Ash-ShinqitiGhafir · 40:18–46

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:18–46

40:18Page 469

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ ١٨

And warn them, [O Muḥammad], of the Approaching Day, when hearts are at the throats, filled [with distress]. For the wrongdoers there will be no devoted friend and no intercessor [who is] obeyed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ . الإنْذارُ، والإعْلامُ المُقْتَرِنُ بِتَهْدِيدٍ خاصَّةً، فَكُلُّ إنْذارٍ إعْلامٌ، ولَيْسَ كُلُّ إعْلامٍ إنْذارًا.

وَقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى الإنْذارِ وأنْواعَهُ في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢] .

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ هُنا: يَوْمَ الآزِفَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِلْإنْذارِ لا ظَرْفَ لَهُ؛ لِأنَّ الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ واقِعٌ في دارِ الدُّنْيا. والآزِفَةُ القِيامَةُ. أيْ: أنْذِرْهم يَوْمَ القِيامَةِ، بِمَعْنى خَوِّفْهم إيّاهُ وهَدِّدْهم بِما فِيهِ مِنَ الأهْوالِ العِظامِ لِيَسْتَعِدُّوا لِذَلِكَ في الدُّنْيا بِالإيمانِ والطّاعَةِ.

وَإنَّما عَبَّرَ عَنِ القِيامَةِ بِـ الآزِفَةِ لِأجْلِ أُزُوفِها أيْ: قُرْبِها، والعَرَبُ تَقُولُ: أزِفَ التَّرَحُّلُ بِكَسْرِ الزّايِ، يَأْزَفُ بِفَتْحِها، أزَفًا بِفَتْحَتَيْنِ، عَلى القِياسِ، وأُزُوفًا فَهو آزِفٌ، عَلى غَيْرِ قِياسِ، في المَصْدَرِ الأخِيرِ، والوَصْفُ بِمَعْنى قَرُبَ وقْتُهُ وحانَ وُقُوعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:

؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ

وَيُرْوى أفِدَ التَّرَحُّلُ، ومَعْناهُما واحِدٌ.

والمَعْنى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ القَرِيبُ مَجِيؤُها ووُقُوعُها.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنِ اقْتِرابِ قِيامِ السّاعَةِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧ - ٥٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ الآيَةَ [القمر: ١] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١] .

• وقَوْلِهِ تَعالى في الأحْزابِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]

• وقَوْلِهِ تَعالى في الشُّورى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] .

(p-٣٨١)

وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ الظّاهِرُ فِيهِ أنَّ إذْ بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، وعَلَيْهِ فَهو مِن قَبِيلِ المَفْعُولِ بِهِ لا المَفْعُولِ فِيهِ، كَما بَيَّنّا آنِفًا.

والقُلُوبُ: جَمْعُ قَلْبٍ وهو مَعْرُوفٌ.

وَلَدى: ظَرْفٌ بِمَعْنى عِنْدَ.

والحَناجِرُ: جَمْعُ حَنْجَرَةٍ وهي مَعْرُوفَةٌ.

وَمَعْنى كَوْنِ القُلُوبِ لَدى الحَناجِرِ، في ذَلِكَ الوَقْتِ فِيهِ لِعُلَماءِ التَّفْسِيرِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ:

أحَدُهُما: ما قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ؛ مِن أنَّ قُلُوبَهم يَوْمَئِذٍ تَرْتَفِعُ مِن أماكِنِها في الصُّدُورِ، حَتّى تَلْتَصِقَ بِالحُلُوقِ، فَتَكُونُ لَدى الحَناجِرِ، فَلا هي تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ فَيَمُوتُوا، ولا هي تَرْجِعُ إلى أماكِنِها في الصُّدُورِ فَيَتَنَفَّسُوا. وهَذا القَوْلُ هو ظاهِرُ القُرْآنِ.

والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ بِكَوْنِ القُلُوبِ لَدى الحَناجِرِ، بَيانُ شِدَّةِ الهَوْلِ، وفَظاعَةِ الأمْرِ، وعَلَيْهِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا [الأحزاب: ١٠ - ١١] وهو زِلْزالُ خَوْفٍ وفَزَعٍ لا زِلْزالُ حَرَكَةِ الأرْضِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: كاظِمِينَ مَعْناهُ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وغَمًّا وحُزْنًا.

والكَظْمُ: تَرَدُّدُ الخَوْفِ والغَيْظِ والحُزْنِ في القَلْبِ حَتّى يَمْتَلِئَ مِنهُ، ويَضِيقَ بِهِ.

والعَرَبُ تَقُولُ: كَظَمْتُ السِّقاءَ إذا مَلَأْتُهُ ماءً، وشَدَدْتُهُ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ كاظِمِينَ، أيْ ساكِتِينَ، لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ الخَوْفَ والغَمَّ الَّذِي مَلَأ قُلُوبَهم يَمْنَعُهم مِنَ الكَلامِ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ومِن إطْلاقِ الكَظْمِ عَلى السُّكُوتِ (p-٣٨٢)قَوْلُ العَجّاجِ:

؎وَرُبَّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ∗∗∗ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ

وَيَرْجِعُ إلى هَذا القَوْلِ مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: كاظِمِينَ أيْ: لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ اللَّهُ، وقالَ الصَّوابَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] .

وَقَوْلُهُ: كاظِمِينَ حالٌ مِن أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى. والتَّقْدِيرُ: إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ، أيْ: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ في حالِ كَوْنِهِمْ كاظِمِينَ، أيْ: مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وغَمًّا وحُزْنًا، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن نَفْسِ القُلُوبِ؛ لِأنَّها وُصِفَتْ بِالكَظْمِ الَّذِي هو صِفَةُ أصْحابِها.

وَنَظِيرُ ذَلِكَ في القُرْآنِ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] فَإنَّهُ أطْلَقَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، عَلى الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ صِفَةَ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾، والمُسَوِّغُ لِذَلِكَ وصْفُهُ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ بِصِفَةِ العُقَلاءِ الَّتِي هي السُّجُودُ.

وَنَظِيرُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ، وأحَلْنا عَلَيْهِ مِرارًا.

40:19Page 469

يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩

He knows that which deceives the eyes and what the breasts conceal.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ما يُماثِلُهُ مِنَ الآياتِ في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ وفي غَيْرِها وأحَلْنا عَلَيْهِ أيْضًا مِرارًا.

40:20Page 469

وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٢٠

And Allāh judges with truth, while those they invoke1 besides Him judge not with anything. Indeed, Allāh - He is the Hearing, the Seeing.

No commentary for this ayah

40:21Page 469

۞ أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٢١

Have they not traveled through the land and observed how was the end of those who were before them? They were greater than them in strength and in impression on the land, but Allāh seized them for their sins. And they had not from Allāh any protector.

No commentary for this ayah

40:22Page 469

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٢

That was because their messengers were coming to them with clear proofs, but they disbelieved, so Allāh seized them. Indeed, He is Powerful and severe in punishment.

No commentary for this ayah

40:23Page 469

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٢٣

And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ أرْسَلَ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِآياتِهِ وحُجَجِهِ الواضِحَةِ كالعَصا واليَدِ البَيْضاءِ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ (p-٣٨٣)فَكَذَّبُوهُ، وزَعَمُوا أنَّهُ ساحِرٌ.

وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى، في آياتٍ كَثِيرَةٍ

• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ١٣٢]،

• وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤]

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وقَدْ بَيَّنّاها في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.

40:24Page 469

إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ ٢٤

To Pharaoh, Hāmān and Qārūn, but they said, "[He is] a magician and a liar."

No commentary for this ayah

40:25Page 469

فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ٢٥

And when he brought them the truth from Us, they said, "Kill the sons of those who have believed with him and keep their women alive." But the plan of the disbelievers is not except in error.

No commentary for this ayah

40:26Page 470

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦

And Pharaoh said, "Let me kill Moses and let him call upon his Lord. Indeed, I fear that he will change your religion or that he will cause corruption1 in the land."

No commentary for this ayah

40:27Page 470

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧

But Moses said, "Indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord from every arrogant one who does not believe in the Day of Account."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، عاذَ بِرَبِّهِ، أيِ: اعْتَصَمَ بِهِ، وتَمْنَّعُ مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ، أيْ: مُتَّصِفٍ بِالكِبْرِ، لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ، أيْ لا يُصَدِّقُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ.

وَسَبَبُ عِياذِ مُوسى بِرَبِّهِ المَذْكُورِ، أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافر: ٢٦] .

فَعِياذُ مُوسى المَذْكُورُ بِاللَّهِ إنَّما هو في الحَقِيقَةِ مِن فِرْعَوْنَ، وإنْ كانَتِ العِبارَةُ أعَمَّ مِن خُصُوصِ فِرْعَوْنَ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا شَكَّ أنَّهُ مُتَكَبِّرٌ، لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ فَهو داخِلٌ في الكَلامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وهو المَقْصُودُ بِالكَلامِ.

وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في آيَةِ المُؤْمِنِ هَذِهِ، مِن عِياذِ مُوسى بِاللَّهِ مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ كَفِرْعَوْنَ وعُتاةِ قَوْمِهِ، ذَكَرَ نَحْوَهُ في سُورَةِ الدُّخانِ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْ مُوسى مُخاطِبًا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ: ﴿وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٢٠] .

40:28Page 470

وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨

And a believing man from the family of Pharaoh who concealed his faith said, "Do you kill a man [merely] because he says, 'My Lord is Allāh' while he has brought you clear proofs from your Lord? And if he should be lying, then upon him is [the consequence of] his lie; but if he should be truthful, there will strike you some of what he promises you. Indeed, Allāh does not guide one who is a transgressor and a liar.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ رَجُلًا مُؤْمِنًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أيْ: يُخْفِي عَنْهم أنَّهُ مُؤْمِنٌ، أنْكَرَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إرادَتَهم قَتْلَ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ (p-٣٨٤)وَعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الآيَةَ [غافر: ٢٦] . مَعَ أنَّهُ لا ذَنْبَ لَهُ، يَسْتَحِقُّ بِهِ القَتْلَ، إلّا أنَّهُ يَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ.

وَقَدْ بَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ مِن عادَةِ المُشْرِكِينَ قَتْلَ المُسْلِمِينَ، والتَّنْكِيلَ بِهِمْ، وإخْراجَهم مِن دِيارِهِمْ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ، إلّا أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَقُولُونَ: رَبُّنا اللَّهُ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى في أصْحابِ الأُخْدُودِ، الَّذِينَ حَرَّقُوا المُؤْمِنِينَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٤ - ٨]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: عَنِ الَّذِينَ كانُوا سَحَرَةً لِفِرْعَوْنَ، وصارُوا مِن خِيارِ المُؤْمِنِينَ، لَمّا هَدَّدَهم فِرْعَوْنُ قائِلًا: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٤] أنَّهم أجابُوهُ، بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهم، في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ [الأعراف: ١٢٥ - ١٢٦]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والتَّحْقِيقُ أنَّ الرَّجُلَ المُؤْمِنَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن جَماعَةِ فِرْعَوْنَ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ .

فَدَعْوى أنَّهُ إسْرائِيلِيٌّ وأنَّ في الكَلامِ تَقِدِيمًا وتَأْخِيرًا. وأنَّ مِن آلِ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَكْتُمُ)، أيْ وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أيْ يُخْفِي إيمانَهُ عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ خِلافَ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى.

وَقِيلَ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ المُؤْمِنَ هو الَّذِي قالَ لِمُوسى: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ﴾ [القصص: ٢٠] وقِيلَ غَيْرُهُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في اسْمِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا فَقِيلَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ حِزْقِيلُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولا دَلِيلَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

والظّاهِرُ في إعْرابِ المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مَن أنْ وصِلَتِها في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.

(p-٣٨٥)وَقالَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنا الأوْزاعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: أخْبِرْنِي بِأشَدِّ ما صَنَعَ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِفَناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِهِ، ودَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ ؟ قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم» .

40:29Page 470

يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩

O my people, sovereignty is yours today, [your being] dominant in the land. But who would protect us from the punishment of Allāh if it came to us?" Pharaoh said, "I do not show you except what I see, and I do not guide you except to the way of right conduct."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ أرى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عِلْمِيَّةٌ عِرْفانِيَّةٌ، تَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

لِعِلْمِ عِرْفانٍ وظَنِّ تُهْمَهْ تَعْدِيَةٌ لِواحِدٍ مُلْتَزَمَهْ

وَعَلَيْهِ فالمَعْنى: قالَ فِرْعَوْنُ ما أُعَلِّمُكم وأُعَرِّفُكم مِن حَقِيقَةِ مُوسى وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَلَ، خَوْفَ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم، ويُظْهِرَ الفَسادَ في أرْضِكم، إلّا ما أرى، أيْ: أعْلَمُ وأعْرِفُ أنَّهُ الحَقُّ والصَّوابُ فَما أُخْفِي عَنْكم خِلافَ ما أُظْهِرُهُ لَكم، وما أهْدِيكم بِهَذا إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ، أيْ: طَرِيقَ السَّدادِ والصَّوابِ.

وَهَذانَ الأمْرانِ اللَّذانِ ذَكَرَ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَهُما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، قَدْ بَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ فِرْعَوْنَ كاذِبٌ في كُلٍّ واحِدٍ مِنهُما.

أمّا الأوَّلُ مِنهُما وهو قَوْلُهُ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ فَقَدْ بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهُ فِيهِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ، وأوْضَحَ فِيها أنَّهُ يَعْلَمُ ويَتَيَقَّنُ أنَّ الآياتِ الَّتِي جاءَهُ بِها مُوسى حَقٌّ، وأنَّها ما أنْزَلَها إلّا اللَّهُ، وأنَّهُ جَحَدَها هو ومَنِ اسْتَيْقَنَها مَعَهُ مِن قَوْمِهِ لِيَسْتَخِفُّوا بِها عُقُولَ الجَهَلَةِ مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّمْلِ: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٢ - ١٤] .

(p-٣٨٦)فَقَوْلُهُ تَعالى: في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ كاذِبٌ في قَوْلِهِ: ما أُرِيكم إلّا ما أرى.

وَكَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَقَوْلُ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُؤَكِدًا إخْبارَهُ بِأنَّ فِرْعَوْنَ عالِمٌ بِذَلِكَ بِالقَسَمِ، وقَدْ دَلَّ أيْضًا عَلى أنَّهُ كاذِبٌ في قَوْلِهِ: ما أُرِيكم إلّا ما أرى.

وَكانَ غَرَضُ فِرْعَوْنَ بِهَذا الكَذِبِ التَّدْلِيسَ والتَّمْوِيهَ؛ لِيَظُنَّ جَهَلَةُ قَوْمِهِ أنَّ مَعَهُ الحَقَّ، كَما أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] .

وَأمّا الأمْرُ الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿وَما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ فَقَدْ بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهُ فِيهِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي، مِن قَتْلِ مُوسى. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

40:30Page 470

وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ٣٠

And he who believed said, "O my people, indeed I fear for you [a fate] like the day of the companies1 -

No commentary for this ayah

40:31Page 470

مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ ٣١

Like the custom of the people of Noah and of ʿAad and Thamūd and those after them. And Allāh wants no injustice for [His] servants.

No commentary for this ayah

40:32Page 470

وَيَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلتَّنَادِ ٣٢

And O my people, indeed I fear for you the Day of Calling1 -

No commentary for this ayah

40:33Page 470

يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣

The Day you will turn your backs fleeing; there is not for you from Allāh any protector. And whoever Allāh sends astray - there is not for him any guide.

No commentary for this ayah

40:34Page 471

وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ ٣٤

And Joseph had already come to you before with clear proofs, but you remained in doubt of that which he brought to you, until when he died, you said, 'Never will Allāh send a messenger after him.' Thus does Allāh leave astray he who is a transgressor and skeptic."

No commentary for this ayah

40:35Page 471

ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ ٣٥

Those who dispute concerning the signs of Allāh without an authority1 having come to them - great is hatred [of them] in the sight of Allāh and in the sight of those who have believed. Thus does Allāh seal over every heart [belonging to] an arrogant tyrant.

No commentary for this ayah

40:36Page 471

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ ٣٦

And Pharaoh said, "O Hāmān, construct for me a tower that I might reach the ways1 -

No commentary for this ayah

40:37Page 471

أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ ٣٧

The ways into the heavens - so that I may look at the deity of Moses; but indeed, I think he is a liar." And thus was made attractive to Pharaoh the evil of his deed, and he was averted from the [right] way. And the plan of Pharaoh was not except in ruin.

No commentary for this ayah

40:38Page 471

وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٣٨

And he who believed said, "O my people, follow me; I will guide you to the way of right conduct.

No commentary for this ayah

40:39Page 471

يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ ٣٩

O my people, this worldly life is only [temporary] enjoyment, and indeed, the Hereafter - that is the home of [permanent] settlement.

No commentary for this ayah

40:40Page 471

مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٤٠

Whoever does an evil deed will not be recompensed except by the like thereof; but whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - those will enter Paradise, being given provision therein without account.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وأمْثالُها مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَنْ أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُضاعَفُ ولا تُجْزى إلّا بِمِثْلِها، بَيَّنَها وبَيَّنَ الآياتِ الأُخْرى الدّالَّةِ عَلى أنَّ السَّيِّئاتِ رُبَّما ضُوعِفَتْ في بَعْضِ الأحْوالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في نَبِيِّنا ﷺ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥] وقَوْلِهِ تَعالى في نِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [ ٣٣ ] إشْكالٌ مَعْرُوفٌ.

وَقَدْ قَدَّمْنا الجَوابَ عَنْهُ مُوَضَّحًا في سُورَةِ النَّمْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (p-٣٨٧)قَدْ أوْضَحْنا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وبَيَّنّا العَمَلَ الصّالِحَ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، وأوْضَحْنا الآياتِ المُبَيِّنَةَ لِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ، في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، في سُورَةِ النَّحْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] . وفي أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٢ - ٣] .

40:41Page 472

۞ وَيَٰقَوۡمِ مَا لِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١

And O my people, how is it that I invite you to salvation while you invite me to the Fire?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ تَدْعُونَنِي ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ والإشْراكِ بِهِ دَعْوَةٌ إلى النّارِ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الكُفْرَ والإشْراكَ بِاللَّهِ مُسْتَوْجِبٌ لِدُخُولِ النّارِ، بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقَدْ قَدَّمْنا ما فِيهِ كِفايَةٌ مِن ذَلِكَ، في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٣١] .

40:42Page 472

تَدۡعُونَنِي لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡغَفَّٰرِ ٤٢

You invite me to disbelieve in Allāh and associate with Him that of which I have no knowledge, and I invite you to the Exalted in Might, the Perpetual Forgiver.1

No commentary for this ayah

40:43Page 472

لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣

Assuredly, that to which you invite me has no [response to a] supplication in this world or in the Hereafter; and indeed, our return is to Allāh, and indeed, the transgressors will be companions of the Fire.

No commentary for this ayah

40:44Page 472

فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٤٤

And you will remember what I [now] say to you, and I entrust my affair to Allāh. Indeed, Allāh is Seeing of [His] servants."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ . التَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّ هَذا الكَلامَ مِن كَلامِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ، ولَيْسَ لِمُوسى فِيهِ دَخْلٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾، يَعْنِي أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ صِحَّةَ ما كانَ يَقُولُ لَهم، ويَذْكُرُونَ نَصِيحَتَهُ، فَيَنْدَمُونَ حَيْثُ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى مِثْلِ هَذا مِن أنَّ الكُفّارَ تَنْكَشِفُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا - كَثِيرَةٌ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٦ - ٦٧]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبإ: ٤ - ٥]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣ - ٤] . (p-٣٨٨)

• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٤ - ٤٥] دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ التَّوَكُّلَ الصّادِقَ عَلى اللَّهِ، وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلَيْهِ سَبَبٌ لِلْحِفْظِ والوِقايَةِ مِن كُلِّ سُوءٍ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الفاءَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، كَقَوْلِهِمْ: سَها فَسَجَدَ، أيْ: سَجَدَ لِعِلَّةِ سَهْوِهِ، وسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، أيْ: لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِ، كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن كَوْنِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ سَبَبًا لِلْحِفْظِ، والوِقايَةِ مِنَ السُّوءِ، جاءَ مُبِيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤] .

وَقَدْ ذَكَرْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ بِكَثْرَةٍ، في أوَّلِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ‎وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢] .

والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: ﴿سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥] مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَكْرِهِمْ، أيْ: أضْرارَ مَكْرِهِمْ وشَدائِدَهُ، والمَكْرُ: الكَيْدُ.

فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أرادُوا أنْ يَمْكُرُوا بِهَذا المُؤْمِنِ الكَرِيمِ وأنَّ اللَّهَ وقاهُ، أيْ حَفِظَهُ ونَجّاهُ، مِن أضْرارِ مَكْرِهِمْ وشَدائِدِهِ بِسَبَبِ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ، وتَفْوِيضِهِ أمْرَهُ إلَيْهِ.

وَبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: نَجّاهُ اللَّهُ مِنهم مَعَ مُوسى وقَوْمِهِ وبَعْضُهم يَقُولُ: صَعِدَ جَبَلًا فَأعْجَزَهُمُ اللَّهُ عَنْهُ ونَجّاهُ مِنهم، وكُلُّ هَذا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وغايَةُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّ اللَّهَ وقاهُ سَيِّئاتِ مَكْرِهِمْ، أيْ حَفِظَهُ ونَجّاهُ مِنها.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم لَمّا أرادُوا أنْ يَمْكُرُوا بِهَذا المُؤْمِنِ وقاهُ اللَّهُ مَكْرَهم، ورَدَّ العاقِبَةَ السَّيِّئَةَ عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ سُوءَ مَكْرِهِمْ إلَيْهِمْ، فَكانَ المُؤْمِنُ المَذْكُورُ ناجِيًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ هالِكِينَ (p-٣٨٩)فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ والبَرْزَخِ.

فَقالَ في هَلاكِهِمْ في الدُّنْيا: ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، وأمْثالَها مِنَ الآياتِ.

وَقالَ في مَصِيرِهِمْ في البَرْزَخِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] .

وَقالَ في عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] .

وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن حَيْقِ المَكْرِ السَّيِّئِ بِالماكِرِ أوْضَحَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] .

والعَرَبُ تَقُولُ حاقَ بِهِ المَكْرُوهُ يَحِيقُ بِهِ حَيْقًا وحُيُوقًا، إذا نَزَلَ بِهِ وأحاطَ بِهِ، ولا يُطْلَقُ إلّا عَلى إحاطَةِ المَكْرُوهِ خاصَّةً.

يُقالُ: حاقَ بِهِ السُّوءُ والمَكْرُوهُ، ولا يُقالُ: حاقَ بِهِ الخَيْرُ، فَمادَّةُ الحَيْقِ مِنَ الأجْوَفِ الَّذِي هو يائِيُّ العَيْنِ، والوَصْفُ مِنهُ حائِقٌ عَلى القِياسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَأوْطَأ جُرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيارِهِمْ وحاقَ بِهِمْ مِن بَأْسِ ضَبَّةَ حائِقُ

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ وزْنَ السَّيِّئَةِ بِالمِيزانِ الصَّرْفِيِّ فَيْعَلَةٌ مِنَ السُّوءِ، فَأُدْغِمَتْ ياءُ الفَيْعَلَةِ الزّائِدَةِ في الواوِ، الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ، بَعْدَ إبْدالِ الواوِ ياءً عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ المُشارِ إلَيْها، في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎إنْ يَسْكُنِ السّابِقُ مِن واوٍ ويا ∗∗∗ واتَّصَلا ومِن عُرُوضٍ عَرِيا ∗∗∗ فَياءُ الواوِ فَلَيِّنْ مُدْغِما ∗∗∗ وشَذَّ مُعْطِي غَيْرَ ما قَدْ رُسِما

40:45Page 472

فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥

So Allāh protected him from the evils they plotted, and the people of Pharaoh were enveloped by the worst of punishment -

No commentary for this ayah

40:46Page 472

ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ٤٦

The Fire; they are exposed to it morning and evening.1 And the Day the Hour appears [it will be said], "Make the people of Pharaoh enter the severest punishment."

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском