Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:24–31
4:24Page 82
۞ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٢٤
And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess.1 [This is] the decree of Allāh upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation2 as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ لَفْظَ المُحْصَناتِ أُطْلِقَ في القُرْآنِ ثَلاثَةَ إطْلاقاتٍ:
(p-٢٣٣)الأوَّلُ: المُحْصَناتُ العَفائِفُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] أيْ: عَفائِفَ غَيْرَ زانِياتِ.
الثّانِي: المُحْصَناتُ الحَرائِرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾، أيْ: عَلى الإماءِ نِصْفُ ما عَلى الحَرائِرِ مِنَ الجَلْدِ.
الثّالِثُ: أنْ يُرادَ بِالإحْصانِ التَّزَوُّجُ، ومِنهُ عَلى التَّحْقِيقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ الآيَةَ، أيْ: فَإذا تَزَوَّجْنَ. وقَوْلُ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ المُرادَ بِالإحْصانِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ الإسْلامُ خِلافَ الظّاهِرِ مِن سِياقِ الآيَةِ؛ لِأنَّ سِياقَ الآيَةِ في الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ حَيْثُ قالَ: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ الآيَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ: والأظْهَرُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ المُرادَ بِالإحْصانِ هاهُنا التَّزْوِيجُ؛ لِأنَّ سِياقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾، واللَّهِ أعْلَمُ. والآيَةُ الكَرِيمَةُ سِياقُها في الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ أيْ: تَزَوَّجْنَ كَما فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ، أوْجُهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ هي أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ، والقُرْآنُ يُفْهَمُ مِنهُ تَرْجِيحُ واحِدٍ مُعَيَّنٍ مِنها.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ هُنا أعَمُّ مِنَ العَفائِفِ والحَرائِرِ والمُتَزَوِّجاتِ أيْ: حَرُمَتْ عَلَيْكم جَمِيعُ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِعَقْدٍ صَحِيحٍ أوْ مِلْكٍ شَرْعِيٍّ بِالرِّقِّ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ تَحْرِيمُ النِّساءِ كُلُّهُنَّ إلّا بِنِكاحٍ صَحِيحٍ أوْ تَسَرٍّ شَرْعِيٍّ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ واخْتارَهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ في الآيَةِ الحَرائِرُ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الحَرائِرُ غَيْرُ الأرْبَعِ، وأُحِلَّ لَكم ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ الإماءِ، وعَلَيْهِ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ: المُتَزَوِّجاتُ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى الآيَةِ (p-٢٣٤)وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُتَزَوِّجاتُ؛ لِأنَّ ذاتَ الزَّوْجِ لا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِالسَّبْيِ مِنَ الكُفّارِ، فَإنَّ السَّبْيَ يَرْفَعُ حُكْمَ الزَّوْجِيَّةِ الأُولى في الكُفْرِ وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي يَدُلُّ القُرْآنُ لِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الأوَّلَ فِيهِ حَمْلُ مِلْكِ اليَمِينِ عَلى ما يَشْمَلُ مِلْكَ النِّكاحِ، ومِلْكُ اليَمِينِ لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ إلّا بِمَعْنى المِلْكِ بِالرِّقِّ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، في المَوْضِعَيْنِ، فَجَعَلَ مِلْكَ اليَمِينِ قِسْمًا آخَرَ غَيْرَ الزَّوْجِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣]،
فَهَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِما مَلَكَتْ أيْمانُكُمُ الإماءُ دُونَ المَنكُوحاتِ كَما هو ظاهِرٌ، وكَذَلِكَ الوَجْهُ الثّانِي غَيْرُ ظاهِرٍ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الحَرائِرُ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ مِن مَعْنى لَفْظِ الآيَةِ كَما تَرى.
وَصَرَّحَ ابْنُ القَيِّمِ بِأنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ لَفْظًا ومَعْنًى، فَظَهَرَ أنَّ سِياقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى المَعْنى الَّذِي اخْتَرْنا، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ الأُخَرُ الَّتِي ذَكَرْنا، ويُؤَيِّدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ؛ لِأنَّ سَبَبَ نُزُولِها كَما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ والإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أصَبْنا سَبْيًا مِن سَبْيِ أُوطاسٍ ولَهُنَّ أزْواجٌ فَكَرِهْنا أنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ ولَهُنَّ أزْواجٌ، فَسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فاسْتَحْلَلْنا فُرُوجَهُنَّ» .
وَرَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في سَبايا خَيْبَرَ، ونَظِيرُ هَذا التَّفْسِيرِ الصَّحِيحِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
[ الطَّوِيلِ ]
؎وَذاتُ حَلِيلٍ أنْكَحَتْها رِماحُنا حَلالٌ لِمَن يَبْنِي بِها لَمْ تُطَلَّقْ
* *
تَنْبِيهٌ
فَإنْ قِيلَ: عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾، لا يَخْتَصُّ بِالمَسْبِيّاتِ، بَلْ ظاهِرُ هَذا العُمُومِ أنَّ كُلَّ أمَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ إذا مَلَكَها رَجُلٌ آخَرُ فَهي تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ اليَمِينِ ويَرْتَفِعُ حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ بِذَلِكَ المِلْكِ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في خُصُوصِ المَسْبِيّاتِ كَما ذَكَرْنا، (p-٢٣٥)فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، فالجَوابُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ السَّلَفِ قالُوا بِظاهِرِ هَذا العُمُومِ، فَحَكَمُوا بِأنَّ بَيْعَ الأمَةِ مَثَلًا يَكُونُ طَلاقًا لَها مِن زَوْجِها أخْذًا بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ ومَعْمَرٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، ولَكِنَّ التَّحْقِيقَ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو ما ذَكَرْنا مِنِ اخْتِصاصِ هَذا الحُكْمِ بِالمَسْبِيّاتِ دُونَ غَيْرِها مِنَ المَمْلُوكاتِ بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ السَّبْيِ، كالبَيْعِ مَثَلًا ولَيْسَ مِن تَخْصِيصِ العامِّ بِصُورَةِ سَبَبِهِ. وأوْضَحُ دَلِيلٍ في ذَلِكَ قِصَّةُ بِرَيْرَةَ المَشْهُورَةُ مَعَ زَوْجِها مُغِيثٌ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ أقْوالَ الجَماعَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في أنَّ البَيْعَ طَلاقٌ، ما نَصُّهُ: وقَدْ خالَفَهُمُ الجُمْهُورُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، فَرَأوْا أنَّ بَيْعَ الأمَةِ لَيْسَ طَلاقًا لَها؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ نائِبٌ عَنِ البائِعِ، والبائِعُ كانَ قَدْ أخْرَجَ عَنْ مِلْكِهِ هَذِهِ المَنفَعَةَ، وباعِها مَسْلُوبَةً عَنْهُ، واعْتَمَدُوا في ذَلِكَ عَلى «حَدِيثِ بِرَيْرَةَ المُخَرَّجِ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ وغَيْرِهِما، فَإنَّ عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ اشْتَرَتْها، وأعْتَقَتْها ولَمْ يَنْفَسِخْ نِكاحُها مِن زَوْجِها مُغِيثٍ، بَلْ خَيَّرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الفَسْخِ والبَقاءِ، فاخْتارَتِ الفَسْخَ» وقِصَّتُها مَشْهُورَةٌ، فَلَوْ كانَ بَيْعُ الأمَةِ طَلاقَها كَما قالَ هَؤُلاءِ ما خَيَّرَها النَّبِيُّ ﷺ فَلَمّا خَيَّرَها دَلَّ عَلى بَقاءِ النِّكاحِ، وأنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ المَسْبِيّاتُ فَقَطْ، واللَّهُ أعْلَمُ. اهـ مِنهُ لَفْظُهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ المُشْتَرِي امْرَأةً لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكاحُ؛ لِأنَّها لا تَمْلِكُ الِاسْتِمْتاعَ بِبُضْعِ الأمَةِ، بِخِلافِ الرَّجُلِ، ومِلْكُ اليَمِينِ أقْوى مِن مِلْكِ النِّكاحِ، كَما قالَ بِهَذا جَماعَةٌ، ولا يَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ حَدِيثُ بِرَيْرَةَ، فالجَوابُ هو ما حَرَّرَهُ ابْنُ القَيِّمِ، وهو أنَّها إنْ لَمْ تَمْلِكِ الِاسْتِمْتاعَ بِبُضْعِ أمَتِها، فَهي تَمْلِكُ المُعاوَضَةَ عَلَيْهِ وتَزْوِيجَها وأخْذَ مَهْرِها، وذَلِكَ كَمِلْكِ الرَّجُلِ وإنْ لَمْ تَسْتَمْتِعْ بِالبُضْعِ، فَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ في مَعْنى الآيَةِ وحُرِّمَتْ عَلَيْكم المُحْصَناتُ أيْ: المُتَزَوِّجاتُ، إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِالسَّبْيِ مِنَ الكَفّارِ، فَلا مَنعَ في وطْئِهِنَّ بِمِلْكِ اليَمِينِ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ؛ لِانْهِدامِ الزَّوْجِيَّةِ الأُولى بِالسَّبْيِ كَما قَرَّرْنا، وكانَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ جُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مُتَزَوِّجَةً بِرَجُلٍ اسْمُهُ مُسافِعٌ، فَسُبِيَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ وقِصَّتُها مَعْرُوفَةٌ. قالَ ناظِمُ قُرَّةِ الأبْصارِ في جُوَيْرِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها:
[ الرَّجَزِ ]
؎وَقَدْ سَباها في غُزاةِ المُصْطَلِقِ مِن بَعْلِها مُسافِعٌ بِالمُنْزَلَقِ
وَمُرادُهُ بِالمُنْزَلَقِ السَّيْفُ، ثُمَّ إنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في السَّبْيِ، هَلْ يُبْطِلُ حُكْمَ الزَّوْجِيَّةِ (p-٢٣٦)الأُولى مُطْلَقًا ولَوْ سُبِيَ الزَّوْجُ مَعَها، وهو ظاهِرُ الآيَةِ أوْ لا يُبْطِلُهُ إلّا إذا سُبِيَتْ وحْدَها دُونَهُ ؟ فَإنْ سُبِيَ مَعَها فَحُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ باقٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وبَعْضِ أصْحابِ أحْمَدَ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي: كَما أنَّكم تَسْتَمْتِعُونَ بِالمَنكُوحاتِ فَأعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ، وهَذا المَعْنى تَدُلُّ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢١]، فَإفْضاءُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ المُصَرَّحُ بِأنَّهُ سَبَبٌ لِاسْتِحْقاقِ الصَّداقِ كامِلًا، هو بِعَيْنِهِ الِاسْتِمْتاعُ المَذْكُورُ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٩] . فالآيَةُ في عَقْدِ النِّكاحِ، لا في نِكاحِ المُتْعَةِ كَما قالَ بِهِ مَن لا يَعْلَمُ مَعْناها، فَإنْ قِيلَ: التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الأُجُورِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأُجْرَةُ في نِكاحِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّ الصَّداقَ لا يُسَمّى أجْرًا، فالجَوابُ أنَّ القُرْآنَ جاءَ في تَسْمِيَةِ الصَّداقِ أجْرًا في مَوْضِعٍ لا نِزاعَ فِيهِ؛ لِأنَّ الصَّداقَ لِما كانَ في مُقابَلَةِ الِاسْتِمْتاعِ بِالزَّوْجَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ الآيَةَ، صارَ لَهُ شَبَهٌ قَوِيٌّ بِأثْمانِ المَنافِعِ فَسُمِّيَ أجْرًا، وذَلِكَ المَوْضِعُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٥]، أيْ: مُهُورَهُنَّ بِلا نِزاعٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٥] .
أيْ: مُهُورَهُنَّ فاتَّضَحَ أنَّ الآيَةَ في النِّكاحِ لا في نِكاحِ المُتْعَةِ، فَإنْ قِيلَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ يَقْرَءُونَ: فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمّى، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ في نِكاحِ المُتْعَةِ، فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهم إلى أجَلٍ مُسَمّى لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا؛ لِإجْماعِ الصَّحابَةِ عَلى عَدَمِ كَتْبِهِ في المَصاحِفِ العُثْمانِيَّةِ، وأكْثَرُ الأُصُولِيِّينَ عَلى أنَّ ما قَرَأهُ الصَّحابِيُّ عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ، ولَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا لا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ باطِلٌ مِن أصْلِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَنْقُلْهُ إلّا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ فَبَطَلَ كَوْنُهُ قُرْآنًا ظَهَرَ بُطْلانُهُ مِن أصْلِهِ.
الثّانِي: أنّا لَوْ مَشَيْنا عَلى أنَّهُ يُحْتَجُّ بِهِ كالِاحْتِجاجِ بِخَبَرِ الآحادِ كَما قالَ بِهِ قَوْمٌ، أوْ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنهم لِلْآيَةِ بِذَلِكَ، فَهو مُعارَضٌ بِأقْوى مِنهُ؛ لِأنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى (p-٢٣٧)خِلافِهِ؛ ولِأنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ قاطِعَةٌ بِكَثْرَةٍ بِتَحْرِيمِ نِكاحِ المُتْعَةِ، وصَرَّحَ ﷺ بِأنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ دائِمٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، كَما ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ مِن «حَدِيثِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ غَزا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ إنِّي كُنْتُ أذِنْتُ لَكم في الِاسْتِمْتاعِ في النِّساءِ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ، ولا تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا“» .
وَفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ في حَجَّةِ الوَداعِ: ولا تَعارُضَ في ذَلِكَ؛ لِإمْكانِ أنَّهُ ﷺ قالَ ذَلِكَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وفي حَجَّةِ الوَداعِ أيْضًا والجَمْعُ واجِبٌ إذا أمْكَنَ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ وعُلُومِ الحَدِيثِ.
الثّالِثُ: أنا لَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى إباحَةِ نِكاحِ المُتْعَةِ فَإنَّ إباحَتَها مَنسُوخَةٌ كَما صَحَّ نَسْخُ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْها عَنْهُ ﷺ وقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ الأُولى يَوْمَ خَيْبَرَ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ، والآخِرَةُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نُسِخَتْ مَرَّةً واحِدَةً يَوْمَ الفَتْحِ، والَّذِي وقَعَ في خَيْبَرَ تَحْرِيمُ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ فَقَطْ، فَظَنَّ بَعْضُ الرُّواةِ أنَّ يَوْمَ خَيْبَرَ ظَرْفٌ أيْضًا لِتَحْرِيمِ المُتْعَةِ.
واخْتارَ هَذا القَوْلَ ابْنُ القَيِّمِ، ولَكِنْ بَعْضَ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، صَرِيحَةٌ في تَحْرِيمِ المُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ أيْضًا، فالظّاهِرُ أنَّها حُرِّمَتْ مَرَّتَيْنِ كَما جَزَمَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وصَحَّتِ الرِّوايَةُ بِهِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفَرْجِ عَنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ والسَّرِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، في المَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأنَّ المُبْتَغى وراءَ ذَلِكَ مِنَ العادِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٧] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ المُسْتَمْتِعَ بِها لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً ولا زَوْجَةً، فَمُبْتَغِيها إذَنْ مِنَ العادِينَ بِنَصِّ القُرْآنِ، أمّا كَوْنُها غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ فَواضِحٌ، وأمّا كَوْنُها غَيْرَ زَوْجَةٍ فَلِانْتِفاءِ لَوازِمِ الزَّوْجِيَّةِ عَنْها كالمِيراثِ، والعِدَّةِ، والطَّلاقِ، والنَّفَقَةِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَوَرِثَتْ واعْتَدَّتْ ووَقَعَ عَلَيْها الطَّلاقُ ووَجَبَتْ لَها النَّفَقَةُ، كَما هو ظاهِرٌ، فَهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي هي: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (p-٢٣٨)[المؤمنون: ٧٥ - ٢٩، ٣١]، صَرِيحَةٌ في مَنعِ الِاسْتِمْتاعِ بِالنِّساءِ الَّذِي نُسِخَ. وسِياقُ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ الآيَةَ في عَقْدِ النِّكاحِ كَما بَيَّنّا لا في نِكاحِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُحَرَّماتِ الَّتِي لا يَجُوزُ نِكاحُها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الخَ. . .
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ غَيْرَ تِلْكَ المُحَرَّماتِ حَلالٌ بِالنِّكاحِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن نَكَحْتُمْ مِنهُنَّ واسْتَمْتَعْتُمْ بِها يَلْزَمُكم أنْ تُعْطُوها مَهْرَها، مُرَتَّبًا لِذَلِكَ بِالفاءِ عَلى النِّكاحِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤]، كَما بَيَّناهُ واضِحًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
4:25Page 82
وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥
And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allāh is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation [i.e., mahr] according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears affliction [i.e., sin], but to be patient is better for you. And Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الأمَةَ لا يَجُوزُ نِكاحُها، ولَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلّا إذا كانَتْ مُؤْمِنَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فَمَفْهُومُ مُخالَفَتِهِ أنَّ غَيْرَ المُؤْمِناتِ مِنَ الإماءِ لا يَجُوزُ نِكاحُهُنَّ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذا المَفْهُومُ يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥]، فَإنَّ المُرادَ بِالمُحْصَناتِ فِيها الحَرائِرُ عَلى أحَدِ الأقْوالِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الإماءَ الكَوافِرَ لا يَحِلُّ نِكاحُهُنَّ ولَوْ كُنَّ كِتابِيّاتٍ، وخالَفَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَأجازَ نِكاحَ الأمَةِ الكافِرَةِ، وأجازَ نِكاحَ الإماءِ لِمَن عِنْدَهُ طَوْلٌ يَنْكِحُ بِهِ الحَرائِرَ؛ لِأنَّهُ لا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُ المُخالَفَةِ كَما عُرِفَ في أُصُولِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
أمّا وطْءُ الأمَةِ الكافِرَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَإنَّها إنْ كانَتْ كِتابِيَّةٌ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى إباحَةِ وطْئِها بِالمِلْكِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٦]، ولِجَوازِ نِكاحِ حَرائِرِهِمْ فَيَحِلُّ التَّسَرِّي بِالإماءِ مِنهم. وأمّا إنْ كانَتِ الأمَةُ المَمْلُوكَةُ لَهُ مَجُوسِيَّةً أوْ عابِدَةَ وثَنٍ مِمَّنْ لا يَحِلُّ نِكاحُ حَرائِرِهِمْ؛ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى مَنعِ وطْئِها بِمِلْكِ اليَمِينِ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وعَلَيْهِ جَماعَةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ وجُمْهُورُ العُلَماءِ، وما خالَفَهُ فَهو شُذُوذٌ لا يُعَدُّ خِلافًا، ولَمْ يَبْلُغْنا إباحَةُ ذَلِكَ إلّا عَنْ طاوُسٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِن جِهَةِ الدَّلِيلِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ جَوازُ وطْءِ الأمَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ وإنْ كانَتْ عابِدَةَ وثَنٍ أوْ مَجُوسِيَّةً؛ لِأنَّ أكْثَرَ السَّبايا في عَصْرِهِ ﷺ مِن (p-٢٣٩)كُفّارِ العَرَبِ وهم عَبَدَةُ أوْثانٍ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ حَرَّمَ وطْأهُنَّ بِالمِلْكِ لِكُفْرِهِنَّ ولَوْ كانَ حَرامًا لَبَيَّنَهُ، بَلْ قالَ ﷺ: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ، ولا غَيْرُ ذاتِ حَمْلٍ حَتّى تَحِيضَ حَيْضَةً»، ولَمْ يَقُلْ حَتّى يُسْلِمْنَ ولَوْ كانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَقالَهُ وقَدْ أخَذَ الصَّحابَةُ سَبايا فارِسَ وهُنَّ مَجُوسٌ، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُمُ اجْتَنَبُوهُنَّ حَتّى أسْلَمْنَ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”زادِ المَعادِ“ ما نَصُّهُ: ودَلَّ هَذا القَضاءُ النَّبَوِيُّ عَلى جَوازِ وطْءِ الإماءِ الوَثَنِيّاتِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَإنَّ سَبايا أُوطاسٍ لَمْ يَكُنْ كِتابِيّاتٍ، ولَمْ يَشْتَرِطْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وطْئِهِنَّ إسْلامَهُنَّ، ولَمْ يَجْعَلِ المانِعَ مِنهُ إلّا الِاسْتِبْراءَ فَقَطْ، وتَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ مُمْتَنِعٌ مَعَ أنَّهم حَدِيثُو عَهْدٍ بِالإسْلامِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ حُكْمُ هَذِهِ المَسْألَةِ وحُصُولُ الإسْلامِ مِن جَمِيعِ السَّبايا، وكُنَّ عِدَّةَ آلافٍ بِحَيْثُ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنهُنَّ عَنِ الإسْلامِ جارِيَةٌ واحِدَةٌ مِمّا يُعْلَمُ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ، فَإنَّهُنَّ لَمْ يُكْرَهْنَ عَلى الإسْلامِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مِنَ البَصِيرَةِ والرَّغْبَةِ والمَحَبَّةِ في الإسْلامِ ما يَقْتَضِي مُبادَرَتَهُنَّ إلَيْهِ جَمِيعًا، فَمُقْتَضى السُّنَّةِ وعَمَلِ الصَّحابَةِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَعْدَهُ جَوازُ وطْءِ المَمْلُوكاتِ عَلى أيِّ دِينٍ كُنَّ، وهَذا مَذْهَبُ طاوُسٍ وغَيْرِهِ، وقَوّاهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“ فِيهِ ورَجَّحَ أدِلَّتَهُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ا هـ كَلامُ ابْنِ القَيِّمِ بِلَفْظِهِ وهو واضِحٌ جِدًّا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا العَذابَ الَّذِي عَلى المُحْصَناتِ وهُنَّ الحَرائِرُ الَّذِي نِصْفُهُ عَلى الإماءِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ جِلْدٌ مِائَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فَيُعْلَمُ مِنهُ أنَّ عَلى الأمَةِ الزّانِيَةِ خَمْسِينَ جَلْدَةً ويَلْحَقُ بِها العَبْدُ الزّانِي فَيُجْلَدُ خَمْسِينَ، فَعُمُومُ الزّانِيَةِ مَخْصُوصٌ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وعُمُومُ الزّانِي مَخْصُوصٌ بِالقِياسِ عَلى المَنصُوصِ؛ لِأنَّهُ لا فارِقَ البَتَّةَ بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ إلّا الرِّقَّ، فَعُلِمَ أنَّهُ سَبَبُ تَشْطِيرِ الجَلْدِ فَأجْرى في العَبْدِ لِاتِّصافِهِ بِالرِّقِّ الَّذِي هو مَناطُ تَشْطِيرِ الجَلْدِ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ مِن أمْثِلَةِ تَخْصِيصِ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ، بِناءً عَلى أنَّ نَوْعَ تَنْقِيحِ المَناطِ المَعْرُوفِ بِإلْغاءِ الفارِقِ يُسَمّى قِياسًا، والخِلافُ في كَوْنِهِ قِياسًا مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ. أمّا الرَّجْمُ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَتَشَطَّرُ، فَلَمْ يَدْخُلْ في المُرادِ بِالآيَةِ.
تَنْبِيهٌ
قَدْ عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّ التَّحْقِيقَ في مَعْنى أُحْصِنَّ أنَّ المُرادَ بِهِ تَزَوَّجْنَ، وذَلِكَ هو (p-٢٤٠)مَعْناهُ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ قِراءَتُهُ بِالبِناةِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ، خِلافًا لِما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن أنَّ مَعْنى قِراءَةِ أحْصَنَّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والصّادِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أسْلَمْنَ، وأنَّ مَعْنى أُحْصِنَّ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ زُوِّجْنَ، وعَلَيْهِ فَيُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] أنَّ الأمَةَ الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ لا حَدَّ عَلَيْها إذا زَنَتْ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ حَدَّها في الآيَةِ بِالإحْصانِ، وتَمَسَّكَ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ ابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ، وعَطاءٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ، وداوُدُ بْنُ عَلِيٍّ في رِوايَةٍ فَقالُوا: لا حَدَّ عَلى مَمْلُوكَةٍ حَتّى تَتَزَوَّجَ، والجَوابُ عَنْ هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ مَفْهُومَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِ إجْمالٌ وقَدْ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، وإيضاحُهُ أنَّ تَعْلِيقَ جَلْدِ الخَمْسِينَ المَذْكُورَ في الآيَةِ عَلى إحْصانِ الأمَةِ، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الأمَةَ الَّتِي لَمْ تُحْصَنْ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَقَطْ، فَيُحْتَمَلُ أنَّها لا تُجْلَدُ، ويُحْتَمَلُ أنَّها تُجْلَدُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ أوْ أقَلَّ أوْ تُرْجَمُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُحْتَمَلاتِ، ولَكِنَّ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ غَيْرَ المُحْصَنَةِ مِنَ الإماءِ كَذَلِكَ، لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ المُحْصَنَةِ، والحِكْمَةُ في التَّعْبِيرِ بِخُصُوصِ المُحْصَنَةِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّها تُرْجَمُ كالحُرَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وزَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالا: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الأمَةِ إذا زَنَتْ، ولَمْ تُحْصَنْ قالَ: ”إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها ثُمَّ بِيعُوها ولَوْ بِضَفِيرٍ»“ .
قالَ ابْنُ شِهابٍ: لا أدْرِي أبْعَدَ الثّالِثَةِ، أوِ الرّابِعَةِ، وحَمْلُ الجَلْدِ في الحَدِيثِ عَلى التَّأْدِيبِ غَيْرُ ظاهِرٍ، لا سِيَّما وفي بَعْضِ الرِّواياتِ التَّصْرِيحُ بِالحَدِّ، فَمَفْهُومُ هَذِهِ الآيَةِ هو بِعَيْنِهِ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وأجابَ فِيهِ بِالأمْرِ بِالجَلْدِ في هَذا الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ السّائِلَ ما سَألَهُ إلّا لِأنَّهُ أُشْكِلَ عَلَيْهِ مَفْهُومُ هَذِهِ الآيَةِ فالحَدِيثُ نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولَوْ كانَ جَلْدُ غَيْرِ المُحْصَنَةِ أكْثَرَ أوْ أقَلَّ مِن جَلْدِ المُحْصَنَةِ لَبَيَّنَهُ ﷺ .
وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ الأقْوالَ المُخالِفَةَ لِهَذا لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن وافَقَهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا، وكالقَوْلِ بِأنَّ غَيْرَ المُحْصَنَةِ تُجْلَدُ مِائَةً، وهو المَشْهُورُ عَنْ داوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظّاهِرِيِّ، ولا يَخْفى بَعْدَهُ وكالقَوْلِ بِأنَّ الأمَةَ المُحْصَنَةَ تُرْجَمُ وغَيْرُ المُحْصَنَةِ تُجْلَدُ خَمْسِينَ، وهو قَوْلُ أبِي ثَوْرٍ، ولا يَخْفى شِدَّةُ بُعْدِهِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإماءَ إذا زَنَيْنَ جُلِدْنَ خَمْسِينَ جَلْدَةً وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى أنَّ كُلَّ زانِيَةٍ تُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخَصِّصَةٌ لِآيَةِ ”النُّورِ“، لِأنَّهُ لا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ.
4:26Page 82
يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٦
Allāh wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allāh is Knowing and Wise.
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ ٦ ] .
وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٨]، ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ اخْتِلافًا مُبِينًا عَلى الِاخْتِلافِ في حُكْمِ هَذِهِ المَسْألَةِ.
فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا إنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنا فَهو شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ مِن شَرْعِنا عَلى نَسْخِهِ، لِأنَّهُ ما ذُكِرَ لَنا في شَرْعِنا إلّا لِأجْلِ الِاعْتِبارِ والعَمَلِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَوَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ أنَّ شَرائِعَ الرُّسُلِ رُبَّما يُنْسَخُ في بَعْضِها حُكْمٌ كانَ في غَيْرِها أوْ يُزادُ في بَعْضِها حُكْمٌ لَمْ يَكُنْ في غَيْرِها.
(p-٢٥٢)فالشِّرْعَةُ إذَنْ إمّا بِزِيادَةِ أحْكامٍ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً قَبْلُ وإمّا بِنَسْخِ شَيْءٍ كانَ مَشْرُوعًا قَبْلُ، فَتَكُونُ الآيَةُ لا دَلِيلَ فِيها عَلى أنَّ ما ثَبَتَ بِشَرْعِنا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يُنْسَخْ أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْعِنا لِأنَّ زِيادَةَ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ أوْ نَسْخَ ما كانَ مِن قَبْلُ كِلاهُما لَيْسَ مِن مَحَلِّ النِّزاعِ.
وَأمّا عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ: أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا لَيْسَ شَرْعًا لَنا إلّا بِنَصٍّ مِن شَرْعِنا أنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنا.
فَوَجْهُ الجَمْعِ أنَّ المُرادَ بِسُنَنِ مَن قَبْلَنا وبِالهُدى في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أُصُولُ الدِّينِ الَّتِي هي التَّوْحِيدُ لا الفُرُوعُ العِلْمِيَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ الآيَةَ.
وَلَكِنَّ هَذا الجَمْعَ الَّذِي ذَهَبَتْ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”ص“ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ «سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ أخَذْتَ السَّجْدَةَ في ”ص“ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَسَجَدَها داوُدُ فَسَجَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، ومَعْلُومٌ أنَّ سُجُودَ التِّلاوَةِ مِنَ الفُرُوعِ لا مِنَ الأُصُولِ، وقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَها اقْتِداءٍ بِداوُدَ، وقَدْ بَيَّنْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ بَيانًا شافِيًا في رِحْلَتِي، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها هُنا.
4:27Page 83
وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا ٢٧
Allāh wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.
No commentary for this ayah
4:28Page 83
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨
And Allāh wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.
No commentary for this ayah
4:29Page 83
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩
O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.
No commentary for this ayah
4:30Page 83
وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠
And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allāh, is [always] easy.
No commentary for this ayah
4:31Page 83
إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ٣١
If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences