَحَّ أيْضًا مِثْلُهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وقَدْ رَوى إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ حَدَّثَنا شَبابَةُ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ (p-٢٩٨)عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ إذا كانَ في سَفَرٍ فَزالَتِ الشَّمْسُ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ ثُمَّ ارْتَحَلَ» وهَذا إسْنادٌ كَما تَرى. وشَبابَةُ هو شَبابَةُ بْنُ سَوّارٍ الثِّقَةُ المُتَّفَقُ عَلى الِاحْتِجاجِ بِحَدِيثِهِ وقَدْ رَوى لَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“، فَهَذا الإسْنادُ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. اهـ. مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ إسْحاقَ هَذا ما نَصُّهُ: وأُعِلَّ بِتَفَرُّدِ إسْحاقَ بِهِ عَنْ شَبابَةَ ثُمَّ تَفَرُّدِ جَعْفَرٍ الفِرْيابِيِّ بِهِ عَنْ إسْحاقَ ولَيْسَ ذَلِكَ بِقادِحٍ، فَإنَّهُما إمامانِ حافِظانِ. اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَرَوى الحاكِمُ في ”الأرْبَعِينَ“ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ إسْحاقَ المَذْكُورِ ونَحْوَهُ لِأبِي نُعَيْمٍ في ”مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ“، قالَ الحافِظُ في ”بُلُوغُ المَرامِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ أنَسٍ المُتَّفَقَ عَلَيْهِ ما نَصُّهُ: وفي رِوايَةٍ لِلْحاكِمِ في ”الأرْبَعِينَ“ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ «صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ»، ولِأبِي نُعَيْمٍ في مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ: «كانَ إذا كانَ في سَفَرٍ فَزالَتِ الشَّمْسُ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ ارْتَحَلَ» .
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”تَلْخِيصِ الحَبِيرِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ الحاكِمِ المَذْكُورِ بِسَنَدِهِ ومَتْنِهِ ما نَصُّهُ: وهي زِيادَةٌ غَرِيبَةٌ صَحِيحَةُ الإسْنادِ وقَدْ صَحَّحَهُ المُنْذِرِيُّ مِن هَذا الوَجْهِ والعَلائِيُّ، وتَعَجَّبَ مِن كَوْنِ الحاكِمِ لَمْ يُورِدْهُ في ”المُسْتَدْرَكِ“، قالَ: ولَهُ طَرِيقٌ أُخْرى رَواها الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، ثُمَّ ساقَ الحَدِيثَ بِها وقالَ: تَفَرَّدَ بِهِ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ ولا يَقْدَحُ في رِوايَةِ الحاكِمِ هَذِهِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“ مِن أنَّ البَيْهَقِيَّ ساقَ سَنَدَ الحاكِمِ المَذْكُورَ ثُمَّ ذَكَرَ المَتْنَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ زِيادَةَ جَمْعِ التَّقْدِيمِ لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ وزِيادَةُ العُدُولِ مَقْبُولَةٌ كَما تَقَدَّمَ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ مُعاذٍ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ ما نَصُّهُ: رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ: هو مَحْفُوظٌ صَحِيحٌ، وعَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كانَ في سَفَرٍ فَزالَتِ الشَّمْسُ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ ارْتَحَلَ»، رَواهُ الإسْماعِيلِيُّ والبَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ.
قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في ”الأسالِيبِ“: في ثُبُوتِ الجَمْعِ أخْبارٌ صَحِيحَةٌ هي نُصُوصٌ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها تَأْوِيلٌ ودَلِيلُهُ في المَعْنى الِاسْتِنْباطُ مِن صُورَةِ الإجْماعِ وهي الجَمْعُ بِعَرَفاتٍ ومُزْدَلِفَةَ، إذْ لا يَخْفى أنَّ سَبَبَهُ احْتِياجُ الحُجّاجِ إلَيْهِ لِاشْتِغالِهِمْ (p-٢٩٩)بِمَناسِكِهِمْ، وهَذا المَعْنى مَوْجُودٌ في كُلِّ الأسْفارِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences