Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:118–128
4:118Page 97
لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨
Whom Allāh has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.
(p-٣٠٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، بَيَّنَ هُنا فِيما ذُكِرَ عَنِ الشَّيْطانِ كَيْفِيَّةَ اتِّخاذِهِ لِهَذا النَّصِيبِ المَفْرُوضِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، والمُرادُ بِتَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ شَقُّ أُذُنِ البَحِيرَةِ مَثَلًا وقَطْعُها لِيَكُونَ ذَلِكَ سِمَةٌ وعَلامَةٌ لِكَوْنِها بَحِيرَةً أوْ سائِبَةً، كَما قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقَدْ أبْطَلَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٠٣]، والمُرادُ بِبَحْرِها شَقُّ أُذُنِها كَما ذَكَرْنا، والتَّبْتِيكُ في اللُّغَةِ: التَّقْطِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: [ البَسِيطُ ]
؎حَتّى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الوَلِيدِ لَها طارَتْ وفي كَفِّهِ مِن رِيشِها بِتَكُ
أيْ: قِطَعٌ، كَما بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ اتِّخاذِهِ لِهَذا النَّصِيبِ المَفْرُوضِ في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٦٢]، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ هَذا الظَّنُّ الَّذِي ظَنَّهُ إبْلِيسُ بِبَنِي آدَمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ مِنهم نَصِيبًا مَفْرُوضًا وأنَّهُ يُضِلُّهم تَحَقَّقَ لِإبْلِيسَ أوْ لا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ ظَنَّهُ هَذا تَحَقَّقَ لَهُ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٠]، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا الفَرِيقَ السّالِمَ مِن كَوْنِهِ مِن نَصِيبِ إبْلِيسَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ نُصِيبُ إبْلِيسَ هَذا هو الأكْثَرُ أوْ لا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ هو الأكْثَرُ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [النحل: ١١٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ نَصِيبَ الجَنَّةِ واحِدٌ مِنَ الألْفِ والباقِي في النّارِ.
4:119Page 97
وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩
And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allāh." And whoever takes Satan as an ally instead of Allāh has certainly sustained a clear loss.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الشَّيْطانَ يَأْمُرُهم بِالكُفْرِ وتَغْيِيِرِ فِطْرَةِ (p-٣٠٩)الإسْلامِ الَّتِي خَلَقَهُمُ اللَّهُ عَلَيْها، وهَذا القَوْلُ يُبَيِّنُهُ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، إذِ المَعْنى عَلى التَّحْقِيقِ لا تُبَدِّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَكم عَلَيْها بِالكُفْرِ. فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الإنْشاءُ إيذانًا بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي إلّا أنْ يَمْتَثِلَ، حَتّى كَأنَّهُ خَبَرٌ واقِعٌ بِالفِعْلِ لا مَحالَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٧]، أيْ: لا تَرْفُثُوا، ولا تَفْسُقُوا، ويَشْهَدُ لِهَذا ما ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمَجِّسانِهِ، كَما تُولَدُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تَجِدُونَ فِيها مِن جَدْعاءَ»، وما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارِ بْنِ أبِي حِمارٍ التَّمِيمِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِّي خَلَقْتُ عِبادِيَ حُنَفاءَ فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم» .
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ في الآيَةِ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ خِصاءُ الدَّوابِّ، والقَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ الوَشْمُ، فَلا بَيانَ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، وبِكُلٍّ مِنَ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: وتَفْسِيرُ بَعْضِ العُلَماءِ لِهَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ المُرادَ بِها خِصاءُ الدَّوابِّ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ جَوازِهِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ واتِّباعِ تَشْرِيعِ الشَّيْطانِ، أمّا خِصاءُ بَنِي آدَمَ فَهو حَرامٌ إجْماعًا؛ لِأنَّهُ مُثْلَةٌ وتَعْذِيبٌ وقَطْعُ عُضْوٍ، وقَطْعُ نَسْلٍ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ.
وَأمّا خِصاءُ البَهائِمِ فَرَخَّصَ فِيهِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إذا قُصِدَتْ بِهِ المَنفَعَةُ إمّا لِسِمَنٍ أوْ غَيْرِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يُضَحّى بِالخَصِيِّ، واسْتَحْسَنَهُ بَعْضُهم إذا كانَ أسْمَنُ مِن غَيْرِهِ، ورَخَّصَ في خِصاءِ الخَيْلِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وخَصى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بَغْلًا لَهُ، ورَخَّصَ مالِكٌ في خِصاءِ ذُكُورِ الغَنَمِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبَ إلى غَيْرِ اللَّهِ، وإنَّما يُقْصَدُ بِهِ تَطْيِيبُ لَحْمِ ما يُؤْكَلُ وتَقْوِيَةُ الذَّكَرِ إذا انْقَطَعَ أمَلُهُ عَنِ الأُنْثى، ومِنهم مَن كَرِهَ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «”إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ“ .» قالَهُ القُرْطُبِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ ثابِتٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وكانَ يَقُولُ هو: نَماءُ خَلْقِ اللَّهِ، وكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ.
وَقالَ الأوْزاعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ خِصاءَ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ نَسْلٌ.
(p-٣١٠)وَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وفِيهِ حَدِيثانِ:
أحَدُهُما: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنْ خِصاءِ الغَنَمِ والبَقَرِ والإبِلِ والخَيْلِ» .
والآخَرُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنْ صَبْرِ الرُّوحِ وخِصاءِ البَهائِمِ»، والَّذِي في ”المُوَطَّأِ“ مِن هَذا البابِ ما ذَكَرَهُ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ الإخْصاءَ، ويَقُولُ: فِيهِ تَمامُ الخَلْقِ.
قالَ أبُو عُمَرَ، يَعْنِي في تَرْكِ الإخْصاءِ: تَمامُ الخَلْقِ، ورُوِيَ نَماءُ الخَلْقِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: بَعْدَ أنْ ساقَ هَذا الكَلامَ الَّذِي ذَكَرْنا: قُلْتُ: أسْنَدَ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الغَنِيِّ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ إسْماعِيلَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا تَخْصُوا ما يُنَمِّي خَلْقَ اللَّهِ» رَواهُ عَنِ الدّارَقُطْنِيِّ شَيْخُهُ قالَ: حَدَّثَنا عَبّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا قُرادٌ، حَدَّثَنا أبُو مالِكٍ النَّخَعِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ إسْماعِيلَ فَذَكَرَهُ.
قالَ الدّارَقُطْنِيُّ: ورَواهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمانِ عَنْ أبِي مالِكٍ. اهـ مِنَ القُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ، وكَذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ الوَشْمُ، فَهو يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الوَشْمَ حَرامٌ.
وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والنّامِصاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ قالَ: ألا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المُرادُ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأحْجارَ والنّارَ وغَيْرَها مِنَ المَخْلُوقاتِ لِلِاعْتِبارِ ولِلِانْتِفاعِ بِها، فَغَيَّرَها الكَفّارُ بِأنْ جَعَلُوها آلِهَةً مَعْبُودَةً.
وَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأنْعامَ لِتُرْكَبَ وتُؤْكَلَ، فَحَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ وجَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والحِجارَةَ مُسَخَّرَةً لِلنّاسِ، فَجَعَلُوها آلِهَةً يَعْبُدُونَها، فَقَدْ غَيَّرُوا ما خَلَقَ اللَّهُ.
(p-٣١١)وَما رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن أنَّهُ كانَ لا يَحْضُرُ نِكاحَ سَوْداءَ بِأبْيَضَ ولا بَيْضاءَ بِأسْوَدَ، ويَقُولُ: هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١١٩]، فَهو مَرْدُودٌ بِأنَّ اللَّفْظَ وإنْ كانَ يَحْتَمِلُهُ، فَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ بِالآيَةِ فَمِن ذَلِكَ إنْفاذُهُ ﷺ نِكاحَ مَوْلاهُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكانَ أبْيَضَ بِظِئْرِهِ بَرَكَةَ أُمِّ أُسامَةَ، وكانَتْ حَبَشِيَّةً سَوْداءَ، ومِن ذَلِكَ إنْكاحُهُ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وكانَتْ بَيْضاءَ قُرَشِيَّةً وأُسامَةُ أسْوَدَ، وكانَتْ تَحْتَ بِلالٍ أُخْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلابٍ، وقَدْ سَها طاوُسٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ عِلْمِهِ وجَلالَتِهِ عَنْ هَذا.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: ويُشْبِهُ قَوْلُ طاوُسٍ هَذا في هَذِهِ الآيَةِ ما قالَ بَعْضُ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ مِن أنَّ السَّوْداءَ تُزَوَّجُ بِوِلايَةِ المُسْلِمِينَ العامَّةِ بِناءً عَلى أنَّ مالِكًا يُجِيزُ تَزْوِيجَ الدَّنِيَّةِ بِوِلايَةٍ عامَّةٍ مُسْلِمًا إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولِيٌّ خاصٌّ مُجْبَرٌ. قالُوا: والسَّوْداءُ دَنِيَّةٌ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ السَّوادَ شَوَهٌ في الخِلْقَةِ وهَذا القَوْلُ مَرْدُودٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِنَ العُلَماءِ، والحَقُّ أنَّ السَّوْداءَ قَدْ تَكُونُ شَرِيفَةً، وقَدْ تَكُونُ جَمِيلَةً، وقَدْ قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: [ الوافِرُ ]
؎وَسَوْداءُ الأدِيمِ تُرِيكَ وجْهًا تَرى ماءَ النَّعِيمِ جَرى عَلَيْهِ
؎رَآها ناظِرِي فَرَنا إلَيْها ∗∗∗ وشَكْلُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ
وَقالَ آخَرُ: [ الوافِرُ ]
؎وَلِي حَبَشِيَّةٌ سَلَبَتْ فُؤادِي ∗∗∗ ونَفْسِي لا تَتُوقُ إلى سِواها
؎كَأنَّ شُرُوطَها طُرُقٌ ثَلاثٌ ∗∗∗ تَسِيرُ بِها النُّفُوسُ إلى هَواها
وَقالَ آخَرُ في سَوْداءَ: [ السَّرِيعُ ]
؎أشْبَهَكِ المِسْكُ وأشْبَهْتِهِ ∗∗∗ قائِمَةً في لَوْنِهِ قاعِدَهْ
؎لا شَكَّ إذْ لَوْنُكُما واحِدٌ ∗∗∗ أنَّكُما مِن طِينَةٍ واحِدَهْ
وَأمْثالُهُ في كَلامِ الأُدَباءِ كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ [النساء: ١١٩] يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْطِيعَ آذانِ الأنْعامِ لا يَجُوزُ وهو كَذَلِكَ. أمّا قَطْعُ أُذُنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ تَقَرُّبًا بِذَلِكَ لِلْأصْنامِ فَهو كُفْرٌ بِاللَّهِ إجْماعًا، وأمّا تَقْطِيعُ آذانِ البَهائِمِ لِغَيْرِ ذَلِكَ فالظّاهِرُ أيْضًا أنَّهُ لا يَجُوزُ، ولِذا «أمَرَنا ﷺ: ”أنْ نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ، والأُذُنَ، ولا نُضَحِّيَ بِعَوْراءَ، ولا مُقابَلَةٍ، ولا مُدابَرَةٍ، (p-٣١٢)وَلا خَرْقاءَ، ولا شَرْقاءَ“» . أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعِ، والبَزّارُ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وأعَلَّهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والمُقابَلَةُ المَقْطُوعَةُ طَرَفَ الأُذُنِ، والمُدابَرَةُ المَقْطُوعَةُ مُؤَخَّرَ الأُذُنِ، والشَّرْقاءُ مَشْقُوقَةُ الأُذُنِ طُولًا، والخَرْقاءُ الَّتِي خُرِقَتْ أُذُنُها خَرْقًا مُسْتَدِيرًا، فالعَيْبُ في الأُذُنِ مُراعًى عِنْدَ جَماعَةِ العُلَماءِ.
قالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: المَقْطُوعَةُ الأُذُنِ لا تُجْزِئُ، أوْ جُلِّ الأُذُنِ قالَهُ القُرْطُبِيُّ، والمَعْرُوفُ مِن مَشْهُورِ مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّ الَّذِي يَمْنَعُ الإجْزاءَ قَطْعُ ثُلُثِ الأُذُنِ فَما فَوْقَهُ لا ما دُونَهُ فَلا يَضُرُّ، وإنْ كانَتْ سَكّاءَ وهي الَّتِي خُلِقَتْ بِلا أُذُنٍ. فَقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: لا تُجْزِئُ، وإنْ كانَتْ صَغِيرَةَ الأُذُنِ أجْزَأتْ، ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ مَشْقُوقَةَ الأُذُنِ لِلْمَيْسَمِ أجَزَأتْ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وجَماعَةِ الفُقَهاءِ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
4:120Page 97
يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠
He [i.e., Satan] promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.
No commentary for this ayah
4:121Page 97
أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا ١٢١
The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.
No commentary for this ayah
4:122Page 98
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا ١٢٢
But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allāh, [which is] truth, and who is more truthful than Allāh in statement.
No commentary for this ayah
4:123Page 98
لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٢٣
It [i.e., Paradise] is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allāh a protector or a helper.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا مِن أمانِيهِمْ، ولا مِن أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى بَعْضِ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ في أمانِيِّ العَرَبِ الكاذِبَةِ: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]،
• وقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
• وقَوْلِهِ في أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٨]،
ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ وأهْلَ الكِتابِ تَفاخَرُوا، فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: نَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، فَنَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم، وقالَ المُسْلِمُونَ: نَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم، ونَبِيُّنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ، وكِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٣]، لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ
4:124Page 98
وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤
And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.
No commentary for this ayah
4:125Page 98
وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥
And who is better in religion than one who submits himself to Allāh while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allāh took Abraham as an intimate friend.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا أحَدَ أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ في حالِ كَوْنِهِ مُحْسِنًا؛ لِأنَّ اسْتِفْهامَ الإنْكارِ مُضَمَّنٌ مَعْنى النَّفْيِ، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَقَدِ (p-٣١٣)اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [لقمان: ٢٢]، ومَعْنى إسْلامِ وجْهِهِ لِلَّهِ إطاعَتُهُ وإذْعانُهُ، وانْقِيادُهُ لِلَّهِ تَعالى بِامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ في حالِ كَوْنِهِ مُحْسِنًا، أيْ: مُخْلِصًا عَمَلَهُ لِلَّهِ لا يُشْرِكُ فِيهِ بِهِ شَيْئًا مُراقِبًا فِيهِ لِلَّهِ كَأنَّهُ يَراهُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ يَراهُ فاللَّهُ تَعالى يَراهُ، والعَرَبُ تُطْلِقُ إسْلامَ الوَجْهِ، وتُرِيدُ بِهِ الإذْعانَ والِانْقِيادَ التّامَّ، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ العَدَوِيِّ: [ المُتَقارِبُ ]
؎وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا
؎وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالًا
4:126Page 98
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh, of all things, encompassing.
No commentary for this ayah
4:127Page 98
وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا ١٢٧
And they request from you, [O Muḥammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allāh gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them1 - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allāh is ever Knowing of it.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في الكِتابِ ما هو، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣]، كَما قَدَّمْناهُ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَما يُتْلى﴾ [النساء: ١٢٧] في مَحَلِّ رَفْعٍ مَعْطُوفًا عَلى الفاعِلِ الَّذِي هو لَفْظُ الجَلالَةِ، وتَقْرِيرُ المَعْنى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، أيْضًا: ما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ الآيَةَ، ومَضْمُونُ ما أفْتى بِهِ هَذا الَّذِي يُتْلى عَلَيْنا في الكِتابِ هو تَحْرِيمُ هَضْمِ حُقُوقِ اليَتِيماتِ فَمَن خافَ أنْ لا يُقْسِطَ في اليَتِيمَةِ الَّتِي في حِجْرِهِ فَيَتْرُكْها ولْيَنْكِحْ ما طابَ لَهُ سِواها، وهَذا هو التَّحْقِيقُ في مَعْنى الآيَةِ كَما قَدَّمْنا، وعَلَيْهِ فَحَرْفُ الجَرِّ المَحْذُوفُ في قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، هو عَنْ أيْ: تَرْغَبُونَ عَنْ نِكاحِهِنَّ لِقِلَّةِ مالِهِنَّ وجِمالِهِنَّ، أيْ: كَما أنَّكم تَرْغَبُونَ عَنْ نِكاحِهِنَّ إنْ كُنَّ قَلِيلاتِ مالٍ وجَمالٍ، فَلا يَحِلُّ لَكم نِكاحُهُنَّ إنْ كُنَّ ذَواتُ مالٍ وجِمالٍ إلّا بِالإقْساطِ إلَيْهِنَّ في حُقُوقِهِنَّ، كَما تَقَدَّمَ عَنْعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الحَرْفُ المَحْذُوفُ هو ”في“ أيْ: تَرْغَبُونَ في نِكاحِهِنَّ إنْ كُنَّ مُتَّصِفاتٍ بِالجَمالِ وكَثْرَةِ المالِ مَعَ أنَّكم لا تُقْسِطُونَ فِيهِنَّ، والَّذِينَ قالُوا بِالمَجازِ واخْتَلَفُوا في جَوازِ مَحَلِّ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ مَعًا أجازُوا ذَلِكَ في المَجازِ العَقْلِيِّ كَقَوْلِكَ: أغْنانِي زَيْدٌ وعَطاؤُهُ، فَإسْنادُ الإغْناءِ إلى زَيْدٍ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وإسْنادُهُ إلى العَطاءِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ فَجازَ جَمْعُها، وكَذَلِكَ إسْنادُ الإفْتاءِ إلى اللَّهِ حَقِيقِيٌّ، وإسْنادُهُ إلى ما يُتْلى (p-٣١٤)مَجازٌ عَقْلِيٌّ عِنْدَهم لِأنَّهُ سَبَبُهُ فَيَجُوزُ جَمْعُهُما.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ، وعَلَيْهِ فَتَقْرِيرُ المَعْنى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ ويُفْتِيكم فِيما يُتْلى عَلَيْكم، وهَذا الوَجْهُ يُضْعِفُهُ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الغالِبَ أنَّ اللَّهَ يُفْتِي بِما يُتْلى في هَذا الكِتابِ، ولا يُفْتِي فِيهِ لِظُهُورِ أمْرِهِ.
الثّانِي: أنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ المَخْفُوضِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الخافِضِ ضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، وأجازَهُابْنُ مالِكٍ مُسْتَدِلًّا بِقِراءَةِ حَمْزَةَ، والأرْحامَ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَساءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: ١]، وبِوُرُودِهِ في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: [ البَسِيطُ ]
؎فاليَوْمَ قَرَّبَتْ تَهْجُونا وتَشْتُمُنا فاذْهَبْ فَما بِكَ والأيّامِ مِن عَجَبِ
بِجَرِّ الأيّامِ عَطْفًا عَلى الكافِ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎نُعَلِّقُ في مِثْلِ السَّوارِي سُيُوفَنا ∗∗∗ وما بَيْنَها والكَعْبِ مَهْوى نَفانِفِ
بِجَرِّ الكَعْبِ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ قَبْلَهُ وقَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎وَقَدْ رامَ آفاقَ السَّماءِ فَلَمْ يَجِدْ ∗∗∗ لَهُ مِصْعَدًا فِيها ولا الأرْضُ مِقْعَدًا
فَقَوْلُهُ: ولا الأرْضُ بِالجَرِّ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ وقَوْلُ الآخَرِ: [ الوافِرُ ]
؎أمُرُّ عَلى الكَتِيبَةِ لَسْتُ أدْرِي ∗∗∗ أحَتْفِي كانَ فِيها أمْ سِواها
فَسِواها في مَحَلِّ جَرٍّ بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ.
وَأُجِيبَ عَنِ الآيَةِ بِجَوازِ كَوْنِها قَسَمًا، واللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، كَما أقْسَمَ بِمَخْلُوقاتِهِ كُلِّها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩]، وعَنِ الأبْياتِ بِأنَّها شُذُوذٌ يُحْفَظُ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ وصَحَّحَ ابْنُ القَيِّمِ جَوازَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَخْفُوضِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الخافِضِ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، فَقالَ إنَّ قَوْلَهُ: ومَن في مَحَلِّ جَرٍّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: حَسْبُكَ، وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾، (p-٣١٥)أيْ: كافِيكَ، وكافِي مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأجازَ ابْنُ القَيِّمِ والقُرْطُبِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾، أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا مَعْطُوفًا عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّ الكافَ مَخْفُوضٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎إذا كانَتِ الهَيْجاءُ وانْشَقَّتِ العَصا ∗∗∗ فَحَسْبُكَ والضَّحّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
بِنَصْبِ الضَّحّاكِ كَما ذَكَرْنا، وجَعَلَ بَعْضُ العُلَماءِ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠] فَقالَ: ومَن عَطْفٌ عَلى ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: لَكم وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلَيْهِ، وجَعَلْنا لَكم ولِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وكَذَلِكَ إعْرابُ وما يُتْلى بِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ خَبَرُهُ في الكِتابِ، وإعْرابُهُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ، ويُبَيِّنُ لَكم ما يُتْلى، وإعْرابُهُ مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ قَسَمٌ، كُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ ظاهِرٍ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ [النساء: ١٢٧]، آياتُ المَوارِيثِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ فاسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آياتِ المَوارِيثِ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ، فالمُبَيِّنُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ [النساء: ١١] . وقَوْلُهُ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أصَحُّ وأظْهَرُ.
تَنْبِيهٌ
المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنْ“ وصِلَتُها في قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، أصْلُهُ مَجْرُورٌ بِحَرْفٍ مَحْذُوفٍ، وقَدْ قَدَّمْنا الخِلافَ هَلْ هو ”عَنْ“، وهو الأظْهَرُ، أوْ هو ”في“ وبَعْدَ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ المَذْكُورِ فالمَصْدَرُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّحْقِيقِ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ والخَلِيلُ: وهو الأقْيَسُ لِضَعْفِ الجارِّ عَنِ العَمَلِ مَحْذُوفًا.
وَقالَ الأخْفَشُ: هو في مَحَلِّ جَرٍّ بِالحَرْفِ المَحْذُوفِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎وَما زُرْتُ لَيْلى أنْ تَكُونَ حَبِيبَةً ∗∗∗ إلَيَّ ولا دَيْنٍ بِها أنا طالِبُهُ
بِجَرِّ ”دَيْنٍ“ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ”أنْ تَكُونَ“ أيْ: لِكَوْنِها حَبِيبَةً ولا لِدَيْنٍ، ورَدَّ أهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ الِاحْتِجاجَ بِالبَيْتِ بِأنَّهُ مِن عَطْفِ التَّوَهُّمِ، كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: [ الطَّوِيلُ ](p-٣١٦)
؎بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقٌ شَيْئًا إذا كانَ جائِيًا
بِجَرِّ ”سابِقٍ“ لِتَوَهُّمِ دُخُولِ الباءِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هو خَبَرُ لَيْسَ، وقَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎مَشائِمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ∗∗∗ ولا ناعِبٍ إلّا بِبَيْنِ غُرابِها
واعْلَمْ أنَّ حَرْفَ الجَرِّ لا يَطَّرِدُ حَذْفُهُ إلّا في المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن، ”أنْ“، بِجَرِّ ”ناعِبٍ“ لِتَوَهُمِ الباءِ وأجازَ سِيبَوَيْهُ الوَجْهَيْنِ. وصِلَتُهُما عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلافًا لِعَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ القائِلِ بِأنَّهُ مُطَّرِدٌ في كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، وعَقَدَهُ ابْنُ مالِكٍ في ”الكافِيَةِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وابْنُ سُلَيْمانَ اطِّرادَهُ رَأى ∗∗∗ إنْ لَمْ يُخَفْ لَبْسٌ كَمَن زَيْدٌ نَأى
وَإذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مَعَ غَيْرِ ”أنْ“ وأنْ نَقْلًا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، وقِياسًا عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ في قَوْلِ الأخْفَشِ فالنَّصْبُ مُتَعَيَّنٌ، والنّاصِبُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ الفِعْلُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ نَزْعُ الخافِضِ كَقَوْلِهِ: [ الوافِرُ ]
؎تَمُرُّونَ الدِّيارَ ولَنْ تَعُوجُوا ∗∗∗ كَلامُكُمُ عَلَيَّ إذَنْ حَرامُ
وَبَقاؤُهُ مَجْرُورًا مَعَ حَذْفِ الحَرْفِ شاذٌّ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎إذا قِيلَ أيُّ النّاسِ شَرٌّ قَبِيلَةً ∗∗∗ أشارَتْ كَلِيبٍ بِالأكُفِّ الأصابِعِ
أيْ: أشارَتِ الأصابِعُ بِالأكُفِّ، أيْ: مَعَ الأكُفِّ إلى كُلَيْبٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ، القِسْطُ: العَدْلُ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا القِسْطَ الَّذِي أمَرَ بِهِ لِلْيَتامى، ولَكِنَّهُ أشارَ لَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]،
• وقَوْلِهِ: فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٧]،
ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَكُلُّ ذَلِكَ فِيهِ القِيامُ بِالقِسْطِ لِلْيَتامى.
4:128Page 99
وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٢٨
And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess.1 But if you do good and fear Allāh - then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الأنْفُسَ أُحْضِرَتِ الشُّحَّ، أيْ: جُعِلَ شَيْئًا حاضِرًا لَها كَأنَّهُ مُلازِمٌ لَها لا يُفارِقُها؛ لِأنَّها جُبِلَتْ عَلَيْهِ.
(p-٢١٧)وَأشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ أحَدٌ إلّا إذا وقاهُ اللَّهُ شُحَّ نَفْسِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّ مَن لَمْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ لَمْ يُفْلِحْ وهو كَذَلِكَ، وقَيَّدَهُ بَعْضُ العُلَماءِ بِالشُّحِّ المُؤَدِّي إلى مَنعِ الحُقُوقِ الَّتِي يَلْزَمُها الشَّرْعُ، أوْ تَقْتَضِيها المُرُوءَةُ، وإذا بَلَغَ الشُّحُّ إلى ذَلِكَ، فَهو بُخْلٌ وهو رَذِيلَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences